Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Narrator profile

ولايته القضاء وسيرته

ولايته القضاء وسيرته

Hadith transmissions

Hadiths in which this narrator appears, with their position in the chain.

No hadiths transmitted by this narrator in our data.

Mentioned in

2 books · 26 entries
Research data and provenancerich dossier · expand

Technical evidence counts from parsed rijāl entries and reviewable fact extraction. These support the passages shown below.

View JSON
Tier
rich
Source entries
15
Strong identity entries
0
Chronology hints
0
Attribute hints
2
Relation hints
0
Assessment hints
11
Known assessors
0

Classical evidence · أقوال الجرح والتعديل

2 books · 26 entries

Every item remains attached to its source passage and identity. Exact parsed entries are distinguished from extracted review hints and legacy snippets; no composite verdict is manufactured.

15 exact linked passages0 legacy full passages11 assessment hints0 assessment snippets

القاضي عياض - ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ت بكير

full-text

— · 9 entries

  • exact linked passagemedium confidencepage 310, entry [129]6,251 chars
    ذكر ولايته القضاء وسيرته قال الشيرازي: ولى الرشيد لابن غانم قضاء أفريقية. وقيل ولاه أمير أفريقية روح بن حاتم المهلبي. أشار عليه ابن فروخ الفقيه لما امتنع هو أن يلي. وقيل أن أبا يوسف قال لروح عند خروجه إلى القيروان: أن بمدينة القيروان فتى يقال له عبد الله بن غانم، فقد فقه فوله قضاء أفريقية. وكانت ولا…
    ▸ expand full passage (6,251 chars)
    ذكر ولايته القضاء وسيرته قال الشيرازي: ولى الرشيد لابن غانم قضاء أفريقية. وقيل ولاه أمير أفريقية روح بن حاتم المهلبي. أشار عليه ابن فروخ الفقيه لما امتنع هو أن يلي. وقيل أن أبا يوسف قال لروح عند خروجه إلى القيروان: أن بمدينة القيروان فتى يقال له عبد الله بن غانم، فقد فقه فوله قضاء أفريقية. وكانت ولايته في رجب سنة إحدى وسبعين ومائة، وهو ابن اثنتين وأربعين سنة في حياة مالك رحمه الله تعالى. ولما بلغت مالكًا ولايته سر بها، وأعلم بذلك أصحابه. ولما أتاه ابن أبي حسان سأل عن ذلك ابن أبي حسان فأعلمه فقال ما ذلك كثير له. وكان الرشيد يكاتبه فكان يعد قضاؤه قبله. وتشاجر أصحاب ابن غانم في ولايته فقال بعضهم: هي من المسودة (كذا) دون أمير المؤمنين. فقال أبو عثمان المعافري: امرأته طالق ثلاثًا ومماليكه أحرار، إن كان ولاه إلا أمير المؤمنين، ثم جاء إلى ابن غانم فأخبره الخبر، فقال لا يا أبا عثمان، كم صداق امرأتك؟ فقال مائتا دينار. قال خذها فقد بانت منك امرأتك واعتق مماليكك. ولم يزل ابن غانم على القضاء إلى أن توفي، فكانت ولايته نحوًا من تسعة عشر عامًا. وكان ابن غانم يوجه أبا عثمان هذا بمسائله أيام قضائه إلى مالك فيما ينزل به من نوازل الخصوم، فيأخذ له عليها الأجوبة، وكان يكتب إلى كنانة فيأخذ له الأجوبة من مالك. وكان يكتب أيضًا إلى أبي يوسف. قال السيوري ولم يزل الأمر يتراقى بابن غانم في الرفعة والسمو في أحكامه وأموره، فكان من إكرام الخليفة له إذا كتب كتابًا لإبراهيم بن الأغلب يقول له فيه وأنا لا إفكلك كتابًا حتى يكون مع كتابك إلي كتاب ابن غانم. فكان إبراهيم أكثر الناس مداراة وتعظيمًا له، وكان ابن غانم يلبس من الثياب أرفعها ويجعل لخصومات النساء يومًا يجلس فيه للنظر بينهن، فيلبس يومئذ الفرو الخشن وخلق الثياب، وينظر ببصره إلى الأرض فلا يشك من لا يعرفه أنه أعمى، ويزيل الحجاب والكتاب عنه، وكان له حظ من صلاة الليل فإذا قضاها وجلس في التشهد آخرها عرض كل خصم يريد أن يحكم له، على ربه، يقول في مناجاته: يا رب فلان منازع فلانًا وادعى عليه بكذا فأنكر داعوه فسألته البينة فأتى ببينة شهدت بما ادعى، ثم سألته تزكيتها فأتاني بمن زكاهم وسألت عنهم في السر فذكر يعني خيرًا، وقد أشرفت أن آخذ له من صاحبه حقه الذي تبين لي أنه حق له، فإن كنت على صواب فثبتني وإن كنت على غير صواب فاصرفني، اللهم لا تسلمني. اللهم سلمني. فلا يزال يعرض الخصوم على ربه حتى يفرغ منهم. وابن غانم هذا هو الذي أوقف الأحمية التي كانت بمراسي أفريقية، لمرافق المرابطين. وكان ابن غانم إذا جلس رمى إليه الخصوم الشقاف فيها قصههم مكتوبة، فوجد يومًا شقفة فيها قصة النخاسين البغال فدعاهم، فأخبروه أن أبا هارون مولى إبراهيم بن الأغلب الأكبر صاحب أمره ابتاع منهم بغالًا بخمسمائة دينار، ولم يدفع لهم شيئًا. فضم ديوانه ونهض إلى إبراهيم، وكان قد أباح له الدخول عليه دون أذن، فكان القاضي إذا أتى تنحنح فإذا قيل له ادخل، دخل. ففعل كعادته، فسأله إبراهيم ما وصيته، فذكر له شأن المتظلمين. فأحضر أبا هارون فاعترف وقال حتى يجيء الخراج وقد بعثت في طلبه. فقال ابن غانم: لا أبرح حتى تدفع إليهم أموالهم. فما برح حتى دفعت إليهم. ودعا الأمير إبراهيم ابن الأغلب ابن غانم يومًا فقرأ عليه كتاب الرشيد يأمره بإحضار رجل يقال له حاتم الإبزاري، ويقول إن لفرج مولى أمير المؤمنين عليه عشرةآلاف دينار، ويأمر إبراهيم بقبضها ويوجهها مع رسول له خراساني. ويقول في آخر الكتاب: واحضر ابن غانم القاضي، وقد أحضر المطلوب ترعد فرائضه فلما أكمل إبراهيم قراءة الكتاب قال لابن غانم سمعت ما فيه؟ قال نعم. قال ابن غانم وما أحضرت إلا لتحمل علي قولي فيما في هذا الكتاب. قال إبراهيم: ولم أمرت بإحضارك. إذا قال فأول ذلك أن يثبت الرسول بعدلين استخلاف أمير المؤمنين له على قبض هذا، وأن المال لأمير المؤمنين أو لمولاه، فقال الرسول ويكتب أمير المؤمنين بالباطل؟ قال معاذ الله، أمير المؤمنين أكرم أن يأخذ مالًا من غير حله، ولكن قد تنخرق الأشياء دونه. قال الخراساني ما تقول أيها الأمير؟ قال ما قال القاضي. وتحمل. فقام ابن غانم وحمل الإبزاري معه. فقال إبراهيم: ما أنفذ بصيرته وأمضى عزيمته. وراكب ابن غانم إبراهيم يومًا فزادت دابة إبراهيم في المشي فحول ابن غانم دابته، وعرج إلى داره، فعاتبه إبراهيم على ذلك، فقال ابن غانم أصلح الله الأمير إنما نفوذ أحكام القاضي على قدر جاهه، ولو ساعدتك وحركت دابتي سقطت قلنسوتي فلعب بها الصبيان. وراكبه مرة، فشق إبراهيم زرعًا فلم يسلك ابن غانم معه. ودخل عليه يومًا وفي يد إبراهيم قارورة فيها دهن يسير، قال كم تظن أيها القاضي يساوي هذا؟ قال تافه، فكم عسى أن يبلغ؟ قال إبراهيم فإن ثمنه كذا وكذا. قال ابن غانم: ما هو؟ قال السم. قال أرنيه. فدفع إليه إبراهيم القارورة ضرب بها عمودًا في المجلس فكسرها. ودعاه إبراهيم يومًا إلى صعود الصومعة فأبى، وقال: نكشف حرم المسلمين، فلم يصعد معه. ودخل يومًا على إبراهيم فوردت عليه كتب من الرشيد، فقرأ إبراهيم كتابه ثم دفعه إلى ابن غانمفقرأه ورده على إبراهيم. فقال له إبراهيم هات كتابك أقرأه قالا لا أفعل قال له: فلم قرأت أنت كتابي. قال أنت دفعته إلي ومددت يدك به فكرهت ردها. وقد اسر أمير المؤمنين في كتابه ما لا أريد أن أطلع عليه أحدًا. فقال له إبراهيم: أما علمت أن إبراهيم أمير أفريقية يقتل عبد الله قاضيها؟ فقال: يذكر ذلك. ولكن لست ذلك الأمير، هو ابنك ولست ذلك القاضي، هو غيري. فقدر أن الخبر بعد هذا، صدق في أبي العباس عبد الله بن طالب القاضي قتله الأمير إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم بعد هذا مسمومًا في سجنه. وسيأتي ذكره بعد هذا إن شاء الله. قال ابن غانم: دخلت مجلس إبراهيم بن الأغلب، إذ أشرف علينا إبراهيم فقام إليه من كان في البيت غيري. فجلس مغضبًا ثم قال لي: يا أبا عبد الرحمان ما منعك أن تقوم كما قام أخواك؟ فقلت أيها الأمير: حدثني مالك عن نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار. فنكس إبراهيم رأسه وأطرق. ومر رباح بن يزيد الزاهد وبيده قسط زيت على ابن غانم وهو قاض، فقال لها ابن غانم: احمله لك. فقال رباح شأنك. فرفع القسط إليه وجعل يشق به مجامع الناس فسلك به حوانيت البزازين حتى انتهى إلى داره. فقال رباح إنما فعلت هذا، لأنه بلغني عنك أنك تجد بنفسك، فأحببت أن أضع منك. فجزاه ابن غانم خيرًا وكان رباح بن يزيد يأتي كل يوم جمعة إلى ابن غانم فيدعوا. وكان نحيلًا دقيق العروق فجعل يومًا يدعو فاستضحك ابن غانم وتمادى رباح في الدعاء، وابن غانم في الضحك حتى نهض رباح فعذل ابن غانمجلساؤه في ذلك، وقالوا له: مثل رباح يضحك عليه؟ فقال لهم ابن غانم: امسكوا عني، إنما غمني أن العدو لما علم ما نحن فيه من الخير، أراد أن يقطعه بما رأيتم أو نحوه. فلما كان الجمعة جاء رباح فأخذ في الدعاء وهجم على ابن غانم من الرقة والخشوع أكثر ما كان منه، فلما قضى دعاءه قال ابن غانم جزاك الله خيرًا يا أبا يزيد. فقال له رباح قد علمت أن الذي كان منك إنما حركك عليه العدو ليقطع ما نحن فيه من الخير. ومر يومًا بالسوق والبهلول بن راشد يشتري لحمًا من جزار فنزل ابن غانم عن دابته وعانقه وقرب إليه دابته تعظيمًا له، فامتنع البهلول فأقسم عليه ابن غانم، فقال له أني اشتريت لحمًا قال احمله لك. فقال البهلول أني أجلك أن تمشي راجلًا فقال اركب خلفك. فركب البهلول على السرج وركب القاضي خلفه على كفل الدابة وقد حمل اللحم فشقا السماط حتى وصلا إلى دار البهلول فعجب الناس من تواضعه وشرفه.
  • exact linked passagemedium confidencepage 485, entry [252]6,784 chars
    ولايته القضاء وسيرته قال ابن القوطية: لما توفي المصعب بن عمران القاضي، استشار الأمير الحكم فيمن يستقضيه، فأجمع له وزراؤه وأعلام الناس، على محمد، بن بشير كاتب المصعب، وكان قد شهر عفافه واستقلاله بعهد المصعب، فولاه القضاء. فأثر على المصعب، وبعد في الفضل والعدل وصيته، وخلدت آثاره بعد. فلم يزل قاضيًا إل…
    ▸ expand full passage (6,784 chars)
    ولايته القضاء وسيرته قال ابن القوطية: لما توفي المصعب بن عمران القاضي، استشار الأمير الحكم فيمن يستقضيه، فأجمع له وزراؤه وأعلام الناس، على محمد، بن بشير كاتب المصعب، وكان قد شهر عفافه واستقلاله بعهد المصعب، فولاه القضاء. فأثر على المصعب، وبعد في الفضل والعدل وصيته، وخلدت آثاره بعد. فلم يزل قاضيًا إلى أن توفي فولي ابنه سعيد مكانه، قال ابن حارث: رأيت في بعض الكتب، أن ابن بشير لما وجه فيه، عدل في بعض طريقه إلى صديق له عابد، فنزل عليه، وتحدث معه في شأن نفسه، وتوقعه أنه وجه إليه في الكتابة التي قد تخلى عنها، فقال له صديقه: ما أرى بعث فيك إلا للقضاء. فقد مات قاضي قرطبة. فقال له ابن بشير: فإذا قبلتها فما ترى، فانصح لي وأشر علي. قال له العابد: أسألك عن ثلاثة أشياء فاصدقني فيها. كيف حبك لأكل الطيب، ولباس اللين، وركوب الغاره؟ فقال ابن بشير: والله ما أبالي ما رددت به جوعي، وسترت به عورتي، وحملت به رجلي، فقال هذه واحدة. فكيف حبك للوجوه الحسان وشبه هذا من الشهوات. فقال ابن بشير هذه حالة والله ما استشرقت نفسي إليها قط، ولا خطرتببالي. قال: هذه ثانية. كيف حبك للمدح والثناء وكراهتك للعزل، وحب الولاية. قال والله ما أبالي في الحق من مدحني أو ذمني وما أسرّ بالولاية ولا أستوحش للعزل. فقال له: أقبل القضاء، ولا بأس عليك. وذكر أن ابن بشير ولي القضاء بقرطبة مرتين، وكان بعض أخوانه يعتبه في صلابته في الحكومة، ويقول: أخشى عليك العزل. فكان يقول: ليته رأى الشقراء تقطع الطريق إلى ماردة، فما قضى إلا يسير حتى حدثت حادثة أظهر ابن بشير صلابته، فكانت سببًا لعزله. فانصرف لبلده كما تمنى. فما لبث إلا يسيرًا حتى أتى فيه بريد من قبل الأمير، فرفعه إلى قرطبة، فعدل في بعض الطريق إلى صديق له زاهد، فاجتمع معه، وقال له قد أرسل فيّ الأمير، وأظنه أنه يردني على القضاء ثانية. فما ترى؟ فقال له صديقه: إن كنت تعلم أنك تنفذ الحق على القريب، والبعيد ولا تأخذك في الله لومة لائم، فلست أرى لك أن تحرم الناس خيرك، وإن كنت تخاف أن لا تعدل فترك الولاية أفضل لك. قال ابن بشير: أما الحق فلست أبالي على ما أمررته، إذا ظهر لي. فقال له: لست أرى أن تمنع الناس خيرك. فورد إلى قرطبة وولي القضاء ثانية. وقال بعضهم: إن سبب عزله، أن يده قصرت عن بعض الخاصّة، ومنع من الحكم عليها، فحلف بطلاق زوجته ثلاثًا وعتق مماليكه وبصدقة ما يملك على المساكين أن حكم بين اثنين، فعزل. فلما أراد رده، اعتذر إليه، بتلك الأيمان، فعزم الأمير عليه، واعتق وطلق وتصدق وأخرج إليه الأمير جارية من جواريه ومالًا عوضًا من ماله، ومماليكًا عوضًا من مماليكه. قال أبو عبد الملك بن عبد البر: كان محمد بن بشير، قد اشترط على الأمير الحكم عندما تولى له القضاء،ثلاثة شروط مضمونة إن التزمتها لي تقدمت، وإلا فلا أقبل البتة، نفاذ الحكم على كل أحد ما بينك وبين حارس السوق، وإن ظهر لي من نفسي عجز، أستعفيتك، فأعفني. وأن يكون رزقي من الفيء. فضمنها له. قال ابن الحارث: وكان محمد بن بشير فيما قاله لي عنه بعض العلماء: أنه كان قبل الشاهد عنده على التوهم والفراسة. وربما عول على تزكية السر من أهل الثقة. قال: وكان يقضي في سقيفة مغلقة بقبلي مسجد أبي عثمان، بأول الربض الغربي، فكان إذا قعد للقضاء هناك، جلس وحده وخريطته بين يديه. فتولى تقليبها بيده، ويتقدم إليه الخصوم على كتبته، مرتبة، فيقف الخصمان على أقدامهما، بين يديه. ويدليان بحجتهما من غير صخب، فيفصل بينهما. وكان رسمه القعود للخصوم من غدوة إلى وقت الزوال. ثم يعود للقعود بعد صلاة الظهر، إلى العصر، فلا ينظر غير أسماعه من البيّنات، ويقيد الشهادات، لا يسمع ذلك في غير ذلك الوقت، ولا يخلو به أحد في مجلس نظره، ولا داره. ولا يقرأ كتابًا لأحد في سبب خصومه، ولا يرخص إليه. قال ابن وضاح: تولى محمد بن بشير القضاء، طبع عشر طوابع يرفع بها الناس إليه. ثم لم تزل في خريطته بعينها، إلى أن مات. فإذا سأله رجل طابعًا لرفع خصم كشفه له، عما يريده له. فإن كان قريبًا بقرطبة أعطاه إياه، وأمر كاتبه يزمُّ اسمه ومسكنه، واسم من أخذ الطابع فيه، ويعهد إليه بصرف الطابع إليه،إذا حضر خصمه، ويعنفه ويدعوه إن كان أخذه مبطلًا، فإن كان بعيدًا أجل له بقدر بعده. قال يحيى لمحمد بن بشير: إن الحالات بالناس تتغير، ولا تثبت. فإذا عدل عندك الرجل فحكمت بشهادته عن صحة نظر، حتى تطاول العهد وعادت الشهادة عندك، فأعد فيه نظرك، وكلفه التعديل، إن رابك، واستأنف الكشف عنه، فعمل بذلك وأخذ الشهود وحذرهم منه. وكان ابن بشير يشاور في قضائه عبد الملك بن الحسن زونان والغازي بن قيس، والحارث ابن أبي سعد، وإسماعيل ابن البشير التجيبي، ومحمد بن سعيد السبائي. قال ابن حارث: وكانوا إذا اختلفوا عليه، كتب إلى مصر إلى عبد الرحمان بن القاسم، وعبد الله بن وهب، قال القاضي أسلم عبد العزيز بن بقي بن مخلد؛ قال: كانت لمحمد بن بشير في قضائه مسالك رقاق، ومذاهب لطاف لم تكن لقاض قبله في الأندلس. ولا يقارن إلا بمن تقدم في صدر هذه الأمة. ورأيت له غير سجل فوجدتها مختصرة جدًا، محتوية على فص المعنى، من غير إكثار. إنما هي أسطار قليلة. خلاف ما يختلف الآن في زماننا من الكلام. ذكر بعضهم أن ابن سماعة صاحب الخيل، شكا إلى الأمير، أن ابن بشير يحيف عليه. فقال: أنا أمتحن قولك الساعة بواحدة. أخرج من فورك فاقصده، واستأذن عليه. فإن إذن لك صدقت قولك وعزلته. وإن لم يأذن لك دون خصمك ازددت بصيرة فيه. فخرج نحوه، فلما استأذن عليه خرج الإذن له أن كانت لك حاجة فاقتصد لذكرها مجلس القضاء. إذا جلس القاضي فيه، فلا سبيل إلىلقائه. وأعلم الأمير بذلك، فوافقه. قال قاسم بن هلال: شهد عند ابن بشير رجل من أهل البادية في معارفه، فاحتاج إلى تعديله، فدخلت أنا وابن مرتيل وثالث معنا. فقال: ما جاء بكم؟ قلت لأعدل هذا الرجل. فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وبها كان يستفتح حكومته. قال قاسم: فلما سمعته قهقرت، فحوّل وجهه نحونا. وقال لنا: الله الذي لا إلاه إلا هو إنه عندكم رضى. فقلنا له: بيمين أصلحك الله. قال والله لا أكتب له اسمًا إلا أن تحلفوا بها، أنه كذلك. فتورعنا وانصرفنا. وشهد عنده رجل، رافقه من الحج، له منه مكانة، فلم يقبل شهادته. فقال الخصم: عرفني بمن لم تقبل، لأنظر في تعديله. فقال له محمد: فلان صاحبي. ولن ينفعك تعديله عندي. فبلغ ذلك الرجل، فجاءه في مجلسه على رؤوس الناس وسأله عن سبب ذلك، وقال له: جمعنا وإياك المنشأ والحضر، وطلب العلم وطريق الحج، وعلمت من باطني ما علمت من باطنك فعرفني بالسبب أمام الناس، لأعرفه وأعرف بخطئي فيه أمام الجماعة. فقال ابن بشير: صدقت. وما عثرت لك في كل ذلك على جرحة في دينك، ولكن صدرنا من الحج فنزلنا مصر، وأخذنا في السماع من شيوخنا، والمقام بها، وشكوت لي الغربة ونظرت في شراء خادم، فقلت لي: وجدت خادمًا تساوي على وجهها كذا وكذا، وبيدها صنعة. فقلت لك: لا حاجة لك بصناعتها. وإنما تشتريها للمتعة. فدعها فلا معنى للزيادة فيها. فعصيتني واشتريتها. فلما رأيت الشهوة قد غلبتك في إتلاف ذلك في المغالاة فيها، خشيت أن تكون مثلها، قادتك إلى مثل هذه الشهادة. وشهد عنده صديق له يكنى بأبي اليسع، فرد شهادته، فعتبه في ذلك وقال: على محبتي فيكوخاصتي بك. فقال له الورع: يا أبا اليسع الورع يا أبا اليسع. فلم يزده على ذلك. وشهد عنده رجلان ممن يُظنُّ بهما خيرًا لمملوكٍ لمتوفى، أن مولاه أعتقه وزّوجه ابنته، وأوصى إليه بماله، وقضى بشهادتهما، فلم يلبث أحد الشاهدين أن حضرته الوفاة، فأوصى إلى القاضي أنه يريده. فدخل عليه، فلما أبصر به الشاهد، وهو في كربة، جثا على ركبتيه، وجعل ينجز إليه، فقال له القاضي: ما شأنك؟ فقال إني في النار إن لم تنقذني منها. الشهادة التي شهدت بها عندك بفلان لم يكن منها شيء فاتق الله وافسخ الحكم. فلم يزد محمد بن بشير على أن وضع يديه على ركبتيه، ثم قام وجعل يقول قضي الحكم، وأنت في النار. وخرج عنه. قال الفقيه القاضي أبو الفضل عياض رضي الله تعالى عنه: ما فعله ابن بشير من إمضاء الحكم صواب، وقوله وأنت في النار دون استثناء. لعله قصد به الإغلاظ لأمثاله من شهداء السوء. وإلا فحتمية الله في العفو عنه. من وراء هذا بفضلة، بقبول توبة مثله، ومحو سيئته بها، موعود به.
  • exact linked passagemedium confidencepage 561, entry [316]5,311 chars
    ذكر ولايته القضاء وسيرته في ذلك قال الجيزي في كتاب قضاة مصر: ولي الحارث بن مسكين قضاء مصر سنة سبع ثلاثين في جمادى الأولى منها. قال أبو عمر في كتاب قضاة مصر وفي كتاب الموالي: ولي الحارث بن مسكين قضاء مصر من قبل المتوكل، وأتاه كتاب القضاء وهو بالإسكندرية. فلما قرأه امتنع من الولاية فأجبره أصحابه على ذ…
    ▸ expand full passage (5,311 chars)
    ذكر ولايته القضاء وسيرته في ذلك قال الجيزي في كتاب قضاة مصر: ولي الحارث بن مسكين قضاء مصر سنة سبع ثلاثين في جمادى الأولى منها. قال أبو عمر في كتاب قضاة مصر وفي كتاب الموالي: ولي الحارث بن مسكين قضاء مصر من قبل المتوكل، وأتاه كتاب القضاء وهو بالإسكندرية. فلما قرأه امتنع من الولاية فأجبره أصحابه على ذلك، وشرطوا عونهم له. فقدم الفسطاط وجلس للحكم، وكان مقعدًا من رجليه. فكان يحمل إلى الجامع في محفة، ويركب حمارًا مبرقعًا، وطولب بلباس السواد فامتنع، فخوفه أصحابه سطوة السلطان واتهمه لتولي قيصر أمية. فلبس كساء صوف أسود. قال بعضهم: رأى بعض من بمصر كأن ابن أكتم ذبح الحارث بن مسكين. فلم يكن حتى جاءه قضاء مصر. وكان على يدي ابن أكتم قاضي القضاة حينئذ. قال أبو محمد الضراب في كتابه: روى الحارث عن ابن وهب، عن مالك في رجل يدعى للعمل فيكره أن يجيب إليه، وخاف على دمه أو جلد ظهره وهدم داره، كيف ترى في ذلك؟ فقال أما هدم داره أو جلد ظهره أو سجنه فإنه يصبر على ذلك، ويترك العمل خيرًا له. وأما أن يباح دمه فلا أدري ما حدث ذلك، ولعله في سعة من ذلك، أن عمل. قال يونس: روى الحارث هذا الخبر وولي. والله لقد سألني حارث: تراني أهلًا للفيتا كما قال مالك؟ وحكى القاضي يونس: ولي جعفر المتوكل الحارث، قضاء مصر، بعد أن سجنه على إبائه، ذلك زمانًا.قال محمد بن عبد الوارث: كنًّا عند الحارث فأتاه علي بن القاسم الكوفي، المدني. فقال له: رأيت في النوم الناس مجتمعين في المسجد الحرام، فقلت ما اجتماعكم؟ فقالوا عمر بن الخطاب جاء يقعد الحارث بن مسكين للقضاء. فرأيته أخذه وسمر مقعده في الحائط، وانصرف. فتبعته، فلما أحسّ بي، قال: ما تريد؟ قلت أنظر إليك. قال: اذهب إلى الحارث، فاقرأه مني السلام، وقل له يقضي بين الناس بإمارة إنك كنت في الحبس بالعراق. فقمت في الليل فعثرت بنكبة إصبعك، ودعوت بذلك الدعاء، فجئت من الغد، فقال لي الحارث: صدقت. وهذا شيء ما أطّلع عليه أحد إلا الله. فسألته عن الدعاء، فقال: يا صاحبي. عند كل شيء، ويا غياثي عند كل كربة، ويا مؤنسي في كل وحشة، صل على محمد وعلى آله، واجعل لي من أمري فرجًا. قال: ودعي إلى لباس السواد، فأبى من ذلك. فخاطب الوالي المتوكل، فرد كتابه: إن لم يلبس السواد فاخلعه، وركبه، ووجه الوالي وراءه رسلًا، فأسلمه القريب والبعيد. قال الطحاوي عن محمد ابن سعيد: فلقيته والرسل تزعجه، وقد وله. فعلمت إنه قصد وجهًا من الحق، فخالف فيه هوى السلطان، فدنوت منه وقلت له: سر يا شيخ لا يهولنك ما ترى، فإن إبراهيم أسلمه أهل الأرض فلم يضره، لما كان الله له. فاعتنقني وقال: أحييتني والله يا أخي بهذا الكلام، فأحياك الله سعيدًا. فلما أتي به إلى الوالي، أمر بكتاب المتوكل فقرأ عليه، فامتنع من لباس السواد وقال رجل من ناحية المسجد: إن الشيخ رأيته يلبس هذه الثياب العرجيةالتي تعمل باليمن، فقال الحارث: بلى. إني ربما لبستها. فقال له الوالي: فألبسها. فقال أما تلك فنعم. وقنع منه بذلك. وكتب به إلى المتوكل، وخلي عن الشيخ. قال الكندي: وأمر الحارث بإطراح أصحاب الشافعي وأبي حنيفة. ومنع أصحاب أبي حنيفة من الجامع، وفض مجالسهم، وأمر بنزع حصورهم بين العُمد. ومنع عامة المؤذنين من الآذان. ومنع قريشًا والأنصار من طعمة رمضان. وعمر المساجد، فبنى سقاية. وحفر خليج الإسكندرية. ونهى عن تقبل المصائد، وأباحها ونهى عن النداء على الجنائز، وضرب القراء الذين يقرأون بالألحان. وهو أول من ولي على مصاحف الجامع أمينًا. وترك تلفي الولاة والسلام عليهم. ولاعن. وقتل ساحرين نصرانيين وقتل نصرانيًا سبًّ النبيّ ﷺ، بعد أن جلده الحد. ونفى وحد من سبَّ عائشة. ولم يكن في ولايته خلل. وهدّم مسجدًا، كان بناه خراساني، بين القبور، بناحية القطب؟ في الصحراء. وكان يجتمع فيه للقراءة والقصص والتعبير، وبمثل هذا أفتى يحيى بن عمر في كل مسجد بني نائبًا عن القرية. حيث لا يصلي فيه أهل القرية. وإنما يصلي فيه من ينتابه، وبذلك أفتى في مسجد السبت بالقيروان، وبمثله أفتى أبو عمران في المسجد الذي بني بجيل فاس، وحمله أصحابه على النظر في أمر أبي بكر الأصم القاضي قبله. وكانوا قد لعنوه لما عزل ورموا حصره، وغسلوا من المسجد موضعه. فكان الحارث يوقف الأصم كل يوم، فيضربه عشرين سوطًا،ليخرج ما وجب عليه من الأموال. أقام على ذلك أيامًا. فقال بعضهم للحارث: إنه قبيح بالقاضي أن يتولى مثل ذلك. فخلى عنه. وألقيت إليه سحابة فيها مكتوب ميزان حراني، وصنجة ناقصة. فلما قرأها، استبدل بكتّابه وأعوانه غيرهم. وكان كاتب الحارث، أبو إسحاق القسطال. وعلى مسائله عمر ويزيد، أبناء يوسف بن عمر. وقال أبو عمر الكندي: وحكم الحارث في حُبسٍ بمذهبه، بمذهب مالك بإخراج أولاد البنات منه. فشكى أصحابه ذلك إلى المتوكل، فأفتى أهل العراق على مذهبهم وخطأوا الحارث، ونقصت القضية فاستعفى الحارث، إذ ذاك. فأعفي. وكان في كتاب استعفائه: انتهى إلى أمير المؤمنين، أن كتابًا وصل باستعفائك فيما تقلدت من القضاء بمصر. فأمر أيده الله بإجابتك إلى ذلك وإعفائك فيما تقلدت منه، إسعافًا لك فيما سألت، وتفضلًا لما أدّى لموافقتك فيه، فرأيك أبقاك الله في معرفة ذلك والعمل على حسبه. وذلك سنة خمس وأربعين ومائتين. فكان أمد قضائه سبع سنوات واحد عشر شهرًا. وولي بعده بكار ابن قتيبة. فلم يكشف أحدًا من أصحاب الحارث. وقال: حارث في فضله ودينه، أعلم بأهل بلده مني، إلى أن يتبين لي جرحه. وذكر أبو عمر الصدفي: إن رجلًا أتى الحارث برجل معه نصرانية، معها صغير أراد أن يبيعها من نصراني، فذكر ذلك للحارث. فقال له الحارث: فما أصنع به. فرد عليه الرجل الخبر، والحارث يقول: ما أصنع به، حتى أكثر عليه. فقال يزيد بن يوسف: أصلح الله القاضي، هو رجل صالح. فقال له الحارث: إذا كان صالحًا وأحمق، فما أصنع. قال بعضهم: حضرتجنازة. فأخذ يونس بن عبد الأعلى في الكلام والرشاد حتى بكى بعض من حضر، فقال الحارث: يونس، تحسن هذا كله، وأنت تصنع ما تصنع. فقال له يونس: أنت قاض، وقد قال رسول الله ﷺ: من جعل قاضيًا فقد ذبح بغير سكين. وذكر أن رجلًا تقدم إلى حارث في خصومة، فناداه رجل باسمه. وكان اسمه إسرافيل. فقال له الحارث ما حملك على أن تسمّى بهذا الاسم؟ وقد قال ﵊: لا تسمعوا بأسماء الملائكة. فقال له: فلمَ سمي مالك بن أنس مالكًا؟ وقد قال الله تعالى: ونادوا يا مالك. ثم قال: والله لقد تسمي الناس بأسماء الشياطين. فما عيب ذلك. يعني الحارث اسمه. ويقال هو اسم إبليس لعنه الله.
  • exact linked passagemedium confidencepage 801, entry [543]1,990 chars
    ذكر ولايته القضاء وسيرته كان ذا جلالة وقدر عظيم ببغداد. وأول ما ولي بها: الحسبة، سنة إحدى وسبعين. وولي أيضًا نفقات الموفق، فكان يتولاها دون رأي وزير أو غيره. ولما استعفى اسماعيل، أيام المعتضد من القضاء، وأجيب صير مكانه يوسف هذا. فيما ذكره الفرغاني. ثم ولي البصرة بعده ابن عمه، محمد بن حماد، مع قضاء س…
    ▸ expand full passage (1,990 chars)
    ذكر ولايته القضاء وسيرته كان ذا جلالة وقدر عظيم ببغداد. وأول ما ولي بها: الحسبة، سنة إحدى وسبعين. وولي أيضًا نفقات الموفق، فكان يتولاها دون رأي وزير أو غيره. ولما استعفى اسماعيل، أيام المعتضد من القضاء، وأجيب صير مكانه يوسف هذا. فيما ذكره الفرغاني. ثم ولي البصرة بعده ابن عمه، محمد بن حماد، مع قضاء سائر عمله، الذي مات عنه، في سنة ست وسبعين من قضاء واسط، وكور دجلة. فأقام يوسف ببغداد، واستخلف على البصرة محمد بن جعفر بن أحمد بن العباس بن عبد الله بن الهيثم بن سام، وكان فقيهًا سريًا عالمًا متفننًا وعف وحسن أثرُه. ثم توفي محمد بن جعفر، فاستخلفيوسف مكانه، ابراهيم بن المنذر الجارودي. ثم أتى خليفة الفاضل بن الحباب الجمحي، ثم أحمد بن عبد الله بن نصر الذهلي، والد القاضي أبي الطاهر بن علي المالكي. وولي يوسف مع ذلك، المظالم، ببغداد، سنة سبع وسبعين. فلما مات القاضي اسماعيل بن إسحاق منسلخ سنة اثنين ومائتين، قُسِّم عمله، فقلّد يوسف بن يعقوب، قضاء الجانب الشرقي. فلم يزل عليه، الى أن نُكب. وقلد ابنه أبا محمد، بعد مدة، مدينة المنصور. قال ابن عرفة: وذكر ولايته القضاء. قال: فحمدت مذاهبه، وحسُن حكمه. واستقامت طريقته. وكثر الشاكر له. وقال طلحة بن محمد في كتابه: كان يوسف بن يعقوب هذا، رجلًا صالحًا، عفيفًا، خيرًا، حسن العلم بصناعة القضاء. شديدًا في الحكم. لا يراقب فيه أحدًا. وكانت له هيبة، ورئاسة. وكان ثقة أمينًا. وذكر الخطيب أبو بكر في تاريخ علماء بغداد. أن خادمًا من وجوه خدماء المعتضد، أتى الى القاضي يوسف يومًا، في حكم. فارتفع في المجلس، فأمره الحاجب بموازاة خصمه. فلم يفعل، إدلالًا له بمحلّه. فصاح القاضي عليه، وقال: قفاه، أتؤمر، بموازاة خصمك، فتمتنع؟ يا غلام عمرو النخاس الساعة، يقدَّم إليه يبيع هذا العبد. ويحمل ثمنه لأمير المؤمنين. وقال لحاجبه: خذ بيده، وسوّ بينه وبين خصمه. فأكره على ذلك. فلما انقضى الحكم حدّث الخادم المعتضد بالحديث، وبكى له. فصاح عليه. وقال: لو باعك لأجزت بيعه. وما رددتك أبدًا. وليس خصومك لي يزيل مرتبة الحكم. فإنه عمود السلطان. وقوام الأديان. قال أبو جعفر الطبري: لما ولي يوسف بن يعقوب المظالم. أمر أن ينادي: من كانت لهمظلمة، قبل الأمير الناصر، وأخذ من الناس، فليحضر. وتقدم الأذن الى صاحب الشرطة، ألا يطلق أحدًا من السجن إلا من رأى إطلاقه، بعد أن تُعرَض عليه قصصهم.
  • exact linked passagemedium confidencepage 832, entry [578]9,156 chars
    ذكر ولايته القضاء وسيرته قال ابن مسكين: لما مات سحنون اغتممت لموته. فرأيته في نومي، كأنه خلع من عنقه شيئًا، كان متقلدًا به، فقلدني إياه. فقلت: كان سحنون رجلًا صالحًا. والله لأقفون أثره. وتأولته العلم. فبعد أربعين سنة خرجت رؤياي. فابتليت بالقضاء. قال عيسى: بينما أنا في الدار يوم الجمعة برقادة - يعني …
    ▸ expand full passage (9,156 chars)
    ذكر ولايته القضاء وسيرته قال ابن مسكين: لما مات سحنون اغتممت لموته. فرأيته في نومي، كأنه خلع من عنقه شيئًا، كان متقلدًا به، فقلدني إياه. فقلت: كان سحنون رجلًا صالحًا. والله لأقفون أثره. وتأولته العلم. فبعد أربعين سنة خرجت رؤياي. فابتليت بالقضاء. قال عيسى: بينما أنا في الدار يوم الجمعة برقادة - يعني وهو قاضي - إذا برجل يحرك عليّ الباب. ففتحت له، فسلم عليّ. ثم جلس. فقال لي: كيف حالك. فقلت ما سؤال على من صار حاله الى ما ترى؟ قال: إنما هي تسعة. وقلت: هذا - يعني الأمير - قال: هذا يخرج. وهذا يمر. فقلت: أين. قال يركب البحر. ثم خرج. فقلت تسعة أيام. فمضت تسعة أشهر. فأقمت تسع سنين. فقال: إنه الخضر ﵇. قال ابن حارث: كان ابراهيم بن أحمد بن الأغلب. قد أحضر يحيى بن عمر، الى ولاية القضاء. فقال له: إن دللتك على من هو أفضل مني، في الوجه الذي تحب. تعافيني؟ قال له: نعم. فدلّه على ابن مسكين. فأرسل فيه ابراهيم بن حماد، الى كورة الساحل. وأوصله الى نفسه. وعرض عليه القضاء فنفر منه. قال تميم بن خيرإنه لما شاور العلماء ابراهيم، فيمن يلي القضاء، اختلفوا عليه. فذكر له عيسى، فقال أحمد بن ناجي: والله، أيها الأمير، صاحبنا عند سحنون. جمع الله فيه خلال الخير، بأسرها. فوجه فيه الى الساحل. فأتي به. وفي المجلس حمديس وغيره. فقال له ابراهيم: أدتري لمَ بعثت إليك؟ فقال: لا. قال: لأشاورك في رجل قد جمع خلال الخير أردت أن أوليه القضاء. وألمّ به شعث هذه الأمة فأمتنع؟ قال: ألزمه أن يلبي. قال: تمنّع. قال يُجبر على ذلك. قال: أمتنع؟ قال: يُجلد. قال: قم. فأنت هو. قال: ما أنا بالذي وصفت. وتمنع. فأخذ الأمير بمجامع ثيابه، وقرب السيف من نحره. فتقدم إليه عيسى بنحره. قال حمديس: فقمت من مكاني، كيلا يصيبني من دمه. فلم يزل به، حتى ولي. قال ابن أبي سعيد: ولاه القضاء ابراهيم بن أحمد، بعد إجماع الناس عليه، على اختلاف مذاهبهم، وامتناعه. فخوّفه ابراهيم، وحلف له بغليظ الإيمان لئن لم تلِ لأقتلنّك. فولي، وأسكنه رقادة. فكان لا يتصرف، ولا يخرج الى المسجد. وقيل إن ابراهيم قال: والله لأولين عليكم من لا تختلفون في فضله وزهده، وعلمه وورعه. فوجه فيه. قال غيره: وقيل: إن الأمير ابراهيم، قال له: إن لم تلِ لأولينّ ابن عبدون، يظهر البدعة، ويهين، السنة. وقيل إن ابن الأغلب لما وجه فيه، استخشن الرسول زيه. فلما أتى به ابن الأغلب، قال له: إنه لا يصلح للقضاء. لثقل روحه، وزيه. قال له: أرنيه، قبل وصوله إليّ. فأدخله من حيث يراه، وعليه جبة صوف، وعمامة صوف. فلما وصل إليه، قال له ابن الأغلب: قد اتفق الناس عليك. فقال: اتق الله ولا تول مثلي على هذاالبلد. فقال اذهب ولا ترجع الى منزلك إلا بإذني، وجمع العلماء والشيوخ الذين أشاروا به. فقال لهم: أشرتم علي بشيخ في زي جَمال. فقالوا إن أردت أن تقوم لك الحجة عند الله، فوله. فلم يرَ مثله. فأحضره وخوفه وذكر نحوًا مما تقدم. فلما رأى منه ما رأى، أي ما لا قدرة له عليه. أراد أن يشدد عليه في الشرط. قال اشترط ما أحببت. قال أستعفيك في كل شهر، قال نعم. قال: أكتبه. ففعل. وأحملك وبني عمك، وجندك وفقهاء المسلمين وأغنيائهم في درجة واحدة. قال: أكتب. ففعل. قال ولا توجه ورائي، ولا أعزّي، ولا أهنّي، ولا أشيّع، ولا ألتقي. فمتى لم توفِ لي بشرط، عزلت نفسي. قال: نعم. وعرض عليه الصلة، والكسوة فامتنع. قال ابن حارث: وقال عيسى بن مسكين لابن الأغلب: أنا رجل طويل الصمت، قليل الكلام، غير نشيط في أموري، ولا أعرف أهل البلد، فقال له الأمير: عندي مولى نشيط، قد تدرب في الأحكام، أنا أضمه إليك يكون كاتبًا. يصدر عنك الأمور في القول في جميع الأمور، فما رضيت من قوله، أمضيت. وما سخطت رددت، فضم إليه عبد الله بن مفرج المعروف بابن البناء. قال المخبر: فكثيرًا ما كنت آتي مجلسه، وهو صامت لا ينطق، وابن البناء يقضي. قال: فلقد دخلت يومًا على الأمير، فقال لي: بلغني أنك تخاطب الخصوم، وتفصل، وعيسى ساكت. ما أرى إلا أنه لم يقبل القضاء. قلت: قد قبل. إلا أني أكفيه. قال: أمضِ، ولا تعلم أحدًابما جرى بيني وبينك. فإذا حضر الخصمان فافصل بينهما، بغير مذهبه. فقلت ما قلت لهما. فأمرني عيسى بصرفهما. فقال لي: أفصل بينهما ولا يعاد إليّ مثل ما فعلت قبل. فأمرهما قرارًا بين يديه. وفصل بينهما، بمذهبه. فأخبرت بذلك الأمير. فحمد الله تعالى. وسجد شكرًا لله تعالى. قال الخراط: وكان له كاتب آخر يقال له ابن زرياب. يتولى الديوان. فغاب يومًا عن المجلس، واحتيج الى النظر في الديوان، ولم يدر ابن البناء ما يعمل فيه، الى أن ارتفع النهار. وتفرق أصحاب القضية. فجاء ابن زرياب، فنظر في الديوان، فأخرج القضية، ثم اعتذر عن تأخره، بحضوره نكاحًا، عند أبي القاسم بن محمد بن عبدوس. وذكر ما لابن عبدوس عليه من الحق. وأنه لم يمكنه إلا الحضور. فقال له عيسى: ما ظننا بك إلا عذرًا من مرض، أوهم في ذلك، وإذا أنت في هذا. فأخذوا بيده الى السجن. فلما استقر في السجن وجه وراءه، وقال له: أنت في إجازة المسلمين، تعطل ما استؤجرت فيه، وتشتغل بحضور الملاكات. لا تعد وارجع الى مكانك. وذكر أنه كان يقوم في الليل، يتذكر قصص المتخاصمين عنده، واحدًا واحدًا، ويسأل الله تعالى أن يحمله فيها على السداد. ومرّ يومًا على السجن فأسمعه بعض من سجنه ما يكره، فكلمه في ذلك بعض من حضر، وقال من يصبر على هذا. قال عيسى: من أين كلمني؟ قال من السجن. فقال لهم فليس عليّ أكثر من هذا. أخذنا كسوته ونمنعه من البكاء. ونحو هذا. وخرج عنده بعض العرافين شُهد عليه أنهيشرب النبيذ. قال له عيسى: كشفت عنه فأصبته يدين بتحليله. ولا يجمع عليه الجموع. وأثبت شهادته. ودخل على عيسى بن مسكين رجل، من أشراف الناس، يتولى الأمانة للقضاة. وكان عيسى يجلّه. فأقبل عيسى يسأله عما قبله. فإذا بصائح يقول: يا قاضي. خصمي داخل عندك. وأنا خارج. ثم صاح ثانية، وثالثة. فلم يرَ عيسى غيري. فأمر بإدخاله. وسأله من خصمك؟ فقال: هذا؟ يعني الأمين. فقال: هل دارت بينك وبينه مخاصمة، قبل هذا. قال: لا. وأمر بالرجل الى الحبس، وقال: لما دخل علينا أمينُنا ومن يعيننا على الحق، أردت أن تؤذيه وتمرته. فقال عندي منافع مال من السجن تأتي بها. فلما استقر في السجن، أمر بإخراجه، وإحضار منافعه. قال: وبينما عيسى يومًا بجامع رقادة، إذ سمع صياح قوم. بالله. ثم به. فقال لمن حوله: أنظروا من هؤلاء؟ قالوا: نهب تونس، فأمر بإمساكهم. فشكاه الذي نهبهم الى الأمير، ابراهيم. فأرسل إليه في إطلاقهم. فقال لكاتبه: أكتب إليه: ويا قومِ ما لي أدعوكُم الى النجاة وتدعونني الى النار الى قوله: بصيرٌ بالعباد. فلما قرأها، قال: هذا رجل يحاربنا بالله، لا حاجة لنا بهم. أتركوهم. ووجه ابن الأغلب يومًا وراء ابن البناء. فغلط الرسول. فدعا عيسى، وذلك بعد مجيء الأمير ابراهيم، من سفرة، لم يشيعه فيها، عيسى، ولا لقيه إذ جاء. فلما أتى الرسول الى عيسى. أقبل فوجد ابراهيم في بستان. فلما رآه ابراهيم قال له ابتداءً، والله ما وجهت إليك. ولا أردت إلا ابن البناء. فانصرف عيسى من مكانه ذلك. ولم يصل الى الأمير ولا سلم عليه. فقال ابراهيم: يا قوم: أرأيتم مثل هذا القاضي.غبت فما شيع، ورجعت فما تلقى، ولا هنأ. بعثت وراء غيره. فغلط به الرسول. فاعتذرت له. فانصرف بعد أن رآني بغير تسليم، ردوه. فخرج بعد ذلك عليه ابراهيم. فقال له عيسى: الأمير أكرم من أن يعدني وعدًا. ويعقد على نفسه عقدًا. ثم ينقضه، فيما تقدم منه. من رفع المؤونة عني، فصارت مخالفة ما رسمه من طرح التكليف مما لا ينبغي أن أفعله ولا يجوز، وأما رجوعي بعد رؤيتي له، من غير تسليم، فرأيته جالسًا في غير مجلسه للناس. فلو تركني. لسلمت. فلما بادرني بالكلام، قبل السلام. ظننت كراهيته، لدخول هذا الموضع. فانصرفت مساعدة لذلك. وكان يقول للأمير ابرهيم عندما يُطنب في الثناء عليه، ويفتخر به: إنه مطيع. فقال: إن كان ما ظهر منه يشهد لباطنه فما كان في عُبّاد بني إسرائيل مثله. وإن كان رياء أو تصنعًا، فما رأينا ولا بلغنا عن أحد ملك شهوته ونفسه منه. لاسيما مع الإمكان والرياسة. وهو في الحالتين نسيج وحده. قال: ولم يأخذ ابن مسكين في مدته على القضاء أجرًا. وكان لا يستعين بأحد في شيء، من أموره. وربما استُقي له الماء، فيريقه، ويستقي لنفسه. وإنما كان بل لنفسه. ودخل عليه رجل يومًا، فوجد له عجينًا في مقلى، كاد أن يحترق، وابن مسكين في الصلاة. فقلبه له الرجل. فلما أتم الصلاة أمر بصدقته، ولم يأكله. ودخل عليه رجل يستسقي، فحلف له أن لا يستقي إلا هو. فتركه حتى استقى. ثم أخذه فأراقه في الماجل. ثم استقى هو بنفسه. وإنما كان يعيش بدقيق، كان يأتيه من منزله، يخبزه بنفسه، وبقل وشيء يأتيه من البادية. فإن لم يأته شيء، انتظره. فربما بقي اليومين والثلاثة بلا طعام. وكان شديدالتقشف في قضائه. ولم يكن على هذه السبيل من الانقباض، قبل قضائه. ولما عزل، عاد الى ما كان عليه، من حسن المعاشرة. وكرم المجالسة. والمؤاخاة. وسئل عن فرط انقباضه، فقال: ابتليت بجبار عنيد. خفت أن يبعث إليّ من طعامه أو يدعوني إليه. فلا آمنه إن امتنعت. فحملت نفسي على ذلك. لينقطع طمعه فيّ. وفرغ ما عنده من القوت برقادة. فبقي ثلاثة أيام، لا يطعم شيئًا. حتى لزم الفراش ضعفًا. حتى أتاه الرسول، آخر اليوم الثالث. قال: ولقد أقام برقادة تسع سنين، ما أكل تينًا - إلا مرة - اشتري له بخروبة. ولا بطيخًا - إلا مرة واحدة - صغيرة. وكان عيسى لا ينزل الى القيروان. فولى مظالمها، سليمان بن سالم، وأطل له النظر في مائة دينار. ثم عزله. وولاه قضاء صقلية. وولي مكانه ابراهيم بن الخشاب، واستكتب له أبا بكر بن اللباد. فكان يجري على رأيه، ولم يكن لابن الخشاب فقه، وولى على الحسبة، أبا القاسم الطرزي، قال أبو بكر اللباد: شاهدت ابن مسكين في جنازة بعض نساء الأمير ابراهيم، جالسًا في المقبرة. إذ جاء الأمير أبو العباس، فقام إليه الناس، وسلموا عليه، وعيسى جالس. ما حل حبوته. فلما نظر إليه. قال: يا قاضي: السلام عليكم ورحمة الله. فقال له: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. ثم سار إذ جاء أبوه ابراهيم، فوقف إليه الناس، وعيسى على حاله، ما حل حبوته. فلما رآه الأمير مال إليه، فلما حاذاه، قال السلام عليك يا قاضي. فردّ عليه. ثم نزل فقدّم عيسى للصلاة عليها، وبعث الأمير به الى تونس، فرغب بعض أهلها في نزوله عنده. فأنزله في دار حسنة، فقصد الى بيت مُسوّدٍ من الدخان، بابه تحت درج، فنزل فيهفسئل عن ذلك. فقال: يأتيني رجال السلطان فيطيلون الجلوس، إذا أصابوا مكانًا حسنًا. وهاهنا من أتى منهم، سلّم وانصرف. وعوفيت منهم. قال القاضي رحمه الله تعالى: ونقلته من خط ابن الحارث: سمعت بعض الشيوخ يحكي، أن رجلًا كان واقفًا على جزار فرماه رجل بشيء، فحاد عن الرمية، فسقط، فاعتل، فمات، وخاصم ورثته، الرامي الى عيسى بن مسكين. فأثبتوا عليه الرمية. فقضى لهم عيسى بالقتل، بعد القسامة. فلما ذهبوا ليحلفوا. قال لهم ابن مسكين: يحلفون بالله خمسين يمينًا، لمن رميته حاد ومن حبوته سقط ومن سقطته مات. وكان ابراهيم يبتهج بكونه قاضيًا له. قال له يومًا بعض خدمته لقد نصحتك نصحًا ما نصحك القضاة بمثله. فقال له ابراهيم: ولا عيسى بن مسكين.
  • reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 485, entry [252]343 chars
    ع فيه، ويعهد إليه بصرف الطابع إليه،إذا حضر خصمه، ويعنفه ويدعوه إن كان أخذه مبطلًا، فإن كان بعيدًا أجل له بقدر بعده. قال يحيى لمحمد بن بشير: إن الحالات بالناس تتغير، ولا تثبت. فإذا عدل عندك الرجل فحكمت بشهادته عن صحة نظر، حتى تطاول العهد وعادت الشهادة عندك، فأعد فيه نظرك، وكلفه التعديل، إن رابك، واستأنف الكشف عنه، فعمل بذلك وأخذ الشهود وحذرهم
  • reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 485, entry [252]346 chars
    عيدًا أجل له بقدر بعده. قال يحيى لمحمد بن بشير: إن الحالات بالناس تتغير، ولا تثبت. فإذا عدل عندك الرجل فحكمت بشهادته عن صحة نظر، حتى تطاول العهد وعادت الشهادة عندك، فأعد فيه نظرك، وكلفه التعديل، إن رابك، واستأنف الكشف عنه، فعمل بذلك وأخذ الشهود وحذرهم منه. وكان ابن بشير يشاور في قضائه عبد الملك بن الحسن زونان والغازي بن قيس، والحارث ابن أبي سعد
  • reviewable assessment hintthiqaneeds reviewmedium confidencepage 485, entry [252]342 chars
    رزقي من الفيء. فضمنها له. قال ابن الحارث: وكان محمد بن بشير فيما قاله لي عنه بعض العلماء: أنه كان قبل الشاهد عنده على التوهم والفراسة. وربما عول على تزكية السر من أهل الثقة. قال: وكان يقضي في سقيفة مغلقة بقبلي مسجد أبي عثمان، بأول الربض الغربي، فكان إذا قعد للقضاء هناك، جلس وحده وخريطته بين يديه. فتولى تقليبها بيده، ويتقدم إليه الخصوم على ك
  • reviewable assessment hintthiqaneeds reviewmedium confidencepage 801, entry [543]343 chars
    وقال طلحة بن محمد في كتابه: كان يوسف بن يعقوب هذا، رجلًا صالحًا، عفيفًا، خيرًا، حسن العلم بصناعة القضاء. شديدًا في الحكم. لا يراقب فيه أحدًا. وكانت له هيبة، ورئاسة. وكان ثقة أمينًا. وذكر الخطيب أبو بكر في تاريخ علماء بغداد. أن خادمًا من وجوه خدماء المعتضد، أتى الى القاضي يوسف يومًا، في حكم. فارتفع في المجلس، فأمره الحاجب بموازاة خصمه. فلم يف

القاضي عياض - ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية

full-text

— · 17 entries

  • exact linked passagemedium confidencepage 520, entry [151]6,524 chars
    ذكر ولايته القضاء وسيرته قال الشيرازي. ولى الرشيد بن غانم قضاء أفريقية، وقيل ولاه أمير أفريقية روح بن حاتم المهلبي، أشار عليه به ابن فروخ الفقيه، لما امتنع هو أن يلى؛ وقيل: أن أبا يوسف قال لروح عند خروجه إلى القيروان: بمدينة قيروان فتى يقال له عبد الله بن غانم، قد فقه، فوله قضاء أفريقية. وكانت ولايت…
    ▸ expand full passage (6,524 chars)
    ذكر ولايته القضاء وسيرته قال الشيرازي. ولى الرشيد بن غانم قضاء أفريقية، وقيل ولاه أمير أفريقية روح بن حاتم المهلبي، أشار عليه به ابن فروخ الفقيه، لما امتنع هو أن يلى؛ وقيل: أن أبا يوسف قال لروح عند خروجه إلى القيروان: بمدينة قيروان فتى يقال له عبد الله بن غانم، قد فقه، فوله قضاء أفريقية. وكانت ولايته في رجب سنة إحدى وسبعين ومائة، وهو ابن اثنين وأربعين سنة، في حياة مالك رحمه الله تعالى. ولما بلغت مالكًا ولايته سر بها وأعلم بذلك أصحابه. ولما أتاه ابن أبي حسان، سأل عن ذلك ابن أبي حسان، فأعلمه. فقال له: ما ذاك بخير له. وكان الرشيد يكاتبه، فكان يعد قضاؤه من قبله. *** وتشاجر أصحاب ابن غانم في ولايته، فقال بعضهم: هي من المسودة دون أمير المؤمنين، فقال أبو عثمان حاتم بن عثمان المعافري: امرأته طالق ثلاثا، ومماليكه أحرار، إن كان ولاه إلا أمير المؤمنين (¬١١٨). ثم جاء إلى ابن غانم (¬١١٩) فأخبره الخبر، فقال له. يا أبا عثمان! كم صداق امرأتك؟ فقال مائتا دينار. قال: وكم ثمن مما ليلك؟ قال: مائة دينار؛قال: خذها. فقد بانت منك امرأتك، وعتق ليلك. *** ولم يزل ابن غانم على القضاء الى أن توفي، فكانت ولايته نحوا من تسعة عشر عامًا. *** وكان ابن غانم يوجه أبا عثمان هذا بمسائله، أيام قضائه، الى مالك، فيما ينزل به من نوازل الخصوم، فيأخذ له عليها الأجوبة. وكان يكتب الى ابن كنانة. فيأخذ له الأجوبة (¬١٢٠) من مالك، وكان يكتب أيضًا الى أبي يوسف. قال السورى: ولم يزل الأمر يتراقى بابن غانم في الرفعة والسمو في أحكامه وأموره، فكان من اكرام الخليفة له، اذا كتب كتابًا لابراهيم ابن الأغلب، يقول له فيه: وأنا لا أفك لك كتابا حتى يكون مع كتابك الى كتاب ابن غانم. فكان ابراهيم أكثر الناس مداراة وتعظيمًا له. *** وكان ابن غانم يلبس من الثياب أرفعها، ويجعل لخصومات النساء يومًا يجلس فيه للنظر بينهن، ويلبس يومئذ الفرو الخشن، وخلق الثياب، وينظر ببصره الى الأرض، فلا يشك من لا يعرفه أنه أعمى، ويزيل الحجاب والكتاب عنه؛ وكان له حظ من صلاة الليل، فاذا قضاها، وجلس في التشهد آخرها، عرض كل خصم يريد أن يحكم له على ربه، يقول في مناجاته: يا رب فلان نازع فلانا. وادعى عليه بكذا، فأنكر دعواه، فسألته البينة فأتىببينة شهدت بما ادعى، ثم سألته تزكيتها، فأتاني بمن زكاهم، وسألت عنهم في السبر فذكر عنهم -يعنى- خيرًا، وقد أشرفت أن آخذ له من صاحبه حقه الذي تبين لى أنه حق له، فان كنت على صواب، فثبتني، وان * كنت على غير صواب فاصرفني، اللهم لا تسلمني، اللهم سلمني، فلا يزال يعرض الخصوم على ربه حتى يفرغ منهم. *** وابن غانم هو الذى أوقف الأحمية التي كانت بمراسي أفريقية المرافق المرابطين. *** وكان ابن غانم اذا جلس رمى اليه الخصوم الشقاف فيها قصصهم مكتوبة، فوجد يوما شقفة فيها قصة لنخاسى البغال، فدعاهم، فأخبروه أن أبا هارون مولى ابراهيم ابن الأغلب الأكبر، صاحب أمره، ابتاع منهم بغالا بخمسمائة دينار، ولم يدفع لهم شيئا، فضم ديوانه، ونهض الى ابراهيم، وكان قد أباح له الدخول عليه دون اذن، فكان القاضى اذا أتى تنحنح. فاذا قيل له: ادخل، دخل، ففعل كعادته. فسأله ابراهيم ما قصته؟ فذكر له شأن المتظلمين؛ فأحضر أبا هارون، فاعترف وقال: حتى يجيء الخراج، وقد بعثت في طلبه. فقال ابن غانم: لا أبرح حتى تدفع اليهم أموالهم، فما برح حتى دفعت اليهم. ***ودعى الأمير ابراهيم ابن الأغلب ابن غانم يوما. فقرأ عليه كتاب الرشيد، يأمره باحضار رجل يقال له حاتم الأبزارى، ويقول: ان لفرج مولى أمير المؤمنين عليه عشرة آلاف دينار، ويأمر ابراهيم بقبضها، ويوجهها مع رسول له خراساني، ويقول له فى آخر الكتاب: وأحضر ابن غانم القاضى، وقد أحضر المطلوب ترعد فرائصه؛ فلما أكمل إبراهيم قراءة الكتاب، قال لابن غانم: سمعت ما فيه؟ قال: نعم؛ قال ابن غانم: وأحضرت ليحمل على قولى فيما في هذا الكتاب؟ قال ابراهيم: ولم أمرت باحضارك اذن؟ قال: فأول ذلك أن يثبت الرسول بعد لين استخلاف أمير المؤمنين له على قبض هذا المال ان صح، وأن المال لأمير المؤمنين أو لمولاه. فقال الرسول ويكتب أمير المؤمنين بالباطل؟ قال: معاذ الله، أمير المؤمنين أكرم من أن يأخذ مالا من غير حله، ولكن قد تنخرق الأشياء دونه؛ قال الخراساني: ما تقول أيها الأمير؟ قال: ما قال القاضي؛ وتحمل، فقام ابن غانم، وحمل الأبزارى معه، فقال ابراهيم: الله تلاده! ما أنفذ بصيرته وأمضى عزيمته. *** وراكب ابن غانم ابراهيم يوما، فزادت دابة ابراهيم في المشي، فحول ابن غانم دابته ورجع الى داره، فعاتبه ابراهيم على ذلك. فقال ابنغانم: أصلح الله الأمير، انما نفوذ أحكام القاضي على قدر جاهه، ولو ساعدتك وحركت دابتي سقطت قلنسوتي فلعب بها الصبيان. *** وراكبه مرة أخرى، فشق ابراهيم زرعا، فلم يسلك ابن غانم معه. *** ودخل عليه يوما وفى يد ابراهيم قارورة فيها دهن يسير. فقال: كم تظن أيها القاضى يساوى هذا؟ قال: تافه يسير، ما عسى أن يبلغ؟ قال ابراهيم: فان ثمنه كذا وكذا. قال ابن غانم: ما هو؟ قال: السم. قال: أرنيه؛ فدفع إبراهيم اليه القارورة، فضرب بها عموداً في المجلس فكسرها. *** ودعاه ابراهيم يوما الى صعود الصومعة، فأبى وقال: نكشف حرم المسلمين! فلم يصعد معه. *** ودخل يومًا على ابراهيم فوردت عليه كتب من الرشيد، فقرأ ابراهيم كتابه ثم دفعه الى ابن غانم، فقرأه ورده على ابراهيم. فقال له ابراهيم: هات كتابك أقرأه. قال: لا أفعل. قال له: فلم قرأت أنت كتابي؟ قال: أنت دفعته الى ومددت يدك به فكرهت ردها، وقد أسر الى أمير المؤمنين في كتابه ما لا أريد أن أطلع عليه أحدًا.فقال له ابراهيم: أما علمت أن إبراهيم أمير أفريقية يقتل عبد الله قاضيها؟ فقال: يذكر ذلك، ولكن لست ذلك الأمير، هو ابنك، ولست أنا ذلك القاضي، هو غيرى. فقدر أن الخبر بعد هذا صدق في أبي العباس عبد الله بن طالب القاضي، قتله الأمير ابراهيم بن أحمد بن ابراهيم بعد هذا مسمومًا في سجنه، وسيأتي ذكر ذلك ان شاء الله تعالى بعد هذا. *** قال ابن غانم: دخلت مجلس ابراهيم بن الأغلب، اذ أشرف علينا ابراهيم، فقام اليه من كان في البيت غيرى، فجلس مغضبًا، ثم قال لى: يا أبا عبد الرحمن! ما منعك أن تقوم كما قام اخوانك؟ فقلت: أيها الأمير، حدثني مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله ﷺ: من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار؛ فنكس ابراهيم رأسه وأطرق. *** ومر رياح بن يزيد الزاهد، وبيده قسط زيت، على ابن غانم، وهو قاض، فقال له ابن غانم: أحمله لك. فقال رياح: شأنك، فرفع القسط اليه، وجعل يشق به مجامع الناس، فسلك حوانيت البزازين حتى انتهى الى داره، فقال له رياح: انما فعلت هذا لأنه بلغنى أنك تجد بنفسك، فأحببت أن أضع منك؛ فجزاه ابن غانم خيرًا.وكان رياح بن يزيد يأتى كل جمعة الى ابن غانم، فيدعو له، وكان نحيلا دقيق العروق، فجعل يومًا يدعو، فاستضحك ابن غانم، وتمادى رياح في الدعاء وابن غانم فى الضحك، حتى نهض رياح، فعذل ابن غانم جلساؤه فى ذلك، وقالوا له: مثل رياح يضحك عليه؟ فقال لهم ابن غانم: أمسكوا عنى. انما غمى أن العدو لما علم ما نحن فيه من الخير، أراد أن يقطعه بما رأيتم، أو نحوه؛ فلما كان الجمعة، جاء رياح فأخذ فى الدعاء، وهجم على ابن غانم من الرقة والخشوع أكثر ما كان منه، فلما قضى دعاءه قال له ابن غانم: جزاك الله خيرًا يا أبا يزيد؛ فقال له رياح: قد علمت أن الذى كان منك انما حركك عليه العدو، ليقطع ما نحن فيه من الخير. *** ومر يومًا بالسوق، والبهلول بن راشد يشترى لحمًا من جزار، فنزل ابن غانم عن دابته، وعانقه وقرب اليه دابته تعظيمًا له، فامتنع البهلول، فأقسم عليه ابن غانم، فقال له: اني اشتريت لحمًا؛ قال: أحمله لك؛ فقال البهلول: اني أجلك أن تمشى راجلا؛ فقال: أركب خلفك؛ فركب البهلول على السرج، وركب القاضي خلفه على كفل الدابة، وقد حمل اللحم، فشقا السماط حتى وصلا الى دار البهلول، فعجب الناس من تواضعه وشرفه.
  • exact linked passagemedium confidencepage 781, entry [276]6,828 chars
    ولايته القضاء وسيرته قال ابن القوطية: لما توفى المصعب بن عمران القاضي، استشار الأمير الحكم فيمن يستقضيه، فأجمع له وزراؤه وفقهاؤه وأعلام الناس على محمد بن بشير كاتب المصعب، وكان قد شهر عفافه واستقلاله بعهد المصعب، فولاه القضاء، فأربى على المصعب، وبعد في الفضل والعدل صيته، وخلدت آثاره بعده، فلم يزل قا…
    ▸ expand full passage (6,828 chars)
    ولايته القضاء وسيرته قال ابن القوطية: لما توفى المصعب بن عمران القاضي، استشار الأمير الحكم فيمن يستقضيه، فأجمع له وزراؤه وفقهاؤه وأعلام الناس على محمد بن بشير كاتب المصعب، وكان قد شهر عفافه واستقلاله بعهد المصعب، فولاه القضاء، فأربى على المصعب، وبعد في الفضل والعدل صيته، وخلدت آثاره بعده، فلم يزل قاضيا إلى أن توفى، فولى ابنه سعيد مكانه. قال ابن حارث: رأيت في بعض الكتب أن ابن بشير لما وجه فيه، عدل في بعض طريقه إلى صديق له عابد، فنزل عليه وتحدث معه في شأن نفسه، وتوقعه أنه وجه إليه في الكتابة التي قد تخلى عنها؛ فقال له صديقه: ما أرى بعثه فيك إلا للقضاء، فقد مات قاضي قرطبة. فقال له ابن بشير: فإذ قلتها فما ترى؟ فانصح لي وأشر على؛ قال له العابد: أسألك عن ثلاثة أشياء، فاصدقني فيها؛ كيف حبك لأكل الطيب، ولباس اللين، وركوب الفاره؟ فقال ابن بشير: والله ما أبالى ما رددت به جوعي، وسترت به عورتي، وحملت به رجلي؛ فقال له: هذه واحدة، فكيف حبك للوجوه الحسان، وشبه هذا من الشهوات؟ فقال ابن بشير: هذه حالة والله ما استشرفت نفسى إليها قط، ولا خطرت ببالى. قال: هذه ثانية، فكيف حبك المدح والثناء وكراهتك للعزل وحبك الولاية؟قال: والله ما أبالى في الحق من مدحنى أو ذمنى، وما أسر بالولاية ولا أستوحش للعزل؛ فقال له: اقبل القضاء ولا بأس عليك. وذكر أن ابن بشير ولى القضاء بقرطبة مرتين، وكان بعض إخوانه يعاتبه في صلابته في الحق في الحكومة، ويقول أخشى عليك العزل. فكان يقول: ليته رأى الشقراء تقطع الطريق إلى ماردة؛ فما مضى إلا يسير حتى حدثت حادثة أظهر فيها ابن بشير صلابته، فكانت سببا لعزله، فانصرف إلى بلده كما تمنى؛ فلم يلبث إلا يسيرا حتى أتى فيه بريد من قبل الأمير، يرفعه إلى قرطبة (¬٣٩٧)، فعدل في بعض الطريق إلى صديق له زاهد، واجتمع معه وقال له: قد أرسل في الأمير وأظن أنه يريدنى على القضاء ثانية، فما ترى؟ فقال له صديقه: إن كنت تعلم أنك تنفذ الحق على القريب والبعيد، ولا تأخذك في الله لومة لائم، فلست أرى لك أن تحرم الناس خيرك، وإن كنت تخاف أن لا تعدل، فترك الولاية أفضل لك؛ قال ابن بشير: أما الحق فلست أبالى على من أمررته إذ أظهر لي؛ فقال له: فلست أرى أن تمنع الناس خيرك. فورد قرطبة وولى القضاء ثانية. وقال بعضهم: إن سبب عزله أن يده قصرت عن بعض الخاصة، ومنع من الحكم عليها، فحلف بطلاق زوجته ثلاثا، وعتق مماليكه، وبصدقة ما يملك على المساكين، إن حكم بين اثنين.فعزل، فلما أراد رده اعتذر إليه بتلك الأيمان، فعزم الأمير عليه، وأعتق وطلق، وتصدق، وأخرج إليه الأمير جارية من جواريه، ومالا عوضا من ماله، ومماليك عوضا من مماليكه. قال أبو عبد الملك بن عبد البر: كان محمد بن بشير قد اشترط على الأمير الحكم عندما تولى له القضاء ثلاثة شروط مضمونة، إن التزمتها لي تقدمت، وإلا فلا أقبل ألبتة؛ - نفاذ الحكم على كل أحد ما بينك وبين حارس السوق؛ - وإن ظهر لي من نفسى عجز استعفيتك، فأعفيتني؛ - وأن يكون رزقي من الفيء؛ فضمنها له؛ قال ابن حارث: وكان محمد بن بشير فيما قال لي عنه بعض العلماء أنه كان ربما قبل الشاهد عنده على التوسم والفراسة، ولربما عول على تزكية السر من أهل الثقة. قال: وكان يقضى في سقيفة مغلقة بقبلى مسجد أبي عثمان بأول الربض الغربي، فكان إذا قعد للقضاء هنالك جلس وحده، وخريطته بين يديه، يتولى تقليبها بيده، ويتقدم إليه الخصوم على كتبه مرتبة (¬٣٩٨)، فيقف الخصمان على أقدامهما بين يديه، ويدليان بحججهما من غير صخب، فيفصل بينهما؛ وكان رسمه القعود للخصوم من غدوة إلى وقت الزوال، ثم يعود للقعود بعد صلاة الظهر إلى العصر، فلا ينظر غير السماع من البينات، ويقيدالشهادات، لا يسمع ذلك في غير ذلك الوقت، ولا يخلو به أحد في مجلس نظره ولا داره، ولا يقرأ كتابا لأحد في سبب خصومة، ولا يدخل إليه؛ قال ابن وضاح: لما ولى محمد بن بشير القضاء، طبع عشر طوابع يرفع بها الناس إليه، لم تزل في خريطته بعينها إلى أن مات، فإذا سأله أحد طابعا لرفع خصم سأله عما يريده له، فإن كان قريبا بقرطبة أعطاه إياه، وأمر كاتبه برسم اسمه ومسكنه واسم من أخذ الطابع فيه، ويعهد إليه بصرف الطابع إليه إذا حضر خصمه، ويعظه ويوعده، فإن كان بعيدًا أجل له بقدر بعده؛ قال يحيى بن يحيى لمحمد بن بشير: إن الحالات بالناس تتغير ولا تثبت، فإذا عدل عندك الرجل فحكمت بشهادته عن صحة نظر، ثم تطاول العهد وعاد للشهادة عندك، فأعد فيه نظرك وكلفه التعديل إن رابك، واستأنف الكشف عنه، فعمل بذلك، وأخذ الشهود، وحذرهم منه. وكان ابن بشير يشاور في قضائه عبد الملك بن الحسن زونان (¬٣٩٩)، والغازى بن قيس، والحرث بن أبي سعد، وإسماعيل بن البشر التجيبي (¬٤٠٠)، ومحمد بن سعيد السبائي. قال ابن حارث: وكانوا إذا اختلفوا عليه كتب إلى مصر، إلى عبد الرحمان بن القاسم وعبد الله بن وهب. قال القاضي أسلم بن عبد العزيز، عن بقي بن مخلد، قال: كانت لمحمد بن بشير في قضائه مسالك رقاق، ومذاهب لطاف، لم تكن لقاض قبله بالأندلس، وما يقارن إلا بمن تقدم من صدر هذه الأمة، ورأيت له غيرسجل، فوجدتها مختصرة جدًّا، محتوية على فص المعنى من غير إكثار، إنما هي أسطار قليلة خلاف ما يجتلب الآن في زماننا من الكلام. ذكر بعضهم أن ابن سماعة، صاحب الخيل، شكا إلى الأميران ابن بشير يحيف عليه؛ فقال أنا امتحن قولك الساعة بواحدة، اخرج من فورك فاقصده واستأذن عليه، فإن أذن لك صدقت قولك وعزلته، وإن لم يأذن لك دون خصمك ازددت بصيرة فيه؛ فخرج نحوه، فلما استأذن عليه خرج الآذن له، وقال: إن كانت لك حاجة فاقصد لذكرها مجلس القضاء إذا جلس القاضي، أما القاضي فلا سبيل إلى لقائه: وأعلم الأمير بذلك فوافقه. قال قاسم بن هلال: شهد عند ابن بشير رجل من أهل البادية من معارفه، فاحتاج إلى تعديله، فدخلت أنا، وابن مرتنيل، وثالث معنا. فقال: ما جاء بكم؟ قلت: لأعدل هذا الرجل؛ فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم - وبها كان يفتتح حكومته -؛ قال قاسم: فلما سمعته قهقرت، فحول وجهه نحونا، وقال لنا: الله الذي لا إلاه إلا هو، انه عندكم رضى؟ فقلنا له: يمين أصلحك الله؟ قال: والله لا أكتب له اسما إلا أن تحلفوا بها أنه كذلك؛ فتورعنا وانصرفنا.وشهد عنده رجل رافقه في الحج، له منه مكانة، فلم يقبل شهادته، فقال له الخصم: عرفنى بما لم تقبل، لأنظر في تعديله؛ فقال له: هو فلان صاحبي، ولن ينفعك تعديله عندى؛ فبلغ ذلك الرجل، فجاءه في مجلسه على رؤوس الناس، وسأله عن سبب ذلك، وقال له: جمعنى وإياك المنشأ والحضر (¬٤٠١)، وطلب العلم، وطريق الحج، وعلمت من باطنى ما علمت من باطنك، فعرفنى بالسبب أمام الناس لأعرفه وأعترف فيه أمام الجماعة؛ فقال ابن بشير: صدقت، وما عثرت لك في كل ذلك على جرحة في دينك، ولكن صدرنا عن الحج فنزلنا مصر، وأخذنا في السماع من شيوخنا والمقام بها، وشكوت لي العزبة (¬٤٠٢)، ونظرت في شراء خادم، فقلت لي: وجدت خادما تساوى على وجهها كذا وكذا، وبيدها صنعة؛ فقلت لك: لا حاجة لك بصناعتها، وإنما تشتريها للمتعة، فدعها فلا معنى للزيادة فيها؛ فعصيتني واشتريتها، فلما رأيت الشهوة قد غلبتك في إتلاف مالك في المغالاة فيها، خشيت أن تكون مثلها قادتك إلى مثل هذه الشهادة. وشهد عنده صديق له يكنى بأبي اليسع، فرد شهادته، فعتبه في ذلك، وقال: على محبتى فيك وخاصتي بك! فقال له: الورع يا أبا اليسع! الورع يا أبا اليسع! ولم يزده على ذلك. وشهد عنده رجلان ممن يظن بهما خير لمملوك توفى مولاه، أنهأعتقه وزوجه ابنته وأوصى إليه بماله، وقضى بشهادتهما، فلم يلبث أحد الشاهدين أن حضرته الوفاة، فأرسل إلى القاضي أنه يريد أن يراه، فدخل عليه، فلما بصر به الشاهد وهو في كربته جثا على ركبتيه وجعل ينجر إليه؛ فقال له القاضي: ما شأنك؟ فقال: إني في النار إن لم تنقذنى منها، الشهادة التي شهدنا بها عندك لفلان لم يكن منها شيء، فاتق الله وافسخ الحكم. فلم يزد محمد بن بشير على أن وضع يديه على ركبتيه، ثم قام وجعل يقول له: مضى الحكم وأنت إلى النار، وخرج عنه. قال الفقيه القاضي أبو الفضل عياض رضى الله تعالى عنه: ما فعله ابن بشير من إمضاء الحكم صواب، وقوله وأنت في النار، دون استثناء لعله قصد به الإغلاظ لأمثاله من شهداء السوء، وإلا فمشيئة الله في العفو عنه من وراء هذا بفضله، فقبول توبة مثله ومحو سيئته بها، موعود به.
  • exact linked passagemedium confidencepage 806, entry [295]2,666 chars
    ولايته القضاء وسيرته ومحنته قال المصعب الزبيري: ولاه المأمون قضاء المصيصة، ثم صرفه، ثم قضاء الرقة، ثم صرفه، ثم قضاء عسكر المهدى ببغداد، ثم صرفه، ثم قضاء مصر، فلم يزل على قضائها إلى أن صرف آخر أيام المعتصم. قال الحميدي في قضاة مصر: بقيت مصر بعد ابن المنكدر دون قاض إلى أن ولى المأمون قضاءها هارون بن ع…
    ▸ expand full passage (2,666 chars)
    ولايته القضاء وسيرته ومحنته قال المصعب الزبيري: ولاه المأمون قضاء المصيصة، ثم صرفه، ثم قضاء الرقة، ثم صرفه، ثم قضاء عسكر المهدى ببغداد، ثم صرفه، ثم قضاء مصر، فلم يزل على قضائها إلى أن صرف آخر أيام المعتصم. قال الحميدي في قضاة مصر: بقيت مصر بعد ابن المنكدر دون قاض إلى أن ولى المأمون قضاءها هارون بن عبد الله الزهرى. قال هارون: دعانى المأمون فقال: يا هارون! قد وليتك بلدًا يقولون بقولك: مصر. قال أبو عمر الكندى في كتابه في قضاة مصر، قدم هارون الزهرى مصر في رمضان سنة سبع عشرة ومائتين من قبل المأمون، وجلس في المسجد الجامع، ولم يبق شيئا من أمور القضاء إلا شاهده بنفسه وحضره مع أهل مصر، وتقصى الأحباس وأموال الأيتام، ووقف على وجوهها بنفسه وحاسب عليها، وضرب رجلا على حال رآه منه في مال يتيم كان ينظر له، وأطافه، وأورد أموال الغيب، ومن لا وارث له، بيت المال، وسجل بجميع ذلك؛وكتب إليه المعتصم يأمره بأخذ الفقهاء بالمحنة، فاستعفى من ذلك، فكتب ابن أبي داود إلى بكر الأصم يأمره بأخذهم بذلك، فكان رأسًا في ذلك، وحمل الناس فيها؛ فكان هارون يقول: الحمد لله على معافاتي مما ابتلي به غيري. فذكر أنه نال علماء مصر في ذلك محنة عظيمة، وأن ابن عبد الحكم الكبير (¬٤١٩) ضرب بالسياط، وضرب بنو عبد الحكم كلهم، وامتحنوا، وامتحن الأصم أيضا أبا الطاهر، وأبا جعفر الأيلى، ويحيى بن بكير، وأبا إسحاق البرقى، وأبا راشد، وضرب ظهره بالسياط، وجعل على حمار وجهه إلى ذنبه، وطيف به، وضرب ابن كاسب، وعبد الله بن زيد بن ظبيان، وقابوس بن أبي ظبيان وغيرهم. وأجابه بعضهم تقية، وكل من أجابه تركه، ومن أبي عليه بعثه إلى العراق إلى ابن أبي داود؛ وفر جماعة على وجوههم، منهم ابن المواز؛ واختفى آخرون، منهم أصبغ بن الفرج، فلزم داره. وذكر الكندى أن المأمون لما أخذ الناس بالمحنة في القرآن، كتب إلى أمير مصر بأخذ القاضي هارون، فزعم أنه أجابه، وأنه كان لا يقبل من الشهود إلا من أقربه، وذلك تقية، والله أعلم، وامتثالا لما أمر به. ويدل على أنه تقية استعفاؤه من الأمر بعد ذلك، وامتحانه على يد هذا الأصم المذكور، وما نذكره بعد.قال أبو عمرو الجيزى: وثقل مكانه على ابن أبي داود، فصرفه عن قضاء مصر سنة ست وعشرين، ولم يجد سبيلا إلى عزله، لأن المعتصم كان وقع اختياره عليه، حتى قرر عند المعتصم أنه استعمل أصحاب ابن المنكدر، الذي كان يشنأه المعتصم، كما ذكرنا في أخباره، وأنه صيرهم بطانة، فعزله وولى أبا بكر بن أبي الليث الأصم، فأقام رجلا يرفع على هارون باستهلاك مال من بيت المال، وكان هارون يدفع مفتاح التابوت إلى غير ثقة، فأتى عليه منه، فأمر الأصم بإحضار هارون ومناظرته مرة بعد أخرى، فامتهنه وأمر بحبسه، فورد كتاب المعتصم برفع ذلك عنه. فأخذ الله عما قريب من الأصم ما فعل بهارون، وزيادة، على يد الحارث بن مسكين، لما ولى قضاء مصر، أقام الأصم أياما يضربه كل يوم عشرين سوطًا في رد مال بيت المال، ثم أمر المتوكل لما ولى بعد ذلك بحلق لحية الأصم ورأسه، وضربه، وطوافه مصر على حمار، وسجنه، وحمله وأصحابه، واستصفاء ماله، ولعنه على المنبر، فنفذ ذلك كله. وكان الأصم مبتدعًا معتزليا خبيثا. وكانت وفاة القاضي هارون سنة ثمان وعشرين ومائتين.
  • exact linked passagemedium confidencepage 881, entry [343]5,368 chars
    ذكر ولايته القضاء وسيرته في ذلك قال الجيزى في كتاب قضاة مصر: ولى الحارث بن مسكين قضاء مصر سنة سبع وثلاثين، في جمادى الأولى منها. قال أبو عمر الكندى في كتاب طبقات قضاة مصر، وفى كتاب الموالى: ولى الحارث بن مسكين قضاء مصر من قبل المتوكل، وأتاه كتاب القضاء وهو بالأسكندرية، فلما قرأه امتنع من الولاية، فأ…
    ▸ expand full passage (5,368 chars)
    ذكر ولايته القضاء وسيرته في ذلك قال الجيزى في كتاب قضاة مصر: ولى الحارث بن مسكين قضاء مصر سنة سبع وثلاثين، في جمادى الأولى منها. قال أبو عمر الكندى في كتاب طبقات قضاة مصر، وفى كتاب الموالى: ولى الحارث بن مسكين قضاء مصر من قبل المتوكل، وأتاه كتاب القضاء وهو بالأسكندرية، فلما قرأه امتنع من الولاية، فأجبره أصحابه على ذلك، وشرطوا عونهم له (¬٥٣). فقدم الفسطاط وجلس للحكم، وكان مقعدا من رجليه، فكان يحملإلى الجامع في محفة، ويركب حمارا مبرقعا، وطولب بلباس السواد، فامتنع، فخوفه أصحابه سطوة السلطان وتهمته بتولى بني أمية، فلبس كساء صوف أسود. قال بعضهم: رأى بعض من بمصر كأن ابن أكتم ذبح الحارث بن مسكين، فلم يكن حتى جاءه قضاء مصر، وكان على يدى ابن أكتم قاضى القضاة حينئذ. * * * قال أبو محمد الضراب في كتابه: روى الحارث عن ابن وهب عن مالك، في الرجل يدعى للعمل فيكره أن يجيب إليه، وخاف على دمه، أو جلد ظهره، وهدم داره، كيف ترى في ذلك؟ قال: أما هدم داره، وجلد ظهره، وسجنه، فإنه يصبر على ذلك، ويترك العمل، خير له. وأما أن يباح دمه، فلا أدرى ما حد ذلك، ولعله في سعة من ذلك إن عمل. قال يونس: روى الحارث هذا الخبر، وولى، ووالله لقد سألني: ترانى أهلا للفتيا كما قال مالك؟ وحكى القاضي يونس: ولى جعفر المتوكل، الحارث، قضاء مصر بعد أن سجنه على إبائه ذلك زمانا. قال محمد بن عبد الوارث: كنا عند الحارث، فأتاه على بن القاسم الكوفى المدني، فقال له رأيت في النوم الناس مجتمعين في المسجد الحرام فقلت: ما اجتماعكم؟ فقالوا: عمر بن الخطاب جاء يقعد الحارث بن مسكين للقضاء. فرأيته أخذه، وسمر مقعده في الحائط، وانصرف، فتبعته، فلما أحس بي قال: ما تريد؟ قلت: أنظر إليك.قال: اذهب للحارث، فاقرأه منى السلام، وقل له: تقضى بين الناس، بأمارة أنك كنت في الحبس بالعراق، فقمت من الليل فعثرت، فنكبت أصبعك، ودعوت بذاك الدعاء، فنجيت من الغد (¬٥٤). فقال له الحارث: صدقت، وهذا شيء ما اطلع عليه أحد إلا الله تعالى. فسألته عن الدعاء، فقال: يا صاحبي عند كل شدة، ويا غياثي عند كل كربة، ويا مؤنسى في كل وحشة، صل على محمد وعلى آل محمد، واجعل لي من أمرى فرجا ومخرجا. * * * قال: ودعى إلى لباس السواد فأبى من ذلك، فخاطب الوالى المتوكل، فورد كتابه: إن لم يلبس السواد فاخلع وركيه. فوجه الوالى وراءه رسلا، فأسلمه القريب والبعيد. قال الطحاوى عن محمد بن سعيد: فلقيته والرسل تزعجه، وقد وله، فعلمت أنه قصد وجها من الحق خالف فيه هوى السلطان، فدنوت منه، وقلت له سرا: يا شيخ! لا يهولنك ما ترى، فإن إبراهيم أسلمه أهل الأرض فلم يضره، لما كان الله له. فاعتنقنى وقال: أحييتني والله يا أخى بهذا الكلام، فأحياك الله سعيدا. فلما أتى به إلى الوالى، أمر بكتاب المتوكل فقرئ عليه، فامتنع من لباس السواد، فقال رجل من ناحية المسجد: إن الشيخ رأيته يلبس هذه الثياب العرجية، التي تعمل باليمن. فقال الحارث: بلى! أني ربما لبستها. فقال له الوالى: فالبسها.قال: أما تلك فنعم. وقنع منه بذلك، وكتب به إلى المتوكل، وخلى عن الشيخ. * * * قال الكندى: وأمر الحارث بإخراج أصحاب الشافعي وأبي حنيفة، ومنع أصحاب أبي حنيفة من الجامع، وفض مجالسهم، وأمر بنزع حصرهم بين العمد، ومنع عامة المؤذنين من الأذان، ومنع قريشا والأنصار من طعمة رمضان، وعمر المساجد، وبنى سقاية (¬٥٥)، وحفر خليج الإسكندرية، ونهى عن تقبل المصائد، وأباحها، ونهى عن النداء على الجنائز (¬٥٦)، وضرب القراء الذين يقرأون بالالحان، وهو أول من ولى على مصاحف الجامع أمينا، وترك تلقى الولاة والسلام عليهم، ولاعن، وقتل ساحرين نصرانيين، وقتل نصرانيا سب النبي ﷺ، بعد أن جلده الحد، ونفى وحد من سب عائشة، ولم يكن في ولايته خلل، وهدم مسجدا كان بناه خراسانى بين القبور بناحية المقطب (¬٥٧) في الصحراء، وكان يجتمع فيه للقراءة والقصص والتعبير. وبمثل هذا أفتى يحيى بن عمر في كل مسجد بني نائيا عن القرية حيث لا يصلى فيه أهل القرية، وإنما يصلى فيه من ينتابه. وبذلك أفتى في مسجد السبت بالقيروان. وبمثله أفتى أبو عمران بالمسجد الذي بني بجبل فاس. * * * وحمله أصحابه على النظر في أمر أبي بكر الأصم، القاضي قبله، وكانوا قد لعنوه لما عزل، ورموا حصره، وغسلوا من المسجد موضعه،فكان الحارث يوقف الأصم كل يوم، فيضربه عشرين سوطا، ليخرج ما وجب عليه من الأموال. أقام على ذلك أياما. فقال بعضهم للحارث: أنه قبيح بالقاضي أن يتولى مثل ذلك فخلى عنه. وألقيت إليه سحاءة، فيها مكتوب: ميزان حراني وصنجات ناقصة! فلما قرأها استبدل بكتابه وأعوانه غيرهم. وكان كاتب الحارث أبو إسحاق القسطال، وعلى مسائله عمر ويزيد ابنا يوسف بن عمر. * * * وقال أبو عمر الكندى: وحكم الحارث في حبس بمذهبه مذهب مالك، بإخراج أولاد البنات منه، فشكا أصحابه ذلك إلى المتوكل، فأفتى أهل العراق على مذهبهم، وخطأوا الحارث، ونقضت القضية، فاستعى الحارث إذ ذاك، فأعفى. وكان في كتاب استعفائه: انتهى إلى أمير المؤمنين أن كتابا وصل باستعفائك فيما تقلدت من القضاء بمصر، فأمر أيده الله بإجابتك إلى ذلك، وإعفائك مما تقلدت منه، إسعافا لك بما سألت، وتفضلا بما أدى إلى موافقتك فيه، فرأيك أبقاك الله في معرفة ذلك والعمل على حسبه. وذلك سنة خمس وأربعين ومائتين، فكان أمد قضائه سبع سنين وأحد عشر شهرًا. وولى بعده بكار بن قتيبة، فلم يكشف أحدا من أصحاب الحارث، وقال: حارث في فضله ودينه، أعلم بأهل بلده منى، إلا أن تتبين لي جرحة. وذكر أبو عمر الصدفى: أن رجلا أتى الحارث برجل معه نصرانية، معها ابن صعير، أراد أن يبيعها من نصراني، فذكر ذلك للحارث، فقال له الحارث: فما أصنع به؟نردد عليه الرجل الخبر، والحارث يقول: ما أصنع؟ حتى أكثر عليه. فقال يزيد بن يوسف: أصلح الله القاضي، هو رجل صالح. فقال الحارث: إذا كان صالحا وأحمق فما أصنع؟ قال بعضهم: حضرت جنازة، فأخذ يونس بن عبد الأعلى في كلام الزهاد، حتى بكى بعض من حضر. فقال الحارث: يونس: يونس: تحسن هذا كله وأنت تصنع ما تصنع؟ فقال له يونس: أنت قاض، وقد قال رسول الله ﷺ: من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين. وذكر أن رجلا تقدم إلى الحارث في خصومة، فناداه رجل باسمه، وكان اسمه إسرافيل، فقال له الحارث: ما حملك على أن تسمى بهذا الاسم، وقد قال ﵊: لا تسموا بأسماء الملائكة؟ فقال له: فلم سمي مالك بن أنس مالكا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾؟ ثم قال له: والله لقد تسمى الناس بأسماء الشياطين فما عيب ذلك، يعني "الحارث" اسمه. ويقال هو اسم إبليس لعنه الله.
  • exact linked passagemedium confidencepage 908, entry [355]8,751 chars
    ذكر ولايته القضاء وسيرته ولى سحنون قضاء أفريقية سنة أربع وثلاثين ومائتين، وسنه إذ ذاك أربع وسبعون سنة، فلم يزل قاضيا إلى أن مات. قال أبو العرب: لما عزل ابن أبي الجواد، قال سحنون: اللهم ول هذه الأمة خيرها وأعدلها. فكان هو الذي ولى بعده. وذكر عريب (¬٨٣) الكاتب في تاريخه: أن سحنون مر يوما بابن أبي الجو…
    ▸ expand full passage (8,751 chars)
    ذكر ولايته القضاء وسيرته ولى سحنون قضاء أفريقية سنة أربع وثلاثين ومائتين، وسنه إذ ذاك أربع وسبعون سنة، فلم يزل قاضيا إلى أن مات. قال أبو العرب: لما عزل ابن أبي الجواد، قال سحنون: اللهم ول هذه الأمة خيرها وأعدلها. فكان هو الذي ولى بعده. وذكر عريب (¬٨٣) الكاتب في تاريخه: أن سحنون مر يوما بابن أبي الجواد، فرأى منه ظلما، فقال: اللهم لا تمتنى حتى أراه بين يدى قاض عدل يحكم فيه بالحق. فعزل، وولى سحنون، فامتحنه. فقال الناس: أجبيت دعوته. ***ولما أراد محمد بن الأغلب أن يولى سحنون، جمع الفقهاء للمشورة، فأشار سحنون بسليمان بن عمران، وأشار سليمان بسحنون، وأشار غيرهما بسليمان. فأدخلوا فرادى، فقالوا كقولهم الأول، وذلك أن أكثر الفقهاء إذ ذاك، كانوا على رأى الكوفيين، وكان سليمان يرى رأيهم. فقال سليمان: ما ظننت أنه يشاور في سحنون، حججت فرأيت أهل مصر يتمنون كونه بين أظهرهم، وما يستحق أحد القضاء وسحنون حي. وبعث ابن الأغلب، ابن قادم، إلى سحنون، يقول له: إني أريد أن أستكفيك قضاء رعيتى، فأعلمه، فقال: أصلح الله الأمير، لا أقوى عليه، أدلك على من هو أقوى: سليمان بن عمران. قال محمد بن سحنون: ولى سحنون القضاء بعد أن أدير عليه حولا، وأغلظ عليه أشد الغلظة، وحلف عليه محمد بن الأغلب، بأشد الإيمان، فولى يوم الاثنين الثالث من رمضان سنة أربع وثلاثين ومائتين، فأقام أياما ينظر في القضاء، يلتمس أعوانا، ثم قعد للناس يوم الأحد بعده في المسجد الجامع، بعد أن ركع ودعا بدعاء كثير. وقال سحنون: لم أكن أرى قبول هذا الأمر، حتى كان من الأمير معنيان: أحدهما، أعطانى كل ما طلبت، وأطلق يدى في كل ما رغبت، حتى إني قلت له: أبدأ بأهل بيتك وقرابتك وأعوانك، فإن قبلهم ظلامات للناس وأموالا لهم منذ زمان طويل، إذ لم يجترئ عليهم من كان قبلى. فقال لي: نعم، لا تبدأ إلا بهم، وأجر الحق على مفرق رأسى. فقلت له: الله! قال لي: الله، ثلاثا. وجاءني من عزمه مع هذا، ما يخاف المرء على نفسه، وفكرت فلم أجد أحدا يستحق هذا الأمر، ولم أجد لنفسى سعة في رده.قال سليمان بن سالم: لما تمت ولاية سحنون، تلقاه الناس، فرأيته راكبا على دابة، ما عليه كسوة ولا قلنسوة، والكآبة في وجهه، ما يتجرأ أحد يهنيه. فسار حتى دخل على ابنته خديجة، وكانت من خيار النساء، فقال لها: اليوم ذبح أبوك بغير سكين. فعلم الناس قبوله للقضاء. ولما ولى، جاءه عون بن يوسف، فقال له: نهنيك أو نعزيك؟ ثم سكت. فقال: بلغني أنه من أتاها من غير مسألة أعين عليها، ومن أتاها عن مسألة لم يعن عليها. فقال له سحنون: من ولته الشفاعة عزلته الشفاعة، ومن ولته الشفاعة حكم بالشفاعة. فقال له رجل من الأندلس: إنا لله وإنا إليه راجعون، وددنا أنا رأيناك اليوم على أعواد نعشك، ولم نرك في هذا المجلس قاعدا. *** وكتب عبد الرحيم الزاهد إلى سحنون، لما ولى القضاء: أما بعد، فإنى عهدتك وشأن نفسك عليك مهم، تعلم الخير وتؤدب عليه، وأصبحت وقد وليت أمر هذه الأمة، تؤدبهم على دنياهم، يذل الشريف بين يديك والوضيع، قد اشترك فيك العدو والصديق، ولكل حظه من العدل، فأى حالتيك أفضل، الحالة الأولى أم الثانية؛ والسلام. فكتب إليه سحنون: أما بعد، فإنه جاءني كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وإنى أجيبك أنه لا حول ولا قوة في شيء من الأمور إلا بالله تعالى، عليه توكلت، وإليه أنيب. فأما ما كتبت أنك عهدتني وشأن نفسي على مهم، أعلم الخير وأؤدب عليه، وأصبحت وقد وليت أمر هذه الأمة، أؤدبهم على دنياهم، فلعمرى إنه من لم تصلح له دنياه، فسدت له أخراه، وفى صلاح الدنيا إذا صح المطعم والمشرب صلاح الآخرة، فكلا الأمرينمتصل بالآخرة. أدبهم في معابشهم، ودفع ظالمهم عن مظلومهم، وأخذهم الأمور من وجوهها، أدب لآخرتهم، لأن بصلاح دنياهم تصلح لهم آخرتهم، وبفساد الدنيا تفسد الآخرة. وقد حدثني ابن وهب - ورفع سحنون سنده - أن النبي ﷺ قال: نعم المطية الدنيا فارتحلوها فانها تبلغكم الآخرة. ولن تبلغ الدنيا الآخرة من عمل في الدنيا بغير الواجب من حق الله. وأما قولك: "وليت أمر هذه الأمة" فإني لم أزل مبتلى، ينفذ قولى منذ أربعين سنة في أشعار المسلمين وأبشارهم. حدثني ابن وهب أن عبد الله بن أبي جعفر قال: لن تزالوا بخير ما تعلمتم، فإذا احتيج اليكم، فانظروا كيف تكونون. قال ابن أبي جعفر: فرأيت في المنام: إنما المفتى قاض، يجوز قوله في أبشار المسلمين وأموالهم. فعنيك بالدعاء، فألزم ذلك نفسك. والسلام. *** قال سليمان بن عمران: لما ولى سحنون قال لي: إذا ولي القاضي استفتى: كيف يكتب كذا؟ فكتبت له ذلك. وكان سليمان يكتب لسحنون في قضائه، إلى أن ولاه بجاية وباجة والاريس، فلما مات سحنون ولى سليمان مكانه. قال سليمان: قال لي سحنون، ابتليتنى، فوالله لأبتلينك. فولاني القضاء، وقال لي: عليك يا أبا الربيع بالحجازية، الحجازية. فقلت: القاضي مفت، فما كنت أفتى به فيه أقضى. فسكت عنى. وكان سليمان عراقى المذهب. قال: فلما ولى سحنون سليمان القضاء، دخل عليه من الغد، فقال له سحنون: عزمت يا أبا الربيع؟ فقال له: ان قلت: (لا) كذبتك، أنا أريد. فقال سحنون لمن عنده: انظروا إن كان دخله رياء أو أظهرتصنعا (¬٨٤)! مثلك يا أبا الربيع يكون ناظرا للمسلمين. قال جبلة: كان سحنون لا يأخذ لنفسه رزقا ولا صلة من السلطان في قضائه كله، ويأخذ لأعوانه وكتابه وقضاته من جزية أهل الكتاب. قال ابن سحنون: وسمعته يقول للأمير: والله لو أعطيتني ما في بيت مالك - أو قال له: لو ملأت مجلسك هذا لي دراهم أو دنانير - ما سألني الله أن أقبل منك ذلك، ولا آخذ منه شيئا. ويقول: لو أخذته لجاز لي، ولكنه تورع. وسمعته يقول للأمير: حبست أرزاق أعوانى وهم أجراؤك، وقد وفوك عملك، ولا يحل لك ذلك. وقد قال رسول الله ﷺ: أعط الأجير حقه قبل أن يجف عرقه. *** قال ابن مسكين: كان سحنون قبل أن يلى، أشرف منه بعدما ولى، ولقد امتنع من النظر، وجلس في بيته مدة، حتى حضر جنازة، فرأى منكرا، فأمر بتغييره، وانصرف فنظر بين الناس. قال ابن سحنون: وكان سحنون يضرب الخصوم، إذا آذى بعضهم بعضا بكلام، أو تعرضوا للشهود، ويقول: إذا تعرض للشهود كيف يشهدون؟ ويؤدب الخصم، إن طعن على الشاهد بعيب أو تجريح، أو يقول: سل لي عن البينة فإنهم كذا، حتى يسأله هو عن تجريحه. ويقول الخصم: أنا أعنى منك بذلك، وهو على، دونك. وكان إذا دخل عليه الشاهد ورعب منه، أعرض عنه حتى يستأنس ويذهب روعه، فإن طال ذلك به هون عليه، وقال له: ليس معى سوط ولا عصا، ولا عليك بأس، أد ما علمت، ودع ما لم تعلم. قال جبلة: كان سحنون يؤدب الناس على الأيمان التي لا تجوز من الطلاق والعتق، حتى لا يحلفوا بغير الله، ويؤدبهم على سوء الحال في لباسهم، وما نهى عنه، ويأمرهم بحسن السيرة والقصد.قال ابنه محمد: وتخاصم إليه رجلان صالحان من أصحابه ممن نظر في العلم، فأقامهما، وأبى أن يسمع منهما، وقال: استرا على ما ستر الله عليكما. *** قال غير واحد: أول ما نظر سحنون في الأسواق، وإنما كان ينظر فيها الولاة دون القضاة، فنظر فيما يصلح من المعايش، وما يغش من السلع، ويجعل الأمناء على ذلك، ويؤدب على الغش، وينفى من الأسواق من يستحق ذلك، وهو أول من نظر في الحسبة من القضاة، وأمر الناس بتغيير المنكر، وأول القضاة فرق حلق أهل البدع من الجامع، وشرد أهل الأهواء منه، وكانوا فيه حلقا من الصفرية والأباضية والمعتزلة، وكانوا فيه حلقا يتناظرون به، ويظهرون زينهم، وعزلهم أن يكونوا أئمة للناس، أو معلمين لصبيانهم، أو مؤذنين، وأمرهم ألا يجتمعوا، وأدب جماعة منهم بعد هذا خالفوا أمره، وأطافهم، وتوب جماعة منهم، فكان يقيم من أظهر التوبة منهم على البر أو غيره، فيعلن توبته عن بدعته. وهو أول القضاة جعل في الجامع إماما يصلى بالناس، وكان ذلك للأمراء، وأولهم جعل الودائع عند الأمناء، وكانت قبل في بيوت القضاة، وأول من قدم الأمناء في البوادى، فكان يكتب إليهم، وكان من قبله يكتب إلى جماعة الصالحين منهم، فأخذت القضاة بهذه السيرة بعده. وكان يجلس في بيت في الجامع بناه لنفسه إذ رأى كثرة الناس وكثرة كلامهم، فكان لا يحضر عنده غير الخصمين ومن يشهد بينهما في دعواهما، وسائر الناس عنه بمعزل، لا يراهم ولا يسمع لغطهم، ولا يشغل باله أمرهم. فصار الجلوس في ذلك البيت سنة لقضاة المالكية، فإذا ولى عراقي هدمه، وإذا ولى مدنى بناه وحكم فيه. *** وكان سحنون يكتب للناس أسماءهم في رقاع تجعل بين يديه، ويدعو بهم واحدا واحدا، إلا أن يأتى مضطر أو ملهوف.وكان يضرب بالدرة وما خف من الأدب في الجامع، فإذا أقام الحدود أخرجهم عن الجامع. وكان كثيرا ما يؤدب بلطم القفا. وقيد امرأة كانت تتهم بسوء، حتى شهد عنده أنها تابت. وضرب أخرى، كانت تتهم بالجمع بين الرجال والنساء، بالسوط في قبة، وبنى باب دارها، ونقلها بين قوم صالحين. وجاءت إليه امرأة من القصر غاب عنها زوجها، فأرادت أن تقطع بشرطها، فأبى، ثم قال لها: إياك أن تشهدى أحدا من أهل القصر، لا أقبل شهادتهم. وكتب مرارا يأمر بقتل الكلاب، وبث وراءها الأعوان بالحراب. ويعطى الطابع لأهل العدوى، فإذا جاءه المستعدى بصاحبه، أخذ منه الطابع لئلا يعبث به الناس. ويضرب على اللدد. قال عيسى بن مسكين: فحصل الناس بولايته على شريعة من الحق، ولم يل قضاء أفريقية مثله. قال سعيد بن إسحاق: كل من ولى قضاء أفريقية اكتسب إلا سحنون. *** وكان سحنون أيام قضاء ابن أبي الجواد يقول: إن لأمره لآخرا، ولكني أخشى أن الوالي بعده لا يحسبن أن يقتص منه. فكان هو الوالي بعده. وخاصم ابن أبي الجواد رجل بين يدى سحنون، فحكم له على ابن أبى الجواد، وحبسه، وقال له: إن لم تؤد ضربتك بالسوط. فقال: ما عندى مال.فيقال: أنه أخرجه وضربه في جمعة بالسياط مائة سوط. (وقيل أكثر من ذلك) (¬٨٥) حتى أسال دمه على كعبه، فمر في طريقه على صباغ، نصب عليه قصرية مصارة (¬٨٦)، وقال: اقتلوا الزنديق، ورد إلى السجن فمات فيه. وقيل: كان سبب ضربه، أنه شهد عليه بقبض وديعة، فأنكرها، فضربه ثمانية عشر سوطا، مجردا، في السماط. يضربه سبعة بعد سبعة، وهو متماد. وقيل: إنها وجدت بخطه، فأنكره، وشهد على خطه، فحبسه أياما، وضربه عشرة أسواط، وكان يخرجه في كل جمعة، فيضربه عشرة كل جمعة إلى أن مرض. وقيل: بل فعل ذلك به لما كان عليه من البدعة. وكانت أسماء، بنت أسد بن الفرات، زوج ابن أبي الجواد، قالت السحنون: أنا أهبه هذا المال يقضيه عن نفسه. فلم يقبل ذلك سحنون، وقال لها: حتى يقول: أؤدى ما لزمني. وقيل: فعل ذلك به لأن مالكا لا يلزم قبول الهبة، ولو قالت: "أنا أقضى عنه ما طلب منه" لما رد ذلك سحنون، والله أعلم. وقيل: بل قالت له: أفدى به زوجى. فقال لها: إن أقر أن ذلك هو المال أو بدل منه، أطلقته. فامتنع، وأبى سحنون من قبول المال إلا بإقراره. * ذ
  • exact linked passagemedium confidencepage 1149, entry [568]1,947 chars
    ذكر ولايته القضاء وسيرته كان ذا جلالة وقدر عظيم ببغداد. وأول ما ولى بها الحسبة، سنة إحدى وسبعين، وولى أيضًا نفقات الموفق، فكان يتولاها دون رأى وزير أو غيره. ولما استعفى إسماعيل أيام المعتضد من القضاء، وأجيب، صير مكانه يوسف هذا، فيما ذكره المراغى، ثم ولى البصرة بعد ابن عمه محمد بن حماد، مع قضاء سائر …
    ▸ expand full passage (1,947 chars)
    ذكر ولايته القضاء وسيرته كان ذا جلالة وقدر عظيم ببغداد. وأول ما ولى بها الحسبة، سنة إحدى وسبعين، وولى أيضًا نفقات الموفق، فكان يتولاها دون رأى وزير أو غيره. ولما استعفى إسماعيل أيام المعتضد من القضاء، وأجيب، صير مكانه يوسف هذا، فيما ذكره المراغى، ثم ولى البصرة بعد ابن عمه محمد بن حماد، مع قضاء سائر عمله الذي مات عنه، في سنة ست وسبعين، من قضاء واسط وكور دجلة. فأقام يوسف ببغداد، واستخلف على البصرة محمد بن جعفر بن أحمد بن العباس بن عبد الله بن الهيثم بن سام، وكان فقيها سريا عالما، متفننا، وعف وحسن أثره (¬٣٤٥) ثم توفى محمد بن جعفر، فاستخلف يوسف مكانه إبراهيم بن المنذر الجارودي، ثم أتى خلفه الفضل بن الحبابالجمحي، ثم أحمد بن عبد الله بن نصر الذهلي، والد القاضي أبي الطاهر الذهلي المالكي. وولى يوسف مع ذلك المظالم ببغداد، سنة سبع وسبعين. فلما مات القاضي إسماعيل بن إسحاق، منسلخ سنة اثنين ومائتين، قسم عمله، فقلد يوسف بن يعقوب قضاء الجانب الشرقي، فلم يزل عليه إلى أن نكب، وقلد ابنه أبا محمد بعد مدة مدينة المنصور. قال ابن عرفة - وذكر ولايته القضاء - فقال: فحمدت مذاهبه، وحسن حاله، واستقامت طريقته، وكثر الشاكر له. وقال طلحة بن محمد في كتابه: كان يوسف بن يعقوب هذا رجلًا صالحًا، عفيفًا، خيرًا، حسن العلم بصناعة القضاء، شديدا في الحكم، لا يراقب أحدًا، وكانت له هيئة ورياسة، وكان ثقة أمينا. وذكر الخطيب أبو بكر في تاريخ علماء بغداد، أن خادمًا من وجوه خدم المعتضد، أتى إلى القاضي يوسف يومًا في حكم، فارتفع في المجلس، فأمره الحاجب بموازاة خصمه، فلم يفعل ادلالا بمحله. فصاح القاضي عليه، وقال: قفاه! أتؤمر بموازاة خصمك فتمتع؟ يا غلام! عمرو (¬٣٤٦) النخاس الساعة، ليبيع هذا العبد ويحمل ثمنه لأمير المومنين. وقال لحاجبه: خذ بيده وسو بينه وبين خصمه. فأكره على ذلك. فلما انقضى الحكم، حدث الخادم المعتضد بالحديث، وبكي له، فصاح عليه، وقال: لو باعك لأجزت بيعه، وما رددتك أبدًا، وليس خصوصك بي يزيل مرتبة الحكم، فإنه عمود السلطان، وقوام الأديان.قال أبو جعفر الطبري: لما ولى يوسف بن يعقوب المظالم، أمر أن ينادى: من كانت له مظلمة قبل الأمير الناصر أو أحد من الناس فليحضر. وتقدم الإذن إلى صاحب الشرطة ألا يطلق أحدا من السجن، إلا من رأى إطلاقه، بعد أن تعرض عليه قصصهم.
  • exact linked passagemedium confidencepage 1186, entry [602]9,181 chars
    ذكر ولايته القضاء وسيرته قال ابن مسكين: لما مات سحنون، اغتممت لموته، فرأيته في نومي كأنه خلع من عنقه سيفا كان متقلدا به، وقلدني إياه، فقلت: كان سحنون رجلا فاضلا، والله لأقفون أثره. وتأولته العلم. فبعد أربعين سنة خرجت رؤياي، فابتليت بالقضاء.قال عيسى: فأنا في الدار يوم جمعة، برقادة - يعنى وهو قاض - إذ…
    ▸ expand full passage (9,181 chars)
    ذكر ولايته القضاء وسيرته قال ابن مسكين: لما مات سحنون، اغتممت لموته، فرأيته في نومي كأنه خلع من عنقه سيفا كان متقلدا به، وقلدني إياه، فقلت: كان سحنون رجلا فاضلا، والله لأقفون أثره. وتأولته العلم. فبعد أربعين سنة خرجت رؤياي، فابتليت بالقضاء.قال عيسى: فأنا في الدار يوم جمعة، برقادة - يعنى وهو قاض - إذا رجل يحرك على الباب، ففتحت له، فسلم، ثم جلس، فقال لي: كيف حالك؟ فقلت: ما سؤالك عمن صار حاله إلى ما ترى؟ قال: إنما هي تسعة. فقلت: وهذا؟ أعنى الأمير. قال: هذا يخرج، هذا يمر. فقلت: أين؟ قال: يركب البحر. ثم خرج. فقلت تسعة أيام، فمضت، ثم تسعة أشهر، فمضت، فأقمت تسع سنين. فقال: إنه كان الخضر. قال ابن حارث: كان إبراهيم بن أحمد بن الأغلب، قد اصطفى يحيى بن عمر إلى ولاية القضاء، فقال له: إن دللتك على من هو أفضل منى في الوجه الذي تحب، تعافيني؟ فقال له: نعم. فدله على ابن مسكين. فأرسل فيه إبراهيم بن أحمد إلى كورة الساحل، وأوصله إلى نفسه، وعرض عليه الفصل، فنفر منه. قال تميم بن خيران: لما شاور العلماء إبراهيم فيمن يلى القضاء، اختلفوا عليه، فذكر له عيسى، فقال حمديس: إنه والله أيها الأمير صاحبنا عند سحنون، جمع الله فيه خلال الخير بأسرها. فوجه إليه إلى الساحل، فأتى فوجد في المجلس حمديسا وغيره.فقال له إبراهيم: تدرى لم بعثت إليك؟ قال: لا. قال: نشاورك في رجل قد جمع خلال الخير، أردت أن أوليه القضاء، وألم به شعث هذه الأمة فامتنع؟ قال: يلزمه أن يلى. قال: تمنع. قال: يجبر على ذلك. قال: تمنع. قال: يجلد. قال: قم، فأنت هو! قال: ما أنا بالذي وصفت. وتمنع، فأخذ الأمير بمجامع ثيابه، وقرب السيف من نحره، فتقدم إليه عيسى بنحره. قال حمديس: وقمت من مكانى لئلا يصيبنى من دمه، فلم يزل به حتى ولى. قال ابن أبي سعيد: ولاه القضاء إبراهيم بن أحمد، بعد إجماع الناس عليه، على اختلاف مذاهبهم، وامتناعه، فخوفه إبراهيم، وحلف له بغليظ الأيمان: لئن لم تل لأقتلنك. فولى، وأسكنه رقادة، فكان لا يتصرف فيها، ولا يخرج إلا إلى المسجد. وقيل: إن إبراهيم قال: والله لأولين عليكم من لا تختلفون في فضله وزهده وعلمه، وورعه. فوجه فيه.قال غيره: وقيل: أن الأمير إبراهيم قال له: إن لم تل لأولين ابن عبدون. فخاف إن ولى ابن عبدون، أن يظهر البدعة، ويهين أهل السنة. وقيل: إن ابن الأغلب لما وجه فيه، استخشن الرسول زيه، فلما أتى به قال لابن الأغلب: إنه لا يصلح للقضاء لثقل روحه وزيه. فقال له: أرنيه قبل وصوله إلى. فأدخل من حيث يراه، وعليه جبة صوف وعمامة صوف. فلما وصل إليه، قال له ابن الأغلب: اتفق الناس عليك. فقال له: اتق الله، ولا تول مثلى على هذا البلد. فقال: اذهب، ولا ترجع إلى منزلك إلا بإذني. وجمع العلماء والشيوخ الذين أشاروا له، فقال لهم: أشرتم على بشيخ في زى جمال! فقالوا له: إن أردت أن تقوم لك الحجة عند الله فوله، فلم ير مثله. فأحضره وخوفه - وذكر نحو مما تقدم - فلما رأى منه ما لا قدرة له عليه: أراد أن يشدد عليه في الشروط. قال: اشترط ما أحببت. قال: أستعفيك في كل شهر. قال: نعم. قال: اكتبه. ففعل. قال: وأحملك على الحق، وبنو عمك وجندك وفقراء الناس وأغنياؤهم في درجة واحدة. قال: نعم.قال: اكتبه. ففعل. قال: ولا توجه ورائى، ولا أهنى ولا أعزى ولا أشيع ولا أتلقى، فمتى لم تف لى بشرط عزلت نفسي. قال: نعم. وعرض عليه الصلة والكسوة فامتنع. قال ابن حارث: قال عيسى بن مسكين لابن الأغلب: أنا رجل طويل الصمت، قليل الكلام، غير نشيط فى أمورى، ولا أعرف أهل البلد. فقال لى الأمير: عندى مولى نشيط قد تدرب في الأحكام، أنا أضمه إليك، يكون لك كاتبًا، يصدر عنك فى القول فى جميع الأمور، فما رضيت من قوله أمضيت، وما سخطت رددت. فضم إليه عبد الله بن محمد بن مفرح، المعروف بابن البناء. قال المخبر: فكثيرًا ما كنت، آتي مجلسه وهو صامت لا ينطق، وابن البناء يقضى. قال ابن البناء: فلقد دخلت يوما على الأمير إبراهيم، فقال: بلغنى أنك أنت تخاطب الخصوم وتفصل، وعيسى ساكت! ما أرى إلا أنه لم يقبل القضاء. قلت: قد قبل، إلا أني أكفيه. قال: امض، ولا تعلم أحدا بما بينى وبينك، فإذا حضر الخصمان فافصل بينهما بغير مذهبه، حتى ترى! ففعلت، فأمرني عيسى بصرفهما، فقال لي: افصل بينهما. فقلت ما قلت لهما أولا. فقال لى مثله.ففعلت مثل ما فعلت قبل. فأمرهما، فدارا بين يديه، وفصل بينهما بمذهبه، فأخبرت بذلك الأمير، فحمد الله، وسجد شكرا له. قال الخراط: وكان له كاتب آخر يقال له ابن زرياب، يتولى الديوان، فغاب يومًا عن المجلس، واحتيج إلى النظر في الديوان، ولم يدر ابن البناء ما يعمل فيه، إلى أن ارتفع النهار وتفرق أصحاب القضية. فجاء ابن زرياب، ونظر فى الديوان، فخرج منه القضية، ثم اعتذر عن تأخره بحضوره نكاحا عند أبي القاسم بن محمد بن عبدوس، وذكر ما لابن عبدوس عليهم من الحق، وأنه لم يمكنه إلا الحضور. فقال عيسى: ما ظننا بك إلا عذرا من مرض أو مهم فى دارك، وإذا أنت فى هذا: خذوا بيده إلى السجن. فلما استقر فى السجن، وجه وراءه وقال له: أنت فى اجارة المسلمين، تعطل ما استؤجرت فيه وتشتغل بحضور المأكلات (¬٣٨٣)! لا تعد، ارجع إلى مكانك. وذكر أنه كان يقوم فى الليل، فيذكر قصص المتخاصمين عنده واحدًا واحدًا، ويسأل الله أن يحمله فيها على السدد. ومر يوما على السجن، فأسمعه بعض من سجنه ما يكره، فكلمه في ذلك بعض من حضر، فقال: من يصبر على هذا؟ فقال عيسى: من أين كلمني؟ قالوا: من السجن. فقال لهم: فايش على أكثر من هذا؟ أخذنا كسرته ونمنعه البكاء؟ أو نحو هذا.وجرح عنده بعض العراقيين فى شهادة شهدها، بأنه يشرب النبيذ، فقال عيسى: كشفت عنه، فأصبته يدين بتحليله، ولا يجمع عليه الجموع. وأثبت شهادته. ودخل على عيسى بن مسكين رجل من أشراف الناس، يتولى الأمانة للقضاة، وكان عيسى يجله، فأقبل يسأله عما قبله، فإذا بصائح يقول: يا قاض! خصمى داخل عندك، وأنا خارج! ثم صاح ثانية وثالثة. فلم ير عيسى غيرى، فأمر بادخاله، وسأله من خصمك؟ فقال: هذا. عن الأمين. فقال له: هل دارت بينك وبينه خصومة قبل هذا؟ قال: لا. فأمر بالرجل إلى الحبس، وقال: لما دخل علينا أميننا ومن يعيننا على الحق، أردت أن تؤذيه وتمرثه (¬٣٨٤). فقال: عندى مناقع. قال: من السجن تأتى بها. فلما استقر فى السجن، أمر * باخراجه واحضار منافعه. قال: وبينا عيسى يوما بجامع رقادة، إذ سمع صياح قوم، بالله، ثم به. فقال لمن حوله: انظروا من هؤلاء. قالوا: نهب تونس. فأمر بامساكهم.فشكاه الذى نهبهم إلى الأمير إبراهيم، فأرسل إليه في اطلاقهم، فقال لكاتبه: اكتب إليه ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ (¬٣٨٥) إلى قوله "العباد". فلما قرأها إبراهيم قال: هذا رجل يحاربنا بالله، لا حاجة لنا بهم، اتركوهم. ووجه ابن الأغلب يومًا وراء ابن البناء، فغلط الرسول ودعا عيسى، وذلك بعد مجيء الأمير إبراهيم من سفرة لم يشيعه فيها عيسى ولا لقيه إذ جاء. فلما أتى الرسول إلى عيسى، أقبل، فوجد إبراهيم في بستان، فلما رآه إبراهيم، قال له ابتداء: والله ما وجهت إليك، ولا أردت إلا ابن البناء. فانصرف عيسى من مكانه ذلك، ولم يصل إلى الأمير ولا سلم عليه. فقال إبراهيم: يا قوم أرأيتم مثل هذا القاضي؟ غبت فما شيع، وجئت فما تلقى، ولا هنى، وبعثت وراء غيره فغلط به الرسول فاعتذرت له، فانصرف بعد أن رآني من غير تسليم، ردوه. فرجع، فعدد عليه ذلك إبراهيم، فقال له عيسى: الأمير أكرم من أن يعدني وعدًا، ويعقد على نفسه عهدا، ثم ينقضه، فلما تقدم من رفع المئونة عنى، صارت مخالفة ما رسمه من طرح التكلف، مما لا ينبغى أن أفعله ولا يجوز، وأما رجوعى بعد رؤيتي من غير تسليم له، فرأيته جالسًا في غير مجلسه للناس، فلو تركني سلمت، فلما بادرني بالكلام قبل السلام، ظننت كراهيته لدخول هذا الموضع، فانصرفت مساعدة لذلك. وكان يقال للأمير إبراهيم، عندما يطنب فى الثناء عليه ويفتخر به: انه متصنع.فقال: إن كان ما ظهر منه شهد لباطنه، فما كان في عباد بنى اسرائيل مثله، وان كان رياء وتصنعا فما رأينا ولا بلغنا عن أحد أملك لشهوته ونفسه منه، لاسيما مع الامكان والرياسة، وهو في الحالين نسيج وحده. قال: ولم يأخذ ابن مسكين فى مدته على القضاء أجرا، وكان لا يستعين بأحد في شيء من أموره، وربما استقى له الماء فيريقه، ويستقى بنفسه. ودخل إليه رجل يومًا، فوجد عجينا له فى مقلى كاد أن يحترق، وابن مسكين في الصلاة، فقلبه له الرجل، فلما أتم الصلاة أمر بصدقته، ولم يأكله. ودخل عليه رجل فوجده يستقى، فحلف ألا يستقى إلا هو، فتركه حتى استقى، ثم أخذه وأراقه فى الماجل، ثم استقى هو بنفسه. وإنما كان يعيش بدقيق يأتيه من منزله، يخبزه بنفسه، ومن بقل وشيء يأتيه من البادية، فان لم يأته شيء، انتظره، فربما بقى اليومين والثلاثة. وكان شديد التقشف في قضائه، ولم يكن على هذا السبيل من الانقباض قبل قضائه. ولما عزل عاد إلى ما كان عليه من حسن المعاشرة، وكرم المجالسة والمؤاخاة. وسئل عن فرط انقباضه، فقال: ابتليت بجبار عنيد، خفت أن يبعث إلى من طعامه أو يدعونى إليه، فلا آمنه، فحملت نفسي على ذلك ليقطع طمعه فى. وفرغ ما عنده من القوت برقادة، فبقى ثلاثة أيام لا يطعم شيئًا، إلى أن لزم فراشه ضعفا، حتى أتاه الرسول، آخر اليوم الثالث. قال: ولقد أقام برقادة تسع سنين، ما أكل فيها تينا إلا مرة اشترى له بخروبة، ولا بطيخا، إلا مرة واحدة، صغيرة.وكان عيسى لا ينزل إلى * القيروان، فولى مظالمها سليمان بن سالم، وأطلق له النظر في مائة دينار، ثم عزله، وولاه قضاء صقلية، وولى مكانه إبراهيم بن الخشاب، واستكتب له أبا بكر بن اللباد، فكان يجرى على رأيه، ولم يكن لابن الخشاب فقه، وولى على الحسبة أبا القاسم الطرزى. قال أبو بكر بن اللباد: شاهدت ابن مسكين فى جنازة بعض نساء الأمير إبراهيم جالسا في المقبرة، اذ جاء الأمير أبو العباس، فقام إليه الناس وسلموا عليه، وعيسى جالس، ما حل حبوته، فلما نظر إليه قال: يا قاض! السلام عليكم ورحمة الله. فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. ثم سار، اذ جاء أبوه الأمير إبراهيم، فوثب إليه الناس، وعيسى على حاله ما حل حبوته، فلما رآه الأمير مال إليه، فلما حاذاه قال: السلام عليك يا قاض. فرد عليه. ثم نزل، وقدم عيسى للصلاة عليها. وبعث الأمير فيه مرة إلى تونس، فرغب بعض أهلها نزوله عنده، فأنزله فى دار حسنة، فقصد إلى بيت مسود من الدخان، بابه تحت درج، فنزل فيه، وبسط فيه حصيرا وجلدة وكساء. فسئل عن ذلك، فقال: يأتينى رجال السلطان، فيطيلون الجلوس إذا أصابوا مكانا حسنًا، وها هنا من أتى منهم سلم وانصرف، وعوفيت منهم. قال ابن الحارث: قال القاضى - ونقلته من خطه في غالب ظني -: سمعت بعض الشيوخ يحكى أن رجلا كان واقفا على جزار، فرماه رجل بشيء، فحاد عن عن الرمية، فسقط فاعتل ومات، وخاصم ورثته الرامي إلى عيسى بن مسكين، وأثبتوا عليه الرمية. فقضى لهم عيسى بالقتل بعد القسامة.فلما ذهبوا ليحلفوا، قال لهم ابن مسكين: تحلفون بالله خمسين يمينًا، لمن رميته حاد، ومن حيدته سقط، ومن سقطته مات. وكان إبراهيم، يبتهج بكونه قاضيا له، قال له يومًا بعض خدمته: لقد نصحتك نصحا ما ينصحك بمثله القضاة. فقال له إبراهيم: ولا عيسى بن مسكين؟
  • exact linked passagemedium confidencepage 1398, entry [860]6,714 chars
    ذكر ولايته القضاء وسيرته وولى زيادة الله بن الأغلب قضاء أفريقية حماسا، عند عزله الصدينى عن قضائها، وكان الصديني خبيثا معتزليا، فأراد زيادة الله أن يستحمد (¬١٣٣) العامة بولاية حماس، فكتب (¬١٣٤) إليهم: أنى عزلت عنكم الجافي الحلق المبتدع، ووليت حماس بن مروان لرأفته ورحمته وطهارته وعلمه بالكتاب والسنة (…
    ▸ expand full passage (6,714 chars)
    ذكر ولايته القضاء وسيرته وولى زيادة الله بن الأغلب قضاء أفريقية حماسا، عند عزله الصدينى عن قضائها، وكان الصديني خبيثا معتزليا، فأراد زيادة الله أن يستحمد (¬١٣٣) العامة بولاية حماس، فكتب (¬١٣٤) إليهم: أنى عزلت عنكم الجافي الحلق المبتدع، ووليت حماس بن مروان لرأفته ورحمته وطهارته وعلمه بالكتاب والسنة (¬١٣٥). * وذلك في رمضان سنة سبعين ومائتين (¬١٣٦)، فرضيت الخاصة والعامة، وسرت به. قال أبو العرب: فجمع الله به القلوب النافرة، والكلمة المختلفة وفرح به أهل السنة، وكان في القيروان لولايته فرح شديد. قال ابن حارث: كان من أفضل القضاة وأعدلهم (¬١٣٧)، وكان في علم القضاء حسن الفطنة والنظر، لفضل فقهه في الفتيا، من أهل الدين والفضل، وولى الأسواق (¬١٣٨) أبا القاسم الطرزى (¬١٣٩)، وكانت أيامه أيام حق ظاهر، وسنة فاشية، وعدل قائم، وأجلس معه أربعة من الفقهاء، موسى القطان ونصر السدوسي (¬١٤٠)، وأبا عبد الله الضراب، وعبد الرحمان الوزنة (¬١٤١) وسألهم أن ينظروافيما (¬١٤٢) يدور في مجلسه، ولا يحكم بين خصمين حتى يناظرهم في قضيتهما. قال أبو بكر المالكي: كان حماس يلبس الصوف الخشن، ولم يركب في ولايته، فإذا خرج إلى منزله بالبادية خرج على حمار بشند دون خف، وكان متقللا في طعامه لم يكتسب (¬١٤٣) دينار ولا درهما، يتقوت بما يأتيه من منزله، ولم يأخذ على القضاء أجرا، وكان يشترى ما يحتاج إليه من بقل وزيت من شعيره، فيتأدم به عند إفطاره. قال بعضهم: وجدنا في مجلسه نصف درهم، فعرفناه به، فقال: انظروا لمن هو، والله لا يملك آل حماس الليلة صفرا ولا بيضا غير طعام لقوتنا (¬١٤٤). وحكى عنه (¬١٤٥) أنه مر بمتداعيين يقول أحدهما لصاحبه: هذا طابع القاضي. فقال له الآخر: طابعه في كذا وكذا منه. فقال لهما: - وهما لا يعرفانه، وهو مقبل من باديته على حمار بشند، وعليه جبة صوف ومنديل صوف، على رأسه -: افترقا، ولينصف بعضكما بعضا، لا يسمعكما القاضي. قال أبو العرب: واستكتب ابنيه سالما وحمودا، وأبا جعفر أحمد بن نصر، وكان كتب له ابن الخشاب أولا، وكانوا قوما صالحين (¬١٤٦). قال سليمان بن محمد: لما وجه وراءه زيادة الله للقضاء، قال له: لا (¬١٤٧) أستطيع. فقال له ابن الصائغ: يأخذك (¬١٤٨) بمذهبك.فقال له: على شرط، أتخير من يكتب لي. قال: نعم. فتخير ابن الخشاب، وابن نصر، فقالا: ما نقوى على ذلك، فقال لهما حماس: يتولى أحدكما وأنا أكتب له. وقال لابنيه: الزما القرية، ولا تأتيانى إلا يوم (¬١٤٩) عيد، ولا تحضرا في مجلس حكمي. ولما ولى ابن الخشاب قضاء رقادة، استكتب ابنيه ثقة بمكانهما (¬١٥٠). ولما بلغه إكثار الناس القول في تجهيله، لإحضاره الفقهاء، وقلة علمه، أخرهم عن لزوم مجلسه (¬١٥١). ولم يكن يهاب في الحق أحدا ولا يداريه، وألقى ذلك بينه وبين ابن الصائغ، صاحب البريد، وكبير دولة زيادة الله، والغالب عليها، عداوة (¬١٥٢)، ولا سيما لمخالفة (¬١٥٣) المذهب، وأنه كان لا يدخل تحت طوعه، ويبدأ باسمه عليه إذا خاطبه، فسعى في طلبه والغض منه (¬١٥٤)، فولى زيادة الله محمد بن أحمد بن جيمال (¬١٥٥) من أهل العراق، القضاء معه، ورفع من شأنه، ونادى مناديه: إذا تداعى الخصمان إليه، وإلى حماس، صارا إليه (¬١٥٦) دون حماس. فلما رأى حماس ذلك، رفع ديوانه ومضى إلى رقادة، فأقام بجامعها ستة أشهر يطلب المعافاة، فقيل له: ليس لك إلا ابن الصائغ الذي سعى عليك.فقصده، فلما دخل عليه قام ابن الصائغ إليه، وسأله عن حاجته، فذكر أنه يرغب في المعافاة. "فقال له: ترجع كما كنت أو أعز. فقال: لا أحب إلا المعافاة (¬١٥٧). فسعى له عند زيادة الله في ذلك. وقال له: قد خيرك، أن أحببت أن ترجع قاضيا كما كنت، وإن أحببت عافيناك. فقال: المعافاة أحب إلى. فعافاه، وكتب له سجلا لحفظه (¬١٥٨) ومعافاته. وقد قيل في * معافاته غير هذا، فعوفى في جمادى الأولى سنة أربع وتسعين. قال ابن حارث: لما عوفى لزم بيته حتى لحق بالله. قال أحمد بن موسى: كسفت الشمس وقت الزوال، فخرج حماس من داره، وهو قاض، خاشعا حافيا، والطلبة حوله، إلى الجامع، فصلى بالناس فأطال، وقعد في التشهد، إذ سمع أذان عيشون بالظهر، فلما فرغ قال له: ما حملك أن تؤذن ونحن في صلاة سنة؟ فقال: دخل الوقت، والفرض أولى من السنة. فقال له حماس: لو لم تخرج منها لعاقبتك. قال موسى بن عبد الرحمان: قال لي حماس: تجلس معى يوما تنظر فيما يجرى بين الناس وبيني؟ قال: فجلست عنده يوما إلى آخر المجلس، فلما هم بالقيام قال لي: أذكرت شيئا؟قلت: لا والله إلا شيئا. قال: وما هو؟ قلت له: حبست رجلا ولم يجله الكاتب (¬١٥٩). قال بعضهم: كانت لي خصومة عند حماس في وصية، فشهد لي عليها لتبطل، فأعلمني حماس ما شهد على به، فسألت عن مسألتي، فقيل لي: هي شهادة فاسدة لا تلزمك، فلما كان في مجلس آخر قال لي: ما تقول فيما شهد عليك به؟ فقلت: أصلحك الله، هي شهادة فاسدة، ولا تضرني. فقال لي أحمد بن نصر كاتبه: أوهم القاضي بالحال؟ فقلت له: تدبر مسألتي فقد قيل لي: هي شهادة فاسدة. فخرج وقال: أنا أعلم بمسألتك، إن لم تأت بمنفعة، وإلا حكمت عليك، أخرج. فلما كان من الغد، تراءيت له، فدعانى فقال (¬١٦٠) لي: يا بني! الرجوع إلى الحق خير من التمادى في (¬١٦١) الباطل، تدبرت مسألتك، والأمر على ما قيل لك - يعنى الشهادة فاسدة - وحكم لي بحقى. قال أبو محمد بن خيران: كنت أختلف إلى حماس أستفيد منه، فوجدته مستلقيا، ورجل يعد له قبائح ابن (¬١٦٢) جيمال القاضي وما فعل، فلما خرج قال لي حماس: ماذا يلقى من ولى من أمور الناس شيئًا (¬١٦٣)؟ ما أراهم إذ (¬١٦٤) كنا ولينا إلا يتكلمون فينا. فقلت له: ما كانوا يقولون فيك أصلحك الله إلا ما فيك.فجلس وتغير وجهه. وقال: وما ذاك؟ ورمت ترقيع ما قلت، فلم أقدر فقلت: شيئان: أحدهما أنك استكتبت ابنك حمودا وأحمد بن نصر، ولم تجعل بينك وبينهم (¬١٦٥) فرجة كما يفعل غيرك، فلا يضع أحدهما قلمه إلا وعينك على ما يكتب، فقال الناس: إن كانوا ثقاتا فلم يتهمهم (¬١٦٦)؟ وإن لم يكونوا ثقاتا فلم أستكتبهم (¬١٦٧)؟ فقال لي: أما أحمد بن نصر فوالله ما أعلم اليوم بأفريقية أعلم أو أحفظ منه، وأما ابنى فوالله ما لمطلعت منه على ما لا يرضى الله (¬١٦٨) قط، ولكنى أردت بذلك أن يسلموا من كلام الناس في الآخرة. فقلت له: إنك لا تكتفى في الكشف عن الشاهد بواحد ولا اثنين ولا أربعة. فقال لي: أرأيت هذه الحوانيت التي غصبها السلطان من أربابها، هل تعلم أحدا أخلى سكناها (¬١٦٩) بعد أخذها؟ قلت: لا قال: وهل علمت أحدا أدى (¬١٧٠) إلى أصحابها الكراء؟ قلت: لا. قال: لكن المبتلى قد كشف عن ذلك، فما وجد أحدا أدى الكراء إلى أهلها إلا رجلين، فإذا فعل في هذا الأمر الجلى مثل هذا، وسكانها بياض الناس، فما ظنك بغيرهم؟ انى والله أكشف، وأكشف وأكشف.وحتى (¬١٧١) أن ابن مسرور الخال، عامل القيروان، قتل إنسانا بغير حق، فوجه (¬١٧٢) إليه حماس يعظه في سفك الدماء، فأنف، وقال: ما لحماس وهذا؟ أنا سلطان أنظر في الدماء وشبهها. فوجه حماس إلى تونس إلى، زيادة الله، ووجه الخال بالخبر إلى ابن الصائغ الحاجب، فعهد إلى أصحاب السلطان ألا يدخل أحد على زيادة * الله لحماس خبرا ولا كتابا. فمكث حماس على باب زيادة الله نحوا من ثلاثة أشهر، إلى أن ماتت ابنة لزيادة الله، فسأل عمن يصلى عليها، فقيل له: صاحبك. فقال: وأين هو منا؟ فقيل: هو ببابك منذ كذا. فأمره بالصلاة عليها، وأدخله على نفسه، وسمع منه، فكتب بعزل الخال عامل القيروان والتوجيه فيه، وصرف حماس مكرما. قال المالكي: وكان أبو هارون الأندلسي العابد، إذا قدم القيروان نزل على حماس، فلما ولى حماس قضاء أفريقية، أتى أبو هارون على عادته لينزل عنده، فلما قرب من داره أخبر أنه ولى القضاء، فأتى خلف صومعة الجامع فنزل هناك. فأخبر بذلك حماس، فأتى إليه فسلم عليه، واستدعاه، فقال له: بلغنا أنك وليت القضاء! قال: نعم، لم آخذ لهم صلة ولا كسوة. فقال: أما إذا كان كذا، فأنزل عندك. وحكى أنه لما دخل المسجد الحرام ركع ركعتين، فقال: أدركنى الدهش إجلالا للبيت.وكان حماس ملتزما مذهب ابن عبدوس في الإيمان، وكان أبو ميسرة وغيره من أصحاب محمد بن سحنون يهجرونه ولا يسلمون عليه. وتوفى سنة ثلاث وثلاثمائة. مولده سنة اثنين وعشرين ومائتين. * * *
  • exact linked passagemedium confidencepage 1518, entry [978]2,765 chars
    ولايته القضاء وسيرته ولاه الأمير عبد الله سنة احدى وتسعين، بعد تراء فيمن يوليه، وتعطل خطة القضاء للاستشارة مدة، فلم يزل قاضيا الى أن مات عبد الله، وولى حفيده الناصر عبد الرحمان بن محمد بن عبد الله، فأقر مدة يسيرة ثم عزله، وولى أسلم بن عبد العزيز، ثم عزل أسلم وأعاد الحبيب ولايته الثانية، وجمع له معها…
    ▸ expand full passage (2,765 chars)
    ولايته القضاء وسيرته ولاه الأمير عبد الله سنة احدى وتسعين، بعد تراء فيمن يوليه، وتعطل خطة القضاء للاستشارة مدة، فلم يزل قاضيا الى أن مات عبد الله، وولى حفيده الناصر عبد الرحمان بن محمد بن عبد الله، فأقر مدة يسيرة ثم عزله، وولى أسلم بن عبد العزيز، ثم عزل أسلم وأعاد الحبيب ولايته الثانية، وجمع له معها الصلاة، فتقلدهما الى أن مات. وكان السبب في عوده، أن أسلم لما ولى، آذاه في حاشيته، وكشفهم، واستقصى عليهم، حتى انه ركب بنفسه إلى منية الحبيب مع الفقهاء، فهدم عليه حائط منيته، فأخرج منها إلى الطريق صفين منشجر بقله. تصور الحبيب على ذلك الطريق، فآسفه بذلك. وحمله على معارضته. فسعى فى الرجوع الى قضائه، وتخدم بدرا الحاجب، فهيأ له ذلك. وكان بدر كارها فى أسلم. واتفق أن كتب أسلم مستعفيا، فعوفي. وولى الحبيب، فكافأ أسلم في صنائعه بسبب الودائع، كيل الصاع بالصاع. قال ابن حارث: لما ولى الحبيب القضاء، شده وحصنه، ولم يقبل الرأى ممن أشار به عليه من الفقهاء مرسلا. حتى كلفهم أن يقيده المفتى بخط يده، فكان أول قاض ألزم الفقهاء ذلك، ثم تكلف في دولته الثانية تأليف تلك الأقضية، فوضع منها عشرة أجزاء متهورة، فيها لمن نظر بلاغ من المعرفة، ودربة على الحكومة. قال ابن حارث: ولا بأس بعلمها ولا يقصر فى صوابها، أراد بذلك الاستغناء عن شيخ الفقهاء اذ ذاك محمد بن لبابة، واذ كان ما بينه وبينه غير صالح، فقعد الشيخ عن الاتيان اليه. وساعده صاحبه أبو صالح، فأظهر الحبيب الاستغناء عنهما بابن أيمن، ومحمد بن وليد، وسعد بن معاذ، ومحمد بن الجباب، ومحمد بن بكر، ومن بعدهم، مدة من الدهر، الى أن سعى عمر بن لبابة في اصلاح ذلك بينهما، عند ما فسد ما بين الشيخين محمد بن لبابة وأبي صالح، فجمع عمر بينهما عند * أسلم بن عبد العزيز، وجعل شرطهما في الاصلاح، الاجتماع على ازالة محمد بن أيمن عن مكانته. وكان كثيرا ما ينكل بمن آذى ذوى الهيآت من صالح المسلمين، ويعاقب من شكوا اليه به منهم، دون بينة، حتى لقد كلمه ابن لبابة وأبو صالح فى ذلك، وسألاه اطلاق رجل سجنه فى ذلك، وقالا له: تحبس رجلا بدعوى خصمه!؟ فأبى من اطلاقه، وقال: كان أبى وعمى لا يلتمسان على من تشكى به أحد من أهل العلم والمروءة بينة. قال ابن حارث: ان كانت هذه الحكاية صحيحة فهي من الفلتات، ويلزم أباه وعمه اللذين قلدهما ما لزمه، فلا تقوم به حجة على مذهبالحق، وأفضل الناس دينا وعلما ومروءة ومنصبا، لو ادعى على أخسهم حالا فى كل ذلك فلسا، لم يعط بدعواه، فالذي هو أعظم من ذلك من الحبس والعقاب أولى. قال ابن عبد البر: وكان الحبيب على براعة خلاله (¬٦٣٤) ممن أهان خطة القضاء، بالركون الى السلطان ورجاله، والاستخداء اليهم (¬٦٣٥) والتردد على أبوابهم. فعوتب بذلك. على أنه كان بعيدا عن الدنيا، حافظا للأمانة، متبعا للسنة، معتمدا في أحكامه على مشورة الشيوخ الجلة، جاريا ألا يخرج القضاء عن حده. وذكر أن رجلا جاء الى الحبيب، فشهد عنده شهادة، فقال: منذ كم عرفتها؟ فقال: منذ مائة سنة. ذاهبا الى المبالغة. فقال: وكم سنك؟ فقال: ستون. فقال: كيف عرفت هذا قبل أن تولد؟ فقال: انما قلته على المثل والسعة. فدعا له بالشرط (¬٦٣٦)، فأدبه، ثم قال لو أن ابراهيم بن حسين ابن عاصم (¬٦٣٧) احترس من مثل هذا، ما صلب (¬٦٣٨) انسانا بغير حق، يريد الى الخبر الذي ذكرناه في خبر ابن عاصم.
  • exact linked passagemedium confidencepage 1523, entry [981]6,356 chars
    ولايته القضاء وسيرته ولاه قضاء الجماعة، الناصر لدين الله، اول ولايته، وسط سنة ثلاثمائة، وكان معروفا بمذاهبه الحسنة ومروءته الكاملة. وأوصافه المحمودة، بعد الحبيب. وولى الصلاة محمد بن لبابة. الى أن استعفى سنة تسع وثلاثمائة فأعفاه، وولى الحبيب ثانية الى أن مات الحبيب، سنة ثنتى عشرة وثلاثمائة، فأعاد أسل…
    ▸ expand full passage (6,356 chars)
    ولايته القضاء وسيرته ولاه قضاء الجماعة، الناصر لدين الله، اول ولايته، وسط سنة ثلاثمائة، وكان معروفا بمذاهبه الحسنة ومروءته الكاملة. وأوصافه المحمودة، بعد الحبيب. وولى الصلاة محمد بن لبابة. الى أن استعفى سنة تسع وثلاثمائة فأعفاه، وولى الحبيب ثانية الى أن مات الحبيب، سنة ثنتى عشرة وثلاثمائة، فأعاد أسلم عليها. قال ابن حارث: ولم يزل محمود السيرة، مشكور الفعال، في دولته الأولى، الى أن مل واستعفى، وذكر بالسالفين من عيون القضاة في ايثار الحق وامضائه، وكان صارما لا هوادة عنده مع مبطل، وكان في قضائه الآخر دون ما كان عليه أولا، اذ أعادوه وقد أدركه الوهن، وأخذت منه السن، الا أنه كان نافذ الفطنة، يقرأ عليه ما يحمله من علمه، فلا يشذ عليه من الصواب شيء، ولا يذهب عليه من دقيق المعانى ما يذهب على مثله، الى أن كف بصره، وعجز عن الحكومة، فوالى الاستعفاء والصرف عن نفسه، فعزل سنة أربع عشرة. وقد كان الناصر يستخلفه في سطح القصر اذا خرج لمغازية. قال ابن عبد البر: كان أسلم قاضيا مهيبا، صليب القناة، حسن السيرة، مشبها من مضى من خيار القضاة فى صدر الأمة، لا يقضى عن شبهة. وذكر الشيوخ أنه لم يل القضاء بعد محمد بن سلمة، أشد تثبتا منه وتصحيحا في حكمه، ولا أبعد من الظنة، من أسلم. وكان قعوده للقضاء فى أسطوان داره، وكان شديد الاغلاظ على المتهمين فى الشهادة، لا يدع مواجهة من اتهمه بذلك، لا يستحيى فيه أحدا، شديد المباينة فى الحق، قليل المداراة فيه، وربما أخرج ذلك بلفظ نادر يعجب بظاهره، وربما صرح بذلك وأبان عند الحاجة. ذكر أن فقيها شهد عنده شهادة استرابها فقال له أسلم: في نفسي من هذه القضية حزة.فقال له الفقيه: أعقد الآن شهادتى كما أديتها، ثم اصنع ما بدا لك. فقال: لا والله يا سيدى لا أفعل، لأنى اذا عقدتها وجب على الأخذ بها، وان لم أعقدها دفع الله عن المشهود عليه بأسها. فغضب الفقيه، وقال له: يا أبا الجعد! ما هذا خلق تبقى به لنفسك صديقا، لو تركته لكان أزين لك. فقال له أسلم: لست والله أدع طبعى حتى تدع أنت طبعك في شهادة الزور. ودخل عليه فقيهان مشهوران لأداء شهادة، فلما أخذا مجلسهما، ابتدرهما وقال: القوا ما أنتم ملقون. فاتهما أنفسهما، وتوقفا عن أدائها. وحكى ابن حارث، أن ابن معاذ وأبا صالح، أتياه يوما، فلما أخذا مجلسهما نظر اليهما أسلم، فقال: القوا ما أنتم ملقون. فأبهتهما. ودخل عليه محمد بن الوليد يوما فكلمه في شيء فقال له أسلم: سمعنا وعصينا. فقال له ابن الوليد: ونحن قلنا واحتسبنا. وأتاه في بعض مجالسه شهود، بعضهم من أهل المدينة * بقرطبة، وبعضهم من أهل شبلار (¬٦٤٥) من الربض الشرقي، يشهدون في ترشيد امرأة من الربض الغربي، فلما أخذوا مجالسهم وأعلمه الوكيل بالبينة، فتح أسلم باب الخوخة التي في المجلس الذي يجلس فيه بدهليزه، ونادى بأعلى صوته الى من بخارجه: أيها الناس! اجتمعوا. فاجتمع من حضر بابه، فقال: اسمعوا عجبا، لله در القائل حيث يقول:راحت مشرقة ورحت مغربا … شتان بين مشرق ومغرب! هؤلاء قوم من أهل المدينة وسلا، ويشهدون في ترشيد امرأة من ساكنات آخر بلاط مغيث (¬٦٤٦). ثم سكت، فدهش القوم، وتسللوا، وتسللوا لواذا، فجعل أسلم يقول: مساكين! أمروا فأتمروا، يعرض ببعض من كان يعتنى بالمرأة من الأكابر، وكان الشهود من صنائعه. وذكر أنه بلغه عن بعض الشهود المتهمين، أنه أرشى في شهادته ببساط، فلما أتى ليؤديها ودخل على أسلم، وجعل يخلع خفيه، يريد يريد المشى على بساط القاضي، ناداه: أيا فلان! البساط، البساط! تحفظ من البساط، الله الله! فتنبه لبيان أمره عند القاضى، ولم يجسر على أداء شهادته تلك. وكان القاضي أسلم، مع مهابته في قضائه، مداعبا متلطفا، ذكر أن أمرأة جميلة حسنة الهيئة، كانت تكثر عليه شكاة زوجها واضراره بها، ثم عاودته اثر صلح أوقعه بينهما، فقال لها: ما هذا والصلح قريب، وقد حكمنا لك عليه. قالت: انه زاهد في. فقال: اللهم عفوا، ليس هذا عمل القاضى، انما عليه فصل القضاء، وليس عليه رد الهوى، ولكنى أدلك على ما ربما ينفعك، اذهبي الى فلان يكتب لك كتابا للهوى: انطلقى عنا يا هوجاء. وكانت الأحباس في أيامه أوفر ما كانت وأوسعه، وكان يفرق مالها مرتين فى السنة، وهو أول قاض أحضر العلماء والعدول لتفريق مالها، وجعل لها أوقاتا يدعو المساكين لأخذها، وكان القضاة قبله يعطونها تفاريق (¬٦٤٧) داخل السنة لمن رأوه أهلها.وكان فى دولته الأولى لا يمكن أحدا من الحكام من الدخول في شيء من أحكامه، ولا يقضى عليه (¬٦٤٨)، وفى دولته الثانية لان قليلا، وكانت السن أخذت منه، ولم يعدم يقظته. قال ابن عبد البر: وقد سمعت شيوخنا من أهل العلم يقولون: ان من ولى عندنا القضاء مرتين انه فى الأولى أفضل من الثانية، الا ما كان من محمد بن سلمة، أحد قضاة قرطبة قبل هذا. ومن نوادر قضائه فى الصلابة الشادة، أن رجلا أعجميا ممن استنزل من الحصون المخالفة، كانت بيده حرة مسلمة، استجارت بالقاضي، فأجارها، وبدأ بالنظر فى أمرها، فاذا برسول الحاجب بدر، ومحله من الخليفة ألطف محل، يقول له: هؤلاء العجم استنزلناهم بالعهد، وأنت أعلم بما يجب من الوفاء لهم، فدع بينه وبين أمته. فقال للرسول: أخبره، الأيمان كلها لازمتى، لا أنظر بين اثنين حتى أنفذ على الأعجمى ما يجب عليه من الحق. فرجع الرسول الى بدر ثم جاءه يقول له: يقرئك السلام، ويقول لك: أنى لا أعترضك فى الحق، ولا أستحل سؤاله منك، ولكن تفتى بما يجب، وأنت أعلم بالواجب. وجاءه رجل من النصارى يستقيل لنفسه (¬٦٤٩)، فوبخه أسلم على ذلك، وعنفه، فبلغ من سخفه أن قال له: يا قاض! وتتوهم انك ان قتلتني أنى أنا المقتول؟ فقال له أسلم: فمن؟ قال: شبهى يلقى على جسد من الأجساد فتقتله، وأرفع أنا تلك الساعة الى السماء. فقال له أسلم: الذي تدعيه غائب عنا، والذي نخبرك به من تكذيبك غائب عنك، وثم وجه يظهر صدقه * لنا ولك. فقال له النصراني: وما هو؟فقال أسلم لأعوانه: هاتو السوط، وجردوه. وأمر بضربه، فجعل يقلق (¬٦٥٠) تحت السياط ويصيح، فقال له أسلم: فى ظهر من تقع هذه السياط؟ فقال: في ظهرى. فقال له أسلم: وكذلك السيف والله، يقع فى عنقك، فلا تتوهم غير ذلك. قال محمد بن عبد البر: كنت بين يدى أسلم، اذ أتاه فتى من عند الناصر، بعزله عن القضاء، فوجم وأطرق، ثم قال: الحمد لله الذي عافانا منها، فطالما سألته ذلك. قال: فأكدت بصيرته، وذكرته كثرة تمنيه العافية منها. وخاصم فقيه عند أسلم رجلا في خادم اعترفها، وجاء بشاهد أتى به من اشبيلية، فقال: يا قاض! هذا شاهدى، فاسمع منه، فصعد أسلم فى الشاهد نظره وصوب، وقال: أصلحك الله: محتسب أو مكتسب؟ فقال له الشاهد: أحسن الظن يا قاض، فليس هذا اليك، هذا الي الله ﷿، المطلع على ما فى القلوب، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ولم تقعد هذا المقعد لتسأل عن هذا وشبهه، وانما عليك أن تسمع الظاهر، وتكل الباطن الى الله تعالى، عالم السر والعلانية، ان شئت فاسمع الشهادة منى كما يلزمني أداؤها، ثم اقبلها ان شئت أو أضرب بها الحائط - زاد من طريق آخر على غير هذا السياق - ليس لك أن تكشف الستر المسدول بينك وبين الناس، فان هذا التغيير للشهود يوقف أولى الأنفة عن الشهادة عندك، والتعرض لاهانتك، وفى ذلك من ضياع الحقوق ما لا يخفى. فأخجل أسلم كلامه وقال له: لك ما قلت، فأد شهادتك يرحمك الله. قال: فأين الخادم، تحضر، حتى أشهد على عينها.فقال أسلم: وفقيه أيضا! هاتوا الخادم. فجاءت من عند الأمين، فلما مثلت بين يديه نظرا فيها مليا ثم قال: أعرف هذه الخادم ملكا لهذا الرجل، لا أعرف ملكه زال عنها بوجه من الوجوه، الى حين شهادتى هذه، سلام على القاضي. ثم خرج. وتوفى أسلم سنة سبع عشرة وثلاثمائة، وهو معزول عن القضاة كما ذكرنا، وسنه سبع وثمانون سنة. ومولده سنة احدى وثلاثين ومائتين. * * *
  • reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 781, entry [276]346 chars
    أجل له بقدر بعده؛ قال يحيى بن يحيى لمحمد بن بشير: إن الحالات بالناس تتغير ولا تثبت، فإذا عدل عندك الرجل فحكمت بشهادته عن صحة نظر، ثم تطاول العهد وعاد للشهادة عندك، فأعد فيه نظرك وكلفه التعديل إن رابك، واستأنف الكشف عنه، فعمل بذلك، وأخذ الشهود، وحذرهم منه. وكان ابن بشير يشاور في قضائه عبد الملك بن الحسن زونان (¬٣٩٩)، والغازى بن قيس، والحرث بن أب
  • reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 781, entry [276]342 chars
    من أخذ الطابع فيه، ويعهد إليه بصرف الطابع إليه إذا حضر خصمه، ويعظه ويوعده، فإن كان بعيدًا أجل له بقدر بعده؛ قال يحيى بن يحيى لمحمد بن بشير: إن الحالات بالناس تتغير ولا تثبت، فإذا عدل عندك الرجل فحكمت بشهادته عن صحة نظر، ثم تطاول العهد وعاد للشهادة عندك، فأعد فيه نظرك وكلفه التعديل إن رابك، واستأنف الكشف عنه، فعمل بذلك، وأخذ الشهود، وحذرهم م
  • reviewable assessment hintthiqaneeds reviewmedium confidencepage 781, entry [276]343 chars
    زقي من الفيء؛ فضمنها له؛ قال ابن حارث: وكان محمد بن بشير فيما قال لي عنه بعض العلماء أنه كان ربما قبل الشاهد عنده على التوسم والفراسة، ولربما عول على تزكية السر من أهل الثقة. قال: وكان يقضى في سقيفة مغلقة بقبلى مسجد أبي عثمان بأول الربض الغربي، فكان إذا قعد للقضاء هنالك جلس وحده، وخريطته بين يديه، يتولى تقليبها بيده، ويتقدم إليه الخصوم على ك
  • reviewable assessment hintnot thiqaneeds reviewmedium confidencepage 806, entry [295]347 chars
    تصم، كما ذكرنا في أخباره، وأنه صيرهم بطانة، فعزله وولى أبا بكر بن أبي الليث الأصم، فأقام رجلا يرفع على هارون باستهلاك مال من بيت المال، وكان هارون يدفع مفتاح التابوت إلى غير ثقة، فأتى عليه منه، فأمر الأصم بإحضار هارون ومناظرته مرة بعد أخرى، فامتهنه وأمر بحبسه، فورد كتاب المعتصم برفع ذلك عنه. فأخذ الله عما قريب من الأصم ما فعل بهارون، وزيادة، على
  • reviewable assessment hintthiqaneeds reviewmedium confidencepage 1149, entry [568]343 chars
    كر له. وقال طلحة بن محمد في كتابه: كان يوسف بن يعقوب هذا رجلًا صالحًا، عفيفًا، خيرًا، حسن العلم بصناعة القضاء، شديدا في الحكم، لا يراقب أحدًا، وكانت له هيئة ورياسة، وكان ثقة أمينا. وذكر الخطيب أبو بكر في تاريخ علماء بغداد، أن خادمًا من وجوه خدم المعتضد، أتى إلى القاضي يوسف يومًا في حكم، فارتفع في المجلس، فأمره الحاجب بموازاة خصمه، فلم يفعل ا
  • reviewable assessment hintthiqaneeds reviewmedium confidencepage 1398, entry [860]343 chars
    قال لهما حماس: يتولى أحدكما وأنا أكتب له. وقال لابنيه: الزما القرية، ولا تأتيانى إلا يوم (¬١٤٩) عيد، ولا تحضرا في مجلس حكمي. ولما ولى ابن الخشاب قضاء رقادة، استكتب ابنيه ثقة بمكانهما (¬١٥٠). ولما بلغه إكثار الناس القول في تجهيله، لإحضاره الفقهاء، وقلة علمه، أخرهم عن لزوم مجلسه (¬١٥١). ولم يكن يهاب في الحق أحدا ولا يداريه، وألقى ذلك بينه وبين
  • reviewable assessment hintmajhulneeds reviewmedium confidencepage 1398, entry [860]347 chars
    لليلة صفرا ولا بيضا غير طعام لقوتنا (¬١٤٤). وحكى عنه (¬١٤٥) أنه مر بمتداعيين يقول أحدهما لصاحبه: هذا طابع القاضي. فقال له الآخر: طابعه في كذا وكذا منه. فقال لهما: - وهما لا يعرفانه، وهو مقبل من باديته على حمار بشند، وعليه جبة صوف ومنديل صوف، على رأسه -: افترقا، ولينصف بعضكما بعضا، لا يسمعكما القاضي. قال أبو العرب: واستكتب ابنيه سالما وحمودا، وأب