Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

ولايته القضاء وسيرته

القاضي عياض - ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ت بكير · page 485, entry [252]

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ت بكير — القاضي عياض

Open narrator profile: ولايته القضاء وسيرته
page 485, entry [252]Open original source
ولايته القضاء وسيرته قال ابن القوطية: لما توفي المصعب بن عمران القاضي، استشار الأمير الحكم فيمن يستقضيه، فأجمع له وزراؤه وأعلام الناس، على محمد، بن بشير كاتب المصعب، وكان قد شهر عفافه واستقلاله بعهد المصعب، فولاه القضاء. فأثر على المصعب، وبعد في الفضل والعدل وصيته، وخلدت آثاره بعد. فلم يزل قاضيًا إلى أن توفي فولي ابنه سعيد مكانه، قال ابن حارث: رأيت في بعض الكتب، أن ابن بشير لما وجه فيه، عدل في بعض طريقه إلى صديق له عابد، فنزل عليه، وتحدث معه في شأن نفسه، وتوقعه أنه وجه إليه في الكتابة التي قد تخلى عنها، فقال له صديقه: ما أرى بعث فيك إلا للقضاء. فقد مات قاضي قرطبة. فقال له ابن بشير: فإذا قبلتها فما ترى، فانصح لي وأشر علي. قال له العابد: أسألك عن ثلاثة أشياء فاصدقني فيها. كيف حبك لأكل الطيب، ولباس اللين، وركوب الغاره؟ فقال ابن بشير: والله ما أبالي ما رددت به جوعي، وسترت به عورتي، وحملت به رجلي، فقال هذه واحدة. فكيف حبك للوجوه الحسان وشبه هذا من الشهوات. فقال ابن بشير هذه حالة والله ما استشرقت نفسي إليها قط، ولا خطرتببالي. قال: هذه ثانية. كيف حبك للمدح والثناء وكراهتك للعزل، وحب الولاية. قال والله ما أبالي في الحق من مدحني أو ذمني وما أسرّ بالولاية ولا أستوحش للعزل. فقال له: أقبل القضاء، ولا بأس عليك. وذكر أن ابن بشير ولي القضاء بقرطبة مرتين، وكان بعض أخوانه يعتبه في صلابته في الحكومة، ويقول: أخشى عليك العزل. فكان يقول: ليته رأى الشقراء تقطع الطريق إلى ماردة، فما قضى إلا يسير حتى حدثت حادثة أظهر ابن بشير صلابته، فكانت سببًا لعزله. فانصرف لبلده كما تمنى. فما لبث إلا يسيرًا حتى أتى فيه بريد من قبل الأمير، فرفعه إلى قرطبة، فعدل في بعض الطريق إلى صديق له زاهد، فاجتمع معه، وقال له قد أرسل فيّ الأمير، وأظنه أنه يردني على القضاء ثانية. فما ترى؟ فقال له صديقه: إن كنت تعلم أنك تنفذ الحق على القريب، والبعيد ولا تأخذك في الله لومة لائم، فلست أرى لك أن تحرم الناس خيرك، وإن كنت تخاف أن لا تعدل فترك الولاية أفضل لك. قال ابن بشير: أما الحق فلست أبالي على ما أمررته، إذا ظهر لي. فقال له: لست أرى أن تمنع الناس خيرك. فورد إلى قرطبة وولي القضاء ثانية. وقال بعضهم: إن سبب عزله، أن يده قصرت عن بعض الخاصّة، ومنع من الحكم عليها، فحلف بطلاق زوجته ثلاثًا وعتق مماليكه وبصدقة ما يملك على المساكين أن حكم بين اثنين، فعزل. فلما أراد رده، اعتذر إليه، بتلك الأيمان، فعزم الأمير عليه، واعتق وطلق وتصدق وأخرج إليه الأمير جارية من جواريه ومالًا عوضًا من ماله، ومماليكًا عوضًا من مماليكه. قال أبو عبد الملك بن عبد البر: كان محمد بن بشير، قد اشترط على الأمير الحكم عندما تولى له القضاء،ثلاثة شروط مضمونة إن التزمتها لي تقدمت، وإلا فلا أقبل البتة، نفاذ الحكم على كل أحد ما بينك وبين حارس السوق، وإن ظهر لي من نفسي عجز، أستعفيتك، فأعفني. وأن يكون رزقي من الفيء. فضمنها له. قال ابن الحارث: وكان محمد بن بشير فيما قاله لي عنه بعض العلماء: أنه كان قبل الشاهد عنده على التوهم والفراسة. وربما عول على تزكية السر من أهل الثقة. قال: وكان يقضي في سقيفة مغلقة بقبلي مسجد أبي عثمان، بأول الربض الغربي، فكان إذا قعد للقضاء هناك، جلس وحده وخريطته بين يديه. فتولى تقليبها بيده، ويتقدم إليه الخصوم على كتبته، مرتبة، فيقف الخصمان على أقدامهما، بين يديه. ويدليان بحجتهما من غير صخب، فيفصل بينهما. وكان رسمه القعود للخصوم من غدوة إلى وقت الزوال. ثم يعود للقعود بعد صلاة الظهر، إلى العصر، فلا ينظر غير أسماعه من البيّنات، ويقيد الشهادات، لا يسمع ذلك في غير ذلك الوقت، ولا يخلو به أحد في مجلس نظره، ولا داره. ولا يقرأ كتابًا لأحد في سبب خصومه، ولا يرخص إليه. قال ابن وضاح: تولى محمد بن بشير القضاء، طبع عشر طوابع يرفع بها الناس إليه. ثم لم تزل في خريطته بعينها، إلى أن مات. فإذا سأله رجل طابعًا لرفع خصم كشفه له، عما يريده له. فإن كان قريبًا بقرطبة أعطاه إياه، وأمر كاتبه يزمُّ اسمه ومسكنه، واسم من أخذ الطابع فيه، ويعهد إليه بصرف الطابع إليه،إذا حضر خصمه، ويعنفه ويدعوه إن كان أخذه مبطلًا، فإن كان بعيدًا أجل له بقدر بعده. قال يحيى لمحمد بن بشير: إن الحالات بالناس تتغير، ولا تثبت. فإذا عدل عندك الرجل فحكمت بشهادته عن صحة نظر، حتى تطاول العهد وعادت الشهادة عندك، فأعد فيه نظرك، وكلفه التعديل، إن رابك، واستأنف الكشف عنه، فعمل بذلك وأخذ الشهود وحذرهم منه. وكان ابن بشير يشاور في قضائه عبد الملك بن الحسن زونان والغازي بن قيس، والحارث ابن أبي سعد، وإسماعيل ابن البشير التجيبي، ومحمد بن سعيد السبائي. قال ابن حارث: وكانوا إذا اختلفوا عليه، كتب إلى مصر إلى عبد الرحمان بن القاسم، وعبد الله بن وهب، قال القاضي أسلم عبد العزيز بن بقي بن مخلد؛ قال: كانت لمحمد بن بشير في قضائه مسالك رقاق، ومذاهب لطاف لم تكن لقاض قبله في الأندلس. ولا يقارن إلا بمن تقدم في صدر هذه الأمة. ورأيت له غير سجل فوجدتها مختصرة جدًا، محتوية على فص المعنى، من غير إكثار. إنما هي أسطار قليلة. خلاف ما يختلف الآن في زماننا من الكلام. ذكر بعضهم أن ابن سماعة صاحب الخيل، شكا إلى الأمير، أن ابن بشير يحيف عليه. فقال: أنا أمتحن قولك الساعة بواحدة. أخرج من فورك فاقصده، واستأذن عليه. فإن إذن لك صدقت قولك وعزلته. وإن لم يأذن لك دون خصمك ازددت بصيرة فيه. فخرج نحوه، فلما استأذن عليه خرج الإذن له أن كانت لك حاجة فاقتصد لذكرها مجلس القضاء. إذا جلس القاضي فيه، فلا سبيل إلىلقائه. وأعلم الأمير بذلك، فوافقه. قال قاسم بن هلال: شهد عند ابن بشير رجل من أهل البادية في معارفه، فاحتاج إلى تعديله، فدخلت أنا وابن مرتيل وثالث معنا. فقال: ما جاء بكم؟ قلت لأعدل هذا الرجل. فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وبها كان يستفتح حكومته. قال قاسم: فلما سمعته قهقرت، فحوّل وجهه نحونا. وقال لنا: الله الذي لا إلاه إلا هو إنه عندكم رضى. فقلنا له: بيمين أصلحك الله. قال والله لا أكتب له اسمًا إلا أن تحلفوا بها، أنه كذلك. فتورعنا وانصرفنا. وشهد عنده رجل، رافقه من الحج، له منه مكانة، فلم يقبل شهادته. فقال الخصم: عرفني بمن لم تقبل، لأنظر في تعديله. فقال له محمد: فلان صاحبي. ولن ينفعك تعديله عندي. فبلغ ذلك الرجل، فجاءه في مجلسه على رؤوس الناس وسأله عن سبب ذلك، وقال له: جمعنا وإياك المنشأ والحضر، وطلب العلم وطريق الحج، وعلمت من باطني ما علمت من باطنك فعرفني بالسبب أمام الناس، لأعرفه وأعرف بخطئي فيه أمام الجماعة. فقال ابن بشير: صدقت. وما عثرت لك في كل ذلك على جرحة في دينك، ولكن صدرنا من الحج فنزلنا مصر، وأخذنا في السماع من شيوخنا، والمقام بها، وشكوت لي الغربة ونظرت في شراء خادم، فقلت لي: وجدت خادمًا تساوي على وجهها كذا وكذا، وبيدها صنعة. فقلت لك: لا حاجة لك بصناعتها. وإنما تشتريها للمتعة. فدعها فلا معنى للزيادة فيها. فعصيتني واشتريتها. فلما رأيت الشهوة قد غلبتك في إتلاف ذلك في المغالاة فيها، خشيت أن تكون مثلها، قادتك إلى مثل هذه الشهادة. وشهد عنده صديق له يكنى بأبي اليسع، فرد شهادته، فعتبه في ذلك وقال: على محبتي فيكوخاصتي بك. فقال له الورع: يا أبا اليسع الورع يا أبا اليسع. فلم يزده على ذلك. وشهد عنده رجلان ممن يُظنُّ بهما خيرًا لمملوكٍ لمتوفى، أن مولاه أعتقه وزّوجه ابنته، وأوصى إليه بماله، وقضى بشهادتهما، فلم يلبث أحد الشاهدين أن حضرته الوفاة، فأوصى إلى القاضي أنه يريده. فدخل عليه، فلما أبصر به الشاهد، وهو في كربة، جثا على ركبتيه، وجعل ينجز إليه، فقال له القاضي: ما شأنك؟ فقال إني في النار إن لم تنقذني منها. الشهادة التي شهدت بها عندك بفلان لم يكن منها شيء فاتق الله وافسخ الحكم. فلم يزد محمد بن بشير على أن وضع يديه على ركبتيه، ثم قام وجعل يقول قضي الحكم، وأنت في النار. وخرج عنه. قال الفقيه القاضي أبو الفضل عياض رضي الله تعالى عنه: ما فعله ابن بشير من إمضاء الحكم صواب، وقوله وأنت في النار دون استثناء. لعله قصد به الإغلاظ لأمثاله من شهداء السوء. وإلا فحتمية الله في العفو عنه. من وراء هذا بفضلة، بقبول توبة مثله، ومحو سيئته بها، موعود به.

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Critical assessments

  • Da'IfDa'If

    ع فيه، ويعهد إليه بصرف الطابع إليه،إذا حضر خصمه، ويعنفه ويدعوه إن كان أخذه مبطلًا، فإن كان بعيدًا أجل له بقدر بعده. قال يحيى لمحمد بن بشير: إن الحالات بالناس تتغير، ولا تثبت. فإذا عدل عندك الرجل فحكمت بشهادته عن صحة نظر، حتى تطاول العهد وعادت الشهادة عندك، فأعد فيه نظرك، وكلفه التعديل، إن رابك، واستأنف الكشف عنه، فعمل بذلك وأخذ الشهود وحذرهم

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Da'IfDa'If

    عيدًا أجل له بقدر بعده. قال يحيى لمحمد بن بشير: إن الحالات بالناس تتغير، ولا تثبت. فإذا عدل عندك الرجل فحكمت بشهادته عن صحة نظر، حتى تطاول العهد وعادت الشهادة عندك، فأعد فيه نظرك، وكلفه التعديل، إن رابك، واستأنف الكشف عنه، فعمل بذلك وأخذ الشهود وحذرهم منه. وكان ابن بشير يشاور في قضائه عبد الملك بن الحسن زونان والغازي بن قيس، والحارث ابن أبي سعد

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • ThiqaThiqa

    رزقي من الفيء. فضمنها له. قال ابن الحارث: وكان محمد بن بشير فيما قاله لي عنه بعض العلماء: أنه كان قبل الشاهد عنده على التوهم والفراسة. وربما عول على تزكية السر من أهل الثقة. قال: وكان يقضي في سقيفة مغلقة بقبلي مسجد أبي عثمان، بأول الربض الغربي، فكان إذا قعد للقضاء هناك، جلس وحده وخريطته بين يديه. فتولى تقليبها بيده، ويتقدم إليه الخصوم على ك

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
292138
Book record
shamela-31316
Source record
dedupe:252:712423
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate
ولايته القضاء وسيرته — shamela-31316 · Hadith Research Library