page 520, entry [151]Open original source
ذكر ولايته القضاء وسيرته قال الشيرازي. ولى الرشيد بن غانم قضاء أفريقية، وقيل ولاه أمير أفريقية روح بن حاتم المهلبي، أشار عليه به ابن فروخ الفقيه، لما امتنع هو أن يلى؛ وقيل: أن أبا يوسف قال لروح عند خروجه إلى القيروان: بمدينة قيروان فتى يقال له عبد الله بن غانم، قد فقه، فوله قضاء أفريقية. وكانت ولايته في رجب سنة إحدى وسبعين ومائة، وهو ابن اثنين وأربعين سنة، في حياة مالك رحمه الله تعالى. ولما بلغت مالكًا ولايته سر بها وأعلم بذلك أصحابه. ولما أتاه ابن أبي حسان، سأل عن ذلك ابن أبي حسان، فأعلمه. فقال له: ما ذاك بخير له. وكان الرشيد يكاتبه، فكان يعد قضاؤه من قبله. *** وتشاجر أصحاب ابن غانم في ولايته، فقال بعضهم: هي من المسودة دون أمير المؤمنين، فقال أبو عثمان حاتم بن عثمان المعافري: امرأته طالق ثلاثا، ومماليكه أحرار، إن كان ولاه إلا أمير المؤمنين (¬١١٨). ثم جاء إلى ابن غانم (¬١١٩) فأخبره الخبر، فقال له. يا أبا عثمان! كم صداق امرأتك؟ فقال مائتا دينار. قال: وكم ثمن مما ليلك؟ قال: مائة دينار؛قال: خذها. فقد بانت منك امرأتك، وعتق ليلك. *** ولم يزل ابن غانم على القضاء الى أن توفي، فكانت ولايته نحوا من تسعة عشر عامًا. *** وكان ابن غانم يوجه أبا عثمان هذا بمسائله، أيام قضائه، الى مالك، فيما ينزل به من نوازل الخصوم، فيأخذ له عليها الأجوبة. وكان يكتب الى ابن كنانة. فيأخذ له الأجوبة (¬١٢٠) من مالك، وكان يكتب أيضًا الى أبي يوسف. قال السورى: ولم يزل الأمر يتراقى بابن غانم في الرفعة والسمو في أحكامه وأموره، فكان من اكرام الخليفة له، اذا كتب كتابًا لابراهيم ابن الأغلب، يقول له فيه: وأنا لا أفك لك كتابا حتى يكون مع كتابك الى كتاب ابن غانم. فكان ابراهيم أكثر الناس مداراة وتعظيمًا له. *** وكان ابن غانم يلبس من الثياب أرفعها، ويجعل لخصومات النساء يومًا يجلس فيه للنظر بينهن، ويلبس يومئذ الفرو الخشن، وخلق الثياب، وينظر ببصره الى الأرض، فلا يشك من لا يعرفه أنه أعمى، ويزيل الحجاب والكتاب عنه؛ وكان له حظ من صلاة الليل، فاذا قضاها، وجلس في التشهد آخرها، عرض كل خصم يريد أن يحكم له على ربه، يقول في مناجاته: يا رب فلان نازع فلانا. وادعى عليه بكذا، فأنكر دعواه، فسألته البينة فأتىببينة شهدت بما ادعى، ثم سألته تزكيتها، فأتاني بمن زكاهم، وسألت عنهم في السبر فذكر عنهم -يعنى- خيرًا، وقد أشرفت أن آخذ له من صاحبه حقه الذي تبين لى أنه حق له، فان كنت على صواب، فثبتني، وان * كنت على غير صواب فاصرفني، اللهم لا تسلمني، اللهم سلمني، فلا يزال يعرض الخصوم على ربه حتى يفرغ منهم. *** وابن غانم هو الذى أوقف الأحمية التي كانت بمراسي أفريقية المرافق المرابطين. *** وكان ابن غانم اذا جلس رمى اليه الخصوم الشقاف فيها قصصهم مكتوبة، فوجد يوما شقفة فيها قصة لنخاسى البغال، فدعاهم، فأخبروه أن أبا هارون مولى ابراهيم ابن الأغلب الأكبر، صاحب أمره، ابتاع منهم بغالا بخمسمائة دينار، ولم يدفع لهم شيئا، فضم ديوانه، ونهض الى ابراهيم، وكان قد أباح له الدخول عليه دون اذن، فكان القاضى اذا أتى تنحنح. فاذا قيل له: ادخل، دخل، ففعل كعادته. فسأله ابراهيم ما قصته؟ فذكر له شأن المتظلمين؛ فأحضر أبا هارون، فاعترف وقال: حتى يجيء الخراج، وقد بعثت في طلبه. فقال ابن غانم: لا أبرح حتى تدفع اليهم أموالهم، فما برح حتى دفعت اليهم. ***ودعى الأمير ابراهيم ابن الأغلب ابن غانم يوما. فقرأ عليه كتاب الرشيد، يأمره باحضار رجل يقال له حاتم الأبزارى، ويقول: ان لفرج مولى أمير المؤمنين عليه عشرة آلاف دينار، ويأمر ابراهيم بقبضها، ويوجهها مع رسول له خراساني، ويقول له فى آخر الكتاب: وأحضر ابن غانم القاضى، وقد أحضر المطلوب ترعد فرائصه؛ فلما أكمل إبراهيم قراءة الكتاب، قال لابن غانم: سمعت ما فيه؟ قال: نعم؛ قال ابن غانم: وأحضرت ليحمل على قولى فيما في هذا الكتاب؟ قال ابراهيم: ولم أمرت باحضارك اذن؟ قال: فأول ذلك أن يثبت الرسول بعد لين استخلاف أمير المؤمنين له على قبض هذا المال ان صح، وأن المال لأمير المؤمنين أو لمولاه. فقال الرسول ويكتب أمير المؤمنين بالباطل؟ قال: معاذ الله، أمير المؤمنين أكرم من أن يأخذ مالا من غير حله، ولكن قد تنخرق الأشياء دونه؛ قال الخراساني: ما تقول أيها الأمير؟ قال: ما قال القاضي؛ وتحمل، فقام ابن غانم، وحمل الأبزارى معه، فقال ابراهيم: الله تلاده! ما أنفذ بصيرته وأمضى عزيمته. *** وراكب ابن غانم ابراهيم يوما، فزادت دابة ابراهيم في المشي، فحول ابن غانم دابته ورجع الى داره، فعاتبه ابراهيم على ذلك. فقال ابنغانم: أصلح الله الأمير، انما نفوذ أحكام القاضي على قدر جاهه، ولو ساعدتك وحركت دابتي سقطت قلنسوتي فلعب بها الصبيان. *** وراكبه مرة أخرى، فشق ابراهيم زرعا، فلم يسلك ابن غانم معه. *** ودخل عليه يوما وفى يد ابراهيم قارورة فيها دهن يسير. فقال: كم تظن أيها القاضى يساوى هذا؟ قال: تافه يسير، ما عسى أن يبلغ؟ قال ابراهيم: فان ثمنه كذا وكذا. قال ابن غانم: ما هو؟ قال: السم. قال: أرنيه؛ فدفع إبراهيم اليه القارورة، فضرب بها عموداً في المجلس فكسرها. *** ودعاه ابراهيم يوما الى صعود الصومعة، فأبى وقال: نكشف حرم المسلمين! فلم يصعد معه. *** ودخل يومًا على ابراهيم فوردت عليه كتب من الرشيد، فقرأ ابراهيم كتابه ثم دفعه الى ابن غانم، فقرأه ورده على ابراهيم. فقال له ابراهيم: هات كتابك أقرأه. قال: لا أفعل. قال له: فلم قرأت أنت كتابي؟ قال: أنت دفعته الى ومددت يدك به فكرهت ردها، وقد أسر الى أمير المؤمنين في كتابه ما لا أريد أن أطلع عليه أحدًا.فقال له ابراهيم: أما علمت أن إبراهيم أمير أفريقية يقتل عبد الله قاضيها؟ فقال: يذكر ذلك، ولكن لست ذلك الأمير، هو ابنك، ولست أنا ذلك القاضي، هو غيرى. فقدر أن الخبر بعد هذا صدق في أبي العباس عبد الله بن طالب القاضي، قتله الأمير ابراهيم بن أحمد بن ابراهيم بعد هذا مسمومًا في سجنه، وسيأتي ذكر ذلك ان شاء الله تعالى بعد هذا. *** قال ابن غانم: دخلت مجلس ابراهيم بن الأغلب، اذ أشرف علينا ابراهيم، فقام اليه من كان في البيت غيرى، فجلس مغضبًا، ثم قال لى: يا أبا عبد الرحمن! ما منعك أن تقوم كما قام اخوانك؟ فقلت: أيها الأمير، حدثني مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله ﷺ: من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار؛ فنكس ابراهيم رأسه وأطرق. *** ومر رياح بن يزيد الزاهد، وبيده قسط زيت، على ابن غانم، وهو قاض، فقال له ابن غانم: أحمله لك. فقال رياح: شأنك، فرفع القسط اليه، وجعل يشق به مجامع الناس، فسلك حوانيت البزازين حتى انتهى الى داره، فقال له رياح: انما فعلت هذا لأنه بلغنى أنك تجد بنفسك، فأحببت أن أضع منك؛ فجزاه ابن غانم خيرًا.وكان رياح بن يزيد يأتى كل جمعة الى ابن غانم، فيدعو له، وكان نحيلا دقيق العروق، فجعل يومًا يدعو، فاستضحك ابن غانم، وتمادى رياح في الدعاء وابن غانم فى الضحك، حتى نهض رياح، فعذل ابن غانم جلساؤه فى ذلك، وقالوا له: مثل رياح يضحك عليه؟ فقال لهم ابن غانم: أمسكوا عنى. انما غمى أن العدو لما علم ما نحن فيه من الخير، أراد أن يقطعه بما رأيتم، أو نحوه؛ فلما كان الجمعة، جاء رياح فأخذ فى الدعاء، وهجم على ابن غانم من الرقة والخشوع أكثر ما كان منه، فلما قضى دعاءه قال له ابن غانم: جزاك الله خيرًا يا أبا يزيد؛ فقال له رياح: قد علمت أن الذى كان منك انما حركك عليه العدو، ليقطع ما نحن فيه من الخير. *** ومر يومًا بالسوق، والبهلول بن راشد يشترى لحمًا من جزار، فنزل ابن غانم عن دابته، وعانقه وقرب اليه دابته تعظيمًا له، فامتنع البهلول، فأقسم عليه ابن غانم، فقال له: اني اشتريت لحمًا؛ قال: أحمله لك؛ فقال البهلول: اني أجلك أن تمشى راجلا؛ فقال: أركب خلفك؛ فركب البهلول على السرج، وركب القاضي خلفه على كفل الدابة، وقد حمل اللحم، فشقا السماط حتى وصلا الى دار البهلول، فعجب الناس من تواضعه وشرفه.