page 908, entry [355]Open original source
ذكر ولايته القضاء وسيرته ولى سحنون قضاء أفريقية سنة أربع وثلاثين ومائتين، وسنه إذ ذاك أربع وسبعون سنة، فلم يزل قاضيا إلى أن مات. قال أبو العرب: لما عزل ابن أبي الجواد، قال سحنون: اللهم ول هذه الأمة خيرها وأعدلها. فكان هو الذي ولى بعده. وذكر عريب (¬٨٣) الكاتب في تاريخه: أن سحنون مر يوما بابن أبي الجواد، فرأى منه ظلما، فقال: اللهم لا تمتنى حتى أراه بين يدى قاض عدل يحكم فيه بالحق. فعزل، وولى سحنون، فامتحنه. فقال الناس: أجبيت دعوته. ***ولما أراد محمد بن الأغلب أن يولى سحنون، جمع الفقهاء للمشورة، فأشار سحنون بسليمان بن عمران، وأشار سليمان بسحنون، وأشار غيرهما بسليمان. فأدخلوا فرادى، فقالوا كقولهم الأول، وذلك أن أكثر الفقهاء إذ ذاك، كانوا على رأى الكوفيين، وكان سليمان يرى رأيهم. فقال سليمان: ما ظننت أنه يشاور في سحنون، حججت فرأيت أهل مصر يتمنون كونه بين أظهرهم، وما يستحق أحد القضاء وسحنون حي. وبعث ابن الأغلب، ابن قادم، إلى سحنون، يقول له: إني أريد أن أستكفيك قضاء رعيتى، فأعلمه، فقال: أصلح الله الأمير، لا أقوى عليه، أدلك على من هو أقوى: سليمان بن عمران. قال محمد بن سحنون: ولى سحنون القضاء بعد أن أدير عليه حولا، وأغلظ عليه أشد الغلظة، وحلف عليه محمد بن الأغلب، بأشد الإيمان، فولى يوم الاثنين الثالث من رمضان سنة أربع وثلاثين ومائتين، فأقام أياما ينظر في القضاء، يلتمس أعوانا، ثم قعد للناس يوم الأحد بعده في المسجد الجامع، بعد أن ركع ودعا بدعاء كثير. وقال سحنون: لم أكن أرى قبول هذا الأمر، حتى كان من الأمير معنيان: أحدهما، أعطانى كل ما طلبت، وأطلق يدى في كل ما رغبت، حتى إني قلت له: أبدأ بأهل بيتك وقرابتك وأعوانك، فإن قبلهم ظلامات للناس وأموالا لهم منذ زمان طويل، إذ لم يجترئ عليهم من كان قبلى. فقال لي: نعم، لا تبدأ إلا بهم، وأجر الحق على مفرق رأسى. فقلت له: الله! قال لي: الله، ثلاثا. وجاءني من عزمه مع هذا، ما يخاف المرء على نفسه، وفكرت فلم أجد أحدا يستحق هذا الأمر، ولم أجد لنفسى سعة في رده.قال سليمان بن سالم: لما تمت ولاية سحنون، تلقاه الناس، فرأيته راكبا على دابة، ما عليه كسوة ولا قلنسوة، والكآبة في وجهه، ما يتجرأ أحد يهنيه. فسار حتى دخل على ابنته خديجة، وكانت من خيار النساء، فقال لها: اليوم ذبح أبوك بغير سكين. فعلم الناس قبوله للقضاء. ولما ولى، جاءه عون بن يوسف، فقال له: نهنيك أو نعزيك؟ ثم سكت. فقال: بلغني أنه من أتاها من غير مسألة أعين عليها، ومن أتاها عن مسألة لم يعن عليها. فقال له سحنون: من ولته الشفاعة عزلته الشفاعة، ومن ولته الشفاعة حكم بالشفاعة. فقال له رجل من الأندلس: إنا لله وإنا إليه راجعون، وددنا أنا رأيناك اليوم على أعواد نعشك، ولم نرك في هذا المجلس قاعدا. *** وكتب عبد الرحيم الزاهد إلى سحنون، لما ولى القضاء: أما بعد، فإنى عهدتك وشأن نفسك عليك مهم، تعلم الخير وتؤدب عليه، وأصبحت وقد وليت أمر هذه الأمة، تؤدبهم على دنياهم، يذل الشريف بين يديك والوضيع، قد اشترك فيك العدو والصديق، ولكل حظه من العدل، فأى حالتيك أفضل، الحالة الأولى أم الثانية؛ والسلام. فكتب إليه سحنون: أما بعد، فإنه جاءني كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وإنى أجيبك أنه لا حول ولا قوة في شيء من الأمور إلا بالله تعالى، عليه توكلت، وإليه أنيب. فأما ما كتبت أنك عهدتني وشأن نفسي على مهم، أعلم الخير وأؤدب عليه، وأصبحت وقد وليت أمر هذه الأمة، أؤدبهم على دنياهم، فلعمرى إنه من لم تصلح له دنياه، فسدت له أخراه، وفى صلاح الدنيا إذا صح المطعم والمشرب صلاح الآخرة، فكلا الأمرينمتصل بالآخرة. أدبهم في معابشهم، ودفع ظالمهم عن مظلومهم، وأخذهم الأمور من وجوهها، أدب لآخرتهم، لأن بصلاح دنياهم تصلح لهم آخرتهم، وبفساد الدنيا تفسد الآخرة. وقد حدثني ابن وهب - ورفع سحنون سنده - أن النبي ﷺ قال: نعم المطية الدنيا فارتحلوها فانها تبلغكم الآخرة. ولن تبلغ الدنيا الآخرة من عمل في الدنيا بغير الواجب من حق الله. وأما قولك: "وليت أمر هذه الأمة" فإني لم أزل مبتلى، ينفذ قولى منذ أربعين سنة في أشعار المسلمين وأبشارهم. حدثني ابن وهب أن عبد الله بن أبي جعفر قال: لن تزالوا بخير ما تعلمتم، فإذا احتيج اليكم، فانظروا كيف تكونون. قال ابن أبي جعفر: فرأيت في المنام: إنما المفتى قاض، يجوز قوله في أبشار المسلمين وأموالهم. فعنيك بالدعاء، فألزم ذلك نفسك. والسلام. *** قال سليمان بن عمران: لما ولى سحنون قال لي: إذا ولي القاضي استفتى: كيف يكتب كذا؟ فكتبت له ذلك. وكان سليمان يكتب لسحنون في قضائه، إلى أن ولاه بجاية وباجة والاريس، فلما مات سحنون ولى سليمان مكانه. قال سليمان: قال لي سحنون، ابتليتنى، فوالله لأبتلينك. فولاني القضاء، وقال لي: عليك يا أبا الربيع بالحجازية، الحجازية. فقلت: القاضي مفت، فما كنت أفتى به فيه أقضى. فسكت عنى. وكان سليمان عراقى المذهب. قال: فلما ولى سحنون سليمان القضاء، دخل عليه من الغد، فقال له سحنون: عزمت يا أبا الربيع؟ فقال له: ان قلت: (لا) كذبتك، أنا أريد. فقال سحنون لمن عنده: انظروا إن كان دخله رياء أو أظهرتصنعا (¬٨٤)! مثلك يا أبا الربيع يكون ناظرا للمسلمين. قال جبلة: كان سحنون لا يأخذ لنفسه رزقا ولا صلة من السلطان في قضائه كله، ويأخذ لأعوانه وكتابه وقضاته من جزية أهل الكتاب. قال ابن سحنون: وسمعته يقول للأمير: والله لو أعطيتني ما في بيت مالك - أو قال له: لو ملأت مجلسك هذا لي دراهم أو دنانير - ما سألني الله أن أقبل منك ذلك، ولا آخذ منه شيئا. ويقول: لو أخذته لجاز لي، ولكنه تورع. وسمعته يقول للأمير: حبست أرزاق أعوانى وهم أجراؤك، وقد وفوك عملك، ولا يحل لك ذلك. وقد قال رسول الله ﷺ: أعط الأجير حقه قبل أن يجف عرقه. *** قال ابن مسكين: كان سحنون قبل أن يلى، أشرف منه بعدما ولى، ولقد امتنع من النظر، وجلس في بيته مدة، حتى حضر جنازة، فرأى منكرا، فأمر بتغييره، وانصرف فنظر بين الناس. قال ابن سحنون: وكان سحنون يضرب الخصوم، إذا آذى بعضهم بعضا بكلام، أو تعرضوا للشهود، ويقول: إذا تعرض للشهود كيف يشهدون؟ ويؤدب الخصم، إن طعن على الشاهد بعيب أو تجريح، أو يقول: سل لي عن البينة فإنهم كذا، حتى يسأله هو عن تجريحه. ويقول الخصم: أنا أعنى منك بذلك، وهو على، دونك. وكان إذا دخل عليه الشاهد ورعب منه، أعرض عنه حتى يستأنس ويذهب روعه، فإن طال ذلك به هون عليه، وقال له: ليس معى سوط ولا عصا، ولا عليك بأس، أد ما علمت، ودع ما لم تعلم. قال جبلة: كان سحنون يؤدب الناس على الأيمان التي لا تجوز من الطلاق والعتق، حتى لا يحلفوا بغير الله، ويؤدبهم على سوء الحال في لباسهم، وما نهى عنه، ويأمرهم بحسن السيرة والقصد.قال ابنه محمد: وتخاصم إليه رجلان صالحان من أصحابه ممن نظر في العلم، فأقامهما، وأبى أن يسمع منهما، وقال: استرا على ما ستر الله عليكما. *** قال غير واحد: أول ما نظر سحنون في الأسواق، وإنما كان ينظر فيها الولاة دون القضاة، فنظر فيما يصلح من المعايش، وما يغش من السلع، ويجعل الأمناء على ذلك، ويؤدب على الغش، وينفى من الأسواق من يستحق ذلك، وهو أول من نظر في الحسبة من القضاة، وأمر الناس بتغيير المنكر، وأول القضاة فرق حلق أهل البدع من الجامع، وشرد أهل الأهواء منه، وكانوا فيه حلقا من الصفرية والأباضية والمعتزلة، وكانوا فيه حلقا يتناظرون به، ويظهرون زينهم، وعزلهم أن يكونوا أئمة للناس، أو معلمين لصبيانهم، أو مؤذنين، وأمرهم ألا يجتمعوا، وأدب جماعة منهم بعد هذا خالفوا أمره، وأطافهم، وتوب جماعة منهم، فكان يقيم من أظهر التوبة منهم على البر أو غيره، فيعلن توبته عن بدعته. وهو أول القضاة جعل في الجامع إماما يصلى بالناس، وكان ذلك للأمراء، وأولهم جعل الودائع عند الأمناء، وكانت قبل في بيوت القضاة، وأول من قدم الأمناء في البوادى، فكان يكتب إليهم، وكان من قبله يكتب إلى جماعة الصالحين منهم، فأخذت القضاة بهذه السيرة بعده. وكان يجلس في بيت في الجامع بناه لنفسه إذ رأى كثرة الناس وكثرة كلامهم، فكان لا يحضر عنده غير الخصمين ومن يشهد بينهما في دعواهما، وسائر الناس عنه بمعزل، لا يراهم ولا يسمع لغطهم، ولا يشغل باله أمرهم. فصار الجلوس في ذلك البيت سنة لقضاة المالكية، فإذا ولى عراقي هدمه، وإذا ولى مدنى بناه وحكم فيه. *** وكان سحنون يكتب للناس أسماءهم في رقاع تجعل بين يديه، ويدعو بهم واحدا واحدا، إلا أن يأتى مضطر أو ملهوف.وكان يضرب بالدرة وما خف من الأدب في الجامع، فإذا أقام الحدود أخرجهم عن الجامع. وكان كثيرا ما يؤدب بلطم القفا. وقيد امرأة كانت تتهم بسوء، حتى شهد عنده أنها تابت. وضرب أخرى، كانت تتهم بالجمع بين الرجال والنساء، بالسوط في قبة، وبنى باب دارها، ونقلها بين قوم صالحين. وجاءت إليه امرأة من القصر غاب عنها زوجها، فأرادت أن تقطع بشرطها، فأبى، ثم قال لها: إياك أن تشهدى أحدا من أهل القصر، لا أقبل شهادتهم. وكتب مرارا يأمر بقتل الكلاب، وبث وراءها الأعوان بالحراب. ويعطى الطابع لأهل العدوى، فإذا جاءه المستعدى بصاحبه، أخذ منه الطابع لئلا يعبث به الناس. ويضرب على اللدد. قال عيسى بن مسكين: فحصل الناس بولايته على شريعة من الحق، ولم يل قضاء أفريقية مثله. قال سعيد بن إسحاق: كل من ولى قضاء أفريقية اكتسب إلا سحنون. *** وكان سحنون أيام قضاء ابن أبي الجواد يقول: إن لأمره لآخرا، ولكني أخشى أن الوالي بعده لا يحسبن أن يقتص منه. فكان هو الوالي بعده. وخاصم ابن أبي الجواد رجل بين يدى سحنون، فحكم له على ابن أبى الجواد، وحبسه، وقال له: إن لم تؤد ضربتك بالسوط. فقال: ما عندى مال.فيقال: أنه أخرجه وضربه في جمعة بالسياط مائة سوط. (وقيل أكثر من ذلك) (¬٨٥) حتى أسال دمه على كعبه، فمر في طريقه على صباغ، نصب عليه قصرية مصارة (¬٨٦)، وقال: اقتلوا الزنديق، ورد إلى السجن فمات فيه. وقيل: كان سبب ضربه، أنه شهد عليه بقبض وديعة، فأنكرها، فضربه ثمانية عشر سوطا، مجردا، في السماط. يضربه سبعة بعد سبعة، وهو متماد. وقيل: إنها وجدت بخطه، فأنكره، وشهد على خطه، فحبسه أياما، وضربه عشرة أسواط، وكان يخرجه في كل جمعة، فيضربه عشرة كل جمعة إلى أن مرض. وقيل: بل فعل ذلك به لما كان عليه من البدعة. وكانت أسماء، بنت أسد بن الفرات، زوج ابن أبي الجواد، قالت السحنون: أنا أهبه هذا المال يقضيه عن نفسه. فلم يقبل ذلك سحنون، وقال لها: حتى يقول: أؤدى ما لزمني. وقيل: فعل ذلك به لأن مالكا لا يلزم قبول الهبة، ولو قالت: "أنا أقضى عنه ما طلب منه" لما رد ذلك سحنون، والله أعلم. وقيل: بل قالت له: أفدى به زوجى. فقال لها: إن أقر أن ذلك هو المال أو بدل منه، أطلقته. فامتنع، وأبى سحنون من قبول المال إلا بإقراره. * ذ