page 806, entry [295]Open original source
ولايته القضاء وسيرته ومحنته قال المصعب الزبيري: ولاه المأمون قضاء المصيصة، ثم صرفه، ثم قضاء الرقة، ثم صرفه، ثم قضاء عسكر المهدى ببغداد، ثم صرفه، ثم قضاء مصر، فلم يزل على قضائها إلى أن صرف آخر أيام المعتصم. قال الحميدي في قضاة مصر: بقيت مصر بعد ابن المنكدر دون قاض إلى أن ولى المأمون قضاءها هارون بن عبد الله الزهرى. قال هارون: دعانى المأمون فقال: يا هارون! قد وليتك بلدًا يقولون بقولك: مصر. قال أبو عمر الكندى في كتابه في قضاة مصر، قدم هارون الزهرى مصر في رمضان سنة سبع عشرة ومائتين من قبل المأمون، وجلس في المسجد الجامع، ولم يبق شيئا من أمور القضاء إلا شاهده بنفسه وحضره مع أهل مصر، وتقصى الأحباس وأموال الأيتام، ووقف على وجوهها بنفسه وحاسب عليها، وضرب رجلا على حال رآه منه في مال يتيم كان ينظر له، وأطافه، وأورد أموال الغيب، ومن لا وارث له، بيت المال، وسجل بجميع ذلك؛وكتب إليه المعتصم يأمره بأخذ الفقهاء بالمحنة، فاستعفى من ذلك، فكتب ابن أبي داود إلى بكر الأصم يأمره بأخذهم بذلك، فكان رأسًا في ذلك، وحمل الناس فيها؛ فكان هارون يقول: الحمد لله على معافاتي مما ابتلي به غيري. فذكر أنه نال علماء مصر في ذلك محنة عظيمة، وأن ابن عبد الحكم الكبير (¬٤١٩) ضرب بالسياط، وضرب بنو عبد الحكم كلهم، وامتحنوا، وامتحن الأصم أيضا أبا الطاهر، وأبا جعفر الأيلى، ويحيى بن بكير، وأبا إسحاق البرقى، وأبا راشد، وضرب ظهره بالسياط، وجعل على حمار وجهه إلى ذنبه، وطيف به، وضرب ابن كاسب، وعبد الله بن زيد بن ظبيان، وقابوس بن أبي ظبيان وغيرهم. وأجابه بعضهم تقية، وكل من أجابه تركه، ومن أبي عليه بعثه إلى العراق إلى ابن أبي داود؛ وفر جماعة على وجوههم، منهم ابن المواز؛ واختفى آخرون، منهم أصبغ بن الفرج، فلزم داره. وذكر الكندى أن المأمون لما أخذ الناس بالمحنة في القرآن، كتب إلى أمير مصر بأخذ القاضي هارون، فزعم أنه أجابه، وأنه كان لا يقبل من الشهود إلا من أقربه، وذلك تقية، والله أعلم، وامتثالا لما أمر به. ويدل على أنه تقية استعفاؤه من الأمر بعد ذلك، وامتحانه على يد هذا الأصم المذكور، وما نذكره بعد.قال أبو عمرو الجيزى: وثقل مكانه على ابن أبي داود، فصرفه عن قضاء مصر سنة ست وعشرين، ولم يجد سبيلا إلى عزله، لأن المعتصم كان وقع اختياره عليه، حتى قرر عند المعتصم أنه استعمل أصحاب ابن المنكدر، الذي كان يشنأه المعتصم، كما ذكرنا في أخباره، وأنه صيرهم بطانة، فعزله وولى أبا بكر بن أبي الليث الأصم، فأقام رجلا يرفع على هارون باستهلاك مال من بيت المال، وكان هارون يدفع مفتاح التابوت إلى غير ثقة، فأتى عليه منه، فأمر الأصم بإحضار هارون ومناظرته مرة بعد أخرى، فامتهنه وأمر بحبسه، فورد كتاب المعتصم برفع ذلك عنه. فأخذ الله عما قريب من الأصم ما فعل بهارون، وزيادة، على يد الحارث بن مسكين، لما ولى قضاء مصر، أقام الأصم أياما يضربه كل يوم عشرين سوطًا في رد مال بيت المال، ثم أمر المتوكل لما ولى بعد ذلك بحلق لحية الأصم ورأسه، وضربه، وطوافه مصر على حمار، وسجنه، وحمله وأصحابه، واستصفاء ماله، ولعنه على المنبر، فنفذ ذلك كله. وكان الأصم مبتدعًا معتزليا خبيثا. وكانت وفاة القاضي هارون سنة ثمان وعشرين ومائتين.