Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

ولايته القضاء وسيرته

القاضي عياض - ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية · page 781, entry [276]

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ط المغربية — القاضي عياض

Open narrator profile: ولايته القضاء وسيرته
page 781, entry [276]Open original source
ولايته القضاء وسيرته قال ابن القوطية: لما توفى المصعب بن عمران القاضي، استشار الأمير الحكم فيمن يستقضيه، فأجمع له وزراؤه وفقهاؤه وأعلام الناس على محمد بن بشير كاتب المصعب، وكان قد شهر عفافه واستقلاله بعهد المصعب، فولاه القضاء، فأربى على المصعب، وبعد في الفضل والعدل صيته، وخلدت آثاره بعده، فلم يزل قاضيا إلى أن توفى، فولى ابنه سعيد مكانه. قال ابن حارث: رأيت في بعض الكتب أن ابن بشير لما وجه فيه، عدل في بعض طريقه إلى صديق له عابد، فنزل عليه وتحدث معه في شأن نفسه، وتوقعه أنه وجه إليه في الكتابة التي قد تخلى عنها؛ فقال له صديقه: ما أرى بعثه فيك إلا للقضاء، فقد مات قاضي قرطبة. فقال له ابن بشير: فإذ قلتها فما ترى؟ فانصح لي وأشر على؛ قال له العابد: أسألك عن ثلاثة أشياء، فاصدقني فيها؛ كيف حبك لأكل الطيب، ولباس اللين، وركوب الفاره؟ فقال ابن بشير: والله ما أبالى ما رددت به جوعي، وسترت به عورتي، وحملت به رجلي؛ فقال له: هذه واحدة، فكيف حبك للوجوه الحسان، وشبه هذا من الشهوات؟ فقال ابن بشير: هذه حالة والله ما استشرفت نفسى إليها قط، ولا خطرت ببالى. قال: هذه ثانية، فكيف حبك المدح والثناء وكراهتك للعزل وحبك الولاية؟قال: والله ما أبالى في الحق من مدحنى أو ذمنى، وما أسر بالولاية ولا أستوحش للعزل؛ فقال له: اقبل القضاء ولا بأس عليك. وذكر أن ابن بشير ولى القضاء بقرطبة مرتين، وكان بعض إخوانه يعاتبه في صلابته في الحق في الحكومة، ويقول أخشى عليك العزل. فكان يقول: ليته رأى الشقراء تقطع الطريق إلى ماردة؛ فما مضى إلا يسير حتى حدثت حادثة أظهر فيها ابن بشير صلابته، فكانت سببا لعزله، فانصرف إلى بلده كما تمنى؛ فلم يلبث إلا يسيرا حتى أتى فيه بريد من قبل الأمير، يرفعه إلى قرطبة (¬٣٩٧)، فعدل في بعض الطريق إلى صديق له زاهد، واجتمع معه وقال له: قد أرسل في الأمير وأظن أنه يريدنى على القضاء ثانية، فما ترى؟ فقال له صديقه: إن كنت تعلم أنك تنفذ الحق على القريب والبعيد، ولا تأخذك في الله لومة لائم، فلست أرى لك أن تحرم الناس خيرك، وإن كنت تخاف أن لا تعدل، فترك الولاية أفضل لك؛ قال ابن بشير: أما الحق فلست أبالى على من أمررته إذ أظهر لي؛ فقال له: فلست أرى أن تمنع الناس خيرك. فورد قرطبة وولى القضاء ثانية. وقال بعضهم: إن سبب عزله أن يده قصرت عن بعض الخاصة، ومنع من الحكم عليها، فحلف بطلاق زوجته ثلاثا، وعتق مماليكه، وبصدقة ما يملك على المساكين، إن حكم بين اثنين.فعزل، فلما أراد رده اعتذر إليه بتلك الأيمان، فعزم الأمير عليه، وأعتق وطلق، وتصدق، وأخرج إليه الأمير جارية من جواريه، ومالا عوضا من ماله، ومماليك عوضا من مماليكه. قال أبو عبد الملك بن عبد البر: كان محمد بن بشير قد اشترط على الأمير الحكم عندما تولى له القضاء ثلاثة شروط مضمونة، إن التزمتها لي تقدمت، وإلا فلا أقبل ألبتة؛ - نفاذ الحكم على كل أحد ما بينك وبين حارس السوق؛ - وإن ظهر لي من نفسى عجز استعفيتك، فأعفيتني؛ - وأن يكون رزقي من الفيء؛ فضمنها له؛ قال ابن حارث: وكان محمد بن بشير فيما قال لي عنه بعض العلماء أنه كان ربما قبل الشاهد عنده على التوسم والفراسة، ولربما عول على تزكية السر من أهل الثقة. قال: وكان يقضى في سقيفة مغلقة بقبلى مسجد أبي عثمان بأول الربض الغربي، فكان إذا قعد للقضاء هنالك جلس وحده، وخريطته بين يديه، يتولى تقليبها بيده، ويتقدم إليه الخصوم على كتبه مرتبة (¬٣٩٨)، فيقف الخصمان على أقدامهما بين يديه، ويدليان بحججهما من غير صخب، فيفصل بينهما؛ وكان رسمه القعود للخصوم من غدوة إلى وقت الزوال، ثم يعود للقعود بعد صلاة الظهر إلى العصر، فلا ينظر غير السماع من البينات، ويقيدالشهادات، لا يسمع ذلك في غير ذلك الوقت، ولا يخلو به أحد في مجلس نظره ولا داره، ولا يقرأ كتابا لأحد في سبب خصومة، ولا يدخل إليه؛ قال ابن وضاح: لما ولى محمد بن بشير القضاء، طبع عشر طوابع يرفع بها الناس إليه، لم تزل في خريطته بعينها إلى أن مات، فإذا سأله أحد طابعا لرفع خصم سأله عما يريده له، فإن كان قريبا بقرطبة أعطاه إياه، وأمر كاتبه برسم اسمه ومسكنه واسم من أخذ الطابع فيه، ويعهد إليه بصرف الطابع إليه إذا حضر خصمه، ويعظه ويوعده، فإن كان بعيدًا أجل له بقدر بعده؛ قال يحيى بن يحيى لمحمد بن بشير: إن الحالات بالناس تتغير ولا تثبت، فإذا عدل عندك الرجل فحكمت بشهادته عن صحة نظر، ثم تطاول العهد وعاد للشهادة عندك، فأعد فيه نظرك وكلفه التعديل إن رابك، واستأنف الكشف عنه، فعمل بذلك، وأخذ الشهود، وحذرهم منه. وكان ابن بشير يشاور في قضائه عبد الملك بن الحسن زونان (¬٣٩٩)، والغازى بن قيس، والحرث بن أبي سعد، وإسماعيل بن البشر التجيبي (¬٤٠٠)، ومحمد بن سعيد السبائي. قال ابن حارث: وكانوا إذا اختلفوا عليه كتب إلى مصر، إلى عبد الرحمان بن القاسم وعبد الله بن وهب. قال القاضي أسلم بن عبد العزيز، عن بقي بن مخلد، قال: كانت لمحمد بن بشير في قضائه مسالك رقاق، ومذاهب لطاف، لم تكن لقاض قبله بالأندلس، وما يقارن إلا بمن تقدم من صدر هذه الأمة، ورأيت له غيرسجل، فوجدتها مختصرة جدًّا، محتوية على فص المعنى من غير إكثار، إنما هي أسطار قليلة خلاف ما يجتلب الآن في زماننا من الكلام. ذكر بعضهم أن ابن سماعة، صاحب الخيل، شكا إلى الأميران ابن بشير يحيف عليه؛ فقال أنا امتحن قولك الساعة بواحدة، اخرج من فورك فاقصده واستأذن عليه، فإن أذن لك صدقت قولك وعزلته، وإن لم يأذن لك دون خصمك ازددت بصيرة فيه؛ فخرج نحوه، فلما استأذن عليه خرج الآذن له، وقال: إن كانت لك حاجة فاقصد لذكرها مجلس القضاء إذا جلس القاضي، أما القاضي فلا سبيل إلى لقائه: وأعلم الأمير بذلك فوافقه. قال قاسم بن هلال: شهد عند ابن بشير رجل من أهل البادية من معارفه، فاحتاج إلى تعديله، فدخلت أنا، وابن مرتنيل، وثالث معنا. فقال: ما جاء بكم؟ قلت: لأعدل هذا الرجل؛ فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم - وبها كان يفتتح حكومته -؛ قال قاسم: فلما سمعته قهقرت، فحول وجهه نحونا، وقال لنا: الله الذي لا إلاه إلا هو، انه عندكم رضى؟ فقلنا له: يمين أصلحك الله؟ قال: والله لا أكتب له اسما إلا أن تحلفوا بها أنه كذلك؛ فتورعنا وانصرفنا.وشهد عنده رجل رافقه في الحج، له منه مكانة، فلم يقبل شهادته، فقال له الخصم: عرفنى بما لم تقبل، لأنظر في تعديله؛ فقال له: هو فلان صاحبي، ولن ينفعك تعديله عندى؛ فبلغ ذلك الرجل، فجاءه في مجلسه على رؤوس الناس، وسأله عن سبب ذلك، وقال له: جمعنى وإياك المنشأ والحضر (¬٤٠١)، وطلب العلم، وطريق الحج، وعلمت من باطنى ما علمت من باطنك، فعرفنى بالسبب أمام الناس لأعرفه وأعترف فيه أمام الجماعة؛ فقال ابن بشير: صدقت، وما عثرت لك في كل ذلك على جرحة في دينك، ولكن صدرنا عن الحج فنزلنا مصر، وأخذنا في السماع من شيوخنا والمقام بها، وشكوت لي العزبة (¬٤٠٢)، ونظرت في شراء خادم، فقلت لي: وجدت خادما تساوى على وجهها كذا وكذا، وبيدها صنعة؛ فقلت لك: لا حاجة لك بصناعتها، وإنما تشتريها للمتعة، فدعها فلا معنى للزيادة فيها؛ فعصيتني واشتريتها، فلما رأيت الشهوة قد غلبتك في إتلاف مالك في المغالاة فيها، خشيت أن تكون مثلها قادتك إلى مثل هذه الشهادة. وشهد عنده صديق له يكنى بأبي اليسع، فرد شهادته، فعتبه في ذلك، وقال: على محبتى فيك وخاصتي بك! فقال له: الورع يا أبا اليسع! الورع يا أبا اليسع! ولم يزده على ذلك. وشهد عنده رجلان ممن يظن بهما خير لمملوك توفى مولاه، أنهأعتقه وزوجه ابنته وأوصى إليه بماله، وقضى بشهادتهما، فلم يلبث أحد الشاهدين أن حضرته الوفاة، فأرسل إلى القاضي أنه يريد أن يراه، فدخل عليه، فلما بصر به الشاهد وهو في كربته جثا على ركبتيه وجعل ينجر إليه؛ فقال له القاضي: ما شأنك؟ فقال: إني في النار إن لم تنقذنى منها، الشهادة التي شهدنا بها عندك لفلان لم يكن منها شيء، فاتق الله وافسخ الحكم. فلم يزد محمد بن بشير على أن وضع يديه على ركبتيه، ثم قام وجعل يقول له: مضى الحكم وأنت إلى النار، وخرج عنه. قال الفقيه القاضي أبو الفضل عياض رضى الله تعالى عنه: ما فعله ابن بشير من إمضاء الحكم صواب، وقوله وأنت في النار، دون استثناء لعله قصد به الإغلاظ لأمثاله من شهداء السوء، وإلا فمشيئة الله في العفو عنه من وراء هذا بفضله، فقبول توبة مثله ومحو سيئته بها، موعود به.

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Critical assessments

  • Da'IfDa'If

    أجل له بقدر بعده؛ قال يحيى بن يحيى لمحمد بن بشير: إن الحالات بالناس تتغير ولا تثبت، فإذا عدل عندك الرجل فحكمت بشهادته عن صحة نظر، ثم تطاول العهد وعاد للشهادة عندك، فأعد فيه نظرك وكلفه التعديل إن رابك، واستأنف الكشف عنه، فعمل بذلك، وأخذ الشهود، وحذرهم منه. وكان ابن بشير يشاور في قضائه عبد الملك بن الحسن زونان (¬٣٩٩)، والغازى بن قيس، والحرث بن أب

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Da'IfDa'If

    من أخذ الطابع فيه، ويعهد إليه بصرف الطابع إليه إذا حضر خصمه، ويعظه ويوعده، فإن كان بعيدًا أجل له بقدر بعده؛ قال يحيى بن يحيى لمحمد بن بشير: إن الحالات بالناس تتغير ولا تثبت، فإذا عدل عندك الرجل فحكمت بشهادته عن صحة نظر، ثم تطاول العهد وعاد للشهادة عندك، فأعد فيه نظرك وكلفه التعديل إن رابك، واستأنف الكشف عنه، فعمل بذلك، وأخذ الشهود، وحذرهم م

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • ThiqaThiqa

    زقي من الفيء؛ فضمنها له؛ قال ابن حارث: وكان محمد بن بشير فيما قال لي عنه بعض العلماء أنه كان ربما قبل الشاهد عنده على التوسم والفراسة، ولربما عول على تزكية السر من أهل الثقة. قال: وكان يقضى في سقيفة مغلقة بقبلى مسجد أبي عثمان بأول الربض الغربي، فكان إذا قعد للقضاء هنالك جلس وحده، وخريطته بين يديه، يتولى تقليبها بيده، ويتقدم إليه الخصوم على ك

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
282606
Book record
shamela-31215
Source record
dedupe:276:709267
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate