page 881, entry [343]Open original source
ذكر ولايته القضاء وسيرته في ذلك قال الجيزى في كتاب قضاة مصر: ولى الحارث بن مسكين قضاء مصر سنة سبع وثلاثين، في جمادى الأولى منها. قال أبو عمر الكندى في كتاب طبقات قضاة مصر، وفى كتاب الموالى: ولى الحارث بن مسكين قضاء مصر من قبل المتوكل، وأتاه كتاب القضاء وهو بالأسكندرية، فلما قرأه امتنع من الولاية، فأجبره أصحابه على ذلك، وشرطوا عونهم له (¬٥٣). فقدم الفسطاط وجلس للحكم، وكان مقعدا من رجليه، فكان يحملإلى الجامع في محفة، ويركب حمارا مبرقعا، وطولب بلباس السواد، فامتنع، فخوفه أصحابه سطوة السلطان وتهمته بتولى بني أمية، فلبس كساء صوف أسود. قال بعضهم: رأى بعض من بمصر كأن ابن أكتم ذبح الحارث بن مسكين، فلم يكن حتى جاءه قضاء مصر، وكان على يدى ابن أكتم قاضى القضاة حينئذ. * * * قال أبو محمد الضراب في كتابه: روى الحارث عن ابن وهب عن مالك، في الرجل يدعى للعمل فيكره أن يجيب إليه، وخاف على دمه، أو جلد ظهره، وهدم داره، كيف ترى في ذلك؟ قال: أما هدم داره، وجلد ظهره، وسجنه، فإنه يصبر على ذلك، ويترك العمل، خير له. وأما أن يباح دمه، فلا أدرى ما حد ذلك، ولعله في سعة من ذلك إن عمل. قال يونس: روى الحارث هذا الخبر، وولى، ووالله لقد سألني: ترانى أهلا للفتيا كما قال مالك؟ وحكى القاضي يونس: ولى جعفر المتوكل، الحارث، قضاء مصر بعد أن سجنه على إبائه ذلك زمانا. قال محمد بن عبد الوارث: كنا عند الحارث، فأتاه على بن القاسم الكوفى المدني، فقال له رأيت في النوم الناس مجتمعين في المسجد الحرام فقلت: ما اجتماعكم؟ فقالوا: عمر بن الخطاب جاء يقعد الحارث بن مسكين للقضاء. فرأيته أخذه، وسمر مقعده في الحائط، وانصرف، فتبعته، فلما أحس بي قال: ما تريد؟ قلت: أنظر إليك.قال: اذهب للحارث، فاقرأه منى السلام، وقل له: تقضى بين الناس، بأمارة أنك كنت في الحبس بالعراق، فقمت من الليل فعثرت، فنكبت أصبعك، ودعوت بذاك الدعاء، فنجيت من الغد (¬٥٤). فقال له الحارث: صدقت، وهذا شيء ما اطلع عليه أحد إلا الله تعالى. فسألته عن الدعاء، فقال: يا صاحبي عند كل شدة، ويا غياثي عند كل كربة، ويا مؤنسى في كل وحشة، صل على محمد وعلى آل محمد، واجعل لي من أمرى فرجا ومخرجا. * * * قال: ودعى إلى لباس السواد فأبى من ذلك، فخاطب الوالى المتوكل، فورد كتابه: إن لم يلبس السواد فاخلع وركيه. فوجه الوالى وراءه رسلا، فأسلمه القريب والبعيد. قال الطحاوى عن محمد بن سعيد: فلقيته والرسل تزعجه، وقد وله، فعلمت أنه قصد وجها من الحق خالف فيه هوى السلطان، فدنوت منه، وقلت له سرا: يا شيخ! لا يهولنك ما ترى، فإن إبراهيم أسلمه أهل الأرض فلم يضره، لما كان الله له. فاعتنقنى وقال: أحييتني والله يا أخى بهذا الكلام، فأحياك الله سعيدا. فلما أتى به إلى الوالى، أمر بكتاب المتوكل فقرئ عليه، فامتنع من لباس السواد، فقال رجل من ناحية المسجد: إن الشيخ رأيته يلبس هذه الثياب العرجية، التي تعمل باليمن. فقال الحارث: بلى! أني ربما لبستها. فقال له الوالى: فالبسها.قال: أما تلك فنعم. وقنع منه بذلك، وكتب به إلى المتوكل، وخلى عن الشيخ. * * * قال الكندى: وأمر الحارث بإخراج أصحاب الشافعي وأبي حنيفة، ومنع أصحاب أبي حنيفة من الجامع، وفض مجالسهم، وأمر بنزع حصرهم بين العمد، ومنع عامة المؤذنين من الأذان، ومنع قريشا والأنصار من طعمة رمضان، وعمر المساجد، وبنى سقاية (¬٥٥)، وحفر خليج الإسكندرية، ونهى عن تقبل المصائد، وأباحها، ونهى عن النداء على الجنائز (¬٥٦)، وضرب القراء الذين يقرأون بالالحان، وهو أول من ولى على مصاحف الجامع أمينا، وترك تلقى الولاة والسلام عليهم، ولاعن، وقتل ساحرين نصرانيين، وقتل نصرانيا سب النبي ﷺ، بعد أن جلده الحد، ونفى وحد من سب عائشة، ولم يكن في ولايته خلل، وهدم مسجدا كان بناه خراسانى بين القبور بناحية المقطب (¬٥٧) في الصحراء، وكان يجتمع فيه للقراءة والقصص والتعبير. وبمثل هذا أفتى يحيى بن عمر في كل مسجد بني نائيا عن القرية حيث لا يصلى فيه أهل القرية، وإنما يصلى فيه من ينتابه. وبذلك أفتى في مسجد السبت بالقيروان. وبمثله أفتى أبو عمران بالمسجد الذي بني بجبل فاس. * * * وحمله أصحابه على النظر في أمر أبي بكر الأصم، القاضي قبله، وكانوا قد لعنوه لما عزل، ورموا حصره، وغسلوا من المسجد موضعه،فكان الحارث يوقف الأصم كل يوم، فيضربه عشرين سوطا، ليخرج ما وجب عليه من الأموال. أقام على ذلك أياما. فقال بعضهم للحارث: أنه قبيح بالقاضي أن يتولى مثل ذلك فخلى عنه. وألقيت إليه سحاءة، فيها مكتوب: ميزان حراني وصنجات ناقصة! فلما قرأها استبدل بكتابه وأعوانه غيرهم. وكان كاتب الحارث أبو إسحاق القسطال، وعلى مسائله عمر ويزيد ابنا يوسف بن عمر. * * * وقال أبو عمر الكندى: وحكم الحارث في حبس بمذهبه مذهب مالك، بإخراج أولاد البنات منه، فشكا أصحابه ذلك إلى المتوكل، فأفتى أهل العراق على مذهبهم، وخطأوا الحارث، ونقضت القضية، فاستعى الحارث إذ ذاك، فأعفى. وكان في كتاب استعفائه: انتهى إلى أمير المؤمنين أن كتابا وصل باستعفائك فيما تقلدت من القضاء بمصر، فأمر أيده الله بإجابتك إلى ذلك، وإعفائك مما تقلدت منه، إسعافا لك بما سألت، وتفضلا بما أدى إلى موافقتك فيه، فرأيك أبقاك الله في معرفة ذلك والعمل على حسبه. وذلك سنة خمس وأربعين ومائتين، فكان أمد قضائه سبع سنين وأحد عشر شهرًا. وولى بعده بكار بن قتيبة، فلم يكشف أحدا من أصحاب الحارث، وقال: حارث في فضله ودينه، أعلم بأهل بلده منى، إلا أن تتبين لي جرحة. وذكر أبو عمر الصدفى: أن رجلا أتى الحارث برجل معه نصرانية، معها ابن صعير، أراد أن يبيعها من نصراني، فذكر ذلك للحارث، فقال له الحارث: فما أصنع به؟نردد عليه الرجل الخبر، والحارث يقول: ما أصنع؟ حتى أكثر عليه. فقال يزيد بن يوسف: أصلح الله القاضي، هو رجل صالح. فقال الحارث: إذا كان صالحا وأحمق فما أصنع؟ قال بعضهم: حضرت جنازة، فأخذ يونس بن عبد الأعلى في كلام الزهاد، حتى بكى بعض من حضر. فقال الحارث: يونس: يونس: تحسن هذا كله وأنت تصنع ما تصنع؟ فقال له يونس: أنت قاض، وقد قال رسول الله ﷺ: من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين. وذكر أن رجلا تقدم إلى الحارث في خصومة، فناداه رجل باسمه، وكان اسمه إسرافيل، فقال له الحارث: ما حملك على أن تسمى بهذا الاسم، وقد قال ﵊: لا تسموا بأسماء الملائكة؟ فقال له: فلم سمي مالك بن أنس مالكا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾؟ ثم قال له: والله لقد تسمى الناس بأسماء الشياطين فما عيب ذلك، يعني "الحارث" اسمه. ويقال هو اسم إبليس لعنه الله.