page 1186, entry [602]Open original source
ذكر ولايته القضاء وسيرته قال ابن مسكين: لما مات سحنون، اغتممت لموته، فرأيته في نومي كأنه خلع من عنقه سيفا كان متقلدا به، وقلدني إياه، فقلت: كان سحنون رجلا فاضلا، والله لأقفون أثره. وتأولته العلم. فبعد أربعين سنة خرجت رؤياي، فابتليت بالقضاء.قال عيسى: فأنا في الدار يوم جمعة، برقادة - يعنى وهو قاض - إذا رجل يحرك على الباب، ففتحت له، فسلم، ثم جلس، فقال لي: كيف حالك؟ فقلت: ما سؤالك عمن صار حاله إلى ما ترى؟ قال: إنما هي تسعة. فقلت: وهذا؟ أعنى الأمير. قال: هذا يخرج، هذا يمر. فقلت: أين؟ قال: يركب البحر. ثم خرج. فقلت تسعة أيام، فمضت، ثم تسعة أشهر، فمضت، فأقمت تسع سنين. فقال: إنه كان الخضر. قال ابن حارث: كان إبراهيم بن أحمد بن الأغلب، قد اصطفى يحيى بن عمر إلى ولاية القضاء، فقال له: إن دللتك على من هو أفضل منى في الوجه الذي تحب، تعافيني؟ فقال له: نعم. فدله على ابن مسكين. فأرسل فيه إبراهيم بن أحمد إلى كورة الساحل، وأوصله إلى نفسه، وعرض عليه الفصل، فنفر منه. قال تميم بن خيران: لما شاور العلماء إبراهيم فيمن يلى القضاء، اختلفوا عليه، فذكر له عيسى، فقال حمديس: إنه والله أيها الأمير صاحبنا عند سحنون، جمع الله فيه خلال الخير بأسرها. فوجه إليه إلى الساحل، فأتى فوجد في المجلس حمديسا وغيره.فقال له إبراهيم: تدرى لم بعثت إليك؟ قال: لا. قال: نشاورك في رجل قد جمع خلال الخير، أردت أن أوليه القضاء، وألم به شعث هذه الأمة فامتنع؟ قال: يلزمه أن يلى. قال: تمنع. قال: يجبر على ذلك. قال: تمنع. قال: يجلد. قال: قم، فأنت هو! قال: ما أنا بالذي وصفت. وتمنع، فأخذ الأمير بمجامع ثيابه، وقرب السيف من نحره، فتقدم إليه عيسى بنحره. قال حمديس: وقمت من مكانى لئلا يصيبنى من دمه، فلم يزل به حتى ولى. قال ابن أبي سعيد: ولاه القضاء إبراهيم بن أحمد، بعد إجماع الناس عليه، على اختلاف مذاهبهم، وامتناعه، فخوفه إبراهيم، وحلف له بغليظ الأيمان: لئن لم تل لأقتلنك. فولى، وأسكنه رقادة، فكان لا يتصرف فيها، ولا يخرج إلا إلى المسجد. وقيل: إن إبراهيم قال: والله لأولين عليكم من لا تختلفون في فضله وزهده وعلمه، وورعه. فوجه فيه.قال غيره: وقيل: أن الأمير إبراهيم قال له: إن لم تل لأولين ابن عبدون. فخاف إن ولى ابن عبدون، أن يظهر البدعة، ويهين أهل السنة. وقيل: إن ابن الأغلب لما وجه فيه، استخشن الرسول زيه، فلما أتى به قال لابن الأغلب: إنه لا يصلح للقضاء لثقل روحه وزيه. فقال له: أرنيه قبل وصوله إلى. فأدخل من حيث يراه، وعليه جبة صوف وعمامة صوف. فلما وصل إليه، قال له ابن الأغلب: اتفق الناس عليك. فقال له: اتق الله، ولا تول مثلى على هذا البلد. فقال: اذهب، ولا ترجع إلى منزلك إلا بإذني. وجمع العلماء والشيوخ الذين أشاروا له، فقال لهم: أشرتم على بشيخ في زى جمال! فقالوا له: إن أردت أن تقوم لك الحجة عند الله فوله، فلم ير مثله. فأحضره وخوفه - وذكر نحو مما تقدم - فلما رأى منه ما لا قدرة له عليه: أراد أن يشدد عليه في الشروط. قال: اشترط ما أحببت. قال: أستعفيك في كل شهر. قال: نعم. قال: اكتبه. ففعل. قال: وأحملك على الحق، وبنو عمك وجندك وفقراء الناس وأغنياؤهم في درجة واحدة. قال: نعم.قال: اكتبه. ففعل. قال: ولا توجه ورائى، ولا أهنى ولا أعزى ولا أشيع ولا أتلقى، فمتى لم تف لى بشرط عزلت نفسي. قال: نعم. وعرض عليه الصلة والكسوة فامتنع. قال ابن حارث: قال عيسى بن مسكين لابن الأغلب: أنا رجل طويل الصمت، قليل الكلام، غير نشيط فى أمورى، ولا أعرف أهل البلد. فقال لى الأمير: عندى مولى نشيط قد تدرب في الأحكام، أنا أضمه إليك، يكون لك كاتبًا، يصدر عنك فى القول فى جميع الأمور، فما رضيت من قوله أمضيت، وما سخطت رددت. فضم إليه عبد الله بن محمد بن مفرح، المعروف بابن البناء. قال المخبر: فكثيرًا ما كنت، آتي مجلسه وهو صامت لا ينطق، وابن البناء يقضى. قال ابن البناء: فلقد دخلت يوما على الأمير إبراهيم، فقال: بلغنى أنك أنت تخاطب الخصوم وتفصل، وعيسى ساكت! ما أرى إلا أنه لم يقبل القضاء. قلت: قد قبل، إلا أني أكفيه. قال: امض، ولا تعلم أحدا بما بينى وبينك، فإذا حضر الخصمان فافصل بينهما بغير مذهبه، حتى ترى! ففعلت، فأمرني عيسى بصرفهما، فقال لي: افصل بينهما. فقلت ما قلت لهما أولا. فقال لى مثله.ففعلت مثل ما فعلت قبل. فأمرهما، فدارا بين يديه، وفصل بينهما بمذهبه، فأخبرت بذلك الأمير، فحمد الله، وسجد شكرا له. قال الخراط: وكان له كاتب آخر يقال له ابن زرياب، يتولى الديوان، فغاب يومًا عن المجلس، واحتيج إلى النظر في الديوان، ولم يدر ابن البناء ما يعمل فيه، إلى أن ارتفع النهار وتفرق أصحاب القضية. فجاء ابن زرياب، ونظر فى الديوان، فخرج منه القضية، ثم اعتذر عن تأخره بحضوره نكاحا عند أبي القاسم بن محمد بن عبدوس، وذكر ما لابن عبدوس عليهم من الحق، وأنه لم يمكنه إلا الحضور. فقال عيسى: ما ظننا بك إلا عذرا من مرض أو مهم فى دارك، وإذا أنت فى هذا: خذوا بيده إلى السجن. فلما استقر فى السجن، وجه وراءه وقال له: أنت فى اجارة المسلمين، تعطل ما استؤجرت فيه وتشتغل بحضور المأكلات (¬٣٨٣)! لا تعد، ارجع إلى مكانك. وذكر أنه كان يقوم فى الليل، فيذكر قصص المتخاصمين عنده واحدًا واحدًا، ويسأل الله أن يحمله فيها على السدد. ومر يوما على السجن، فأسمعه بعض من سجنه ما يكره، فكلمه في ذلك بعض من حضر، فقال: من يصبر على هذا؟ فقال عيسى: من أين كلمني؟ قالوا: من السجن. فقال لهم: فايش على أكثر من هذا؟ أخذنا كسرته ونمنعه البكاء؟ أو نحو هذا.وجرح عنده بعض العراقيين فى شهادة شهدها، بأنه يشرب النبيذ، فقال عيسى: كشفت عنه، فأصبته يدين بتحليله، ولا يجمع عليه الجموع. وأثبت شهادته. ودخل على عيسى بن مسكين رجل من أشراف الناس، يتولى الأمانة للقضاة، وكان عيسى يجله، فأقبل يسأله عما قبله، فإذا بصائح يقول: يا قاض! خصمى داخل عندك، وأنا خارج! ثم صاح ثانية وثالثة. فلم ير عيسى غيرى، فأمر بادخاله، وسأله من خصمك؟ فقال: هذا. عن الأمين. فقال له: هل دارت بينك وبينه خصومة قبل هذا؟ قال: لا. فأمر بالرجل إلى الحبس، وقال: لما دخل علينا أميننا ومن يعيننا على الحق، أردت أن تؤذيه وتمرثه (¬٣٨٤). فقال: عندى مناقع. قال: من السجن تأتى بها. فلما استقر فى السجن، أمر * باخراجه واحضار منافعه. قال: وبينا عيسى يوما بجامع رقادة، إذ سمع صياح قوم، بالله، ثم به. فقال لمن حوله: انظروا من هؤلاء. قالوا: نهب تونس. فأمر بامساكهم.فشكاه الذى نهبهم إلى الأمير إبراهيم، فأرسل إليه في اطلاقهم، فقال لكاتبه: اكتب إليه ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ (¬٣٨٥) إلى قوله "العباد". فلما قرأها إبراهيم قال: هذا رجل يحاربنا بالله، لا حاجة لنا بهم، اتركوهم. ووجه ابن الأغلب يومًا وراء ابن البناء، فغلط الرسول ودعا عيسى، وذلك بعد مجيء الأمير إبراهيم من سفرة لم يشيعه فيها عيسى ولا لقيه إذ جاء. فلما أتى الرسول إلى عيسى، أقبل، فوجد إبراهيم في بستان، فلما رآه إبراهيم، قال له ابتداء: والله ما وجهت إليك، ولا أردت إلا ابن البناء. فانصرف عيسى من مكانه ذلك، ولم يصل إلى الأمير ولا سلم عليه. فقال إبراهيم: يا قوم أرأيتم مثل هذا القاضي؟ غبت فما شيع، وجئت فما تلقى، ولا هنى، وبعثت وراء غيره فغلط به الرسول فاعتذرت له، فانصرف بعد أن رآني من غير تسليم، ردوه. فرجع، فعدد عليه ذلك إبراهيم، فقال له عيسى: الأمير أكرم من أن يعدني وعدًا، ويعقد على نفسه عهدا، ثم ينقضه، فلما تقدم من رفع المئونة عنى، صارت مخالفة ما رسمه من طرح التكلف، مما لا ينبغى أن أفعله ولا يجوز، وأما رجوعى بعد رؤيتي من غير تسليم له، فرأيته جالسًا في غير مجلسه للناس، فلو تركني سلمت، فلما بادرني بالكلام قبل السلام، ظننت كراهيته لدخول هذا الموضع، فانصرفت مساعدة لذلك. وكان يقال للأمير إبراهيم، عندما يطنب فى الثناء عليه ويفتخر به: انه متصنع.فقال: إن كان ما ظهر منه شهد لباطنه، فما كان في عباد بنى اسرائيل مثله، وان كان رياء وتصنعا فما رأينا ولا بلغنا عن أحد أملك لشهوته ونفسه منه، لاسيما مع الامكان والرياسة، وهو في الحالين نسيج وحده. قال: ولم يأخذ ابن مسكين فى مدته على القضاء أجرا، وكان لا يستعين بأحد في شيء من أموره، وربما استقى له الماء فيريقه، ويستقى بنفسه. ودخل إليه رجل يومًا، فوجد عجينا له فى مقلى كاد أن يحترق، وابن مسكين في الصلاة، فقلبه له الرجل، فلما أتم الصلاة أمر بصدقته، ولم يأكله. ودخل عليه رجل فوجده يستقى، فحلف ألا يستقى إلا هو، فتركه حتى استقى، ثم أخذه وأراقه فى الماجل، ثم استقى هو بنفسه. وإنما كان يعيش بدقيق يأتيه من منزله، يخبزه بنفسه، ومن بقل وشيء يأتيه من البادية، فان لم يأته شيء، انتظره، فربما بقى اليومين والثلاثة. وكان شديد التقشف في قضائه، ولم يكن على هذا السبيل من الانقباض قبل قضائه. ولما عزل عاد إلى ما كان عليه من حسن المعاشرة، وكرم المجالسة والمؤاخاة. وسئل عن فرط انقباضه، فقال: ابتليت بجبار عنيد، خفت أن يبعث إلى من طعامه أو يدعونى إليه، فلا آمنه، فحملت نفسي على ذلك ليقطع طمعه فى. وفرغ ما عنده من القوت برقادة، فبقى ثلاثة أيام لا يطعم شيئًا، إلى أن لزم فراشه ضعفا، حتى أتاه الرسول، آخر اليوم الثالث. قال: ولقد أقام برقادة تسع سنين، ما أكل فيها تينا إلا مرة اشترى له بخروبة، ولا بطيخا، إلا مرة واحدة، صغيرة.وكان عيسى لا ينزل إلى * القيروان، فولى مظالمها سليمان بن سالم، وأطلق له النظر في مائة دينار، ثم عزله، وولاه قضاء صقلية، وولى مكانه إبراهيم بن الخشاب، واستكتب له أبا بكر بن اللباد، فكان يجرى على رأيه، ولم يكن لابن الخشاب فقه، وولى على الحسبة أبا القاسم الطرزى. قال أبو بكر بن اللباد: شاهدت ابن مسكين فى جنازة بعض نساء الأمير إبراهيم جالسا في المقبرة، اذ جاء الأمير أبو العباس، فقام إليه الناس وسلموا عليه، وعيسى جالس، ما حل حبوته، فلما نظر إليه قال: يا قاض! السلام عليكم ورحمة الله. فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. ثم سار، اذ جاء أبوه الأمير إبراهيم، فوثب إليه الناس، وعيسى على حاله ما حل حبوته، فلما رآه الأمير مال إليه، فلما حاذاه قال: السلام عليك يا قاض. فرد عليه. ثم نزل، وقدم عيسى للصلاة عليها. وبعث الأمير فيه مرة إلى تونس، فرغب بعض أهلها نزوله عنده، فأنزله فى دار حسنة، فقصد إلى بيت مسود من الدخان، بابه تحت درج، فنزل فيه، وبسط فيه حصيرا وجلدة وكساء. فسئل عن ذلك، فقال: يأتينى رجال السلطان، فيطيلون الجلوس إذا أصابوا مكانا حسنًا، وها هنا من أتى منهم سلم وانصرف، وعوفيت منهم. قال ابن الحارث: قال القاضى - ونقلته من خطه في غالب ظني -: سمعت بعض الشيوخ يحكى أن رجلا كان واقفا على جزار، فرماه رجل بشيء، فحاد عن عن الرمية، فسقط فاعتل ومات، وخاصم ورثته الرامي إلى عيسى بن مسكين، وأثبتوا عليه الرمية. فقضى لهم عيسى بالقتل بعد القسامة.فلما ذهبوا ليحلفوا، قال لهم ابن مسكين: تحلفون بالله خمسين يمينًا، لمن رميته حاد، ومن حيدته سقط، ومن سقطته مات. وكان إبراهيم، يبتهج بكونه قاضيا له، قال له يومًا بعض خدمته: لقد نصحتك نصحا ما ينصحك بمثله القضاة. فقال له إبراهيم: ولا عيسى بن مسكين؟