القاضي عياض - ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ت بكير
full-text— · 9 entries
- exact linked passagemedium confidencepage 310, entry [129]6,251 chars
ذكر ولايته القضاء وسيرته قال الشيرازي: ولى الرشيد لابن غانم قضاء أفريقية. وقيل ولاه أمير أفريقية روح بن حاتم المهلبي. أشار عليه ابن فروخ الفقيه لما امتنع هو أن يلي. وقيل أن أبا يوسف قال لروح عند خروجه إلى القيروان: أن بمدينة القيروان فتى يقال له عبد الله بن غانم، فقد فقه فوله قضاء أفريقية. وكانت ولا…
▸ expand full passage (6,251 chars)ذكر ولايته القضاء وسيرته قال الشيرازي: ولى الرشيد لابن غانم قضاء أفريقية. وقيل ولاه أمير أفريقية روح بن حاتم المهلبي. أشار عليه ابن فروخ الفقيه لما امتنع هو أن يلي. وقيل أن أبا يوسف قال لروح عند خروجه إلى القيروان: أن بمدينة القيروان فتى يقال له عبد الله بن غانم، فقد فقه فوله قضاء أفريقية. وكانت ولايته في رجب سنة إحدى وسبعين ومائة، وهو ابن اثنتين وأربعين سنة في حياة مالك رحمه الله تعالى. ولما بلغت مالكًا ولايته سر بها، وأعلم بذلك أصحابه. ولما أتاه ابن أبي حسان سأل عن ذلك ابن أبي حسان فأعلمه فقال ما ذلك كثير له. وكان الرشيد يكاتبه فكان يعد قضاؤه قبله. وتشاجر أصحاب ابن غانم في ولايته فقال بعضهم: هي من المسودة (كذا) دون أمير المؤمنين. فقال أبو عثمان المعافري: امرأته طالق ثلاثًا ومماليكه أحرار، إن كان ولاه إلا أمير المؤمنين، ثم جاء إلى ابن غانم فأخبره الخبر، فقال لا يا أبا عثمان، كم صداق امرأتك؟ فقال مائتا دينار. قال خذها فقد بانت منك امرأتك واعتق مماليكك. ولم يزل ابن غانم على القضاء إلى أن توفي، فكانت ولايته نحوًا من تسعة عشر عامًا. وكان ابن غانم يوجه أبا عثمان هذا بمسائله أيام قضائه إلى مالك فيما ينزل به من نوازل الخصوم، فيأخذ له عليها الأجوبة، وكان يكتب إلى كنانة فيأخذ له الأجوبة من مالك. وكان يكتب أيضًا إلى أبي يوسف. قال السيوري ولم يزل الأمر يتراقى بابن غانم في الرفعة والسمو في أحكامه وأموره، فكان من إكرام الخليفة له إذا كتب كتابًا لإبراهيم بن الأغلب يقول له فيه وأنا لا إفكلك كتابًا حتى يكون مع كتابك إلي كتاب ابن غانم. فكان إبراهيم أكثر الناس مداراة وتعظيمًا له، وكان ابن غانم يلبس من الثياب أرفعها ويجعل لخصومات النساء يومًا يجلس فيه للنظر بينهن، فيلبس يومئذ الفرو الخشن وخلق الثياب، وينظر ببصره إلى الأرض فلا يشك من لا يعرفه أنه أعمى، ويزيل الحجاب والكتاب عنه، وكان له حظ من صلاة الليل فإذا قضاها وجلس في التشهد آخرها عرض كل خصم يريد أن يحكم له، على ربه، يقول في مناجاته: يا رب فلان منازع فلانًا وادعى عليه بكذا فأنكر داعوه فسألته البينة فأتى ببينة شهدت بما ادعى، ثم سألته تزكيتها فأتاني بمن زكاهم وسألت عنهم في السر فذكر يعني خيرًا، وقد أشرفت أن آخذ له من صاحبه حقه الذي تبين لي أنه حق له، فإن كنت على صواب فثبتني وإن كنت على غير صواب فاصرفني، اللهم لا تسلمني. اللهم سلمني. فلا يزال يعرض الخصوم على ربه حتى يفرغ منهم. وابن غانم هذا هو الذي أوقف الأحمية التي كانت بمراسي أفريقية، لمرافق المرابطين. وكان ابن غانم إذا جلس رمى إليه الخصوم الشقاف فيها قصههم مكتوبة، فوجد يومًا شقفة فيها قصة النخاسين البغال فدعاهم، فأخبروه أن أبا هارون مولى إبراهيم بن الأغلب الأكبر صاحب أمره ابتاع منهم بغالًا بخمسمائة دينار، ولم يدفع لهم شيئًا. فضم ديوانه ونهض إلى إبراهيم، وكان قد أباح له الدخول عليه دون أذن، فكان القاضي إذا أتى تنحنح فإذا قيل له ادخل، دخل. ففعل كعادته، فسأله إبراهيم ما وصيته، فذكر له شأن المتظلمين. فأحضر أبا هارون فاعترف وقال حتى يجيء الخراج وقد بعثت في طلبه. فقال ابن غانم: لا أبرح حتى تدفع إليهم أموالهم. فما برح حتى دفعت إليهم. ودعا الأمير إبراهيم ابن الأغلب ابن غانم يومًا فقرأ عليه كتاب الرشيد يأمره بإحضار رجل يقال له حاتم الإبزاري، ويقول إن لفرج مولى أمير المؤمنين عليه عشرةآلاف دينار، ويأمر إبراهيم بقبضها ويوجهها مع رسول له خراساني. ويقول في آخر الكتاب: واحضر ابن غانم القاضي، وقد أحضر المطلوب ترعد فرائضه فلما أكمل إبراهيم قراءة الكتاب قال لابن غانم سمعت ما فيه؟ قال نعم. قال ابن غانم وما أحضرت إلا لتحمل علي قولي فيما في هذا الكتاب. قال إبراهيم: ولم أمرت بإحضارك. إذا قال فأول ذلك أن يثبت الرسول بعدلين استخلاف أمير المؤمنين له على قبض هذا، وأن المال لأمير المؤمنين أو لمولاه، فقال الرسول ويكتب أمير المؤمنين بالباطل؟ قال معاذ الله، أمير المؤمنين أكرم أن يأخذ مالًا من غير حله، ولكن قد تنخرق الأشياء دونه. قال الخراساني ما تقول أيها الأمير؟ قال ما قال القاضي. وتحمل. فقام ابن غانم وحمل الإبزاري معه. فقال إبراهيم: ما أنفذ بصيرته وأمضى عزيمته. وراكب ابن غانم إبراهيم يومًا فزادت دابة إبراهيم في المشي فحول ابن غانم دابته، وعرج إلى داره، فعاتبه إبراهيم على ذلك، فقال ابن غانم أصلح الله الأمير إنما نفوذ أحكام القاضي على قدر جاهه، ولو ساعدتك وحركت دابتي سقطت قلنسوتي فلعب بها الصبيان. وراكبه مرة، فشق إبراهيم زرعًا فلم يسلك ابن غانم معه. ودخل عليه يومًا وفي يد إبراهيم قارورة فيها دهن يسير، قال كم تظن أيها القاضي يساوي هذا؟ قال تافه، فكم عسى أن يبلغ؟ قال إبراهيم فإن ثمنه كذا وكذا. قال ابن غانم: ما هو؟ قال السم. قال أرنيه. فدفع إليه إبراهيم القارورة ضرب بها عمودًا في المجلس فكسرها. ودعاه إبراهيم يومًا إلى صعود الصومعة فأبى، وقال: نكشف حرم المسلمين، فلم يصعد معه. ودخل يومًا على إبراهيم فوردت عليه كتب من الرشيد، فقرأ إبراهيم كتابه ثم دفعه إلى ابن غانمفقرأه ورده على إبراهيم. فقال له إبراهيم هات كتابك أقرأه قالا لا أفعل قال له: فلم قرأت أنت كتابي. قال أنت دفعته إلي ومددت يدك به فكرهت ردها. وقد اسر أمير المؤمنين في كتابه ما لا أريد أن أطلع عليه أحدًا. فقال له إبراهيم: أما علمت أن إبراهيم أمير أفريقية يقتل عبد الله قاضيها؟ فقال: يذكر ذلك. ولكن لست ذلك الأمير، هو ابنك ولست ذلك القاضي، هو غيري. فقدر أن الخبر بعد هذا، صدق في أبي العباس عبد الله بن طالب القاضي قتله الأمير إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم بعد هذا مسمومًا في سجنه. وسيأتي ذكره بعد هذا إن شاء الله. قال ابن غانم: دخلت مجلس إبراهيم بن الأغلب، إذ أشرف علينا إبراهيم فقام إليه من كان في البيت غيري. فجلس مغضبًا ثم قال لي: يا أبا عبد الرحمان ما منعك أن تقوم كما قام أخواك؟ فقلت أيها الأمير: حدثني مالك عن نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار. فنكس إبراهيم رأسه وأطرق. ومر رباح بن يزيد الزاهد وبيده قسط زيت على ابن غانم وهو قاض، فقال لها ابن غانم: احمله لك. فقال رباح شأنك. فرفع القسط إليه وجعل يشق به مجامع الناس فسلك به حوانيت البزازين حتى انتهى إلى داره. فقال رباح إنما فعلت هذا، لأنه بلغني عنك أنك تجد بنفسك، فأحببت أن أضع منك. فجزاه ابن غانم خيرًا وكان رباح بن يزيد يأتي كل يوم جمعة إلى ابن غانم فيدعوا. وكان نحيلًا دقيق العروق فجعل يومًا يدعو فاستضحك ابن غانم وتمادى رباح في الدعاء، وابن غانم في الضحك حتى نهض رباح فعذل ابن غانمجلساؤه في ذلك، وقالوا له: مثل رباح يضحك عليه؟ فقال لهم ابن غانم: امسكوا عني، إنما غمني أن العدو لما علم ما نحن فيه من الخير، أراد أن يقطعه بما رأيتم أو نحوه. فلما كان الجمعة جاء رباح فأخذ في الدعاء وهجم على ابن غانم من الرقة والخشوع أكثر ما كان منه، فلما قضى دعاءه قال ابن غانم جزاك الله خيرًا يا أبا يزيد. فقال له رباح قد علمت أن الذي كان منك إنما حركك عليه العدو ليقطع ما نحن فيه من الخير. ومر يومًا بالسوق والبهلول بن راشد يشتري لحمًا من جزار فنزل ابن غانم عن دابته وعانقه وقرب إليه دابته تعظيمًا له، فامتنع البهلول فأقسم عليه ابن غانم، فقال له أني اشتريت لحمًا قال احمله لك. فقال البهلول أني أجلك أن تمشي راجلًا فقال اركب خلفك. فركب البهلول على السرج وركب القاضي خلفه على كفل الدابة وقد حمل اللحم فشقا السماط حتى وصلا إلى دار البهلول فعجب الناس من تواضعه وشرفه.
- exact linked passagemedium confidencepage 485, entry [252]6,784 chars
ولايته القضاء وسيرته قال ابن القوطية: لما توفي المصعب بن عمران القاضي، استشار الأمير الحكم فيمن يستقضيه، فأجمع له وزراؤه وأعلام الناس، على محمد، بن بشير كاتب المصعب، وكان قد شهر عفافه واستقلاله بعهد المصعب، فولاه القضاء. فأثر على المصعب، وبعد في الفضل والعدل وصيته، وخلدت آثاره بعد. فلم يزل قاضيًا إل…
▸ expand full passage (6,784 chars)ولايته القضاء وسيرته قال ابن القوطية: لما توفي المصعب بن عمران القاضي، استشار الأمير الحكم فيمن يستقضيه، فأجمع له وزراؤه وأعلام الناس، على محمد، بن بشير كاتب المصعب، وكان قد شهر عفافه واستقلاله بعهد المصعب، فولاه القضاء. فأثر على المصعب، وبعد في الفضل والعدل وصيته، وخلدت آثاره بعد. فلم يزل قاضيًا إلى أن توفي فولي ابنه سعيد مكانه، قال ابن حارث: رأيت في بعض الكتب، أن ابن بشير لما وجه فيه، عدل في بعض طريقه إلى صديق له عابد، فنزل عليه، وتحدث معه في شأن نفسه، وتوقعه أنه وجه إليه في الكتابة التي قد تخلى عنها، فقال له صديقه: ما أرى بعث فيك إلا للقضاء. فقد مات قاضي قرطبة. فقال له ابن بشير: فإذا قبلتها فما ترى، فانصح لي وأشر علي. قال له العابد: أسألك عن ثلاثة أشياء فاصدقني فيها. كيف حبك لأكل الطيب، ولباس اللين، وركوب الغاره؟ فقال ابن بشير: والله ما أبالي ما رددت به جوعي، وسترت به عورتي، وحملت به رجلي، فقال هذه واحدة. فكيف حبك للوجوه الحسان وشبه هذا من الشهوات. فقال ابن بشير هذه حالة والله ما استشرقت نفسي إليها قط، ولا خطرتببالي. قال: هذه ثانية. كيف حبك للمدح والثناء وكراهتك للعزل، وحب الولاية. قال والله ما أبالي في الحق من مدحني أو ذمني وما أسرّ بالولاية ولا أستوحش للعزل. فقال له: أقبل القضاء، ولا بأس عليك. وذكر أن ابن بشير ولي القضاء بقرطبة مرتين، وكان بعض أخوانه يعتبه في صلابته في الحكومة، ويقول: أخشى عليك العزل. فكان يقول: ليته رأى الشقراء تقطع الطريق إلى ماردة، فما قضى إلا يسير حتى حدثت حادثة أظهر ابن بشير صلابته، فكانت سببًا لعزله. فانصرف لبلده كما تمنى. فما لبث إلا يسيرًا حتى أتى فيه بريد من قبل الأمير، فرفعه إلى قرطبة، فعدل في بعض الطريق إلى صديق له زاهد، فاجتمع معه، وقال له قد أرسل فيّ الأمير، وأظنه أنه يردني على القضاء ثانية. فما ترى؟ فقال له صديقه: إن كنت تعلم أنك تنفذ الحق على القريب، والبعيد ولا تأخذك في الله لومة لائم، فلست أرى لك أن تحرم الناس خيرك، وإن كنت تخاف أن لا تعدل فترك الولاية أفضل لك. قال ابن بشير: أما الحق فلست أبالي على ما أمررته، إذا ظهر لي. فقال له: لست أرى أن تمنع الناس خيرك. فورد إلى قرطبة وولي القضاء ثانية. وقال بعضهم: إن سبب عزله، أن يده قصرت عن بعض الخاصّة، ومنع من الحكم عليها، فحلف بطلاق زوجته ثلاثًا وعتق مماليكه وبصدقة ما يملك على المساكين أن حكم بين اثنين، فعزل. فلما أراد رده، اعتذر إليه، بتلك الأيمان، فعزم الأمير عليه، واعتق وطلق وتصدق وأخرج إليه الأمير جارية من جواريه ومالًا عوضًا من ماله، ومماليكًا عوضًا من مماليكه. قال أبو عبد الملك بن عبد البر: كان محمد بن بشير، قد اشترط على الأمير الحكم عندما تولى له القضاء،ثلاثة شروط مضمونة إن التزمتها لي تقدمت، وإلا فلا أقبل البتة، نفاذ الحكم على كل أحد ما بينك وبين حارس السوق، وإن ظهر لي من نفسي عجز، أستعفيتك، فأعفني. وأن يكون رزقي من الفيء. فضمنها له. قال ابن الحارث: وكان محمد بن بشير فيما قاله لي عنه بعض العلماء: أنه كان قبل الشاهد عنده على التوهم والفراسة. وربما عول على تزكية السر من أهل الثقة. قال: وكان يقضي في سقيفة مغلقة بقبلي مسجد أبي عثمان، بأول الربض الغربي، فكان إذا قعد للقضاء هناك، جلس وحده وخريطته بين يديه. فتولى تقليبها بيده، ويتقدم إليه الخصوم على كتبته، مرتبة، فيقف الخصمان على أقدامهما، بين يديه. ويدليان بحجتهما من غير صخب، فيفصل بينهما. وكان رسمه القعود للخصوم من غدوة إلى وقت الزوال. ثم يعود للقعود بعد صلاة الظهر، إلى العصر، فلا ينظر غير أسماعه من البيّنات، ويقيد الشهادات، لا يسمع ذلك في غير ذلك الوقت، ولا يخلو به أحد في مجلس نظره، ولا داره. ولا يقرأ كتابًا لأحد في سبب خصومه، ولا يرخص إليه. قال ابن وضاح: تولى محمد بن بشير القضاء، طبع عشر طوابع يرفع بها الناس إليه. ثم لم تزل في خريطته بعينها، إلى أن مات. فإذا سأله رجل طابعًا لرفع خصم كشفه له، عما يريده له. فإن كان قريبًا بقرطبة أعطاه إياه، وأمر كاتبه يزمُّ اسمه ومسكنه، واسم من أخذ الطابع فيه، ويعهد إليه بصرف الطابع إليه،إذا حضر خصمه، ويعنفه ويدعوه إن كان أخذه مبطلًا، فإن كان بعيدًا أجل له بقدر بعده. قال يحيى لمحمد بن بشير: إن الحالات بالناس تتغير، ولا تثبت. فإذا عدل عندك الرجل فحكمت بشهادته عن صحة نظر، حتى تطاول العهد وعادت الشهادة عندك، فأعد فيه نظرك، وكلفه التعديل، إن رابك، واستأنف الكشف عنه، فعمل بذلك وأخذ الشهود وحذرهم منه. وكان ابن بشير يشاور في قضائه عبد الملك بن الحسن زونان والغازي بن قيس، والحارث ابن أبي سعد، وإسماعيل ابن البشير التجيبي، ومحمد بن سعيد السبائي. قال ابن حارث: وكانوا إذا اختلفوا عليه، كتب إلى مصر إلى عبد الرحمان بن القاسم، وعبد الله بن وهب، قال القاضي أسلم عبد العزيز بن بقي بن مخلد؛ قال: كانت لمحمد بن بشير في قضائه مسالك رقاق، ومذاهب لطاف لم تكن لقاض قبله في الأندلس. ولا يقارن إلا بمن تقدم في صدر هذه الأمة. ورأيت له غير سجل فوجدتها مختصرة جدًا، محتوية على فص المعنى، من غير إكثار. إنما هي أسطار قليلة. خلاف ما يختلف الآن في زماننا من الكلام. ذكر بعضهم أن ابن سماعة صاحب الخيل، شكا إلى الأمير، أن ابن بشير يحيف عليه. فقال: أنا أمتحن قولك الساعة بواحدة. أخرج من فورك فاقصده، واستأذن عليه. فإن إذن لك صدقت قولك وعزلته. وإن لم يأذن لك دون خصمك ازددت بصيرة فيه. فخرج نحوه، فلما استأذن عليه خرج الإذن له أن كانت لك حاجة فاقتصد لذكرها مجلس القضاء. إذا جلس القاضي فيه، فلا سبيل إلىلقائه. وأعلم الأمير بذلك، فوافقه. قال قاسم بن هلال: شهد عند ابن بشير رجل من أهل البادية في معارفه، فاحتاج إلى تعديله، فدخلت أنا وابن مرتيل وثالث معنا. فقال: ما جاء بكم؟ قلت لأعدل هذا الرجل. فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وبها كان يستفتح حكومته. قال قاسم: فلما سمعته قهقرت، فحوّل وجهه نحونا. وقال لنا: الله الذي لا إلاه إلا هو إنه عندكم رضى. فقلنا له: بيمين أصلحك الله. قال والله لا أكتب له اسمًا إلا أن تحلفوا بها، أنه كذلك. فتورعنا وانصرفنا. وشهد عنده رجل، رافقه من الحج، له منه مكانة، فلم يقبل شهادته. فقال الخصم: عرفني بمن لم تقبل، لأنظر في تعديله. فقال له محمد: فلان صاحبي. ولن ينفعك تعديله عندي. فبلغ ذلك الرجل، فجاءه في مجلسه على رؤوس الناس وسأله عن سبب ذلك، وقال له: جمعنا وإياك المنشأ والحضر، وطلب العلم وطريق الحج، وعلمت من باطني ما علمت من باطنك فعرفني بالسبب أمام الناس، لأعرفه وأعرف بخطئي فيه أمام الجماعة. فقال ابن بشير: صدقت. وما عثرت لك في كل ذلك على جرحة في دينك، ولكن صدرنا من الحج فنزلنا مصر، وأخذنا في السماع من شيوخنا، والمقام بها، وشكوت لي الغربة ونظرت في شراء خادم، فقلت لي: وجدت خادمًا تساوي على وجهها كذا وكذا، وبيدها صنعة. فقلت لك: لا حاجة لك بصناعتها. وإنما تشتريها للمتعة. فدعها فلا معنى للزيادة فيها. فعصيتني واشتريتها. فلما رأيت الشهوة قد غلبتك في إتلاف ذلك في المغالاة فيها، خشيت أن تكون مثلها، قادتك إلى مثل هذه الشهادة. وشهد عنده صديق له يكنى بأبي اليسع، فرد شهادته، فعتبه في ذلك وقال: على محبتي فيكوخاصتي بك. فقال له الورع: يا أبا اليسع الورع يا أبا اليسع. فلم يزده على ذلك. وشهد عنده رجلان ممن يُظنُّ بهما خيرًا لمملوكٍ لمتوفى، أن مولاه أعتقه وزّوجه ابنته، وأوصى إليه بماله، وقضى بشهادتهما، فلم يلبث أحد الشاهدين أن حضرته الوفاة، فأوصى إلى القاضي أنه يريده. فدخل عليه، فلما أبصر به الشاهد، وهو في كربة، جثا على ركبتيه، وجعل ينجز إليه، فقال له القاضي: ما شأنك؟ فقال إني في النار إن لم تنقذني منها. الشهادة التي شهدت بها عندك بفلان لم يكن منها شيء فاتق الله وافسخ الحكم. فلم يزد محمد بن بشير على أن وضع يديه على ركبتيه، ثم قام وجعل يقول قضي الحكم، وأنت في النار. وخرج عنه. قال الفقيه القاضي أبو الفضل عياض رضي الله تعالى عنه: ما فعله ابن بشير من إمضاء الحكم صواب، وقوله وأنت في النار دون استثناء. لعله قصد به الإغلاظ لأمثاله من شهداء السوء. وإلا فحتمية الله في العفو عنه. من وراء هذا بفضلة، بقبول توبة مثله، ومحو سيئته بها، موعود به.
- exact linked passagemedium confidencepage 561, entry [316]5,311 chars
ذكر ولايته القضاء وسيرته في ذلك قال الجيزي في كتاب قضاة مصر: ولي الحارث بن مسكين قضاء مصر سنة سبع ثلاثين في جمادى الأولى منها. قال أبو عمر في كتاب قضاة مصر وفي كتاب الموالي: ولي الحارث بن مسكين قضاء مصر من قبل المتوكل، وأتاه كتاب القضاء وهو بالإسكندرية. فلما قرأه امتنع من الولاية فأجبره أصحابه على ذ…
▸ expand full passage (5,311 chars)ذكر ولايته القضاء وسيرته في ذلك قال الجيزي في كتاب قضاة مصر: ولي الحارث بن مسكين قضاء مصر سنة سبع ثلاثين في جمادى الأولى منها. قال أبو عمر في كتاب قضاة مصر وفي كتاب الموالي: ولي الحارث بن مسكين قضاء مصر من قبل المتوكل، وأتاه كتاب القضاء وهو بالإسكندرية. فلما قرأه امتنع من الولاية فأجبره أصحابه على ذلك، وشرطوا عونهم له. فقدم الفسطاط وجلس للحكم، وكان مقعدًا من رجليه. فكان يحمل إلى الجامع في محفة، ويركب حمارًا مبرقعًا، وطولب بلباس السواد فامتنع، فخوفه أصحابه سطوة السلطان واتهمه لتولي قيصر أمية. فلبس كساء صوف أسود. قال بعضهم: رأى بعض من بمصر كأن ابن أكتم ذبح الحارث بن مسكين. فلم يكن حتى جاءه قضاء مصر. وكان على يدي ابن أكتم قاضي القضاة حينئذ. قال أبو محمد الضراب في كتابه: روى الحارث عن ابن وهب، عن مالك في رجل يدعى للعمل فيكره أن يجيب إليه، وخاف على دمه أو جلد ظهره وهدم داره، كيف ترى في ذلك؟ فقال أما هدم داره أو جلد ظهره أو سجنه فإنه يصبر على ذلك، ويترك العمل خيرًا له. وأما أن يباح دمه فلا أدري ما حدث ذلك، ولعله في سعة من ذلك، أن عمل. قال يونس: روى الحارث هذا الخبر وولي. والله لقد سألني حارث: تراني أهلًا للفيتا كما قال مالك؟ وحكى القاضي يونس: ولي جعفر المتوكل الحارث، قضاء مصر، بعد أن سجنه على إبائه، ذلك زمانًا.قال محمد بن عبد الوارث: كنًّا عند الحارث فأتاه علي بن القاسم الكوفي، المدني. فقال له: رأيت في النوم الناس مجتمعين في المسجد الحرام، فقلت ما اجتماعكم؟ فقالوا عمر بن الخطاب جاء يقعد الحارث بن مسكين للقضاء. فرأيته أخذه وسمر مقعده في الحائط، وانصرف. فتبعته، فلما أحسّ بي، قال: ما تريد؟ قلت أنظر إليك. قال: اذهب إلى الحارث، فاقرأه مني السلام، وقل له يقضي بين الناس بإمارة إنك كنت في الحبس بالعراق. فقمت في الليل فعثرت بنكبة إصبعك، ودعوت بذلك الدعاء، فجئت من الغد، فقال لي الحارث: صدقت. وهذا شيء ما أطّلع عليه أحد إلا الله. فسألته عن الدعاء، فقال: يا صاحبي. عند كل شيء، ويا غياثي عند كل كربة، ويا مؤنسي في كل وحشة، صل على محمد وعلى آله، واجعل لي من أمري فرجًا. قال: ودعي إلى لباس السواد، فأبى من ذلك. فخاطب الوالي المتوكل، فرد كتابه: إن لم يلبس السواد فاخلعه، وركبه، ووجه الوالي وراءه رسلًا، فأسلمه القريب والبعيد. قال الطحاوي عن محمد ابن سعيد: فلقيته والرسل تزعجه، وقد وله. فعلمت إنه قصد وجهًا من الحق، فخالف فيه هوى السلطان، فدنوت منه وقلت له: سر يا شيخ لا يهولنك ما ترى، فإن إبراهيم أسلمه أهل الأرض فلم يضره، لما كان الله له. فاعتنقني وقال: أحييتني والله يا أخي بهذا الكلام، فأحياك الله سعيدًا. فلما أتي به إلى الوالي، أمر بكتاب المتوكل فقرأ عليه، فامتنع من لباس السواد وقال رجل من ناحية المسجد: إن الشيخ رأيته يلبس هذه الثياب العرجيةالتي تعمل باليمن، فقال الحارث: بلى. إني ربما لبستها. فقال له الوالي: فألبسها. فقال أما تلك فنعم. وقنع منه بذلك. وكتب به إلى المتوكل، وخلي عن الشيخ. قال الكندي: وأمر الحارث بإطراح أصحاب الشافعي وأبي حنيفة. ومنع أصحاب أبي حنيفة من الجامع، وفض مجالسهم، وأمر بنزع حصورهم بين العُمد. ومنع عامة المؤذنين من الآذان. ومنع قريشًا والأنصار من طعمة رمضان. وعمر المساجد، فبنى سقاية. وحفر خليج الإسكندرية. ونهى عن تقبل المصائد، وأباحها ونهى عن النداء على الجنائز، وضرب القراء الذين يقرأون بالألحان. وهو أول من ولي على مصاحف الجامع أمينًا. وترك تلفي الولاة والسلام عليهم. ولاعن. وقتل ساحرين نصرانيين وقتل نصرانيًا سبًّ النبيّ ﷺ، بعد أن جلده الحد. ونفى وحد من سبَّ عائشة. ولم يكن في ولايته خلل. وهدّم مسجدًا، كان بناه خراساني، بين القبور، بناحية القطب؟ في الصحراء. وكان يجتمع فيه للقراءة والقصص والتعبير، وبمثل هذا أفتى يحيى بن عمر في كل مسجد بني نائبًا عن القرية. حيث لا يصلي فيه أهل القرية. وإنما يصلي فيه من ينتابه، وبذلك أفتى في مسجد السبت بالقيروان، وبمثله أفتى أبو عمران في المسجد الذي بني بجيل فاس، وحمله أصحابه على النظر في أمر أبي بكر الأصم القاضي قبله. وكانوا قد لعنوه لما عزل ورموا حصره، وغسلوا من المسجد موضعه. فكان الحارث يوقف الأصم كل يوم، فيضربه عشرين سوطًا،ليخرج ما وجب عليه من الأموال. أقام على ذلك أيامًا. فقال بعضهم للحارث: إنه قبيح بالقاضي أن يتولى مثل ذلك. فخلى عنه. وألقيت إليه سحابة فيها مكتوب ميزان حراني، وصنجة ناقصة. فلما قرأها، استبدل بكتّابه وأعوانه غيرهم. وكان كاتب الحارث، أبو إسحاق القسطال. وعلى مسائله عمر ويزيد، أبناء يوسف بن عمر. وقال أبو عمر الكندي: وحكم الحارث في حُبسٍ بمذهبه، بمذهب مالك بإخراج أولاد البنات منه. فشكى أصحابه ذلك إلى المتوكل، فأفتى أهل العراق على مذهبهم وخطأوا الحارث، ونقصت القضية فاستعفى الحارث، إذ ذاك. فأعفي. وكان في كتاب استعفائه: انتهى إلى أمير المؤمنين، أن كتابًا وصل باستعفائك فيما تقلدت من القضاء بمصر. فأمر أيده الله بإجابتك إلى ذلك وإعفائك فيما تقلدت منه، إسعافًا لك فيما سألت، وتفضلًا لما أدّى لموافقتك فيه، فرأيك أبقاك الله في معرفة ذلك والعمل على حسبه. وذلك سنة خمس وأربعين ومائتين. فكان أمد قضائه سبع سنوات واحد عشر شهرًا. وولي بعده بكار ابن قتيبة. فلم يكشف أحدًا من أصحاب الحارث. وقال: حارث في فضله ودينه، أعلم بأهل بلده مني، إلى أن يتبين لي جرحه. وذكر أبو عمر الصدفي: إن رجلًا أتى الحارث برجل معه نصرانية، معها صغير أراد أن يبيعها من نصراني، فذكر ذلك للحارث. فقال له الحارث: فما أصنع به. فرد عليه الرجل الخبر، والحارث يقول: ما أصنع به، حتى أكثر عليه. فقال يزيد بن يوسف: أصلح الله القاضي، هو رجل صالح. فقال له الحارث: إذا كان صالحًا وأحمق، فما أصنع. قال بعضهم: حضرتجنازة. فأخذ يونس بن عبد الأعلى في الكلام والرشاد حتى بكى بعض من حضر، فقال الحارث: يونس، تحسن هذا كله، وأنت تصنع ما تصنع. فقال له يونس: أنت قاض، وقد قال رسول الله ﷺ: من جعل قاضيًا فقد ذبح بغير سكين. وذكر أن رجلًا تقدم إلى حارث في خصومة، فناداه رجل باسمه. وكان اسمه إسرافيل. فقال له الحارث ما حملك على أن تسمّى بهذا الاسم؟ وقد قال ﵊: لا تسمعوا بأسماء الملائكة. فقال له: فلمَ سمي مالك بن أنس مالكًا؟ وقد قال الله تعالى: ونادوا يا مالك. ثم قال: والله لقد تسمي الناس بأسماء الشياطين. فما عيب ذلك. يعني الحارث اسمه. ويقال هو اسم إبليس لعنه الله.
- exact linked passagemedium confidencepage 801, entry [543]1,990 chars
ذكر ولايته القضاء وسيرته كان ذا جلالة وقدر عظيم ببغداد. وأول ما ولي بها: الحسبة، سنة إحدى وسبعين. وولي أيضًا نفقات الموفق، فكان يتولاها دون رأي وزير أو غيره. ولما استعفى اسماعيل، أيام المعتضد من القضاء، وأجيب صير مكانه يوسف هذا. فيما ذكره الفرغاني. ثم ولي البصرة بعده ابن عمه، محمد بن حماد، مع قضاء س…
▸ expand full passage (1,990 chars)ذكر ولايته القضاء وسيرته كان ذا جلالة وقدر عظيم ببغداد. وأول ما ولي بها: الحسبة، سنة إحدى وسبعين. وولي أيضًا نفقات الموفق، فكان يتولاها دون رأي وزير أو غيره. ولما استعفى اسماعيل، أيام المعتضد من القضاء، وأجيب صير مكانه يوسف هذا. فيما ذكره الفرغاني. ثم ولي البصرة بعده ابن عمه، محمد بن حماد، مع قضاء سائر عمله، الذي مات عنه، في سنة ست وسبعين من قضاء واسط، وكور دجلة. فأقام يوسف ببغداد، واستخلف على البصرة محمد بن جعفر بن أحمد بن العباس بن عبد الله بن الهيثم بن سام، وكان فقيهًا سريًا عالمًا متفننًا وعف وحسن أثرُه. ثم توفي محمد بن جعفر، فاستخلفيوسف مكانه، ابراهيم بن المنذر الجارودي. ثم أتى خليفة الفاضل بن الحباب الجمحي، ثم أحمد بن عبد الله بن نصر الذهلي، والد القاضي أبي الطاهر بن علي المالكي. وولي يوسف مع ذلك، المظالم، ببغداد، سنة سبع وسبعين. فلما مات القاضي اسماعيل بن إسحاق منسلخ سنة اثنين ومائتين، قُسِّم عمله، فقلّد يوسف بن يعقوب، قضاء الجانب الشرقي. فلم يزل عليه، الى أن نُكب. وقلد ابنه أبا محمد، بعد مدة، مدينة المنصور. قال ابن عرفة: وذكر ولايته القضاء. قال: فحمدت مذاهبه، وحسُن حكمه. واستقامت طريقته. وكثر الشاكر له. وقال طلحة بن محمد في كتابه: كان يوسف بن يعقوب هذا، رجلًا صالحًا، عفيفًا، خيرًا، حسن العلم بصناعة القضاء. شديدًا في الحكم. لا يراقب فيه أحدًا. وكانت له هيبة، ورئاسة. وكان ثقة أمينًا. وذكر الخطيب أبو بكر في تاريخ علماء بغداد. أن خادمًا من وجوه خدماء المعتضد، أتى الى القاضي يوسف يومًا، في حكم. فارتفع في المجلس، فأمره الحاجب بموازاة خصمه. فلم يفعل، إدلالًا له بمحلّه. فصاح القاضي عليه، وقال: قفاه، أتؤمر، بموازاة خصمك، فتمتنع؟ يا غلام عمرو النخاس الساعة، يقدَّم إليه يبيع هذا العبد. ويحمل ثمنه لأمير المؤمنين. وقال لحاجبه: خذ بيده، وسوّ بينه وبين خصمه. فأكره على ذلك. فلما انقضى الحكم حدّث الخادم المعتضد بالحديث، وبكى له. فصاح عليه. وقال: لو باعك لأجزت بيعه. وما رددتك أبدًا. وليس خصومك لي يزيل مرتبة الحكم. فإنه عمود السلطان. وقوام الأديان. قال أبو جعفر الطبري: لما ولي يوسف بن يعقوب المظالم. أمر أن ينادي: من كانت لهمظلمة، قبل الأمير الناصر، وأخذ من الناس، فليحضر. وتقدم الأذن الى صاحب الشرطة، ألا يطلق أحدًا من السجن إلا من رأى إطلاقه، بعد أن تُعرَض عليه قصصهم.
- exact linked passagemedium confidencepage 832, entry [578]9,156 chars
ذكر ولايته القضاء وسيرته قال ابن مسكين: لما مات سحنون اغتممت لموته. فرأيته في نومي، كأنه خلع من عنقه شيئًا، كان متقلدًا به، فقلدني إياه. فقلت: كان سحنون رجلًا صالحًا. والله لأقفون أثره. وتأولته العلم. فبعد أربعين سنة خرجت رؤياي. فابتليت بالقضاء. قال عيسى: بينما أنا في الدار يوم الجمعة برقادة - يعني …
▸ expand full passage (9,156 chars)ذكر ولايته القضاء وسيرته قال ابن مسكين: لما مات سحنون اغتممت لموته. فرأيته في نومي، كأنه خلع من عنقه شيئًا، كان متقلدًا به، فقلدني إياه. فقلت: كان سحنون رجلًا صالحًا. والله لأقفون أثره. وتأولته العلم. فبعد أربعين سنة خرجت رؤياي. فابتليت بالقضاء. قال عيسى: بينما أنا في الدار يوم الجمعة برقادة - يعني وهو قاضي - إذا برجل يحرك عليّ الباب. ففتحت له، فسلم عليّ. ثم جلس. فقال لي: كيف حالك. فقلت ما سؤال على من صار حاله الى ما ترى؟ قال: إنما هي تسعة. وقلت: هذا - يعني الأمير - قال: هذا يخرج. وهذا يمر. فقلت: أين. قال يركب البحر. ثم خرج. فقلت تسعة أيام. فمضت تسعة أشهر. فأقمت تسع سنين. فقال: إنه الخضر ﵇. قال ابن حارث: كان ابراهيم بن أحمد بن الأغلب. قد أحضر يحيى بن عمر، الى ولاية القضاء. فقال له: إن دللتك على من هو أفضل مني، في الوجه الذي تحب. تعافيني؟ قال له: نعم. فدلّه على ابن مسكين. فأرسل فيه ابراهيم بن حماد، الى كورة الساحل. وأوصله الى نفسه. وعرض عليه القضاء فنفر منه. قال تميم بن خيرإنه لما شاور العلماء ابراهيم، فيمن يلي القضاء، اختلفوا عليه. فذكر له عيسى، فقال أحمد بن ناجي: والله، أيها الأمير، صاحبنا عند سحنون. جمع الله فيه خلال الخير، بأسرها. فوجه فيه الى الساحل. فأتي به. وفي المجلس حمديس وغيره. فقال له ابراهيم: أدتري لمَ بعثت إليك؟ فقال: لا. قال: لأشاورك في رجل قد جمع خلال الخير أردت أن أوليه القضاء. وألمّ به شعث هذه الأمة فأمتنع؟ قال: ألزمه أن يلبي. قال: تمنّع. قال يُجبر على ذلك. قال: أمتنع؟ قال: يُجلد. قال: قم. فأنت هو. قال: ما أنا بالذي وصفت. وتمنع. فأخذ الأمير بمجامع ثيابه، وقرب السيف من نحره. فتقدم إليه عيسى بنحره. قال حمديس: فقمت من مكاني، كيلا يصيبني من دمه. فلم يزل به، حتى ولي. قال ابن أبي سعيد: ولاه القضاء ابراهيم بن أحمد، بعد إجماع الناس عليه، على اختلاف مذاهبهم، وامتناعه. فخوّفه ابراهيم، وحلف له بغليظ الإيمان لئن لم تلِ لأقتلنّك. فولي، وأسكنه رقادة. فكان لا يتصرف، ولا يخرج الى المسجد. وقيل إن ابراهيم قال: والله لأولين عليكم من لا تختلفون في فضله وزهده، وعلمه وورعه. فوجه فيه. قال غيره: وقيل: إن الأمير ابراهيم، قال له: إن لم تلِ لأولينّ ابن عبدون، يظهر البدعة، ويهين، السنة. وقيل إن ابن الأغلب لما وجه فيه، استخشن الرسول زيه. فلما أتى به ابن الأغلب، قال له: إنه لا يصلح للقضاء. لثقل روحه، وزيه. قال له: أرنيه، قبل وصوله إليّ. فأدخله من حيث يراه، وعليه جبة صوف، وعمامة صوف. فلما وصل إليه، قال له ابن الأغلب: قد اتفق الناس عليك. فقال: اتق الله ولا تول مثلي على هذاالبلد. فقال اذهب ولا ترجع الى منزلك إلا بإذني، وجمع العلماء والشيوخ الذين أشاروا به. فقال لهم: أشرتم علي بشيخ في زي جَمال. فقالوا إن أردت أن تقوم لك الحجة عند الله، فوله. فلم يرَ مثله. فأحضره وخوفه وذكر نحوًا مما تقدم. فلما رأى منه ما رأى، أي ما لا قدرة له عليه. أراد أن يشدد عليه في الشرط. قال اشترط ما أحببت. قال أستعفيك في كل شهر، قال نعم. قال: أكتبه. ففعل. وأحملك وبني عمك، وجندك وفقهاء المسلمين وأغنيائهم في درجة واحدة. قال: أكتب. ففعل. قال ولا توجه ورائي، ولا أعزّي، ولا أهنّي، ولا أشيّع، ولا ألتقي. فمتى لم توفِ لي بشرط، عزلت نفسي. قال: نعم. وعرض عليه الصلة، والكسوة فامتنع. قال ابن حارث: وقال عيسى بن مسكين لابن الأغلب: أنا رجل طويل الصمت، قليل الكلام، غير نشيط في أموري، ولا أعرف أهل البلد، فقال له الأمير: عندي مولى نشيط، قد تدرب في الأحكام، أنا أضمه إليك يكون كاتبًا. يصدر عنك الأمور في القول في جميع الأمور، فما رضيت من قوله، أمضيت. وما سخطت رددت، فضم إليه عبد الله بن مفرج المعروف بابن البناء. قال المخبر: فكثيرًا ما كنت آتي مجلسه، وهو صامت لا ينطق، وابن البناء يقضي. قال: فلقد دخلت يومًا على الأمير، فقال لي: بلغني أنك تخاطب الخصوم، وتفصل، وعيسى ساكت. ما أرى إلا أنه لم يقبل القضاء. قلت: قد قبل. إلا أني أكفيه. قال: أمضِ، ولا تعلم أحدًابما جرى بيني وبينك. فإذا حضر الخصمان فافصل بينهما، بغير مذهبه. فقلت ما قلت لهما. فأمرني عيسى بصرفهما. فقال لي: أفصل بينهما ولا يعاد إليّ مثل ما فعلت قبل. فأمرهما قرارًا بين يديه. وفصل بينهما، بمذهبه. فأخبرت بذلك الأمير. فحمد الله تعالى. وسجد شكرًا لله تعالى. قال الخراط: وكان له كاتب آخر يقال له ابن زرياب. يتولى الديوان. فغاب يومًا عن المجلس، واحتيج الى النظر في الديوان، ولم يدر ابن البناء ما يعمل فيه، الى أن ارتفع النهار. وتفرق أصحاب القضية. فجاء ابن زرياب، فنظر في الديوان، فأخرج القضية، ثم اعتذر عن تأخره، بحضوره نكاحًا، عند أبي القاسم بن محمد بن عبدوس. وذكر ما لابن عبدوس عليه من الحق. وأنه لم يمكنه إلا الحضور. فقال له عيسى: ما ظننا بك إلا عذرًا من مرض، أوهم في ذلك، وإذا أنت في هذا. فأخذوا بيده الى السجن. فلما استقر في السجن وجه وراءه، وقال له: أنت في إجازة المسلمين، تعطل ما استؤجرت فيه، وتشتغل بحضور الملاكات. لا تعد وارجع الى مكانك. وذكر أنه كان يقوم في الليل، يتذكر قصص المتخاصمين عنده، واحدًا واحدًا، ويسأل الله تعالى أن يحمله فيها على السداد. ومرّ يومًا على السجن فأسمعه بعض من سجنه ما يكره، فكلمه في ذلك بعض من حضر، وقال من يصبر على هذا. قال عيسى: من أين كلمني؟ قال من السجن. فقال لهم فليس عليّ أكثر من هذا. أخذنا كسوته ونمنعه من البكاء. ونحو هذا. وخرج عنده بعض العرافين شُهد عليه أنهيشرب النبيذ. قال له عيسى: كشفت عنه فأصبته يدين بتحليله. ولا يجمع عليه الجموع. وأثبت شهادته. ودخل على عيسى بن مسكين رجل، من أشراف الناس، يتولى الأمانة للقضاة. وكان عيسى يجلّه. فأقبل عيسى يسأله عما قبله. فإذا بصائح يقول: يا قاضي. خصمي داخل عندك. وأنا خارج. ثم صاح ثانية، وثالثة. فلم يرَ عيسى غيري. فأمر بإدخاله. وسأله من خصمك؟ فقال: هذا؟ يعني الأمين. فقال: هل دارت بينك وبينه مخاصمة، قبل هذا. قال: لا. وأمر بالرجل الى الحبس، وقال: لما دخل علينا أمينُنا ومن يعيننا على الحق، أردت أن تؤذيه وتمرته. فقال عندي منافع مال من السجن تأتي بها. فلما استقر في السجن، أمر بإخراجه، وإحضار منافعه. قال: وبينما عيسى يومًا بجامع رقادة، إذ سمع صياح قوم. بالله. ثم به. فقال لمن حوله: أنظروا من هؤلاء؟ قالوا: نهب تونس، فأمر بإمساكهم. فشكاه الذي نهبهم الى الأمير، ابراهيم. فأرسل إليه في إطلاقهم. فقال لكاتبه: أكتب إليه: ويا قومِ ما لي أدعوكُم الى النجاة وتدعونني الى النار الى قوله: بصيرٌ بالعباد. فلما قرأها، قال: هذا رجل يحاربنا بالله، لا حاجة لنا بهم. أتركوهم. ووجه ابن الأغلب يومًا وراء ابن البناء. فغلط الرسول. فدعا عيسى، وذلك بعد مجيء الأمير ابراهيم، من سفرة، لم يشيعه فيها، عيسى، ولا لقيه إذ جاء. فلما أتى الرسول الى عيسى. أقبل فوجد ابراهيم في بستان. فلما رآه ابراهيم قال له ابتداءً، والله ما وجهت إليك. ولا أردت إلا ابن البناء. فانصرف عيسى من مكانه ذلك. ولم يصل الى الأمير ولا سلم عليه. فقال ابراهيم: يا قوم: أرأيتم مثل هذا القاضي.غبت فما شيع، ورجعت فما تلقى، ولا هنأ. بعثت وراء غيره. فغلط به الرسول. فاعتذرت له. فانصرف بعد أن رآني بغير تسليم، ردوه. فخرج بعد ذلك عليه ابراهيم. فقال له عيسى: الأمير أكرم من أن يعدني وعدًا. ويعقد على نفسه عقدًا. ثم ينقضه، فيما تقدم منه. من رفع المؤونة عني، فصارت مخالفة ما رسمه من طرح التكليف مما لا ينبغي أن أفعله ولا يجوز، وأما رجوعي بعد رؤيتي له، من غير تسليم، فرأيته جالسًا في غير مجلسه للناس. فلو تركني. لسلمت. فلما بادرني بالكلام، قبل السلام. ظننت كراهيته، لدخول هذا الموضع. فانصرفت مساعدة لذلك. وكان يقول للأمير ابرهيم عندما يُطنب في الثناء عليه، ويفتخر به: إنه مطيع. فقال: إن كان ما ظهر منه يشهد لباطنه فما كان في عُبّاد بني إسرائيل مثله. وإن كان رياء أو تصنعًا، فما رأينا ولا بلغنا عن أحد ملك شهوته ونفسه منه. لاسيما مع الإمكان والرياسة. وهو في الحالتين نسيج وحده. قال: ولم يأخذ ابن مسكين في مدته على القضاء أجرًا. وكان لا يستعين بأحد في شيء، من أموره. وربما استُقي له الماء، فيريقه، ويستقي لنفسه. وإنما كان بل لنفسه. ودخل عليه رجل يومًا، فوجد له عجينًا في مقلى، كاد أن يحترق، وابن مسكين في الصلاة. فقلبه له الرجل. فلما أتم الصلاة أمر بصدقته، ولم يأكله. ودخل عليه رجل يستسقي، فحلف له أن لا يستقي إلا هو. فتركه حتى استقى. ثم أخذه فأراقه في الماجل. ثم استقى هو بنفسه. وإنما كان يعيش بدقيق، كان يأتيه من منزله، يخبزه بنفسه، وبقل وشيء يأتيه من البادية. فإن لم يأته شيء، انتظره. فربما بقي اليومين والثلاثة بلا طعام. وكان شديدالتقشف في قضائه. ولم يكن على هذه السبيل من الانقباض، قبل قضائه. ولما عزل، عاد الى ما كان عليه، من حسن المعاشرة. وكرم المجالسة. والمؤاخاة. وسئل عن فرط انقباضه، فقال: ابتليت بجبار عنيد. خفت أن يبعث إليّ من طعامه أو يدعوني إليه. فلا آمنه إن امتنعت. فحملت نفسي على ذلك. لينقطع طمعه فيّ. وفرغ ما عنده من القوت برقادة. فبقي ثلاثة أيام، لا يطعم شيئًا. حتى لزم الفراش ضعفًا. حتى أتاه الرسول، آخر اليوم الثالث. قال: ولقد أقام برقادة تسع سنين، ما أكل تينًا - إلا مرة - اشتري له بخروبة. ولا بطيخًا - إلا مرة واحدة - صغيرة. وكان عيسى لا ينزل الى القيروان. فولى مظالمها، سليمان بن سالم، وأطل له النظر في مائة دينار. ثم عزله. وولاه قضاء صقلية. وولي مكانه ابراهيم بن الخشاب، واستكتب له أبا بكر بن اللباد. فكان يجري على رأيه، ولم يكن لابن الخشاب فقه، وولى على الحسبة، أبا القاسم الطرزي، قال أبو بكر اللباد: شاهدت ابن مسكين في جنازة بعض نساء الأمير ابراهيم، جالسًا في المقبرة. إذ جاء الأمير أبو العباس، فقام إليه الناس، وسلموا عليه، وعيسى جالس. ما حل حبوته. فلما نظر إليه. قال: يا قاضي: السلام عليكم ورحمة الله. فقال له: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. ثم سار إذ جاء أبوه ابراهيم، فوقف إليه الناس، وعيسى على حاله، ما حل حبوته. فلما رآه الأمير مال إليه، فلما حاذاه، قال السلام عليك يا قاضي. فردّ عليه. ثم نزل فقدّم عيسى للصلاة عليها، وبعث الأمير به الى تونس، فرغب بعض أهلها في نزوله عنده. فأنزله في دار حسنة، فقصد الى بيت مُسوّدٍ من الدخان، بابه تحت درج، فنزل فيهفسئل عن ذلك. فقال: يأتيني رجال السلطان فيطيلون الجلوس، إذا أصابوا مكانًا حسنًا. وهاهنا من أتى منهم، سلّم وانصرف. وعوفيت منهم. قال القاضي رحمه الله تعالى: ونقلته من خط ابن الحارث: سمعت بعض الشيوخ يحكي، أن رجلًا كان واقفًا على جزار فرماه رجل بشيء، فحاد عن الرمية، فسقط، فاعتل، فمات، وخاصم ورثته، الرامي الى عيسى بن مسكين. فأثبتوا عليه الرمية. فقضى لهم عيسى بالقتل، بعد القسامة. فلما ذهبوا ليحلفوا. قال لهم ابن مسكين: يحلفون بالله خمسين يمينًا، لمن رميته حاد ومن حبوته سقط ومن سقطته مات. وكان ابراهيم يبتهج بكونه قاضيًا له. قال له يومًا بعض خدمته لقد نصحتك نصحًا ما نصحك القضاة بمثله. فقال له ابراهيم: ولا عيسى بن مسكين.
- reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 485, entry [252]343 chars
ع فيه، ويعهد إليه بصرف الطابع إليه،إذا حضر خصمه، ويعنفه ويدعوه إن كان أخذه مبطلًا، فإن كان بعيدًا أجل له بقدر بعده. قال يحيى لمحمد بن بشير: إن الحالات بالناس تتغير، ولا تثبت. فإذا عدل عندك الرجل فحكمت بشهادته عن صحة نظر، حتى تطاول العهد وعادت الشهادة عندك، فأعد فيه نظرك، وكلفه التعديل، إن رابك، واستأنف الكشف عنه، فعمل بذلك وأخذ الشهود وحذرهم
- reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 485, entry [252]346 chars
عيدًا أجل له بقدر بعده. قال يحيى لمحمد بن بشير: إن الحالات بالناس تتغير، ولا تثبت. فإذا عدل عندك الرجل فحكمت بشهادته عن صحة نظر، حتى تطاول العهد وعادت الشهادة عندك، فأعد فيه نظرك، وكلفه التعديل، إن رابك، واستأنف الكشف عنه، فعمل بذلك وأخذ الشهود وحذرهم منه. وكان ابن بشير يشاور في قضائه عبد الملك بن الحسن زونان والغازي بن قيس، والحارث ابن أبي سعد
- reviewable assessment hintthiqaneeds reviewmedium confidencepage 485, entry [252]342 chars
رزقي من الفيء. فضمنها له. قال ابن الحارث: وكان محمد بن بشير فيما قاله لي عنه بعض العلماء: أنه كان قبل الشاهد عنده على التوهم والفراسة. وربما عول على تزكية السر من أهل الثقة. قال: وكان يقضي في سقيفة مغلقة بقبلي مسجد أبي عثمان، بأول الربض الغربي، فكان إذا قعد للقضاء هناك، جلس وحده وخريطته بين يديه. فتولى تقليبها بيده، ويتقدم إليه الخصوم على ك
- reviewable assessment hintthiqaneeds reviewmedium confidencepage 801, entry [543]343 chars
وقال طلحة بن محمد في كتابه: كان يوسف بن يعقوب هذا، رجلًا صالحًا، عفيفًا، خيرًا، حسن العلم بصناعة القضاء. شديدًا في الحكم. لا يراقب فيه أحدًا. وكانت له هيبة، ورئاسة. وكان ثقة أمينًا. وذكر الخطيب أبو بكر في تاريخ علماء بغداد. أن خادمًا من وجوه خدماء المعتضد، أتى الى القاضي يوسف يومًا، في حكم. فارتفع في المجلس، فأمره الحاجب بموازاة خصمه. فلم يف