page 906, entry [354]Open original source
ذكر بقية شمائله قال أبو العرب: كان سحنون ربع القامة، بين البياض والسمرة، حسن اللحية، كثير الشعر، أعين، بعيد ما بين المنكبين، كثير الصمت، تليل الكلام، يتكلم كثيرا بالحكمة، مهيبا جدا، يأخذ من شاربه على المشط، حسن اللباس (¬٨٢)، وكان به فتق في جوفه، فكان يعصبه بلبد، وكان له برذون يركبه، وقلما رئي متطوعا في المسجد. قال ابن بسطام: وكانت لسحنون قلنسوة طويلة، ربما لبسها وساجا، وربما حمل في يده - وقد لبسها - حزم البصل وغير ذلك إلى داره، تواضعا. قال سليمان بن سالم: رأيت لسحنون ساجا كحليا، وساجا أزرق، ورداء، وقلنسوة حبرة، وقلنسوة زرقاء، وشيا، وقلنسوة تشبه الأغلبي، فإذا قعد للسماع لبس الرداء وقلنسوة الأغلبى، وإذا شهد الجمعة لبس الساج وقلنسوة الحبرة، وإذا حضر جنازة، لبس الساج الأزرق والقلنسوة الزرقاء. هذا كان* أكثر فعله. وقال أبو العرب: وكان عريض الطوق نحو الإصبعين. *** قال سليمان بن سالم: أخذ سحنون بمذهب أهل المدينة في كل شيء، حتى في العيش، كان يقول: ما أحب أن يكون عيش الرجل إلا على قدر ذات يده، ولا يتكلف أكثر مما في يديه، وإن احتاج إلى امرأة، طلبها علىقدر ذات يده، في مؤونتها وقناعتها، حتى يبقى في يده ما يستغنى به، فإن كان له مال حلال اعتمد عليه وتفرغ للعبادة، وإن لم يكن عنده فعليه بكسب يده، فذلك أولى به من مسألة الناس، وإن كان مستغنيا عن الزوجة فتركها أحب إلي، وأكل أموال الناس بالمسكنة والصدقة خير من أكله بالعلم والقرآن. قال سليمان: كان سحنون يركب بلجام حديد، ليس فيه فضة، وكان له برنس أسود يلبسه في المطر والبرد. قال غيره: كان سحنون يجلس للسماع على باب داره، ونجلس نحن بالأرض، إلا من أتى منا بحصير، فإذا أتممنا قال: قوموا قيمة رجل واحد، فنفترق. *** وقال عبد الجبار بن خالد: كنا نسمع من سحنون بمنزله بالساحل، فخرج يوما علينا وعلى كتفه المحراث، وبين يديه الزوج، فقال لنا: ان الغلام حم البارحة، فإذا فرغت أسمعتكم. نقلت له: أنا أذهب وأحرث، وتسمع أنت أصحابنا، فإذا جئت قرأت على ما فاتنى. ففعل. فلما جئته قرب إلى غذاءه: خبز شعير، وزيتا قديما. قال حبيب: خرج علينا سحنون يوما وعليه برنس، وكان يلبس الشاشية والطويلة. قال عيسى: كان سحنون، صمته لله، وكلامه لله، إذا أعجبه الكلام صمت، وإذا أعجبه الصمت تكلم. قال ابن بسطام: دخلنا عليه في مرضه الذي مات فيه، وعند رأسه حقيبة، وما في بيته إلا الحصير. قال غيره: قيل له: يا أبا سعيد، كيف يسعك أن تترك الطلبة وحاجتهم إليك، وتخرج إلى البادية فتقيم بها الشهور الكثيرة؟قال: أتريدون أن تروا كتبى بهذا الغدير؟ قال: أحتاج إلى دراهم هؤلاء - يعنى السلاطين - فآخذها، فتطرح كتبى. قال ابن معتب: كان سحنون يشترى كل يوم ربع رطل لحم يفطر عليه، ثم تركه اقتداء بالصالحين في مطعمهم. ما عمل سحنون قط شيئا إلا لله، ولا تكلم بشيء إلا لله، فلذلك عظم خطره. قال بعض العلماء: كان سحنون أعقل الناس صاحبا، وأفضل الناس صاحبا، وأفقه الناس صاحبا. قال ابن حارث: كانت هذه الصفات صفات سحنون، فتخلق بها أصحابه. قال إبراهيم بن شعيب: كان سحنون يخرج علينا ونحن ننتظره في مجلسه، فوالله ما علمته يسلم في مجلسه علينا قط، وفى خلال ذلك يمشى بالأسواق، فلا يمر بأحد إلا التفت إليه وسلم عليه، توقيرا للعلم، وهيبة له عند طالب.