Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

ولايته القضاء وسيرته

القاضي عياض - ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية · page 1523, entry [981]

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية — القاضي عياض

Open narrator profile: ولايته القضاء وسيرته
page 1523, entry [981]Open original source
ولايته القضاء وسيرته ولاه قضاء الجماعة، الناصر لدين الله، اول ولايته، وسط سنة ثلاثمائة، وكان معروفا بمذاهبه الحسنة ومروءته الكاملة. وأوصافه المحمودة، بعد الحبيب. وولى الصلاة محمد بن لبابة. الى أن استعفى سنة تسع وثلاثمائة فأعفاه، وولى الحبيب ثانية الى أن مات الحبيب، سنة ثنتى عشرة وثلاثمائة، فأعاد أسلم عليها. قال ابن حارث: ولم يزل محمود السيرة، مشكور الفعال، في دولته الأولى، الى أن مل واستعفى، وذكر بالسالفين من عيون القضاة في ايثار الحق وامضائه، وكان صارما لا هوادة عنده مع مبطل، وكان في قضائه الآخر دون ما كان عليه أولا، اذ أعادوه وقد أدركه الوهن، وأخذت منه السن، الا أنه كان نافذ الفطنة، يقرأ عليه ما يحمله من علمه، فلا يشذ عليه من الصواب شيء، ولا يذهب عليه من دقيق المعانى ما يذهب على مثله، الى أن كف بصره، وعجز عن الحكومة، فوالى الاستعفاء والصرف عن نفسه، فعزل سنة أربع عشرة. وقد كان الناصر يستخلفه في سطح القصر اذا خرج لمغازية. قال ابن عبد البر: كان أسلم قاضيا مهيبا، صليب القناة، حسن السيرة، مشبها من مضى من خيار القضاة فى صدر الأمة، لا يقضى عن شبهة. وذكر الشيوخ أنه لم يل القضاء بعد محمد بن سلمة، أشد تثبتا منه وتصحيحا في حكمه، ولا أبعد من الظنة، من أسلم. وكان قعوده للقضاء فى أسطوان داره، وكان شديد الاغلاظ على المتهمين فى الشهادة، لا يدع مواجهة من اتهمه بذلك، لا يستحيى فيه أحدا، شديد المباينة فى الحق، قليل المداراة فيه، وربما أخرج ذلك بلفظ نادر يعجب بظاهره، وربما صرح بذلك وأبان عند الحاجة. ذكر أن فقيها شهد عنده شهادة استرابها فقال له أسلم: في نفسي من هذه القضية حزة.فقال له الفقيه: أعقد الآن شهادتى كما أديتها، ثم اصنع ما بدا لك. فقال: لا والله يا سيدى لا أفعل، لأنى اذا عقدتها وجب على الأخذ بها، وان لم أعقدها دفع الله عن المشهود عليه بأسها. فغضب الفقيه، وقال له: يا أبا الجعد! ما هذا خلق تبقى به لنفسك صديقا، لو تركته لكان أزين لك. فقال له أسلم: لست والله أدع طبعى حتى تدع أنت طبعك في شهادة الزور. ودخل عليه فقيهان مشهوران لأداء شهادة، فلما أخذا مجلسهما، ابتدرهما وقال: القوا ما أنتم ملقون. فاتهما أنفسهما، وتوقفا عن أدائها. وحكى ابن حارث، أن ابن معاذ وأبا صالح، أتياه يوما، فلما أخذا مجلسهما نظر اليهما أسلم، فقال: القوا ما أنتم ملقون. فأبهتهما. ودخل عليه محمد بن الوليد يوما فكلمه في شيء فقال له أسلم: سمعنا وعصينا. فقال له ابن الوليد: ونحن قلنا واحتسبنا. وأتاه في بعض مجالسه شهود، بعضهم من أهل المدينة * بقرطبة، وبعضهم من أهل شبلار (¬٦٤٥) من الربض الشرقي، يشهدون في ترشيد امرأة من الربض الغربي، فلما أخذوا مجالسهم وأعلمه الوكيل بالبينة، فتح أسلم باب الخوخة التي في المجلس الذي يجلس فيه بدهليزه، ونادى بأعلى صوته الى من بخارجه: أيها الناس! اجتمعوا. فاجتمع من حضر بابه، فقال: اسمعوا عجبا، لله در القائل حيث يقول:راحت مشرقة ورحت مغربا … شتان بين مشرق ومغرب! هؤلاء قوم من أهل المدينة وسلا، ويشهدون في ترشيد امرأة من ساكنات آخر بلاط مغيث (¬٦٤٦). ثم سكت، فدهش القوم، وتسللوا، وتسللوا لواذا، فجعل أسلم يقول: مساكين! أمروا فأتمروا، يعرض ببعض من كان يعتنى بالمرأة من الأكابر، وكان الشهود من صنائعه. وذكر أنه بلغه عن بعض الشهود المتهمين، أنه أرشى في شهادته ببساط، فلما أتى ليؤديها ودخل على أسلم، وجعل يخلع خفيه، يريد يريد المشى على بساط القاضي، ناداه: أيا فلان! البساط، البساط! تحفظ من البساط، الله الله! فتنبه لبيان أمره عند القاضى، ولم يجسر على أداء شهادته تلك. وكان القاضي أسلم، مع مهابته في قضائه، مداعبا متلطفا، ذكر أن أمرأة جميلة حسنة الهيئة، كانت تكثر عليه شكاة زوجها واضراره بها، ثم عاودته اثر صلح أوقعه بينهما، فقال لها: ما هذا والصلح قريب، وقد حكمنا لك عليه. قالت: انه زاهد في. فقال: اللهم عفوا، ليس هذا عمل القاضى، انما عليه فصل القضاء، وليس عليه رد الهوى، ولكنى أدلك على ما ربما ينفعك، اذهبي الى فلان يكتب لك كتابا للهوى: انطلقى عنا يا هوجاء. وكانت الأحباس في أيامه أوفر ما كانت وأوسعه، وكان يفرق مالها مرتين فى السنة، وهو أول قاض أحضر العلماء والعدول لتفريق مالها، وجعل لها أوقاتا يدعو المساكين لأخذها، وكان القضاة قبله يعطونها تفاريق (¬٦٤٧) داخل السنة لمن رأوه أهلها.وكان فى دولته الأولى لا يمكن أحدا من الحكام من الدخول في شيء من أحكامه، ولا يقضى عليه (¬٦٤٨)، وفى دولته الثانية لان قليلا، وكانت السن أخذت منه، ولم يعدم يقظته. قال ابن عبد البر: وقد سمعت شيوخنا من أهل العلم يقولون: ان من ولى عندنا القضاء مرتين انه فى الأولى أفضل من الثانية، الا ما كان من محمد بن سلمة، أحد قضاة قرطبة قبل هذا. ومن نوادر قضائه فى الصلابة الشادة، أن رجلا أعجميا ممن استنزل من الحصون المخالفة، كانت بيده حرة مسلمة، استجارت بالقاضي، فأجارها، وبدأ بالنظر فى أمرها، فاذا برسول الحاجب بدر، ومحله من الخليفة ألطف محل، يقول له: هؤلاء العجم استنزلناهم بالعهد، وأنت أعلم بما يجب من الوفاء لهم، فدع بينه وبين أمته. فقال للرسول: أخبره، الأيمان كلها لازمتى، لا أنظر بين اثنين حتى أنفذ على الأعجمى ما يجب عليه من الحق. فرجع الرسول الى بدر ثم جاءه يقول له: يقرئك السلام، ويقول لك: أنى لا أعترضك فى الحق، ولا أستحل سؤاله منك، ولكن تفتى بما يجب، وأنت أعلم بالواجب. وجاءه رجل من النصارى يستقيل لنفسه (¬٦٤٩)، فوبخه أسلم على ذلك، وعنفه، فبلغ من سخفه أن قال له: يا قاض! وتتوهم انك ان قتلتني أنى أنا المقتول؟ فقال له أسلم: فمن؟ قال: شبهى يلقى على جسد من الأجساد فتقتله، وأرفع أنا تلك الساعة الى السماء. فقال له أسلم: الذي تدعيه غائب عنا، والذي نخبرك به من تكذيبك غائب عنك، وثم وجه يظهر صدقه * لنا ولك. فقال له النصراني: وما هو؟فقال أسلم لأعوانه: هاتو السوط، وجردوه. وأمر بضربه، فجعل يقلق (¬٦٥٠) تحت السياط ويصيح، فقال له أسلم: فى ظهر من تقع هذه السياط؟ فقال: في ظهرى. فقال له أسلم: وكذلك السيف والله، يقع فى عنقك، فلا تتوهم غير ذلك. قال محمد بن عبد البر: كنت بين يدى أسلم، اذ أتاه فتى من عند الناصر، بعزله عن القضاء، فوجم وأطرق، ثم قال: الحمد لله الذي عافانا منها، فطالما سألته ذلك. قال: فأكدت بصيرته، وذكرته كثرة تمنيه العافية منها. وخاصم فقيه عند أسلم رجلا في خادم اعترفها، وجاء بشاهد أتى به من اشبيلية، فقال: يا قاض! هذا شاهدى، فاسمع منه، فصعد أسلم فى الشاهد نظره وصوب، وقال: أصلحك الله: محتسب أو مكتسب؟ فقال له الشاهد: أحسن الظن يا قاض، فليس هذا اليك، هذا الي الله ﷿، المطلع على ما فى القلوب، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ولم تقعد هذا المقعد لتسأل عن هذا وشبهه، وانما عليك أن تسمع الظاهر، وتكل الباطن الى الله تعالى، عالم السر والعلانية، ان شئت فاسمع الشهادة منى كما يلزمني أداؤها، ثم اقبلها ان شئت أو أضرب بها الحائط - زاد من طريق آخر على غير هذا السياق - ليس لك أن تكشف الستر المسدول بينك وبين الناس، فان هذا التغيير للشهود يوقف أولى الأنفة عن الشهادة عندك، والتعرض لاهانتك، وفى ذلك من ضياع الحقوق ما لا يخفى. فأخجل أسلم كلامه وقال له: لك ما قلت، فأد شهادتك يرحمك الله. قال: فأين الخادم، تحضر، حتى أشهد على عينها.فقال أسلم: وفقيه أيضا! هاتوا الخادم. فجاءت من عند الأمين، فلما مثلت بين يديه نظرا فيها مليا ثم قال: أعرف هذه الخادم ملكا لهذا الرجل، لا أعرف ملكه زال عنها بوجه من الوجوه، الى حين شهادتى هذه، سلام على القاضي. ثم خرج. وتوفى أسلم سنة سبع عشرة وثلاثمائة، وهو معزول عن القضاة كما ذكرنا، وسنه سبع وثمانون سنة. ومولده سنة احدى وثلاثين ومائتين. * * *
Parsing and provenance details
Local passage ID
283255
Book record
shamela-31215
Source record
dedupe:981:710399
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate
ولايته القضاء وسيرته — shamela-31215 · Hadith Research Library