page 3509, entry [1349]Open original source
اجتماع الحكَمين بدُومة الْجندَل وفي هذه السنة كان اجتماع الحكَمين. ذكر الخبر عن اجتماعهما: ١١٥٠ - قال أبو مخنف: حدّثني المجالد بن سعيد عن الشعبيّ، عن زياد بن النَّضر الحارثيّ: أن عليًّا بحث أربعمئة رجل، عليهم شريح بن هانئ الحارثيُّ، وبحث معهم عبد الله بن عباس، وهو يصلّي بهم، ويلِي أمورَهم، وأبو موسى الأشعريّ معهم، وبعث معاوية عمرَو بن العاص في أربعمئة من أهل الشأم، حتى توافَوْا بدُومة الجندل بأذْرح، قال: فكان معاوية إذا كتب إلى عمرو جاءالرسول وذهب لا يدري بما جاء به، ولا بما رجع به، ولا يسأله أهلُ الشأم عن شيء؛ وإذا جاء رسول عليّ؛ جاؤوا إلى ابن عبَّاس فسألوه: ما كتب به إليك أمير المؤمنين؟ فإن كتَمهم ظنوا به الظنون، فقالوا: ما نُراه كتب إلا بكذا وكذا. فقال ابن عباس: أما تعقلون! أما ترَوْن رسولَ معاوية يجيء لا يعلم بما جاء به، ويرجع لا يعلم ما رجع به، ولا يُسمع لهم صياح ولا لفظ، وأنتم عندي كل يوم تظنُّون الظنون! قال: وشهد جماعَتهم تلك عبدُ الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرّحمن بن الحارث بنِ هشام المخزوميّ، وعبد الرحمن بن عبد يَغوث الزُّهريّ، وأبو جَهْم بن حُذيفة العدويّ، والمغيرة بن شُعبة الثَّقفِيّ، وخرج عمر بن سعد حتى أتى أباه على ماء لبني سُليم بالبادية، فقال: يا أبتِ! قد بلغك ما كان بين الناس بصِفّين، وقد حكم الناسُ أبا موسى الأشعريّ، وعمرَو بنَ العاص، وقد شهدهم نفر من قريش؛ فاشهدهم فإنك صاحبُ رسول الله ﷺ وأحد الشورى، ولم تدخل في شيء كرهتْه هذه الأمة، فاحضُر فإنك أحقّ الناس بالخلافة. فقال: لا أفعل، إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنه تكون فتنةٌ؛ خيرُ الناس فيها الخفيّ التقيّ"، واللهِ لا أشهد شيئًا من هذا الأمر أبدًا. والتقى الحَكَمان، فقال عمرو بن العاص: يا أبا موسى! ألستَ تعلم: أنّ عثمان ﵁ قتل مظلومًا؟ قال: أشهد، قال: ألستَ تعلم: أنّ معاوية وآل معاوية أولياؤه؟ قال: بلى؛ قال: فإن الله ﷿ قال: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾، فما يمنعك من معاوية وليِّ عثمانَ يا أبا موسى، وبيتُه في قريش كما قد علمت؟ فإن تخوّفت أن يقول الناس: ولِيَ معاوية وليست له سابقة؛ فإن لك بذلك حُجَّة؛ تقول: إني وجدته وليّ عثمان الخليفة المظلوم والطالب بدمه، الحسن السياسة، الحسن التدبير، وهو أخو أمّ حبيبة زوجة النبيّ ﷺ، وقد صحبه، فهو أحد الصحابة، ثم عرّض له بالسلطان، فقال: إن وَلي أكرمك كرامةً لم يُكرِمها خليفة، فقال أبو موسى: يا عمرو، اتّق الله ﷿! فأما ما ذكرت من شرَف معاوية فإنّ هذا ليس على الشرف يولّاه أهلُه، ولو كان على الشرت لكان هذا الأسر لآلِ أبْرَهة بن الصّبّاح، إنما هو لأهل الدين والفضل، مع أني لو كنت معطيَه أفضلَ قريش شرفًاأعطيتَه عليَّ بنَ أبي طالب. وأما قولك: إنّ معاوية وليّ دم عثمان فولّه هذا الأمر، فإني لم أكن لأولِّيَه معاوية وأدَعَ المهاجرين الأوّلين، وأما تعريضُك لي بالسلطان، فوالله لو خرج لي من سلطانه كلِّه ما وتَيتُه، وما كنت لأرتشيَ في حكم الله ﷿، ولكنك إن شئت أحيينا اسم عمر بن الخطَّاب (١). (٥: ٦٨/ ٦٧). ١١٥١ - قال أبو مِخْنَف: حدّثني أبو جَناب الكلبيّ، أنه كان يقول: قال أبو موسى: أما والله لئن استطعتُ لأحيينّ اسمَ عمر بن الخطاب ﵁. فقال له عمرو: إن كنت تحبّ بَيعة ابن عمر فما يمنعك من ابني وأنت تعرف فضلَه وصلاحَه! فقال: إنّ ابنك رجل صِدْق، ولكنّك قد غمستَه في هذه الفتنة (٢). (٥: ٦٨). ١١٥٢ - قال أبو مخنف: حدّثني محمد بن إسحاق، عن نافع مولى ابن عمر، قال: قال عمرو بن العاص: إنّ هذا الأمر لا يُصلحه إلّا رجل له ضِرْس يأكل ويطعم، وكانت في ابن عمرَ غفلة، فقال له عبد الله بن الزبير: افطن، فانتبه، فقال عبد الله بن عمر: لا والله لا أرشو عليها شيئًا أبدًا، وقال: يا بن العاص، إنّ العرب أسندتْ إليك أمرَها بعدما تقارعتْ بالسيوف، وتناجزتْ بالرّماح، فلا تُردَّنّهم في فتنة (٣). (٥: ٦٩). ١١٥٣ - قال أبو مخنف: حدّثني النّضر بن صالح العبسيّ، قال: كنت مع شريح بن هانئ في غزوة سِجِسْتان، فحدّثني: أن عليًّا أوصاه بكلمات إلى عَمرو بن العاص، قال: قل له إذا أنت لقيتَه: إنّ عليًّا يقول لك: إنّ أفضلَ الناس عند الله ﷿ من كان العمل بالحقّ أحبّ إليه - وإن نقصَه وكرهه - من الباطل وإن حنّ إليه وزاده. يا عمرو! والله إنك لتعلم أينَ موضع الحقّ، فلم تَجاهل؟ إن أوتيت طمعًا يسيرًا؛ كنتَ به لله وأوليائه عدوًّا، فكأن والله ما أوتيتَ قد زال عنك؛ وَيْحك! فلا تكن للخائنين خصيمًا، ولا للظالمين ظهيرًا، أمَا إني أعلم بيومك الذي أنت فيه نادم، وهو يوم وَفاتك، تَمنَّى أنك لم تُظهِرْ لمسلم عداوةً،ولم تأخذ على حُكم رِشْوة. قال: فبلغتُه ذلك، فتمعّرَ وجهه، ثم قال: متى كنت أقبل مشورة عليّ، أو أنتهي إلى أمره، أو أعتدّ برأيه؟ ! فقلت له: وما يمنعك يا بن النابغة أن تقبل من مولاك وسيّد المسلمين بعد نبيّهم مشورته؟ ! فقد كان من هو خير منك أبو بكر، وعمَر يستشيرانه، ويعمَلان برأيه. فقال: إنّ مِثلي لا يكلّم مثلك، فقلت له: وبأيّ أبويك ترغب عنّي؟ ! بأبيك الوَشِيظ أم بأمّك النابغة؟ ! قال: فقام عن مكانه، وقمت معه (١). (٥: ٦٩/ ٧٠). ١١٥٤ - قال أبو مِخْنف: حدّثني أبو جَناب الكلبي: أنّ عَمرًا، وأبا موسى حيث التقيا بدُومة الجندل، أخذ عَمرو يقدّم أبا موسى في الكلام، يقول: إنك صاحب رسول الله ﷺ وأنت أسنّ مني، فتكلّم وأتكلّم. فكان عمرو قد عوّد أبا موسى أن يقدّمه في كلّ شيء، اغتزى بذلك كله أن يقدّمه فيبدأ بخلع عليّ، قال: فنظر في أمرهما وما اجتَمَعا عليه، فأراده عمرو على معاوية فأبى، وأراده على ابنه فأبى، وأراد أبا موسى عمرًا على عبد الله بن عمر فأبى عليه، فقال له عمرو: خبّرني ما رأيك؟ قال: رأي أن نخلع هذين الرجلين، ونجعل الأمر شورى بين المسلمين، فيختار المسلمون لأنفسهم مَن أحبّوا. فقال له عمرو: فإنّ الرأي ما رأيتَ، فأقبَلا إلى الناس وهم مجتمعون، فقال: يا أبا موسى! أعلِمْهم بأنّ رأينا قد اجتمع واتّفق. فتكلم أبو موسى فقال: إنّ رأي ورأي عمرو قد اتّفق على أمر نرجو أن يُصلِح الله ﷿ به أمرَ هذه الأمة. فقال عمرو: صدق وبرّ، يا أبا موسى! تقدّم فتكلّم، فتقدّم أبو موسى ليتكلم، فقال له ابنُ عباس: وَيْحك! واللهِ إني لأظنه قد خدعك. إن كنتما قد اتفقتما على أمر، فقدّمه فليتكلمْ بذلك الأمر قبلك، ثم تكلّمْ أنتَ بعده، فإنّ عمرًا رجل غادر، ولا آمن أن يكون قد أعطاك الرّضا فيما بينك وبينه، فإذا قمتَ في الناس خالفَك - وكان أبو موسى مغفّلًا - فقال له: إنّا قد اتفقنا. فتقدّم أبو موسى فحمِد الله ﷿ وأثنى عليه ثم قال: أيّها الناس، إنّا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نَرَ أصلح لأمرها، ولا ألمَّ لشَعَثها من أمر قد أجمع رأي ورأي عمرو عليه؛ وهو أن نخلع عليًّا ومعاوية، وتستقبل هذه الأمة هذا الأمر فيوتوا منهم مَنْ أحبوا عليهم، وإني قد خلعت عليًّا ومعاوية، فاستقبلوا أمرَكم. وولّوا عليكم من رأيتموه لهذا الأمر أهلًا؛ ثم تنحّى،وأقبل عمرو بن العاص فقام مَقامه، فحمِد اللهَ وأثنى عليه وقال: إنّ هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبَه، وأنا أخلع صاحبَه كما خلعه، وأثبتُ صاحبي معاوية؛ فإنّه وليّ عثمان بن عفان والطالب بدمه، وأحق الناس بمقامه، فقال أبو موسى: مالك لا وفّقك الله، غدرتَ وفجرتَ! إنما مَثَلك كمثل الكلب إن تَحمِل عليه يَلْهَثْ أو تتركْه يَلْهث. قال عمرو: إنما مَثَلك كمثل الحمار يحمل أسفارًا. وحَمَل شُرَيح بن هانئ على عمرو فقنعه بالسوط، وحَمَل على شُرَيح ابنٌ لعَمرو فضربه بالسوط، وقام الناس فحجزوا بينهم، وكان شُريح بعد ذلك يقول: ما ندمتُ على شيء ندامتي على ضرب عمرو بالسوط ألّا أكون ضربته بالسيف آتيًا به الدّهرُ ما أتى. والتمس أهلُ الشأم أبا موسى، فركب راحلتَه ولحق بمكّة. قال ابن عباس: قبَّح الله رأيَ أبي موسى! حذّرته وأمرته بالرأي فما عقل. فكان أبو موسى يقول: حذّرني ابنُ عباس غَدْرة الفاسق، ولكني اطمأننت إليه، وظننت أنه لن يؤثِر شيئًا على نصيحة الأمة. ثم انصرف عمرو وأهل الشأم إلى معاوية، وسلموا عليه بالخلافة، ورجع ابن عباس وشريح بن هانئ إلى عليّ، وكان إذا صلى الغداة تقنت فيقول: اللهمّ العن معاويَة، وعَمرًا، وأبا الأعوَر السُلَميّ، وحبيبًا، وعبد الرحمن بن خالد، والضحّاك بن قيس، والوليد. فبلغ ذلك معاوية، فكان إذا قَنَت؛ لعَنَ عليًّا، وابن عباس، والأشتر، وحَسَنًا، وحُسينًا. وزعم الواقديّ أن اجتماع الحكَمين كان في شعبان سنة ثمان وثلاثين من الهجرة (١). (٥: ٧٠/ ٧١).