page 492, entry [254]Open original source
ذكر شيء من أعيان اقضيته التي دلت على ثبات قدمه في الحق وبقية خبره قال أحمد بن خالد: كان أول ما أنفذه ابن بشير من نافذ أحكامه، التسجيل على الأمير الحكم، في أرحي القنطرة بباب قرطبة، إذ أثبت عنده حق مدعيها، ولم يكن عند الأمير مدفع. فسجل فيها، وأشهد على نفسه. فما مضت مديدة حتى ابتاعها ابتياعًا صحيحًا، فسر بذلك الحاكم، بعد مسألة وجعل يقول: رحم الله ابن بشير فقد أحين فيما فعل بنا على كره منا، إذ كان في أيدينا شيء مشتبه فصحح ملكه لنا. قال ابن وضاح: حكم ابن بشير على ابن فطيس الوزير في حق ثبت عنده، دون أن يعرّفه بالشهود عليه. فشكا ابن فطيس ذلك إلى الأمير، وتظلم منه. وأومأ إلى ابن بشير بذلك، وذكر شكوى ابن فطيس من امضائه الحكم عليه، دون أعذار، وهو حق له بإجماع أهل العلم. فكتب إليه ابن بشير: ليس ابن فطيس ممن يعرَّف بمن شهد عليه، لأن إن لم يجد سبيلًا إلى تجريحهم لم يتحرج عن أذاهم، فيدعون بالشهادة هم ومن ائتسى بهم ويضيع أمر الناس. وقال ابن وضاح: وكان سعيد الخير، عم الأمير الحكم، وكلّ وكيلًا يخاصم له عند محمد بنبشير في مطلب، فهم به عنده عليه، وكانت في يد سعيد وثيقة فيها شهادات جماعة من العدول، أتى الموت عليهم ما عدا شاهد واحد، من أهل القبول، مع شهادة الأمير الحكم ابن أخيه، فاضطر عمّه إليها في خصومته لما قبل القاضي شهادة الأخير، وضرب الآجال لوكيله في شاهد ثان. فدخل سعيد على الأمير وعرفه حاجته، إلى شهادته، وكان الحكم معظمًا لعمه، فقال له: يا عم، اعفني من هذه الكلفة. فقد تعلم أنا لسنا من أهل الشهادة عند حكامنا. إذ التبسنا من فتن هذه الدنيا بما لا نرضى به عن أنفسنا، ولا نلومهم على مثل ذلك فينا. ونخشى أن توقفنا مع هذا القاضي موقف خزي نفديه بملكنا. فصر في خصامك حيث ظهر لي الحقن وعلينا خلف ما ينقصك وأضعافه، فهمّ سعيد في ذلك وعزم عليه، إلى أن وجه شهادته مع فقيهين يؤدياهما إلى القاضي، فأدّياها إليه. فقال لهما: قد سمعت منكما فقوما راشدين، وجاءت دولة وكيل سعيد الخير، فتقدم مدلًا واثقًا، فقال أيها القاضي: قد نقلت إليك شهادة الأمير، فما تقول؟ فأخذ كتاب الشهادة وعاد النظر فيها. ثم قال: هذه شهادة لا تعمل عندي، فجئني بغيرها. فمضى الوكيل إلى سعيد فأعلمه، فركب من فوره إلى الحكم، فقال ذهب سلطاننا وأهينت عزتنا بتجري قاضيك الحروري على ردّ شهادتك! هذا ما لا يجب أن نتحمله عليه. وأكثر من هذا وأغرى بابن بشير، والأمير مطرق. فلما فرغ من كلامه، قال له: يا عم هذا ما قد ظننته، وقد آن لك أن تقصر عنه بالحق، فالحق أولى بك. والقاضي قد أخلصيقينه لله، وفعل ما يجب عليه ويلزمه. ولو لم يفعل ما فعله، لأجال الله بصيرتنا فيه، فأحسن الله جزاءه عنا، وعن نفسه، ولست اعترض للقاضي بعد فيما احتاط لنفسه. فذكر أن بعض أقران ابن بشير اعتبه فيما أتاه في ذك. فقال له: يا عاجز ألا تعلم أنه لا بد من الإعذار في الشهادات، فمن كان يجتريء على الدفع في شهادة الأمير لو قبلتها. ولو لم أعذر لبخست المشهود عليه حقه. وحكي أنه كانت لمحمد بن بشير، أيام نزوله بقرطبة خادم سوداء، اسمها بلاغ، تخدمه. ويستمتع بها عند حاجته. فكان إذا غشيها وقضى وطره منها، دفع صدرها بيده وقال: بلاغ أن فيك بلاغًا إلى حين. قال ابن حارث: إن حظية للأمير الحكم بات عندها في بعض الليالي فافتقدته في بعض الليل، ولم تصبه، فهاجت غيرتها وقامت تقفو أثره، فأصابته قائمًا تحت شجرة في الحائط يصلي ويدعو ويجتهد فلما انصرف إلى مرقده ألّحت عليه في السبب الموجب لذلك، وظنت أن أمرًا طرقه، فقال: ما ذاك إلا أن محمد بن بشير القاضي، لما به فأشفقت من نقده، وأعجزني الاعتياض منه، فقد كنت جعلته فيما بيني وبين الله في أحكام الناس، فأسندت منه إلى ثقة إذ كانت نفسي مستريحة إلى عدله، فناجيت الله تعالى ودعوته دعوة مضطر إلى إجابته، في أن يحسن عزائي عنه، ويجعل عوضي منه. وكانت وفاة ابن بشير سنة ثمان وتسعينومائة. فاستقضى الحكم بعده ابنه سعيد بن محمد. وقيل، الفرج ابن كنانة، وسيأتي ذكرهما في طبقتهما إن شاء الله تعالى.