Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

مَا كَانَ من خبر الخوارج عِنْدَ توجيه علي الحكم للحكومة وخبر يوم النهر

محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري · page 3513, entry [1350]

صحيح وضعيف تاريخ الطبري — محمد بن طاهر البرزنجي

Open narrator profile: مَا كَانَ من خبر الخوارج عِنْدَ توجيه علي الحكم للحكومة وخبر يوم النهر
page 3513, entry [1350]Open original source
ذكر ما كان من خبر الخوارج عند توجيه علي الحَكَم للحكومة وخبر يوم النَّهر ١١٥٥ - قال أبو مخنف: عن أبي المغفّل، عن عون بن أبي جُحَيفة: أنّ عليًّا لما أراد أن يبعث أبا موسى للحكومة؛ أتاه رجلان من الخوارج: زُرْعة بن البُرْجالطائيّ، وحُرْقوص بن زُهير السعديّ، فدخلا عليه، فقالا له: لا حكمَ إلا لله، فقال عليّ: لا حكم إلا لله، فقال له حُرْقوص: تُبْ من خطيئتك، وارجع عن قضيّتك، واخرج بنا إلى عدوّنا نقاتلهم، حتى نلقى ربّنا. فقال لهم عليّ: قد أردتكم على ذلك فعصيتموني، وقد كتبنا بيننا وبينهم كتابًا، وشرطنا شروطًا، وأعطينا عليها عهودَنا ومواثيقنا، وقد قال الله ﷿: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾. فقال له حُرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه! فقال عليّ: ما هو ذنب، ولكنه عَجْز من الرأي، وضعفٌ من الفعل، وقد تقدّمت إليكم فيما كان منه، ونهيتُكم عنه. فقال له زُرعة بن البُرْج: أما والله يا على لئن لم تَدَع تحكيمَ الرجال في كتاب الله ﷿ قاتلتُك! أطلبُ بذلك وجهَ الله ورضوانَه، فقال له عليّ: بؤسًا لك، ما أشقاك! كأني بك قتيلًا تَسفِي عليك الريح؛ قال: وددتُ أن قد كان ذلك؛ فقال له عليّ: لو كنت محقًّا كان في الموت على الحق تعزية عن الدنيا، إن الشيطان قد استهواكم، فاتّقوا الله ﷿؛ إنه لا خيرَ لكم في دُنيا تقاتِلون عليها؛ فخرجا من عنده يحكّمان (١). (٥: ٧٢). ١١٥٦ - قال أبو مخنف: فحدّثني عبد الملك بن أبي حُرَة الحنفيّ: أنّ عليًّا خرج ذات يوم يخطب، فإنه لفِي خطبته؛ إذْ حكّمت المحكّمة في جوانب المسجد، فقال عليّ: الله أكبر! كلمةُ حقّ يراد بها باطل! إن سكتوا عممناهم، وإن تكلّموا حَجَجْناهم، وإن خرجوا علينا قاتلناهم. فوثب يزيد بن عاصم المحاربيّ، فقال: الحمد لله غير مودّع ربّنا ولا مستغنى عنه. اللهمّ إنا نعوذ بك من إعطاء الدنيَّة في ديننا، فإنّ إعطاء الدنيّة في الدّين إدْهان في أمرِ الله ﷿، وذلّ راجع بأهله إلى سخط القه، يا عليّ! أبالقتل تخوّفنا؟ ! أما والله إني لأرجو أن نضربكم بها عما قليل غير مصفَحات، ثم لتعلمُنّ أيّنا أولَى بها صِلِيًّا، ثم خرج بهم هو وإخوة له ثلاثة هو رابعهم، فأصيبوا مع الخوارج بالنّهر، وأصيب أحدهم بعد ذلك بالنُّخَيْلة (٢). (٥: ٧٢/ ٧٣). ١١٥٧ - قال أبو مخنف: وحُدّثنا عن القاسم بن الوليد: أن حكيم بنعبد الرحمن بن سعيد البَكائيّ كان يرى رأيَ الخوارج، فأتى عليًّا ذات يوم وهو يخطب، فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، فقال علي: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (١) (٥: ٧٢). ١١٥٨ - قال أبو مِخْنف عن عبد الملك بن أبي حُرّة: إنّ عليًّا لما بعث أبا موسى لإنفاذ الحكومة؛ لقيت الخوارج بعضُها بعضًا، فاجتمعوا في منزل عبد الله بن وهب الرّاسيّ، فحمِد الله عبدُ الله بن وهب، وأثنى عليه، ثم قال: أمَّا بعد: فوالله ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن، وينيبون إلى حُكم القرآن أن تكون هذه الدنيا - التي الرّضا بها والرّكون بها والإيثار إياها عناء وتَبار - آثرَ عندهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بالحقّ، وإنْ مُنَّ وضُرَّ فإنه مَن يُمنّ ويُضرّ في هذه الدنيا فإنّ ثوابه يوم القيامة رضوان الله ﷿ والخلود في جنّاته، فاخرجوا بنا إخوانَنا من هذه القرية الظالِم أهلُها إلى بعض كُوَر الجبال أو إلى بعض هذه المدائن، منكِرين لهذه البدع المضلّة. فقال له حُرْقوص بن زهير: إنّ المتاع بهذه الدنيا قليل، وإنّ الفراق لها وشيك، فلا تدعوَنّكم زينتها، وبهجتها إلى المقام بها، ولا تلفتنكّم عن طلب الحقّ، وإنكار الظلم، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾. فقال حمزة بن سنان الأسَدِيّ: يا قوم، إنّ الرأي ما رأيتم، فولّوا أمرَكم رجلًا منكم، فإنه لابدّ لكم من عماد وسناد وراية تحفّون بها، وترجعون إليها، فعرضوها على زيد بن حصين الطائيّ فأبَى، وعرضوها على حُرقوص بن زهير فأبى، وعلى حمزة بن سنان وشُريح بن أوفَى العبسيّ فأبَيَا، وعرضوها على عبد الله بن وهب، فقال: هاتوها، أما والله لا آخذها رغبةً في الدنيا، ولا أدَعها فَرَقًا من الموت، فبايعوه لعشر خلْون من شوال - وكان يقال له ذو الثَّفِنات - ثم اجتمعوا في منزل شُريح بن أوفى العبسيّ، فقال ابن وهب: اشخَصُوا بنا إلى بلدة نجتمع فيها لإنفاذ حكمِ الله، فإنكم أهل الحق. قال شريح: نخرج إلى المدائن فننزلها، ونأخذ بأبوابها، ونخرج منها سكّانها، ونبعث إلى إخواننا من أهل البصرة فيقدمون علينا، فقال زيد بن حصين: إنكم إن خرجتم مجتمعين اتُّبِعْتُم، ولكن اخرجوا وُحْدانًا مستَخْفِين،فأمّا المدائن فإنّ بها مَنْ يمنعكم، ولكن سِيروا حتى تنزلوا جسرَ النّهروان، وتكاتِبوا إخوانكم من أهل البصرة. قالوا: هذا الرّأي. وكتب عبد الله بن وهب إلى مَن بالبصرة منهم يعلمهم ما اجتمعوا عليه، ويحثّهم على اللحاق بهم، وستر الكتاب إليهم، فأجابوه: أنهم على اللحاق به، فلما عزموا على المسيرِ تعبّدوا ليلتَهم - وكانت ليلة الجمعة ويوم الجمعة - وساروا يومَ السبت، فخرج شُريح بن أوَفى العبسيّ، وهو يتلو قول الله تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. وخرج معهم طرَفة بن عديّ بن حاتم الطائيّ، فاتّبعه أبوه فلم يقدر عليه، فانتهَى إلى المدائن ثم رجع، فلما بلغ ساباطَ لقيَه عبد الله بن وهب الراسبي في نحو عشرين فارسًا، فأراد عبد الله قتله، فمنعه عمرو بن مالك النّبْهانيّ وبشر بن زيد البَوْلانيّ، وأرسل عديّ إلى سعد بن مسعود عامل عليّ على المدائن يحذّره أمرَهم، فحذِر، وأخذ أبوابَ المدائن، وخرج في الخيل واستخلف بها ابن أخيه المختار بن أبي عبيد، وسار في طلبهم، فأخبر عبد الله بن وهب خبرَه فرابأ طريقه، وسار على بغداد، ولحقهم سعد بن مسعود بالكَرْخ في خمسمئةِ فارس عند المساء، فانصرف إليهم عبدُ الله في ثلاثين فارسًا، فاقتتلوا ساعة، وامتنع القومُ منهم؛ وقال أصحاب سعد لسعد: ما تريد من قتال هؤلاء ولم يأتك فيهم أمر! خلّهم فليذهبوا، واكتب إلى أمير المؤمنين، فإنْ أمَرَك باتّباعهم اتَّبعتَهم، وإن كَفاكَهُم غيرُك كان في ذلك عافية لك. فأبى عليهم، فلما جَنّ عليهم الليلُ؛ خرج عبد الله بن وهب، فعَبَر دجلة إلى أرض جُوخَى، وسار إلى النهروان، فوصل إلى أصحابه وقد أيِسُوا منه، وقالوا: إن كان هلك؛ ولَّيْنا الأمرَ زَيدَ بن حصين، أو حُرقوص بن زهير، وسار جماعة من أهل الكوفة يريدون الخوارج ليكونوا معهم، فردّهم أهلوهم كَرْهًا، منهم: القعقاع بن قيس الطائيّ عمّ الطِّرِمّاح بن حكيم، وعبد الله بن حكيم بن عبد الرحمن البكّائيُّ، وبلغ عليًّا: أن سالم بن ربيعة العبسيّ يريد الخروج، فأحضره عنده، ونهاه فانتهى. ولما خرجت الخوارج من الكوفة؛ أتى عليًّا أصحابُه وشيعتُه فبايعوه وقالوا: نحن أولياء مَن واليتَ، وأعداءُ مَن عادَيْت، فشرط لهم فيه سنّة رسولِ الله ﷺ،فجاءه ربيعة بن أبي شدّاد الخثعمي - وكان شهد معه الجمل وصِفَين، ومعه راية خَثْعَم - فقال له: بايع على كتاب الله وسنّةِ رسولِ الله ﷺ؛ فقال ربيعة: على سُنَّة أبي بكر وعمر؛ قال له عليّ: ويلك! لو أن أبا بكر وعمرَ عَمِلا بغير كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ لم يكونا على شيء من الحقِّ، فبايعه، فنظر إليه على وقال: أما والله لكأني بك وقد نفرتَ مع هذه الخوارج فقُتلت، وكأني بك وقد وطئتْك الخيل بحوافرها، فقُتِل يوم النَّهر مع خَوارج البصرة. وأما خوارج البصرة؛ فإنهم اجتمعوا في خمسمئة رجل، وجعلوا عليهم مسعر بن فَدَكيّ التميميّ، فعلم بهم ابن عبالص، فأتبعهم أبا الأسود الدُّؤليَّ، فلحقهم بالجسر الأكبر، فتواقفوا حتى حجز بينهم الليل، وأدلجَ مسعر بأصحابه، وأقبل يعترِض الناس وعلى مقذَمته الأشرسُ بنُ عوف الشيبانيّ، وسار حتى لحق بعبد الله بن وهب بالنّهر، فلما خرجت الخوارجُ، وهَرَب أبو موسى إلى مكة، وردَّ عليٌّ ابن عباس إلى البصرة؛ قام في الكوفة فخطبهم فقال: الحمد لله وإن أتى الدّهرُ بالخطب الفادح، والحَدَثان الجليل، وأشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا رسول الله؛ أما بعد: فإن المعصية تورِث الحسرة، وتُعقِب الندم، وقد كنت أمرتُكم في هذين الرَّجلين وفي هذه الحكومة أمري، ونَحَلْتكم رأي، لو كان لقصيرٍ أمر! ولكن أبيتم إلا ما أردتم، فكنتُ أنا وأنتم كما قال أخو هوازن: أَمَرْتُهُمُ أَمري بمُنْعَرَجِ اللِّوَى ... فلم يَسْتَبينوا الرُّشْدَ إلا ضُحَى الغَدِ ألا إنّ هذين الرجلين اللذين اخترتموهما حَكَمين قد نَبذَا حكم القرآن وراء ظهورهما، وأحييَا ما أماتَ القرآن، واتّبع كل واحد منهما هَواه بغير هدىً من الله، فحَكَما بغير حجّة بيتة، ولا سُنّة ماضية، واختَلَفا في حكمهما، وكلاهما لم يرشد، فبرئ اللهُ منهما ورسولُه وصالحُ المؤمنين. استعِدّوا وتأهّبوا للمسير إلى الشأم، وأصبِحوا في لمعسكركم إن شاء الله يوم الإثنين، ثم نزل. وكتب إلى الخوارج بالنهر: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله على أمير المؤمنين، إلى زيد بن حصين وعبد الله بن وهب ومن معهما من الناس. أمّا بعد، فإن هذين الرجلين اللذَين ارتضيْنا حكمَهما قد خالفا كتابَ الله، واتّبعاأهواءهما بغير هدىً من الله، فلم يَعمَلا بالسنّة، ولم ينفِّذا للقرآن حُكمًا، فبرئ الله ورسولُه منهما والمؤمنون! فإذا بلغكم كتابي هذا فأقبلوا فإنا سائرون إلى عدوّنا وعدوّكم، ونحن على الأمر الأوّل الذي كنا عليه. والسلام. وكتبوا إليه: أمّا بعد؛ فإنّك لم تغضب لربّك، إنما غضبتَ لنفسك، فإن شهدتَ على نفسك بالكفر، واستقبلتَ التوبة؛ نظرنا فيما بيننا وبينك، وإلا فقد نابَذْناك على سواء ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]، فلما قرأ كتابهم أيس منهم، فرأى أن يدَعَهم ويمضيَ بالناس إلى أهل الشأم حتى يلقاهم فيناجزهم (١). (٥: ٧٤/ ٧٥/ ٧٦/ ٧٨). ١١٥٩ - قال أبو مخنف: عن المعلّى بن كُليب الهمْدانيّ، عن جبر بن نَوْف أبي الودّاك الهمْدانِيّ: إن عليًّا لما نزل بالنُّخَيلة، وأيس من الخوارج؛ قام فحمِد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإنه من ترك الجهاد في الله، وأدْهن في أمره كان على شَفا هُلْكِه إلا أن يتداركَه الله بنعمة، فاتقوا الله، وقاتِلوا من حاد الله، وحاوَلَ أن يطفئ نورَ الله، قاتلوا الخاطئين الضالين، القاسطين المجرمين، الذين ليسوا بقرّاء للقرآن، ولا فقهاءَ في الدين، ولا علماءَ في التأويل، ولا لهذا الأمر بأهل سابقة في الإسلام، والله لو ولّوا عليكم، لعملوا فيكم بأعمال كِسْرى وهِرَقل، تيسّروا، وتهيّؤوا للمسير إلى عدوِّكم من أهل المغرب، وقد بعثنا إلى إخوانكم من أهل البصرة ليقدموا عليكم، فإذا قَدموا، فاجتمعتم؛ شخصْنا إن شاء الله، ولا حول ولا قوّة إلا بالله. وكتب عليّ إلى عبد الله بن عباس مع عتبة بن الأخنس بن قيس من بني سعد بن بكر: أمّا بعد، فإنا قد خرجنا إلى معسكرنا بالنُّخيلة، وقد أجمعْنا على المسير إلى عدوّنا من أهل المغرب، فاشخص بالناس حتى يأتيَك رسولي، وأقم حتى يأتيك أمري، والسلام. فلما قدم عليه الكتاب؛ قرأه على الناس، وأمرهم بالشخوص مع الأحنف بن قيس، فشخص معه منهم ألفٌ وخمسمئة رجل، فاستقلّهم عبد الله بن عبّاس، فقام في الناس، فحمِد الله وأثْنَى عليه ثم قال: أما بعد يا أهل البصرة! فإنهجاءني أمرُ أميرِ المؤمنين يأمرني بإشخاصكم، فأمرتُكم بالنَّفير إليه مع الأحنف بن قيس، ولم يَشخَص معه منكم إلا ألف وخمسمئة، وأنتم ستون ألفًا سوى أبنائكم وعبدانكم ومواليكم! ألا انفِروا مع جارية بنِ قدامة السعديّ، ولا يجعلَنّ رجلٌ على نفسه سبيلًا، فإني مُوقع بكلّ من وجدتُه متخلِّفًا عن مكتبه، عاصيًا لإمامه، وقد أمرت أبا الأسود الدُّؤَليّ بحشْركم، فلا يَلُمْ رجل جعل السبيل على نفسه إلا نفسَه. فخرج جارية فعسكر، وخرج أبو الأسود فحشر الناس، فاجتمع إلى جارية ألف وسبعمئة، ثم أقبل حتى وافاه عليٌّ بالنُّخَيلة، فلم يزل بالنُّخَيلة حتى وافاه هذان الجيشان من البَصرة ثلاثة آلاف ومئتا رجل، فجمع إليه رؤوس أهل الكوفة، ورؤوس الأسباع، ورؤوس القبائل، ووجوه الناس. فحمِد الله وأثْنَى عليه، ثم قال: يا أهلَ الكوفة! أنتم إخواني، وأنصاري، وأعواني على الحق، وصَحَابتِي على جهاد عدوّي المحلّين بكم، أضرب المدْبِر، وأرجو تمام طاعة المقْبِل، وقد بعثتُ إلى أهل البصرة فاستنفرتُهم إليكم، فلم يأتني منهم إلا ثلاثة آلاف ومئتا رجل، فأعينوني بمناصحة جليّة خليّة من الغشّ، إنكم ... مَخرَجنا إلى صفين، بل استجمعوا بأجمعكم، وإني أسألكم أن يكتب لي رئيس كلّ قوم ما في عشيرته من المقاتلة وأبناء المقاتِلة الذين أدركوا القتال، وعبدان عشيرته، ومواليهم، ثم يرفع ذلك إلينا. فقام سعيد بن قيس الهمْدانيّ، فقال: يا أمير المؤمنين! سمعًا وطاعة، وودًّا ونصيحة، أنا أوّل الناس جاء بما سألت، وبما طلبت، وقام معقل بن قيس الرّياحيّ فقال له نحوًا من ذلك، وقام عديّ بن حاتم وزياد بن خصَفة وحُجْر بن عديّ، وأشراف الناس والقبائل فقالوا مِثلَ ذلك. ثمّ إن الرؤوس كَتبوا مَن فيهم، ثم رفعوهم إليه، وأمروا أبناءهم وعبيدهم ومواليَهم أن يخرجوا معهم، وألّا يتخلّف منهم عنهم أحد، فرفعوا إليه أربعين ألف مقاتل، وسبعة عشر ألفًا من الأبناء ممن أدرك، وثمانية آلاف من مواليهم وعبيدهم، وقالوا: يا أمير المؤمنين! أمّا مَن عندنا من المقاتِلة وأبناء المقاتلة ممّن قد بلغ الحُلُم، وأطاق القتال، فقد رفعنا إليك منهم ذَوِي القوّة والجَلَد،وأمرْناهم بالشّخوص معنا، ومنهم ضعفاء، وهم في ضِياعنا وأشياءَ مما يُصلحنا. وكانت العرب سبعةً وخمسين ألفًا من أهل الكوفة، ومن مواليهم ومماليكهم ثمانية آلاف، وكان جميع أهل الكوفة خمسة وستين ألفًا، وثلاثة آلاف ومئتي رجل من أهل البصرة، وكان جميع من معه ثمانية وستّين ألفًا ومئتي رجل (١). (٥: ٧٨/ ٧٩/ ٨٠). ١١٦٠ - قال أبو مِخْنَف، عن أبي الصَّلْت التيميّ: إن عليًّا كتب إلى سعد بن مسعود الثَّقَفِي - وهو عامله على المدائن: أما بعد، فإني قد بعثتُ إليك زيادَ بنَ خَصَفة فأشخص معه مَن قِبَلك من مقاتِلة أهل الكوفة، وعجّل ذلك إن شاء الله ولا قوّة إلا بالله. قال: وبلغ عليًّا: أنَّ الناس يقولون: لو سارَ بنا إلى هذه الحَروريّة فبدأنا بهم، فإذا فرغنا منهم؛ وجّهنا من وجّهنا ذلك إلى المُحِلّين! فقام في الناس فحمِد الله وأثْنَى عليه، ثم قال: أما بعد، فإنه قد بلغني قولُكم: لو أنّ أمير المؤمنين سار بنا إلى هذه الخارجة التي خرجتْ عليه فبدأنا بهم، فإذا فرغنا منهم؛ وجهنا إلى المحِلّين؛ وإن غير هذه الخارجة أهمّ إلينا منهم، فدعوا ذكرَهم، وسيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا جبّارين ملوكًا، ويتّخذوا عباد الله خَوَلًا. فتنادَى الناسُ من كلّ جانب: سْر بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت، قال: فقام إليه صيفيّ بن فَسيل الشيبانيّ، فقال: يا أميرَ المؤمنين! نحن حِزبُك وأنصارُك، نعادي من عاديت، ونشايع من أناب إلى طاعتك، فسِر بنا إلى عدوّك؛ من كانوا وأينما كانوا؛ فإنك إن شاء الله لن تُؤتَى من قلّة عَدَد، ولا ضعف نيّةِ أتباع، وقام إليه مُحرِز بن شهاب التميميّ من بني سعد فقال: يا أمير المؤمنين، شيعتك كقلْبِ رجل واحد في الإجماع على نُصْرتك، والجدّ في جهاد عدوّك، فأبْشِر بالنصر، وسِرْ بنا إلى أيّ الفريقين أحببت، فإنّا شيعتك الذين نرجو في طاعتك وجهاد من خالَفك صالحَ الثواب، ونَخاف في خذلانكوالتخلّف عنك شدّةَ الوبال (١). (٥: ٨٠/ ٨١). ١١٦١ - قال أبو مخنف: حدّثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن عوف، قال: لما أراد عليّ المسيرَ إلى أهل النهر من الأنبار، قدّم قيس بن سعد بن عُبادة وأمره أن يأتيَ المدائنَ فينزلَها حتى يأمرَه بأمره، ثم جاء مقبِلًا إليهم، ووافاه قيس، وسعد بن مسعود الثقفى بالنّهر، وبعث إلى أهل النّهر: ادفعوا إلينا قَتَلة إخواننا منكم نقتلهم بهم، ثم أنا تارككم، وكافّ عنكم حتى ألقَى أهلَ الشأم؛ فلعلّ الله يقلِّب قلوبَكم، ويردكم إلى خير مما أنتم عليه من أمركم، فبعثوا إليه، فقالوا: كلنا قَتَلَتهُم، وكلنا نستحلّ دماءهم ودماءَكم (٢). (٥: ٨٣). ١١٦٢ - قال أبو مِخْنف: فحدّثني الحارث بن حَصيرة عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكنود: أن قيس بن سعد بن عبادة قال لهم: عباد الله! أخرِجوا إلينا طِلبتَنَا منكم، وادخلوا في هذا الأمر الذي منه خرجتم، وعودوا بنا إلى قتال عدوّنا وعدوّكم، فإنكم ركبتُم عظيمًا من الأمر، تشهدون علينا بالشِّرْك، والشِّرْك ظلمٌ عظيم، وتسفكون دماءَ المسلمين، وتعدّونهم مشركين! فقال عبد الله بن شجرة السُّلَميّ: إن الحقّ قد أضاء لنا، فلسنا نتابعكم، أو تأتونا بمثلِ عمر! فقال: ما نعلمه فينا غير صاحبنا، فهل تعلمونه فيكم؟ وقال: نشدتكم بالله في أنفسكم أن تُهلكوها، فإنّي لأرى الفتنةَ قد غلبتْ عليكم! . وخطَبَهم أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاريّ؛ فقال: عبادَ الله! إنّا وإيّاكم على الحال الأولى التي كنا عليها، ليست بيننا وبينكم فُرْقة، فعلام تقاتلوننا؟ ! فقالوا: إنا لو بايعناكم اليوم حكّمتم غدًا، قال: فإنِّي أنشُدكم الله أن تعجّلوا فتنة العام مخافةَ ما يأتي في قابل (٣)! (٥: ٨٣/ ٨٤). ١١٦٣ - قال أبو مخنف: حدّثني مالك بن أعيَن عن زيد بن وهب: أن عليًّا أتى أهلَ النّهر، فوقف عليهم فقال: أيّتها العصابة التي أخرجَتْها عداوةُ المِراء واللَّجاجة، وصدّها عن الحقّ الهَوَى، وطمح بها النَّزَق، وأصبحتْ في اللّبس،والخطب العظيم! إني نذيرٌ لكم أن تُصبِحوا تُلفيكم الأمّة غدًا صَرْعَى بأثناء هذا النّهر، وبأهضام هذا الغائط، بغير بيِّنة من ربّكم، ولا برهان بيِّن، ألم تعلموا: أنّي نهيتُكم عن الحكومة، وأخبرتكم: أنّ طلب القوم إيّاها منكم دَهْن ومكيدة لكم! ونبّأتكم أن القوم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، وأني أعرَفُ بهم منكم، عرفتُهم أطفالًا ورجالًا، فهم أهلُ المكَر والغَدْر، وأنكم إن فارقتم رأيي جانبتم الحزم! فعصيتموني، حتى أقررت بأن حَكَّمْتُ، فلما فعلت شرطت واستوثقت، فأخذت على الحَكَمين أن يُحييا ما أحيَا القرآن، وأن يُميتَا ما أماتَ القرآن، فاختلَفَا، وخالَفا حكم الكتاب والسنة، فنبذنا أمرَهما، ونحن على أمرنا الأوّل، فما الذي بكم؟ ومن أين أتيتم! قالوا: إنا حكَّمنا، فلمّا حكَمنا أثِمنا، وكنا بذلك كافرين، وقد تُبْنا فإن تبتَ كما تبنا فنحنُ منك ومعك، وإن أبيتَ فاعتزِلْنا فإنا منابِذُوك على سَواء ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]، فقال عليّ: أصابكم حاصب، ولا بقي منكم وابر! أبعْدَ إيماني برسول الله ﷺ وهجرتي معه، وجهادي في سبيل الله، أشهد على نفسي بالكُفر؟ ! لـ ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦] قد ضللتُ إذًا وما أنا من المهتدين. ثم انصرف عنهم (١). (٥: ٨٤). ١١٦٤ - قال أبو مخنف: حدّثني أبو سَلَمة الزُّهريّ - وكانت أمّه بنت أنَس بن مالك -: أنّ عليًّا قال لأهل النّهر: يا هؤلاء! إنّ أنفسكم قد سوّلت لكم فراقَ هذه الحكومة التي أنتم ابتدأتموها وسألتموها وأنا لها كارهٌ، وأنبأتكم: أنّ القوم سألوكُمُوها مكيدةً ودَهنًا، فأبيتم عليَّ إباءَ المخالِفين، وعدلتم عنّي عدولَ النكَداء العاصِين، حتى صرفت رأي إلى رأيكم، وأنتم والله معاشر أخفَّاء الهام، سُفَهاء الأحلام، فلم آتِ - لا أبا لكم - حرامًا، والله ما خبلتُكَم عن أموركم، ولا أخفيتُ شيئًا من هذا الأمر عنكم، ولا أوطأتكم عَشْوة، ولا دَنّيتُ لكم الضَّرّاء! وإن كان أمرُنا لأمرِ المسلمين ظاهرًا؛ فأجمَعَ رأي مَلَئِكم على أن اختاروا رجلين، فأخذْنا عليهما أن يَحكما بما في القرآن ولا يَعدُواه، فَتَاها وتركا الحقَّ وهما يُبصِرانه، وكان الجوْر هَواهما، وقد سبق استيثاقُنا عليهما في الحكم بالعدل، والصدّ للحقّ سوءَ رأيهما، وجَوْر حكمهما، والثقة في أيدينا لأنفسناحين خالفا سبيلَ الحق، وأتيا بما لا يعرف، فبيّنوا لنا بماذا تستحلّون قتالنا، والخروجَ من جماعتنا؟ ! إن اختار الناس رجلين أن تضعوا أسيافَكم على عواتقكم، ثم تَستعرضوا الناس، تضربون رقابَهم، وتَسفِكون دماءهم! إنّ هذا لهو الخسران المبين. والله لو قتلتم على هذا دجاجة لَعَظُم عند الله قتلها، فكيف بالنفس التي قتْلُها عند الله حرامٌ؟ ! فتنادَوا: لا تُخاطبوهم، ولا تكلّموهم، وتهيّؤوا للقاء الربّ، الرّواحَ الرّواحَ إلى الجنَّة! فخرج عليٌّ فعبّأ الناس، فجعل على ميمنته حُجْر بن عديّ، وعلى ميسرته شَبَث بن رِبْعيّ - أو معقِل بن قيس الرّياحيّ - وعلى الخيل أبا أيوب الأنصاريّ، وعلى الرّجالة أبا قَتادة الأنصاريّ، وعلى أهل المدينة - وهم سبعمئة أو ثمانمئة رجل - قيس بن سعد بن عُبادة. قال: وعبّأت الخوارج، فجعلوا على ميمنتهم زيد بن حُصَين الطائيّ، وعلى الميسرة شُريح بن أوفَى العبسيّ، وعلى خيلهم حمزة بن سنان الأسَديّ، وعلى الرّجالة حُرقوص بن زُهير السعديّ. قال: وبعث عليّ الأسود بن يزيد المُراديّ في ألفي فارس؛ حتى أتى حمزة بن سنان وهو في ثلاثمئة فارس من خيلهم، ورفع عليٌّ رايةَ أمان مع أبي أيوب، فناداهم أبو أيوب: مَن جاء هذه الرّاية منكم ممّن لم يقتل، ولم يستعرض فهو آمِن، ومَن انصرف منكم إلى الكُوفة أو إلى المدائن وخرج من هذه الجماعة فهو آِمِن، إنّه لا حاجة لنا بعد أن نصيب قَتلةَ إخواننا منكم في سفك دمائكم. فقال فرْوة بن نوفل الأشجعيّ: والله ما أدري على أيّ شيء نقاتل عليًّا! لا أرى إلا أن أنْصرف حتى تنفذ لي بصيرتي في قتاله أو اتّباعه. وانصرف في خمسمئة فارس، حتى نزل البَنْدَنيجَيْن، والدَّسْكرة، وخرجت طائفةٌ أخرى متفرّقين فنزلت الكوفة، وخرج إلى عليّ منهم نحو من مئة، وكانوا أربعة آلاف، فكان الذين بقُوا مع عبد الله بن وهب منهم ألفين وثمانمئة، وزحفوا إلى عليّ، وقدّم عليّ الخيلَ دون الرجال، وصفّ الناس وراء الخيل صَفّين، وصَفّ المرامية أمامَ الصفّ الأوّل، وقال لأصحابه: كفّوا عنهم حتى يبدؤوكم، فإنهم لو قد شدّوا عليكم - وجُلّهم رجال - لم ينتهوا إليكم إلا لاغِبين وأنتم رادّون حامُون، وأقبلت الخوارج، فلما أن دنَوا من الناس نادَوا يزيد بن قيس، فكان يزيد بن قيس علىأصبهان. فقالوا: يا يزيد بن قيس! لا حُكْمَ إلّا لله، وإن كرهتْ أصبهان! فناداهم عباس بن شريك وقَبيصة بن ضبَيعة العبسيّان: يا أعداء الله! أليس فيكم شُرَيح بن أوفى المسرِف على نفسه؟ هل أنتم إلا أشباهه؟ ! قالوا: وما حجّتكم على رجل كانت فيه فتنة، وفينا توبة! ثمّ تنادَوا: الرّواحَ الرّواحَ إلى الجنّة! فشَدّوا على الناس والخيل أمام الرجال، فلم تثبت خيل المسلمين لشدّتهم، وافترقتْ الخيل فرقتين: فِرقة نحو الميمنة، وأخرى نحو الميسرة، وأقبلوا نحو الرجال، فاستقبلتْ المرامية وجوهَهم بالنّبْل، وعطفتْ عليهم الخيل من الميمنة والميسرة، ونهض إليهم الرّجال بالرّماح والسيوف، فوالله ما لَبَّثوهم أن أناموهم، ثم إنّ حمزة بن سنان صاحبَ خيلهم لما رأى الهلاك نادى أصحابه أن انزِلوا، فذهبوا لينزِلوا فلم يتقارّوا حتى حمل عليهم الأسود بن قيس المراديّ، وجاءتهم الخيل من نحو عليّ، فأهمِدوا في الساعة (١). (٥: ٨٤/ ٨٥/ ٨٦). ١١٦٥ - قال أبو مخنف: فحدّثني عبد الملك بن مسلم بن سلام بن ثُمامة الحنفيّ عن حكيم بن سعد، قال: ما هو إلّا أنْ لقينا أهلَ البصرة، فما لبّثناهم، فكأنما قيل لهم: موتوا؛ فماتوا قبل أن تشتدّ شوكتهم، وتعظمَ نكايتُهم (٢). (٥: ٨٧). ١١٦٦ - قال أبو مخنف: فحدّثني أبو جَناب: أنّ أبا أيّوب أتى عليًّا، فقال: يا أمير المؤمنين! قتلتُ زيدَ بن حُصين، قال: فما قلتَ له وما قال لك؟ قال: طعنتُه بالرّمح في صدره حتى نجمَ من ظهره، قال: وقلتُ له: أبشر يا عدوّ الله بالنار! قال: ستعلم أيُّنا أولَى بِها صِليًّا. فسكت عليٌّ عليها (٣). (٥: ٨٧). ١١٦٧ - قال أبو مِخنف، عن أبي جَناب: إنْ عليًّا قال له: هو أوْلى لها صِليًّا، قال: وجاء عائذ بن حملة التميميّ، فقال: يا أميرَ المؤمنين! قتلتُ كلابًا، قال: أحسنت! أنت محِقّ قتلتَ مُبطِلًا. وجاء هانئ بن خطاب الأرْحَبيّ، وزياد بن خَصَفة يحتجّان في قتل عبد الله بن وهب الراسبيّ، فقال لهما: كيف صنعتما؟ فقالا: يا أمير المؤمنين! لما رأيناه عرفناه، وابتدرناه فطعنّاه برمْحَيْنا،فقال عليّ: لا تختلفا، كلاكُما قاتِل. وشدّ جيش بن ربيعة أبو المعتمر الكنانيّ على حُرقوص بن زهير فقَتلَه، وشدّ عبد الله بن زَحْر الخَوْلانيّ على عبد الله بن شَجرَة السُلمِيّ فقتله، ووقع شريحٍ بن أوفَى إلى جانب جدار، فقاتل على ثُلْمة فيه طويلًا من نَهار، وكان قَتَل ثلاثةً من هَمْدان، فأخذ يرتجِز ويقول: قد عَلِمَتْ جارِيَةٌ عَبْسِيَّهْ ... ناعِمَةٌ في أَهَلِها مَكْفِيَّهْ أَنِّي سَأَحْمي ثُلْمَتِي العَشِيَّهْ فشدّ عليه قيسُ بن معاوية الدُّهنِيّ، فقطع رجلَه، فجعل يقاتلهم، ويقول: * القَرْمُ يحْمي شَوْلهُ مَعْقولَا * ثم شدّ عليه قيس بن معاوية فقتله، فقال الناس: اقتَتَلَتْ هَمْدانُ يَوْمًا ورَجُلْ ... اقتَتَلوا مِنْ غُدْوة حتى الأصُلْ * فَفتحَ الله لَهمْدانَ الرَّجُلْ * وقال شُريح: أَضْربُهُمْ وَلوْ أَرَى أَبا حَسَنْ ... ضَرَبْتُهُ بالسيفِ حتى يَطْمَئنّ وقال: أَضرِبُهُمْ ولو أَرَى عَليًّا ... أَلْبَسْتُهُ أَبْيَضَ مَشْرَفيَّا (١) (٥: ٨٧/ ٨٨). ١١٦٨ - قال أبو مخنف: حدّثني عبد الملك بن أبي حرّة: أنّ عليًّا خرج في طلب ذي الثُّدَيّة ومعه سليمان بن ثُمامة الحنفيّ أبو جَبْرة، والرّيان بن صبرة بن هَوْذة، فوجده الرّيان بن صبرة بن هَوْذة في حُفرة على شاطئ النهر في أربعين أو خمسين قتيلًا، قال: فلما استُخرِج نظر إلى عَضُدِه، فإذا لحم مجتمع على منكبِه كثَدْي المرأة، له حَلَمة عليها شَعَرات سُود، فإذا مُدّت امتدّت حتى تحاذى طول يده الأخرى، ثم تُترك فتعود إلى منكبه كثدي المرأة، فلما استُخرج قال عليّ: الله أكبر! والله ما كذَبتُ، ولا كُذِبت، أما والله لولا أن تنكلوا عن العمل، لأخبرتُكم بما قضى الله على لسان نبيّه ﷺ لمن قاتلهم مستبصرًا في قتالهم، عارفًا للحقّ الذي نحن عليه. قال: ثم مرَّ وهم صرعَى فقال: بؤسًا لكم! لقد ضرّكم مَنغرّكم؛ فقالوا: يا أمير المؤمنين! مَن غرّهم؟ قال: الشيطان، وأنفسٌ بالسوء أمّارة، غرّتهم بالأمانيّ، وزيّنتْ لهم المعاصي، ونبّأتهم أنهم ظاهرون، قال: وطلِب مَن به رَمَق منهم فوجدناهم أربعمئة رجل، فأمر بهم عليّ فدُفِعوا إلى عشائرهم، وقال: احمِلوهم معكم فداوُوهم، فإذا بَرِئوا فوافُوا بهم الكوفة، وخذوا ما في عسكرهم من شيء. قال: وأما السلاح والدّوابّ وما شهدوا به عليه الحرب فقسَّمه بين المسلمين، وأما المتاع والعبيد والإماء فإنه حين قدم ردّه على أهله، وطلب عديّ بن حاتم ابنه طَرفة فوجده، فدَفَنه، ثم قال: الحمد لله الذي ابتلاني بيومك على حاجتي إليك، ودَفَن رجالٌ من الناس قَتْلاهم، فقال أمير المؤمنين حين بلغه ذلك: ارتحِلِوا إذًا، أتقتلونهم ثم تدفنونهم! فارتحل الناس (١). (٥: ٨٨/ ٨٩). ١١٦٩ - قال أبو مِخنف عن مجاهد، عن المحِلّ بن خليفة: أنّ رجلًا منهم من بني سَدوس يقال له: العَيْزار بن الأخنس كان يرى رأيَ الخوارج، خرج إليهم، فاستقبل وراء المدائن عديّ بن حاتم، ومعه الأسود بن قيس، والأسود بن يزيد المُراديّان، فقال له العيزار حين استقبلَه: أسالمٌ غانم، أم ظالمٌ آثم؟ فقال عديّ: لا، بل سالمٌ غانم، فقال له المراديّان: ما قلت هذا إلا لشرّ في نفسك، وإنك لنعرفك يا عَيزار برأي القوم، فلا تفارِقنا حتى نذهب بك إلى أمير المؤمنين فنخبرَه خبرَك. فلم يكن بأوشَكَ أن جاء عليّ فأخبرَاه خبَره، وقالا: يا أميرَ المؤمنين! إنه يرى رأيَ القوم، قد عرفْناه بذلك، فقال: ما يحِلّ لنا دمه، ولكنا نحبسه، فقال عديّ بن حاتم: يا أميرَ المؤمنين! ادفَعْه إليّ وأنا أضمن ألّا يأتيَك مِن قبَله مكروه، فدَفَعَه إليه (٢). (٥: ٨٩). ١١٧٠ - قال أبو مخنف: حدّثني عمران بن حُدير عن أبي مِجْلز، عن عبد الرحمن بن جندب بن عبد الله أنه لم يقتَل من أصحاب عليّ إلا سبعة (٣). (٥: ٨٩).١١٧١ - قال أبو محْنف عن نُمَير بن وَعْلة اليناعيّ، عن أبي دَرْداء، قال: كان عليّ لما فرغ من أهل النهروان حَمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنّ الله قد أحسَن بكم، وأعزّ نصركم، فتوجّهوا من فَوْركم هذا إلى عدوّكم، قالوا: يا أمير المؤمنين! نفدَتْ نبالنا، وكَلّت سيوفُنا، ونصَلْت أسنّة رماحِنا، وعاد أكثرها قِصَدًا، فارجع إلى مِصرنا، فلنستَعدّ بأحسن عدّتنا، ولعلّ أمير المؤمنين يزيد في عُدّتنا عُدّة من هلك منا، فإنه أوفى لنا على عدوّنا، وكان الذي تولى ذلك الكلام الأشعث بن قيس، فأقبل حتى نزل النّخَيلة، فأمر الناسَ أن يلزموا عسكرَهم، ويوطّنوا على الجهاد أنفسَهم، وأن يُقلّوا زيارةَ نسائهم وأبنائهم حتَّى يسيروا إلى عدوّهم، فأقاموا فيه أيامًا، ثم تسلّلوا من معسكرهم، فدخلوا إلا رجالًا من وجوه الناس قليلًا، وتُرك العسكر خاليًا، فلما رأى ذلك دخل الكوفة، وانكسر عليه رأيُه في المسير (١). (٥: ٨٩/ ٩٥). ١١٧٢ - قال أبو مخنف عمّن ذكره، عن زيد بن وهب: إنّ عليًّا قال للناس - وهو أوّل كلام قاله لهم بعد النّهر -: أيّها الناس! استعدّوا للمسير إلى عدوّ في جهاده القُربة إلى الله ودرَك الوسيلة عنده، حيارَى في الحقّ، جُفاة عن الكتاب، نُكُبٌ عن الدّين، يَعمَهون في الطّغيان، ويُعْكَسون في غَمْرة الضلال، فأعِدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل، وتوكّلوا على الله، وكفى بالله وكيلًا، وكفى بالله نصيرًا! قال: فلا هم نفروا ولا تيسّروا، فتركهم أيامًا حتى إذا أيس من أن يفعلوا، دعا رؤساءهم ووجوهَهم، فسألهم عن رأيهم، وما الذي يُنظرهم، فمنهم المعتلّ، ومنهم المكرَه، وأقلّهم من نَشِط، فقام فيهم خطيبًا، فقال: عبادَ الله! ما لكم إذا أمرتُكم أن تنفِروا اثّاقلتم إلى الأرض! أرَضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة، وبالذّلّ والهوان من العِزّ! أوَ كلّما ندبتُكم إلى الجهاد دارت أعينكم كأنكم من الموت في سَكْرة، وكأنّ قلوبكم مألوسة فأنتم لا تعقلون! وكأن أبصاركم كُمْه فأنتم لا تُبصِرون. لله أنتم! ما أنتم إلا أسُود الشرَى في الدَّعة، وثعالبُ رَوّاغة حين تُدْعَوْن إلى البأس. ما أنتم لي بثقة سَجيسَ الليالي،ما أنتم برَكْب يُصالُ بكم، ولا ذي عِزّ يُعتصَم إليه، لَعمرُ الله، لبئس حُشَّاش الحرب أنتم! إنكم تُكادون ولا تكيدون، ويتنقّص أطرافكم ولا تتحاشوْن، ولا يُنام عنكم وأنتم في غفلةٍ ساهون؛ إن أخا الحَرب اليَقْظان ذو عقل، وبات لذلّ مَن وادَع، وغلب المتجادلون، والمغلوب مقهور ومسلوب، ثم قال: أما بعد، فإنّ لي عليكم حقًّا، وإن لكم عليَّ حقًّا، فأمّا حقكم عليّ فالنّصيحة لكم ما صحبتُكم، وتوفيرُ فَيئكم عليكم، وتعليمُكم كيما لا تجهلوا، وتأديبُكم كي تَعلَّموا؛ وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة، والنصح لي في الغيب والمشهد، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم، فإن يُرِد اللهُ بكم خيرًا؛ انتزعتم عما أكره، وتَراجَعوا إلى ما أحِبّ، تنالوا ما تَطلُبون، وتُدرِكوا ما تأمُلون (١). (٥: ٩٠/ ٩١). ١١٧٣ - وذكر عليّ بن محمد عن عبد الله بن ميمون، عن عمرو بن شُجَيرة، عن جابر، عن الشعبيّ، قال: بعث عليٌّ بعدما رجع من صِفين جَعْدة بن هبيرة المخزوميّ، وأمّ جعدة أمّ هانئ بنت أبي طالب - إلى خُراسان، فانتهى إلى أبْرشهر؛ وقد كَفَروا وامتنعوا، فقدم على عليّ، فبعث خُليد بن قرّة اليربوعيّ، فحاصر أهل نَيْسابور حتى صالحوه، وصالحه أهلُ مرْو (٢). (٥: ٩٢).

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Critical assessments

  • Da'IfDa'If

    بصِرانه، وكان الجوْر هَواهما، وقد سبق استيثاقُنا عليهما في الحكم بالعدل، والصدّ للحقّ سوءَ رأيهما، وجَوْر حكمهما، والثقة في أيدينا لأنفسناحين خالفا سبيلَ الحق، وأتيا بما لا يعرف، فبيّنوا لنا بماذا تستحلّون قتالنا، والخروجَ من جماعتنا؟ ! إن اختار الناس رجلين أن تضعوا أسيافَكم على عواتقكم، ثم تَستعرضوا الناس، تضربون رقابَهم، وتَسفِكون دماءهم! إنّ

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Da'IfDa'If

    في القرآن ولا يَعدُواه، فَتَاها وتركا الحقَّ وهما يُبصِرانه، وكان الجوْر هَواهما، وقد سبق استيثاقُنا عليهما في الحكم بالعدل، والصدّ للحقّ سوءَ رأيهما، وجَوْر حكمهما، والثقة في أيدينا لأنفسناحين خالفا سبيلَ الحق، وأتيا بما لا يعرف، فبيّنوا لنا بماذا تستحلّون قتالنا، والخروجَ من جماعتنا؟ ! إن اختار الناس رجلين أن تضعوا أسيافَكم على عواتقكم، ث

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Da'IfDa'If

    لى نفسه؟ هل أنتم إلا أشباهه؟ ! قالوا: وما حجّتكم على رجل كانت فيه فتنة، وفينا توبة! ثمّ تنادَوا: الرّواحَ الرّواحَ إلى الجنّة! فشَدّوا على الناس والخيل أمام الرجال، فلم تثبت خيل المسلمين لشدّتهم، وافترقتْ الخيل فرقتين: فِرقة نحو الميمنة، وأخرى نحو الميسرة، وأقبلوا نحو الرجال، فاستقبلتْ المرامية وجوهَهم بالنّبْل، وعطفتْ عليهم الخيل من الميمنة

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • ThiqaThiqa

    قلوبكم مألوسة فأنتم لا تعقلون! وكأن أبصاركم كُمْه فأنتم لا تُبصِرون. لله أنتم! ما أنتم إلا أسُود الشرَى في الدَّعة، وثعالبُ رَوّاغة حين تُدْعَوْن إلى البأس. ما أنتم لي بثقة سَجيسَ الليالي،ما أنتم برَكْب يُصالُ بكم، ولا ذي عِزّ يُعتصَم إليه، لَعمرُ الله، لبئس حُشَّاش الحرب أنتم! إنكم تُكادون ولا تكيدون، ويتنقّص أطرافكم ولا تتحاشوْن، ولا يُنا

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
340247
Book record
shamela-145435
Source record
dedupe:1350:917869
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate
مَا كَانَ من خبر الخوارج عِنْدَ توجيه علي الحكم للحكومة وخبر يوم النهر — shamela-145435 · Hadith Research Library