page 310, entry [129]Open original source
ذكر ولايته القضاء وسيرته قال الشيرازي: ولى الرشيد لابن غانم قضاء أفريقية. وقيل ولاه أمير أفريقية روح بن حاتم المهلبي. أشار عليه ابن فروخ الفقيه لما امتنع هو أن يلي. وقيل أن أبا يوسف قال لروح عند خروجه إلى القيروان: أن بمدينة القيروان فتى يقال له عبد الله بن غانم، فقد فقه فوله قضاء أفريقية. وكانت ولايته في رجب سنة إحدى وسبعين ومائة، وهو ابن اثنتين وأربعين سنة في حياة مالك رحمه الله تعالى. ولما بلغت مالكًا ولايته سر بها، وأعلم بذلك أصحابه. ولما أتاه ابن أبي حسان سأل عن ذلك ابن أبي حسان فأعلمه فقال ما ذلك كثير له. وكان الرشيد يكاتبه فكان يعد قضاؤه قبله. وتشاجر أصحاب ابن غانم في ولايته فقال بعضهم: هي من المسودة (كذا) دون أمير المؤمنين. فقال أبو عثمان المعافري: امرأته طالق ثلاثًا ومماليكه أحرار، إن كان ولاه إلا أمير المؤمنين، ثم جاء إلى ابن غانم فأخبره الخبر، فقال لا يا أبا عثمان، كم صداق امرأتك؟ فقال مائتا دينار. قال خذها فقد بانت منك امرأتك واعتق مماليكك. ولم يزل ابن غانم على القضاء إلى أن توفي، فكانت ولايته نحوًا من تسعة عشر عامًا. وكان ابن غانم يوجه أبا عثمان هذا بمسائله أيام قضائه إلى مالك فيما ينزل به من نوازل الخصوم، فيأخذ له عليها الأجوبة، وكان يكتب إلى كنانة فيأخذ له الأجوبة من مالك. وكان يكتب أيضًا إلى أبي يوسف. قال السيوري ولم يزل الأمر يتراقى بابن غانم في الرفعة والسمو في أحكامه وأموره، فكان من إكرام الخليفة له إذا كتب كتابًا لإبراهيم بن الأغلب يقول له فيه وأنا لا إفكلك كتابًا حتى يكون مع كتابك إلي كتاب ابن غانم. فكان إبراهيم أكثر الناس مداراة وتعظيمًا له، وكان ابن غانم يلبس من الثياب أرفعها ويجعل لخصومات النساء يومًا يجلس فيه للنظر بينهن، فيلبس يومئذ الفرو الخشن وخلق الثياب، وينظر ببصره إلى الأرض فلا يشك من لا يعرفه أنه أعمى، ويزيل الحجاب والكتاب عنه، وكان له حظ من صلاة الليل فإذا قضاها وجلس في التشهد آخرها عرض كل خصم يريد أن يحكم له، على ربه، يقول في مناجاته: يا رب فلان منازع فلانًا وادعى عليه بكذا فأنكر داعوه فسألته البينة فأتى ببينة شهدت بما ادعى، ثم سألته تزكيتها فأتاني بمن زكاهم وسألت عنهم في السر فذكر يعني خيرًا، وقد أشرفت أن آخذ له من صاحبه حقه الذي تبين لي أنه حق له، فإن كنت على صواب فثبتني وإن كنت على غير صواب فاصرفني، اللهم لا تسلمني. اللهم سلمني. فلا يزال يعرض الخصوم على ربه حتى يفرغ منهم. وابن غانم هذا هو الذي أوقف الأحمية التي كانت بمراسي أفريقية، لمرافق المرابطين. وكان ابن غانم إذا جلس رمى إليه الخصوم الشقاف فيها قصههم مكتوبة، فوجد يومًا شقفة فيها قصة النخاسين البغال فدعاهم، فأخبروه أن أبا هارون مولى إبراهيم بن الأغلب الأكبر صاحب أمره ابتاع منهم بغالًا بخمسمائة دينار، ولم يدفع لهم شيئًا. فضم ديوانه ونهض إلى إبراهيم، وكان قد أباح له الدخول عليه دون أذن، فكان القاضي إذا أتى تنحنح فإذا قيل له ادخل، دخل. ففعل كعادته، فسأله إبراهيم ما وصيته، فذكر له شأن المتظلمين. فأحضر أبا هارون فاعترف وقال حتى يجيء الخراج وقد بعثت في طلبه. فقال ابن غانم: لا أبرح حتى تدفع إليهم أموالهم. فما برح حتى دفعت إليهم. ودعا الأمير إبراهيم ابن الأغلب ابن غانم يومًا فقرأ عليه كتاب الرشيد يأمره بإحضار رجل يقال له حاتم الإبزاري، ويقول إن لفرج مولى أمير المؤمنين عليه عشرةآلاف دينار، ويأمر إبراهيم بقبضها ويوجهها مع رسول له خراساني. ويقول في آخر الكتاب: واحضر ابن غانم القاضي، وقد أحضر المطلوب ترعد فرائضه فلما أكمل إبراهيم قراءة الكتاب قال لابن غانم سمعت ما فيه؟ قال نعم. قال ابن غانم وما أحضرت إلا لتحمل علي قولي فيما في هذا الكتاب. قال إبراهيم: ولم أمرت بإحضارك. إذا قال فأول ذلك أن يثبت الرسول بعدلين استخلاف أمير المؤمنين له على قبض هذا، وأن المال لأمير المؤمنين أو لمولاه، فقال الرسول ويكتب أمير المؤمنين بالباطل؟ قال معاذ الله، أمير المؤمنين أكرم أن يأخذ مالًا من غير حله، ولكن قد تنخرق الأشياء دونه. قال الخراساني ما تقول أيها الأمير؟ قال ما قال القاضي. وتحمل. فقام ابن غانم وحمل الإبزاري معه. فقال إبراهيم: ما أنفذ بصيرته وأمضى عزيمته. وراكب ابن غانم إبراهيم يومًا فزادت دابة إبراهيم في المشي فحول ابن غانم دابته، وعرج إلى داره، فعاتبه إبراهيم على ذلك، فقال ابن غانم أصلح الله الأمير إنما نفوذ أحكام القاضي على قدر جاهه، ولو ساعدتك وحركت دابتي سقطت قلنسوتي فلعب بها الصبيان. وراكبه مرة، فشق إبراهيم زرعًا فلم يسلك ابن غانم معه. ودخل عليه يومًا وفي يد إبراهيم قارورة فيها دهن يسير، قال كم تظن أيها القاضي يساوي هذا؟ قال تافه، فكم عسى أن يبلغ؟ قال إبراهيم فإن ثمنه كذا وكذا. قال ابن غانم: ما هو؟ قال السم. قال أرنيه. فدفع إليه إبراهيم القارورة ضرب بها عمودًا في المجلس فكسرها. ودعاه إبراهيم يومًا إلى صعود الصومعة فأبى، وقال: نكشف حرم المسلمين، فلم يصعد معه. ودخل يومًا على إبراهيم فوردت عليه كتب من الرشيد، فقرأ إبراهيم كتابه ثم دفعه إلى ابن غانمفقرأه ورده على إبراهيم. فقال له إبراهيم هات كتابك أقرأه قالا لا أفعل قال له: فلم قرأت أنت كتابي. قال أنت دفعته إلي ومددت يدك به فكرهت ردها. وقد اسر أمير المؤمنين في كتابه ما لا أريد أن أطلع عليه أحدًا. فقال له إبراهيم: أما علمت أن إبراهيم أمير أفريقية يقتل عبد الله قاضيها؟ فقال: يذكر ذلك. ولكن لست ذلك الأمير، هو ابنك ولست ذلك القاضي، هو غيري. فقدر أن الخبر بعد هذا، صدق في أبي العباس عبد الله بن طالب القاضي قتله الأمير إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم بعد هذا مسمومًا في سجنه. وسيأتي ذكره بعد هذا إن شاء الله. قال ابن غانم: دخلت مجلس إبراهيم بن الأغلب، إذ أشرف علينا إبراهيم فقام إليه من كان في البيت غيري. فجلس مغضبًا ثم قال لي: يا أبا عبد الرحمان ما منعك أن تقوم كما قام أخواك؟ فقلت أيها الأمير: حدثني مالك عن نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار. فنكس إبراهيم رأسه وأطرق. ومر رباح بن يزيد الزاهد وبيده قسط زيت على ابن غانم وهو قاض، فقال لها ابن غانم: احمله لك. فقال رباح شأنك. فرفع القسط إليه وجعل يشق به مجامع الناس فسلك به حوانيت البزازين حتى انتهى إلى داره. فقال رباح إنما فعلت هذا، لأنه بلغني عنك أنك تجد بنفسك، فأحببت أن أضع منك. فجزاه ابن غانم خيرًا وكان رباح بن يزيد يأتي كل يوم جمعة إلى ابن غانم فيدعوا. وكان نحيلًا دقيق العروق فجعل يومًا يدعو فاستضحك ابن غانم وتمادى رباح في الدعاء، وابن غانم في الضحك حتى نهض رباح فعذل ابن غانمجلساؤه في ذلك، وقالوا له: مثل رباح يضحك عليه؟ فقال لهم ابن غانم: امسكوا عني، إنما غمني أن العدو لما علم ما نحن فيه من الخير، أراد أن يقطعه بما رأيتم أو نحوه. فلما كان الجمعة جاء رباح فأخذ في الدعاء وهجم على ابن غانم من الرقة والخشوع أكثر ما كان منه، فلما قضى دعاءه قال ابن غانم جزاك الله خيرًا يا أبا يزيد. فقال له رباح قد علمت أن الذي كان منك إنما حركك عليه العدو ليقطع ما نحن فيه من الخير. ومر يومًا بالسوق والبهلول بن راشد يشتري لحمًا من جزار فنزل ابن غانم عن دابته وعانقه وقرب إليه دابته تعظيمًا له، فامتنع البهلول فأقسم عليه ابن غانم، فقال له أني اشتريت لحمًا قال احمله لك. فقال البهلول أني أجلك أن تمشي راجلًا فقال اركب خلفك. فركب البهلول على السرج وركب القاضي خلفه على كفل الدابة وقد حمل اللحم فشقا السماط حتى وصلا إلى دار البهلول فعجب الناس من تواضعه وشرفه.