page 832, entry [578]Open original source
ذكر ولايته القضاء وسيرته قال ابن مسكين: لما مات سحنون اغتممت لموته. فرأيته في نومي، كأنه خلع من عنقه شيئًا، كان متقلدًا به، فقلدني إياه. فقلت: كان سحنون رجلًا صالحًا. والله لأقفون أثره. وتأولته العلم. فبعد أربعين سنة خرجت رؤياي. فابتليت بالقضاء. قال عيسى: بينما أنا في الدار يوم الجمعة برقادة - يعني وهو قاضي - إذا برجل يحرك عليّ الباب. ففتحت له، فسلم عليّ. ثم جلس. فقال لي: كيف حالك. فقلت ما سؤال على من صار حاله الى ما ترى؟ قال: إنما هي تسعة. وقلت: هذا - يعني الأمير - قال: هذا يخرج. وهذا يمر. فقلت: أين. قال يركب البحر. ثم خرج. فقلت تسعة أيام. فمضت تسعة أشهر. فأقمت تسع سنين. فقال: إنه الخضر ﵇. قال ابن حارث: كان ابراهيم بن أحمد بن الأغلب. قد أحضر يحيى بن عمر، الى ولاية القضاء. فقال له: إن دللتك على من هو أفضل مني، في الوجه الذي تحب. تعافيني؟ قال له: نعم. فدلّه على ابن مسكين. فأرسل فيه ابراهيم بن حماد، الى كورة الساحل. وأوصله الى نفسه. وعرض عليه القضاء فنفر منه. قال تميم بن خيرإنه لما شاور العلماء ابراهيم، فيمن يلي القضاء، اختلفوا عليه. فذكر له عيسى، فقال أحمد بن ناجي: والله، أيها الأمير، صاحبنا عند سحنون. جمع الله فيه خلال الخير، بأسرها. فوجه فيه الى الساحل. فأتي به. وفي المجلس حمديس وغيره. فقال له ابراهيم: أدتري لمَ بعثت إليك؟ فقال: لا. قال: لأشاورك في رجل قد جمع خلال الخير أردت أن أوليه القضاء. وألمّ به شعث هذه الأمة فأمتنع؟ قال: ألزمه أن يلبي. قال: تمنّع. قال يُجبر على ذلك. قال: أمتنع؟ قال: يُجلد. قال: قم. فأنت هو. قال: ما أنا بالذي وصفت. وتمنع. فأخذ الأمير بمجامع ثيابه، وقرب السيف من نحره. فتقدم إليه عيسى بنحره. قال حمديس: فقمت من مكاني، كيلا يصيبني من دمه. فلم يزل به، حتى ولي. قال ابن أبي سعيد: ولاه القضاء ابراهيم بن أحمد، بعد إجماع الناس عليه، على اختلاف مذاهبهم، وامتناعه. فخوّفه ابراهيم، وحلف له بغليظ الإيمان لئن لم تلِ لأقتلنّك. فولي، وأسكنه رقادة. فكان لا يتصرف، ولا يخرج الى المسجد. وقيل إن ابراهيم قال: والله لأولين عليكم من لا تختلفون في فضله وزهده، وعلمه وورعه. فوجه فيه. قال غيره: وقيل: إن الأمير ابراهيم، قال له: إن لم تلِ لأولينّ ابن عبدون، يظهر البدعة، ويهين، السنة. وقيل إن ابن الأغلب لما وجه فيه، استخشن الرسول زيه. فلما أتى به ابن الأغلب، قال له: إنه لا يصلح للقضاء. لثقل روحه، وزيه. قال له: أرنيه، قبل وصوله إليّ. فأدخله من حيث يراه، وعليه جبة صوف، وعمامة صوف. فلما وصل إليه، قال له ابن الأغلب: قد اتفق الناس عليك. فقال: اتق الله ولا تول مثلي على هذاالبلد. فقال اذهب ولا ترجع الى منزلك إلا بإذني، وجمع العلماء والشيوخ الذين أشاروا به. فقال لهم: أشرتم علي بشيخ في زي جَمال. فقالوا إن أردت أن تقوم لك الحجة عند الله، فوله. فلم يرَ مثله. فأحضره وخوفه وذكر نحوًا مما تقدم. فلما رأى منه ما رأى، أي ما لا قدرة له عليه. أراد أن يشدد عليه في الشرط. قال اشترط ما أحببت. قال أستعفيك في كل شهر، قال نعم. قال: أكتبه. ففعل. وأحملك وبني عمك، وجندك وفقهاء المسلمين وأغنيائهم في درجة واحدة. قال: أكتب. ففعل. قال ولا توجه ورائي، ولا أعزّي، ولا أهنّي، ولا أشيّع، ولا ألتقي. فمتى لم توفِ لي بشرط، عزلت نفسي. قال: نعم. وعرض عليه الصلة، والكسوة فامتنع. قال ابن حارث: وقال عيسى بن مسكين لابن الأغلب: أنا رجل طويل الصمت، قليل الكلام، غير نشيط في أموري، ولا أعرف أهل البلد، فقال له الأمير: عندي مولى نشيط، قد تدرب في الأحكام، أنا أضمه إليك يكون كاتبًا. يصدر عنك الأمور في القول في جميع الأمور، فما رضيت من قوله، أمضيت. وما سخطت رددت، فضم إليه عبد الله بن مفرج المعروف بابن البناء. قال المخبر: فكثيرًا ما كنت آتي مجلسه، وهو صامت لا ينطق، وابن البناء يقضي. قال: فلقد دخلت يومًا على الأمير، فقال لي: بلغني أنك تخاطب الخصوم، وتفصل، وعيسى ساكت. ما أرى إلا أنه لم يقبل القضاء. قلت: قد قبل. إلا أني أكفيه. قال: أمضِ، ولا تعلم أحدًابما جرى بيني وبينك. فإذا حضر الخصمان فافصل بينهما، بغير مذهبه. فقلت ما قلت لهما. فأمرني عيسى بصرفهما. فقال لي: أفصل بينهما ولا يعاد إليّ مثل ما فعلت قبل. فأمرهما قرارًا بين يديه. وفصل بينهما، بمذهبه. فأخبرت بذلك الأمير. فحمد الله تعالى. وسجد شكرًا لله تعالى. قال الخراط: وكان له كاتب آخر يقال له ابن زرياب. يتولى الديوان. فغاب يومًا عن المجلس، واحتيج الى النظر في الديوان، ولم يدر ابن البناء ما يعمل فيه، الى أن ارتفع النهار. وتفرق أصحاب القضية. فجاء ابن زرياب، فنظر في الديوان، فأخرج القضية، ثم اعتذر عن تأخره، بحضوره نكاحًا، عند أبي القاسم بن محمد بن عبدوس. وذكر ما لابن عبدوس عليه من الحق. وأنه لم يمكنه إلا الحضور. فقال له عيسى: ما ظننا بك إلا عذرًا من مرض، أوهم في ذلك، وإذا أنت في هذا. فأخذوا بيده الى السجن. فلما استقر في السجن وجه وراءه، وقال له: أنت في إجازة المسلمين، تعطل ما استؤجرت فيه، وتشتغل بحضور الملاكات. لا تعد وارجع الى مكانك. وذكر أنه كان يقوم في الليل، يتذكر قصص المتخاصمين عنده، واحدًا واحدًا، ويسأل الله تعالى أن يحمله فيها على السداد. ومرّ يومًا على السجن فأسمعه بعض من سجنه ما يكره، فكلمه في ذلك بعض من حضر، وقال من يصبر على هذا. قال عيسى: من أين كلمني؟ قال من السجن. فقال لهم فليس عليّ أكثر من هذا. أخذنا كسوته ونمنعه من البكاء. ونحو هذا. وخرج عنده بعض العرافين شُهد عليه أنهيشرب النبيذ. قال له عيسى: كشفت عنه فأصبته يدين بتحليله. ولا يجمع عليه الجموع. وأثبت شهادته. ودخل على عيسى بن مسكين رجل، من أشراف الناس، يتولى الأمانة للقضاة. وكان عيسى يجلّه. فأقبل عيسى يسأله عما قبله. فإذا بصائح يقول: يا قاضي. خصمي داخل عندك. وأنا خارج. ثم صاح ثانية، وثالثة. فلم يرَ عيسى غيري. فأمر بإدخاله. وسأله من خصمك؟ فقال: هذا؟ يعني الأمين. فقال: هل دارت بينك وبينه مخاصمة، قبل هذا. قال: لا. وأمر بالرجل الى الحبس، وقال: لما دخل علينا أمينُنا ومن يعيننا على الحق، أردت أن تؤذيه وتمرته. فقال عندي منافع مال من السجن تأتي بها. فلما استقر في السجن، أمر بإخراجه، وإحضار منافعه. قال: وبينما عيسى يومًا بجامع رقادة، إذ سمع صياح قوم. بالله. ثم به. فقال لمن حوله: أنظروا من هؤلاء؟ قالوا: نهب تونس، فأمر بإمساكهم. فشكاه الذي نهبهم الى الأمير، ابراهيم. فأرسل إليه في إطلاقهم. فقال لكاتبه: أكتب إليه: ويا قومِ ما لي أدعوكُم الى النجاة وتدعونني الى النار الى قوله: بصيرٌ بالعباد. فلما قرأها، قال: هذا رجل يحاربنا بالله، لا حاجة لنا بهم. أتركوهم. ووجه ابن الأغلب يومًا وراء ابن البناء. فغلط الرسول. فدعا عيسى، وذلك بعد مجيء الأمير ابراهيم، من سفرة، لم يشيعه فيها، عيسى، ولا لقيه إذ جاء. فلما أتى الرسول الى عيسى. أقبل فوجد ابراهيم في بستان. فلما رآه ابراهيم قال له ابتداءً، والله ما وجهت إليك. ولا أردت إلا ابن البناء. فانصرف عيسى من مكانه ذلك. ولم يصل الى الأمير ولا سلم عليه. فقال ابراهيم: يا قوم: أرأيتم مثل هذا القاضي.غبت فما شيع، ورجعت فما تلقى، ولا هنأ. بعثت وراء غيره. فغلط به الرسول. فاعتذرت له. فانصرف بعد أن رآني بغير تسليم، ردوه. فخرج بعد ذلك عليه ابراهيم. فقال له عيسى: الأمير أكرم من أن يعدني وعدًا. ويعقد على نفسه عقدًا. ثم ينقضه، فيما تقدم منه. من رفع المؤونة عني، فصارت مخالفة ما رسمه من طرح التكليف مما لا ينبغي أن أفعله ولا يجوز، وأما رجوعي بعد رؤيتي له، من غير تسليم، فرأيته جالسًا في غير مجلسه للناس. فلو تركني. لسلمت. فلما بادرني بالكلام، قبل السلام. ظننت كراهيته، لدخول هذا الموضع. فانصرفت مساعدة لذلك. وكان يقول للأمير ابرهيم عندما يُطنب في الثناء عليه، ويفتخر به: إنه مطيع. فقال: إن كان ما ظهر منه يشهد لباطنه فما كان في عُبّاد بني إسرائيل مثله. وإن كان رياء أو تصنعًا، فما رأينا ولا بلغنا عن أحد ملك شهوته ونفسه منه. لاسيما مع الإمكان والرياسة. وهو في الحالتين نسيج وحده. قال: ولم يأخذ ابن مسكين في مدته على القضاء أجرًا. وكان لا يستعين بأحد في شيء، من أموره. وربما استُقي له الماء، فيريقه، ويستقي لنفسه. وإنما كان بل لنفسه. ودخل عليه رجل يومًا، فوجد له عجينًا في مقلى، كاد أن يحترق، وابن مسكين في الصلاة. فقلبه له الرجل. فلما أتم الصلاة أمر بصدقته، ولم يأكله. ودخل عليه رجل يستسقي، فحلف له أن لا يستقي إلا هو. فتركه حتى استقى. ثم أخذه فأراقه في الماجل. ثم استقى هو بنفسه. وإنما كان يعيش بدقيق، كان يأتيه من منزله، يخبزه بنفسه، وبقل وشيء يأتيه من البادية. فإن لم يأته شيء، انتظره. فربما بقي اليومين والثلاثة بلا طعام. وكان شديدالتقشف في قضائه. ولم يكن على هذه السبيل من الانقباض، قبل قضائه. ولما عزل، عاد الى ما كان عليه، من حسن المعاشرة. وكرم المجالسة. والمؤاخاة. وسئل عن فرط انقباضه، فقال: ابتليت بجبار عنيد. خفت أن يبعث إليّ من طعامه أو يدعوني إليه. فلا آمنه إن امتنعت. فحملت نفسي على ذلك. لينقطع طمعه فيّ. وفرغ ما عنده من القوت برقادة. فبقي ثلاثة أيام، لا يطعم شيئًا. حتى لزم الفراش ضعفًا. حتى أتاه الرسول، آخر اليوم الثالث. قال: ولقد أقام برقادة تسع سنين، ما أكل تينًا - إلا مرة - اشتري له بخروبة. ولا بطيخًا - إلا مرة واحدة - صغيرة. وكان عيسى لا ينزل الى القيروان. فولى مظالمها، سليمان بن سالم، وأطل له النظر في مائة دينار. ثم عزله. وولاه قضاء صقلية. وولي مكانه ابراهيم بن الخشاب، واستكتب له أبا بكر بن اللباد. فكان يجري على رأيه، ولم يكن لابن الخشاب فقه، وولى على الحسبة، أبا القاسم الطرزي، قال أبو بكر اللباد: شاهدت ابن مسكين في جنازة بعض نساء الأمير ابراهيم، جالسًا في المقبرة. إذ جاء الأمير أبو العباس، فقام إليه الناس، وسلموا عليه، وعيسى جالس. ما حل حبوته. فلما نظر إليه. قال: يا قاضي: السلام عليكم ورحمة الله. فقال له: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. ثم سار إذ جاء أبوه ابراهيم، فوقف إليه الناس، وعيسى على حاله، ما حل حبوته. فلما رآه الأمير مال إليه، فلما حاذاه، قال السلام عليك يا قاضي. فردّ عليه. ثم نزل فقدّم عيسى للصلاة عليها، وبعث الأمير به الى تونس، فرغب بعض أهلها في نزوله عنده. فأنزله في دار حسنة، فقصد الى بيت مُسوّدٍ من الدخان، بابه تحت درج، فنزل فيهفسئل عن ذلك. فقال: يأتيني رجال السلطان فيطيلون الجلوس، إذا أصابوا مكانًا حسنًا. وهاهنا من أتى منهم، سلّم وانصرف. وعوفيت منهم. قال القاضي رحمه الله تعالى: ونقلته من خط ابن الحارث: سمعت بعض الشيوخ يحكي، أن رجلًا كان واقفًا على جزار فرماه رجل بشيء، فحاد عن الرمية، فسقط، فاعتل، فمات، وخاصم ورثته، الرامي الى عيسى بن مسكين. فأثبتوا عليه الرمية. فقضى لهم عيسى بالقتل، بعد القسامة. فلما ذهبوا ليحلفوا. قال لهم ابن مسكين: يحلفون بالله خمسين يمينًا، لمن رميته حاد ومن حبوته سقط ومن سقطته مات. وكان ابراهيم يبتهج بكونه قاضيًا له. قال له يومًا بعض خدمته لقد نصحتك نصحًا ما نصحك القضاة بمثله. فقال له ابراهيم: ولا عيسى بن مسكين.