Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين

محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري · page 3528, entry [1351]

صحيح وضعيف تاريخ الطبري — محمد بن طاهر البرزنجي

Open narrator profile: ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين
page 3528, entry [1351]Open original source
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ذكر ما كان فيها من الأحداث ١١٧٤ - فمما كان فيها مَقتَل محمّد بن أبي بكر بمصر، وهو عاملٌ عليها، وقد ذكرنا سببَ تولية عليٍّ إياه مصر، وعزل قيس بن سعد عنها، ونذكر الآن سببَ قتله، وأين قتل؟ وكيف كان أمره؟ ويبدأ بذكرٍ من تتمّة حديث الزّهريّ الذي قد ذكرنا أوّله قبلُ، وذلك ما حدّثنا عبد الله عن يونس، عن الزّهريّ، قال: لما حُدّث قيس بن سعد بمجيء محمد بن أبي بكر، وأنه قادم عليه أميرًا، تلقّاه، وخلَا به، وناجاه، فقال: إنك جئت من عند امرئ لا رأيَ له، وليس عَزْلُكمإيّايَ بمانعي أن أنصح لكم، وأنا مِن أمرِكم هذا على بصيرة، وإني في ذلك على الذي كنت أكايد به معاوية وعمرًا وأهل خِرْبَتا، فكايِدْهم به، فإنك إن تكايدْهم بغيره تَهلِك، ووصف قيس بن سعد المكايدة التي كان يكايدهم بها، واغتشّه محمد بن أبي بكر، وخالف كلّ شيء أمره به. فلما قدم محمد بن أبي بكر وخرج قيس قِبَل المدينة؛ بعث محمد أهلَ مصر إلى خِرْبَتا، فاقتتلوا، فهزِم محمد بن أبي بكر، فبلغ ذلك معاوية وعمرًا، فسارا بأهل الشام حتى افتتحا مصر، وقَتَلا محمد بن أبي بكر، ولم تزل في حيّز معاوية، حتى ظهر، وقدم قيس بن سعد المدينة، فأخافه مروان والأسود بن أبي البَخْتريّ، حتى إذا خاف أن يؤخذ، أو يُقتَل؛ ركب راحلته، وظهر إلى عليّ. فكتب معاوية إلى مرْوان، والأسود يتغيّظ عليهما ويقول: أمددتُما عليًّا بقيس بن سعد، ورأيه، ومكايَدته، فوالله لو أنّكما أمددتُماه بمئة ألفِ مقاتل ما كان بأغيظَ إليّ من إخراجِكما قيسَ بن سعد إلى عليّ، فقدم قيس بن سعد على عليّ، فلما باثَّه الحديثَ، وجاءهم قتلُ محمد بن أبي بكر؛ عرف: أنّ قيس بن سعد كان يوازي أمورًا عظامًا من المكايدة، وأنّ مَن كان يشير عليه بعزل قيس بن سعد لم يَنصَح له. وأمّا ما قال في ابتداء أمرِ محمد بن أبي بكر في مصيرِه إلى مصر وولايتِه إياها أبو مخنف؛ فقد تقدّم ذكرُنا له، ونذكر الآن بقيّة خبره في روايته ما روى من ذلك عن يزيد بن ظَبْيان الهَمْدانيّ، قال: ولما قتل أهل خِرْبَتا ابنَ مضاهم الكلبيّ الذي وجّهه إليهم محمد بن أبي بكر؛ خرج معاوية بن حُديج الكنديّ ثم السَّكونيّ، فدعا إلى الطلب بدم عثمان، فأجابه ناس آخَرون، وفسدتْ مصر على محمد بن أبي بكر، فبلغ عليًّا وثوبُ أهل مصرَ على محمد بن أبي بكر، واعتمادُهم إياه، فقال: ما لمصرَ إلا أحد الرَّجُلين! صاحبنا الَّذي عزَلْناه عنها - يعني: قيسًا - أو مالك بن الحارث - يعني: الأشتر. قال: وكان عليّ حين انصرف من صِفِّين ردّ الأشترَ على عمله بالجزيرة، وقد كان قال لقيس بن سعد: أقم معي على شُرَطِي حتى نفرغ من أمر هذه الحكومة، ثم اخرج إلى أذْرَبيجان؛ فإن قيسًا مقيم مع عليّ على شُرْطته. فلما انقضى أمرُ الحكومة كتب عليّ إلى مالك بن الحارث الأشتر، وهو يومئذ بنَصِيبين: أمّا بعد، فإنك ممّن استظهرتُه على إقامة الدين، وأقمعُ به نخوةَ الأثيم، وأشُدّ به الثّغر المَخُوف، وكنت ولّيت محمد بن أبي بكر مصر،فخرجتْ عليه بها خوارج، وهو غلامٌ حَدَث ليس بذي تجرِبة للحَرْب، ولا بمجرّب للأشياء، فاقدم عليٌّ لننظر في ذلك فيما ينبغي، واستخلِف على عَملك أهلَ الثقة والنصيحة من أصحابك، والسلام. فأقبَل مالكٌ إلى عليٍّ حتى دخل عليه، فحدّثه حديثَ أهل مصرَ، وخبّره خبرَ أهلها، وقال: ليس لها غيرك، اخرج رحِمَك الله! فإني إن لم أوصِك؛ اكتفيتُ برأيك، واستعِن بالله على ما أهمّك، فاخلِط الشدّة باللِّين، وارفق ما كان الرفق اْبلَغ، واعتزِم بالشدّة حين لا يغني عنك إلا الشدّة. قال: فخرج الأشتر من عند عليّ فأتى رحله، فتهيَّأ للخروج إلى مصر، وأتت معاويةَ عيونُه، فأخبروه بولاية عليّ الأشتر، فعظُم ذلك عليه، وقد كان طمع في مصر، فعلم: أن الأشتر إنْ قدمها كان أشدّ عليه من محمد بن أبي بكر، فبعث معاوية إلى الجايستار - رجل من أهل الخراج - فقال له: إنّ الأشتر قد وُلِّيَ مصر، فإن أنت كَفْيتَنيه؛ لم آخذْ منك خراجًا ما بقيتَ، فاحتلْ له بما قدرتَ عليه، فخرج الجايستار حتى أتى القُلْزم، وأقام به، وخرج الأشتر من العراق إلى مصرَ، فلما انتهى إلى القلزُم؛ استقبله الجايستار، فقال: هذا مَنزِل، وهذا طعامٌ وعَلَف، وأنا رجلٌ من أهل الخراج، فنزل به الأشتر، فأتاه الدِّهقان بعَلَف وطعام، حتى إذا طَعِم؛ أتاه بشربة من عَسَل قد جعل فيها سُمًّا فسقاه إيّاه، فلما شربها مات. وأقبل معاوية يقول لأهل الشأم: إنّ عليًّا وجّه الأشتر إلى مصَر، فادعوا الله أن يَكفيَكُموه. قال: فكانوا كلّ يوم يَدْعون الله على الأشتر، وأقبل الذي سقاه إلى معاوية فأخبَرَه بمَهلِك الأشتر، فقام معاوية في الناس خطيبًا، فحَمِد اللهَ وأثنَى عليه وقال: أمّا بعد، فإنه كانت لعليّ بن أبي طالب يدان يمينان، قُطعتْ إحداهما يومَ صِفِّين - يعني: عمّار بن ياسر - وقُطِعت الأخرى اليوم - يعني: الأشتر (١). (٥: ٩٤/ ٩٥/ ٩٦). ١١٧٥ - قال أبو مخنف: حدّثني فُضَيل بن خَديج عن مولىً للأشتر، قال: لما هلك الأشتر؛ وجدْنا في ثَقَله رسالة عليّ إلى أهل مصر:﷽ من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلىّ أمّة المسلمين الذين غَضِبوا لله حين عُصِيَ في الأرض، وضَرَب الجورُ بأرواقه على البَرّ والفاجر، فلا حقّ يُستراح إليه، ولا منكرَ يُتناهَى عنه، سلام عليكم، فإني أحمَد الله إليكم الذي لا إله إلا هو، أما بعد فقد بعثتُ إليكم عبدًا من عبيد الله لا ينام أيام الخوف، ولا يَنكل عن الأعادي حِذارَ الدوائر، أشدّ على الكفار من حريق النار، وهو مالك بن الحارث أخو مُذحِج، فاسمعوا له، وأطيعوا، فإنه سيفٌ من سيوف الله، لا نابي الضّريبة، ولا كلَيل الحدّ، فإن أمَرَكم أن تُقدموا؛ فأقدموا، وإن أمَرَكم أن تَنفِروا؛ فانفروا، فإنه لا يُقدم ولا يُحجم إلا بأمري، وقد آثرتكم به على نفسي لنُصحِه لكم وشدّة شَكيمته على عدوّكم، عصَمَكم الله بالهدى، وثبّتكم على اليقين. والسلام. قال: ولما بلغ محمّد بن أبي بكر: أنّ عليًّا قد بعث الأشتر شقّ عليه، فكتب عليّ إلى محمد بن أبي بكر عند مَهلِك الأشتر، وذلك حين بلغه مَوْجِدةُ محمد بن أبي بكر لقُدوم الأشتر عليه: ﷽ من عبد الله عليّ أميرِ المؤمنين إلى محمد بن أبي بكر، سلامٌ عليك، أما بعد؛ فقد بلغني موجِدَتُك من تسريحي الأشترَ إلى عَمَلِك، وإني لم أفعل ذلك استبطاءً لك في الجهاد، ولا ازديادًا مني لك في الجدّ، ولو نزعتُ ما تحتَ يدك من سلطانك لولّيتُك ما هو أيسرُ عليك في المؤونة، وأعجب إليك ولايةً منه. إنّ الرجل الذي كنتُ وليته مصرَ كان لنا نصيحًا، وعلى عدوّنا شديدًا، وقد استكمَل أيّامَه، ولاقَى حِمامَه، ونحن عنه راضُون، فرضي الله عنه، وضاعَفَ له الثواب، وأحسَنَ له المآب. اصبر لعدوّك، وشمِّر للحرب، وادعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة، وأكثِرْ ذكرَ الله، والاستعانةَ به، والخوفَ منه؛ يَكفِك ما أهمّك، ويُعِنْك على ما ولّاك، أعاننا الله وإيّاك على ما لا يُنَال إلا برحمته، والسلام عليك.فكتب إليه محمد بن أبي بكر جواب كتابه: ﷽ لعبد الله عليٍّ أمير المؤمنين من محمد بن أبي بكر، سلام عليك، فإنّي أحمد الله إليك الذي لا إلهَ غيره، أما بعد: فإنّي قد انتهى إليّ كتابُ أمير المؤمنين، ففهِمْته، وعرفتُ ما فيه، وليس أحد من الناس بأرضَى مني برأي أميرِ المؤمنين، ولا أجهدَ على عدوّه، ولا أرأف بوليه مني، وقد خرجتُ فعسكرتُ، وأمَّنتُ الناس إلا من نَصَب لنا حربًا، وأظهَر لنا خلافًا، وأنا متّبع أمرَ أمير المؤمنين وحافظُه، وملتجئ إليه، وقائمٌ به، والله المستعان على كلّ حال؛ والسلام عليك (١). (٥: ٩٦/ ٩٧). ١١٧٦ - قال أبو مخنف: حدّثني أبو جَهضم الأزديّ - رجل من أهل الشأم - عن عبد الله بن حَوالة الأزديّ: أنّ أهل الشأم لما انصرفوا من صِفين كانوا ينتظرون ما يأتي به الحَكَمان، فلما انصرفا، وتفرّقا؛ بايع أهلُ الشأم معاويةَ بالخلافة، ولم يزدد إلا قوّة، واختلف الناسُ بالعراق على على، فما كان لمعاوية همٌّ إلا مصر، وكان لأهلها هائبًا خائفًا، لقربهم منه، وشدّتهم على من كان على رأي عثمان، وقد كان عَلَى ذلك علِم: أن بها قومًا قد ساءهم قتلُ عثمانَ، وخالفوا عليًّا، وكان معاوية يرجو أن يكون إذا ظهر عليها ظهر على حرب عليّ، لحكل خَراجها، قال: فدعا معاوية من كان معه من قريش: عمروَ بن العاص، وحبيب بن مسلمة، وبُسْرَ بن أبي أرطاة، والضحّاك بن قيس، وعبدَ الرحمن بن خالد بن الوليد؛ ومن غيرهم: أبا الأعور عَمرَو بن سُفيان السُّلَميّ، وحمزةَ بن مالك الهَمْدانيّ، وشُرَحبيل بن السِّمْط الكِنديّ، فقال لهم: أتدرون لِمَ دعوتكم؟ إنِّي قد دعوتُكم لأمر مُهِمّ أحبّ أن يكون اللهُ قد أعان عليه، فقال القوم كلهم - أو من قال منهم: إنّ الله لم يُطلع على الغيب أحدًا، وما يُدرِينا ما تُريد! فقال عمرو بن العاص: أرى والله أمرَ هذه البلاد الكثير خراجُها، والكثير عُدَدُها وعدد أهلها، أهمّك أمرُها، فدعوتَنا إذًا لتسألَنا عنرأينا في ذلك، فإن كنتَ لذلك دعوتَنا، وله جمعتَنا؛ فاعزم وأقدم، ونِعمَ الرأي رأيتَ! ففي افتتاحها عِزُّك وعزّ أصحابك، وكَبْت عدوّك، وذلّ أهل الخلاف عليك. قال له معاوية مجيبًا: أهمَّك يا بن العاصِ ما أهمّك - وذلك لأن عمرو بن العاص كان صالَح معاويةَ حين بايعه على قتال عليّ بن أبي طالب، على أنّ له مصرَ طُعْمَةً ما بقيَ - فأقبل معاوية على أصحابه، فقال: إنّ هذا - يعني: عمرًا - قد ظنّ، ثم حقّق ظنّه، قالوا له: لكنا لا ندري؛ قال معاوية: فإنّ أبا عبد الله قد أصاب، قال عمرو: وأنا أبو عبد الله، قال: إنّ أفضل الظُّنون ما أشبه اليقين. ثم إنّ معاوية حمِد الله، وأثنَى عليه، ثم قال: أما بعد: فقد رأيتم كيف صنع الله بكم في حربكم عدوّكم، جاؤوكم وهم لا يَروْن إلا أنهم سيقيضون بَيضَتكم، ويُخربون بلادَكم، ما كانوا يرَون إلّا أنكم في أيديهم، فردّهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرًا مما أحبّوا، وحاكَمْناهم إلى الله، فحكم لنا عليهم، ثم جمع لنا كلمتَنا، وأصلح ذاتَ بينِنا، وجعلهم أعداء متفرّقين يشهدُ بعضهم على بعض بالكُفْر، ويسفِك بعضهم دَم بعض، والله إنّي لأرجو أن يتمّ لنا هذا الأمر، وقد رأيت أن نُحاول أهلَ مصرَ، فكيف تروْن ارتثاءنا لها! فقال عمرو: قد أخبرتُك عمَّا سألتَني عنه، وقد أشرتُ عليك بما سمعت؛ فقال معاوية: إنّ عَمرًا قد عزم وصَرَم، ولم يفسّر، فكيف لي أن أصنع! قال له عمرو: فإنّي أشير عليك كيف تصنع، أرى أن تَبعث جيشًا كثيفًا، عليهم رجلٌ حازم صارم تأمَنُه وتثق به، فيأتي مصرَ حتى يدخلَها، فإنه سيأتيه مَن كان من أهلها على رأينا فيظاهرهُ على مَن بها من عدوّنا، فإذا اجتمع بها جندُك ومَن بها من شيعتك على مَن بها من أهل حربك؛ رجوتُ أن يعين الله بنصرِك، ويُظهر فُلْجَك! قال له معاوية: هل عندك شيء دون هذا يُعمَل به فيما بيننا وبينهم؟ قال: ما أعلَمه، قال: بلى، فإنّ غير هذا عندي، أرى أن نكاتِب مَن بها من شيعتنا، ومَن بها من أهل عدوّنا، فأمّا شيعتنا فآمُرُهم بالثبات على أمرهم، ثم أصنِّيهم قُدومَنا عليهم. وأما مَن بها مِن عدوّنا فندعوهم إلى صلْحنا، ونمنِّيهم شكرَنا، ونخوّفهم حربنا، فإن صلَح لنا ما قبَلهم بغير قتال؛ فذاك ما أحببنا، وإلا كان حربُهم من وراء ذلك كلّه. إنك يا بن العاص امرؤ بورك لك في العَجَلة، وأنا امرؤٌ بورك لي في التُّؤَدة؛ قال: فاعمل بما أراك الله، فوالله ما أرى أمرَك وأمرَهم يصيرُ إلّا إلى الحرب العَوان.قال: فكتب معاوية عند ذلك إلى مسلمة بن مخلّد الأنصاريّ، وإلى معاوية بن حُدَيج الكِنديّ - وكانا قد خالفا عليًّا: ﷽ أمّا بعد: فإنّ الله قد ابتَعَثكما لأمر عظيم أعظمَ به أجرَكما، ورفَع به ذِكرَكما، وزيّنكُما به في المسلمين، طَلبكما بدمِ الخليفة المظلوم، وغضبكما لله إذ تُرِك حكم الكتاب، وجاهدتما أهلَ البغي والعُدوان، فأبشروا برضوان الله، وعاجِل نصرِ أولياء الله، والمواساة لكما فَي الدنيا، وسلطاننا، حتى يُنْتَهَى في ذلك ما يرضيكما، ونؤدّي به حقَّكما إلى ما يصير أمرُكما إليه، فاصبروا وصابروا عدوَّكما، وادعوا المدبِر إلى هُداكما وحفظِكما، فإنّ الجيش قد أضِلّ عليكما، فانقشع كلّ ما تكرهان، وكان كلّ ما تَهوَيان، والسلام عليكما. وكَتب هذا الكتابَ وبَعث به مع مولىً له يقال له: سُبَيع. فخرج الرسول بكتابه حتى قدم عليهما مصر؛ ومحمد بن أبي بكر أميرها، وقد ناصَب هؤلاء الحربَ بها، وهو غير متخوّن بها يوم الإقدام عليه. فدفع كتابَه إلى مسلمة بن مخلّد، وكتابَ معاوية بن حُدَيج، فقال مسلمة: امضِ بكتاب معاوية إليه حتى يقرأه، ثم القني به حتى أجيبه عني وعنه، فانطلق الرسول بكتاب معاويةَ بن حُدَيج إليه، فأقرأه إيّاه، فلما قرأه قال: إنّ مسلمة بن مخلّد قد أمرني أن أردّ إليه الكتاب إذا قرأتَه لكي يجيبَ معاوية عنك وعنه. قال: قل له فليفعل؛ ودفع إليه الكتاب، فأتاه، ثم كتب مسلمة عن نفسه، وعن معاوية بن حُدَيج: أما بعد، فإنّ هذا الأمر الذي بذلنا له نفسَنا، واتّبعْنا أمرَ الله فيه، أمرٌ نرجو به ثوابَ ربّنا، والنصرَ ممن خالفنا، وتعجيلَ النِّقمة من سَعَى على إمامنا، وطأطأ الرّكض في جهادنا، ونحن بهذا الحيّز من الأرض قد نَفَينا مَن كان به من أهل البغي، وأنهَضْنا من كان به من أهل القِسْط والعدل، وقد ذكرتَ المواساة في سلطانِك ودنياك، وبالله إنّ ذلك لأمرٌ مالَه نهضْنا، ولا إيّاه أردْنا، فإنْ يجمع الله لنا ما نطلب، ويؤتنا ما تمَنَّينا، فإنّ الدنيا والآخرةَ لله ربِّ العالمين، وقد يؤتيهما الله معًا عالمًا من خلقه، كما قال في كتابه، ولا خلفَ لموعده، قال: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.عجّل علينا خَيلَك ورَجْلك، فإنّ عدوّنا قد كان علينا حربًا، وكنا فيهم قليلًا، فقد أصبحوا لنا هائبين، وأصبحْنا لهم مقرنين، فإن يأتنا الله بمَدَد من قِبَلك؛ يفتح الله عليكم، ولا حولَ ولا قوّة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل! والسلام عليك. قال: فجاءه هذا الكتاب وهو يومئذ بفِلَسطين، فدعا النّفرَ الذين سمّاهم في الكتاب فقال: ماذا ترون؟ قالوا: الرّأي أن تبعث جُندًا من قِبَلك، فإنك تفتتحها بإذن الله، قال معاوية: فتجهَّز يا أبا عبد الله إليها - يعني: عمرَو بنَ العاص - فال: فبعثه في ستة آلاف رجل، وخرج معاوية وودّعه وقال له ضد وداعه إيّاه: أوصيك يا عَمرو بتقوَى الله، والرفق فإنه يُمْن، وبالمهَل، والتُّؤدَة، فإنّ العَجَلَة من الشيطان، وبأن تقبلَ ممن أقبَل، وأن تعفوَ عمّن أدبرَ، فإن قَبل؛ فَبِها ونِعمتْ، وإن أبَى؛ فإن السطوة بعد المعذرة أبلَغ في الحجّة، وأحسَن في العاقبة، وادعُ الناسَ إلى الصلح والجماعة، فإذا أنت ظهرتَ؛ فليكن أنصارُك آثرَ الناس عندَك، وكلَّ الناس فأوْلِ حُسْنًا. قال: فخرج عَمرٌو يسير حتى نزل أدانيَ أرض مصرَ، فاجتمعتَ العثمانية إليه، فأقام بهم، وكتب إلى محمد بن أبي بكر: أما بعد، فتنحّ عني بدمك يا بن أبي بكر! فإنّي لا أحبّ أن يصيبَك مني ظَفَر، إن الناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك، ورفضِ أمرِك، ونَدِموا على اتّباعك، فهم مُسلِموك لو قد التقت حَلْقتا البِطان، فاخرج منها، فإني لك من الناصحين؛ والسلام. وبعث إليه عمرو أيضًا بكتاب معاوية إليه: أما بعد، فإنّ غبَّ البغي والظلم عظيم الوَبال، وإنّ سَفْك الدم الحرام لا يَسلَم صاحبه من النّقمة في الدنيا، ومن التَّبعة الموبِقة في الآخرة، وإنا لا نعلم أحدًا كان أعظم على عثمانَ بغيًا، ولا أسوأ له عيبًا، ولا أشدّ عليه خلافًا منك؛ سعيتَ عليه في الساعين، وسفكتَ دَمه في السافكين، ثم أنت تظنّ أني عنك نائمٌ، أو ناسٍ لك، حتى تأتي فتأمّر على بلاد أنتَ فيها جاري، وجُلّ أهلِها أنصاري، يرَون رأي، ويَرْقُبون قولي، ويَستصرخوني عليك. وقد بعثتُ إليك قومًا حِناقًا عليك، يستسقون دمَك، ويتقرّبون إلى الله بجهادك، وقد أعطَوا الله عهدًا ليمثّلُنّ بك، ولو لم يكن منهم إليك ما عدا قتلك ما حذّرتك ولا أنذرتك،ولأحببتُ أن يقتلوك بظُلمك، وقطيعتك، وعَدْوِك على عثمان يوم يُطعَن بمشَاقِصك بين خُشَشائه وأوداجِه، ولكن أكرَه أن أمثّل بقرَشيّ، ولن يُسلِمك اللهُ من القصاص أبدًا أينما كنت! والسلام. قال: فطوى محمد كتابيْهما، وبعث بهما إلى عليّ، وكتب معهما: أما بعد، فإنّ ابن العاص قد نزل أدانيَ أرضِ مصرَ، واجتمع إليه أهلُ البلد جلُّهم ممن كان يَرى رأيَهم، وقد جاء في جيش لجِب خُرّاب، وقد رأيت ممن قِبَلي بعضَ الفشل، فإن كان لك في أرض مصرَ حاجة فأمدّني بالرجال والأموال؛ والسّلام عليك. فكتب إليه عليّ: أمّا بعد: فقد جاءني كتابُك تذكُر: أنّ ابن العاصِ قد نزل بأداني أرضِ مصرَ في لجبٍ من جيشه خُرّاب، وإن مَن كان بها على مثل رأيه قد خرج إليه، وخروجُ مَن يرى رأيه إليه خيرٌ لك من إقامتهم عندَك. وذكرتَ أنك قد رأيتَ في بعض مَنْ قبَلك فَشَلًا، فلا تَفشَل، وإن فشلوا؛ فحصِّنْ قريَتك، واضمُم إليك شيعتَك، واندُب إلى القوم كنانةَ بنَ بِشر المعروفَ بالنصيحة والنّجدة والبأس. فإني نادبٌ إليك الناسَ على الصَّعب والذَّلول، فاصبر لعدوّك، وامض على بصيرتك، وقاتلْهم على نيّتك، وجاهِدْهم صابرًا محتسبًا، وإن كانت فئتُك أقلَّ الفئتين، فإنّ الله قد يُعزّ القليل، ويَخذُل الكثير، وقد قرأتُ كتابَ الفاجر ابن الفاجر معاوية، والفاجر ابن الكافر عَمرو، المتحابَّيْن في عمل المعصية، والمتوافِقَين المرتَشِييْن في الحكومة، المنكسرين في الدنيا، قد استَمتَعوا بخَلاقهم كما استمتَع الذين من قبلهم بخَلاقهم، فلا يَهُلْك إرعادُهما، وإبراقُهما، وأجبْهما إن كنتَ لم تجبْهما بما هما أهله، فإنك تجد مقالًا ما شئت، والسلام (١). (٥: ٩٧/ ٩٨/ ٩٩/ ١٠٠/ ١٠١/ ١٠٢). ١١٧٧ - قال أبو مخنف: فحدّثني محمد بن يوسف بن ثابت الأنصاريّ، عن شيخ من أهل المدينة، قال: كتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية بن أبي سفيان جوابَ كتابه:أما بعد: فقد أتاني كتابُك تذكِّرني من أمرِ عثمانَ أمرًا لا أعتذر إليك منه، وتأمُرني بالتنحّي عنك كأنك لي ناصح، وتُخوّفني المُثْلَة كأنك شفيق، وأنا أرجو أن تكون ليَ الدائرةُ عليكم، فأجتاحَكم في الوقعة، وإن تُؤتَوا النصرَ ويكن لكم الأمر في الدّنيا، فكَم لَعمرِي من ظالم قد نَصرْتم، وكم من مؤمن قَتلتم، ومثّلتم به! وإلى الله مصيرُكم ومصيرُهم، وإلى الله مَرَدّ الأمور، وهو أرحم الراحمين، والله المستعان على ما تصفون! والسلام. وكتب محمد إلى عمرو بن العاص: أمّا بعد: فقد فهمتُ ما ذكرتَ في كتابك يا بنَ العاص! زعمتَ: أنك تكره أن يصيبَني منك ظَفَر، وأشهدُ أنك من المبطِلين! وتَزعم: أنك لي نصيح، وأقسم أنك عندي ظَنين! وتَزعم أنّ أهل البلد قد رفضوا رأيي وأمري، ونَدِموا على اتّباعي، فأولئك لك وللشيطان الرجيم أولياء، فحسبُنا الله ربّ العالَمين، وتوكَّلنا على الله ربّ العرش العظيم! والسلام. قال: أقبل عَمرو بن العاص حتى قصد مصرَ، فقام محمد بن أبي بكر في الناس، فحمِد الله وأثنَى عليه وصلى على رسوله، ثم قال: أمّا بعد معاشرَ المسلمين والمؤمنين، فإنّ القوم الذين كانوا ينتهكون الحُرمة، ويَنعشُون الضلال، ويَشُبّون نارَ الفتنة، ويتسلّطون بالجَبريّة قد نصبوا لكم العداوة، وساروا إليكم بالجنود، عبادَ الله! فمن أراد الجنّة والمغفرة فلْيخرج إلى هؤلاء القوم، فلْيجاهدْهم في الله. انتدبِوا إلى هؤلاء القوم رحمكم الله مع كنانة بن بشر. قال: فانتدب معه نحو من ألفَي رجل، وخرج محمد في ألفَيْ رجل، واستقبل عمرو بن العاص كنانةَ وهو على مقدّمة محمد، فأقبل عمرو نحو كنانةَ، فلما دنا من كنانة سرّح الكتائبَ كتيبةً بعد كتيبة، فجعل كنانةُ لا تأتيه كتيبةٌ من كتائب أهلِ الشام إلا شدّ عليها بمن معه، فيضربها حتّى يقرّبها لعمرو بن العاص، ففعل ذلك مرارًا؛ فلما رأى ذلك عمرو بعث إلى معاوية بن حُدَيج السَّكونيّ، فأتاه في مثل الدّهْم، فأحاط بكنانةَ وأصحابه، واجتمع أهلُ الشأم عليهم من كلّ جانب، فلما رأى ذلك كنانة بن بشر نزل عن فرسه. ونزل أصحابُه وكنانة يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَالدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾. فضارَبَهم بسيفه حتى استشهد ﵀. وأقبل عمرو بن العاص نحوَ محمد بن أبي بكر، وقد تفرّق عنه أصحابُه لمّا بلغهم قتل كنانة، حتى بقي وما معه أحد من أصحابه، فلما رأى ذلك محمد خرج يمشي في الطريق حتى انتهى إلى خَرِبة في ناحية الطريق، فأوَى إليها، وجاء عمرو بن العاص حتى دخل الفُسطاط، وخرج معاوية بن حُدَيج في طلب محمّد حتى انتهى إلى عُلوج في قارعة الطريق، فسألهم: هل مرَّ بكم أحد تنكرونه؟ فقال أحدهم: لا والله، إلا أني دخلت تلك الخربة، فإذا أنا برجل فيها جالس، فقال ابن حُدَيج: هو هو وربّ الكعبة؛ فانطلقوا يركُضون حتى دخلوا عليه، فاستخرجوه وقد كاد يموت عطشًا؛ فأقبلوا به نحو فسطاط مصرَ. قال: ووثب أخوه عبدُ الرحمن بن أبي بكر إلى عَمرو بن العاص - وكان في جنده فقال: أتقتل أخي صبرًا! ابعث إلى معاويةَ بن حُدَيجْ فانْهَه، فبعث إليه عمرو بن العاص يأمره أن يأتيَه بمحمد بن أبي بكر، فقال معاوية: أكذاك! قتلتم كنانةَ بنَ بشر وأخلّي أنا عن محمد بن أبي بكر! هيهات، ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾. فقال لهم محمد: اسقُوني من الماء، قال له معاوية بن حُدَيج: لا سقاه الله إن سقاك قطرةً أبدًا! إنكم مَنعتمْ عثمانَ أن يشرب الماءَ حتى قتلتموه صائمًا مُحرِمًا، فلقاه الله بالزَحيق المختوم، والله لأقتلنّك يا بن أبي بكر فيسقيك الله الحميمَ، والغَسّاق! قال له محمد: يا بن اليهودّية النسّاجة! ليس ذلك إليك وإلى من ذكرت، إنما ذلك إلى الله ﷿ يَسقي أولياءَه، ويُظمئ أعداءَه؛ أنتَ وضُرَبَاؤُك ومَن تولّاه، أما والله لو كان سيفي في يدي ما بلغتم مني هذا، قال له معاوية: أتدري ما أصنعُ بك؟ أدخِلك في جوف حمار. ثم أحْرِقُه عليك بالنار؛ فقال له محمد: إن فعلتم بي ذلك، فطالما فُعِل ذلك بأولياء الله! وإني لأرجو هذه النارَ التي تُحْرِقني بها أن يَجعَلها الله عليّ بردًا وسلامًا كما جعلها على خليلِه إبراهيمَ، وأن يجعلها عليك وعلى أوليائك كما جعلها على نمروذَ وأوليائِه، إنّ الله يحرقك ومن ذكرته قبل وإمامكَ - يعني: معاوية، وهذا - وأشار إلى عمرو بن العاص - بنار تَلظَّى عليكم، كلَّما خَبَتْ زادها الله سعيرًا، قال له معاوية: إني إنما أقتلك بعثمان، قال له محمد: وما أنتَ وعثمان! إنّ عثمانَ عَمِل بالجور، ونبذحكمَ القرآن، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، فنقَمنا ذلك عليه، فقتلناه، وحسّنت أنت له ذلك ونظراؤك، فقد برّأنا الله إن شاء الله من ذنبه، وأنت شريكُه في إثمه، وعظم ذنبه، وجاعِلك على مثاله. قال: فغضب معاوية، فقدمه، فقتله، ثم ألقاه في جيفة حمار، ثم أحرقه بالنار؛ فلما بلغ ذلك عائشةَ جزِعت عليه جزعًا شديدًا، وقَنَتت عليه في دُبُر الصلاة تدعو على معاوية، وعمرو، ثم قبضتْ عيالَ محمّد إليها، فكان القاسم بن محمد بن أبي بكر في عيالها. رجع الحديث إلى حديث أبي مخنف: وكتب عمرو بنُ العاص إلى معاوية عند قتله محمد بن أبي بكر، وكنانة بن بشر: أما بعد، فإنا لقينا محمد بن أبي بكر، وكنانةَ بن بشر في جموع جَمّة من أهل مصرَ، فدعوْناهم إلى الهدى، والسنّة، وحكم الكتاب، فرفضوا الحقّ، وتورّكوا في الضلال، فجاهَدْناهم، واستنصَرْنا اللهَ عليهم، فضرب الله وجوهَهم وأدبارَهم، ومنحونا أكتافهم، فقتل الله محمد بن أبي بكر، وكنانةَ بن بشر، وأماثلَ القوم، والحمد لله رب العالمين! والسَّلام عليك (١). (٥: ١٠٢/ ١٠٤/١٠٣/ ١٠٥). ١١٧٨ - وأما الواقديّ فإنه ذكر لي: أنّ سُوَيد بن عبد العزيز حدّثه عن ثابت بن عجلان، عن القاسم بن عبد الرحمن: أنّ عمرو بن العاص خرج في أربعةِ آلاف، فيهم معاوية بن خُدَيج، وأبو الأعور السلَميّ، فالتقوا بالمسنّاة، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، حتى قتل كنانة بن بشر بن عتّاب التُّجيبِيّ، ولم يجد محمد بن أبي بكر مقاتلًا، فانهزم، فاختبأ عند جَبَلة بن مسروق، فدلّ عليه معاوية بن خُدَيج، فأحاط به، فخرج محمد فقاتل حتى قُتِل. قال الواقديّ: وكانت المسنّاة في صفرَ سنة ثمان وثلاثين، وأذْرُح في شعبانَ منها في عام واحدٌ (٢). (٥: ١٠٥). وفيها قُتِل محمد بن أبي حُذَيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس.ذكر الخبر عن مقتله: ١١٧٩ - اختَلف أهلُ السير في وقت مَقتله؛ فقال الواقديّ: قُتل في سنة ست وثلاثين. قال: وكان سبب قتله: أنّ معاوية، وعمرًا سارا إليه وهو بمصر قد ضبطها، فنزلا بعَيْن شمس، فعالجا الدّخول، فلم يقدرا عليه، فخدعا محمد بن أبي حذَيفة على أن يخرج في ألف رجل إلى العَريش، فخرج، وخلّف الحَكَم بن الصلت على مصرَ، فلما خرج محمد بن أبي حُذَيفة إلى العريش تحصّن، وجاء عمرو فنصب المجانيقَ حتى نزل في ثلاثينَ من أصحابه، فأخِذوا فقُتلوا. قال: وذاك قبل أن يَبعث عليّ إلى مصرَ قيسَ بنَ سعد (١). (٥: ١٠٥/ ١٠٦). ١١٨٠ - وأما هشام بن محمد الكلبيّ فإنه ذكر: أنّ محمد بن أبي حُذَيفة إنما أخِذ بعد أن قتل محمد بن أبي بكر، ودخل عَمرو بن العاص مصرَ، وغلَب عليها، وزعم أنّ عمرًا لما دخل هو وأصحابه مصرَ؛ أصابوا محمد بن أبي حُذَيفة، فبعثوا به إلى معاوية وهو بفلسطين، فحبسه في سجن له، فمكث فيه غيرَ كثير، ثم إنه هرب من السجن - وكان ابن خَال معاوية - فأرَى معاويةُ الناسَ أنه قد كره انفلاته، فقال لأهل الشأم: مَنْ يطلبه؟ قال: وقد كان معاوية يحبّ فيما يرون أن ينجوَ، فقال رجل من خَثْعم - يقال له: عبدُ الله بن عمرو بن ظلام، وكان رجلًا شجاعًا، وكان عثمانيًّا: أنا أطلبه. فخرج في حاله حتى لحقه بأرض البَلْقاء بحَوْران وقد دخل في غار هناك. فجاءت حُمُرٌ تدخله، وقد أصابها المطر، فلما رأت الحمُر الرجل في الغار فزِعت، فنفرتْ، فقالَ حصّادُون كانوا قريبًا من الغار: والله إنّ لنَفْرِ هذه الحمُرِ من الغار لشأنًا، فذهبوا لينظروا، فإذا هم به، فخِرجوا، ويوافِقهم عبدُ الله بن عمرو بن ظلام الخَثْعمِيّ، فسألهم عنه، ووصفه لهم، فقالوا له: هاهو ذا في الغار؛ قال: فجاء حتى استخرجه، وكره أن يُرجعه إلى معاوية فيخلِّيَ سبيله، فضرب عنقه (٢). (٥: ١٠٦). ١١٨١ - قال هشام: عن أبي مخنف، قال: وحدّثني الحارث بن كعب بنفُقَيم عن جُندَب، عن عبد الله بن فقيم، عمّ الحارث بن كعب ... يستصرخ من قبَل محمد بن أبي بكر إلى عليّ - ومحمّد يومئذ أميرُهم - فقام عليّ في الناس وقد أمر فنُوديَ الصّلاةَ جامعة! فاجتمع الناس، فحمد الله وأثْنَى عليه، وصلى على محمد ﷺ، ثم قال: أمّا بعد، فإن هذا صريخُ محمد بن أبي بكر وإخوانكم من أهل مصر، قد سار إليهم ابن النّابغة عدوّ الله، ووليّ من عادَى الله، فلا يكوننّ أهل الضّلال إلى باطلهم والرّكون إلى سبيل الطاغوت أشدَّ اجتماعًا منكم على حقّكم هذا، فإنهم قد بدؤوكم وإخوانكم بالغَزْو، فاعجلوا إليهم بالمؤاساة والنصر. عباد الله! إنّ مصرَ أعظم من الشأم، أكثر خيرًا، وخيرٌ أهلًا، فلا تغلَبوا على مصر، فإنّ بقاءَ مصر في أيديكم عزٌّ لكم، وكَبْتٌ لعدوّكم، اخرجوا إلى الجَرَعة بين الحيرة والكُوفة، فوافُوني بها هناك غدًا إن شاء الله. قال: فلمّا كان من الغد؛ خرج يمشي، فنزلها بُكرةً، فأقام بها حتى انتصف النهار يومه ذلك، فلم يوافه منهم رجل واحد؛ فرجع. فلما كان من العشيَ؛ بعث إلى أشراف الناس، فدخلوا عليه القصر وهو حزين كئيب، فقال: الحمد لله على ما قضَى من أمري، وقدّر من فعلي، وابتلاني بكم أيَّتُها الفرقة ممن لا يطيع إذا أمرتُ، ولا يُجيب إذا دَعوتُ، لا أبا لغيركم! ما تنتظرون بصبركم، والجهاد على حقكم؟ ! الموت والذلّ لكم في هذه الدنيا على غير الحقّ، فوالله لئن جاء الموت - وليأتين - ليفرّقنّ بيني وبينكم، وأنا لِصُحْبَتِكُمْ قالٍ؛ وبكم غيرُ ضنين، لله أنتم! لا دينَ يجمعكم، ولا حميّة تحميكم؛ إذا أنتم سيعتم بعدوّكم يَرِدُ بلادَكم، ويشنّ الغارة عليكم، أوَليس عجبًا: أنّ معاوية يدعو الجفاةَ الطَّغام فيتبعونه على غير عطاء، ولا معونة! ويجيبونه في السنة المرّتين والثلاث إلى أيّ وجه شاء، وأنا أدعوكم - وأنتم أولو النّهَى وبقيّة الناس - على المعونة، وطائفةً منكم على العطاء، فتقومون عنّي، وتعصوْنني، وتختلفون عليّ؟ ! فقام إليه مالكُ بن كعب الهمْدانيّ ثم الأرحبيّ، فقال: يا أميرَ المؤمنين! اندب الناسَ فإنه لا عطرَ بعد عروس! لمِثلِ هذا اليوم كنتُ أدّخر نفسي، والأجر لا يأتي إلا بالكرة، اتقوا الله وأجيبوا إمامَكم، وانصروا دعوتَه، وقاتلوا عدوَّه، ألْا أسير إليها يا أميرَ المؤمنين! قال: فأمر عليّ مناديَه سعدًا، فنادى في الناس: ألا انتدبوا إلى مصر مع مالك بن كعب.ثمّ إنه خرج وخرج معه علي، فنظر فإذا جميع من خرج نحو ألفي رجل، فقال: سِرْ فوالله ما إخالك تُدرِك القوم حتى ينقضيَ أمرهم؛ قال: فخرج بهم، فسار خمسًا، ثمّ إن الحجاج بن غَزيّة الأنصاريّ، ثم النّجّاريّ قَدِم على عليّ من مصر، وقَدم عبدُ الرحمن بن شَبيبٍ الفَزاريّ، فأمّا الفَزاريّ فكان عينَه بالشأم، وأما الأنصاريّ فكان مع محمد بن أبي بكر، فحدّثه الأنصاريّ بما رأى وعايَن وبهلاك محمد، وحدّثه الفزاريّ أنه لم يخرج من الشام حتى قَدمت البُشَراء من قِبَل عمرو بن العاصِ تَتْرى، يمبعُ بعضُها بعضًا بفتح مصر، وقَتْل محمد بن أبي بكر، وحتى أذِّن بقتله على المنبر، وقال: يا أميرَ المؤمنين! قلّما رأيت قومًا قطّ أسرّ، ولا سرورأ قطّ أظهرَ من سرور رأيته بالشام حين أتاهم هلاكُ محمد بن أبي بكر، فقال عليّ: أما إن حُزْننا عليه على قدر سرورهم به، لا بل يزيد أضعافًا. قال: وسرّح عليّ عبدَ الرحمن بن شُريح الشّباميّ إلى مالك بن كعب، فردّه من الطريق. قال: وحَزِن عليّ على محمد بن أبي بكر حتى رئيَ ذلك في وجهه، وتبيّن فيه، وقام في الناس خطيبًا، فحمِد الله وأثنَى عليه، وصلَّى على رسوله ﷺ، وقال: ألا إن مصر قد افتتحها الفَجَرة أولو الجَوْر والظلم الذين صدّوا عن سبيل الله، وبغَوا الإسلام عِوَجًا، ألا وإنّ محمد بن أبي بكر قد استُشهد ﵀، فعند الله نَحتسبه، أما والله إن كان ما علمت لممّن ينتظر القضاء، ويعمل للجزاء، ويُبغض شكل الفاجر، ويحبّ هدي المؤمن، إني والله ما ألوم نفسي على التقصير، وإني لمُقاساة الحرب لجدّ خبير، وإنّي لأقدِم على الأمر؛ وأعرِف وجهَ الحزم، وأقومُ فيكم بالرأي المصيب، فأستصرخكم معلنًا، وأناديكم نداءَ المستغيث مُعرِبًا، فلا تسمعون لي قولًا، ولا تطيعون لي أمرًا، حتى تصير بيَ الأمور إلى عواقب المساءة، فأنتم القومُ لا يُدرَك بكم الثار، ولا تُنقَض بكم الأوتار؛ دعوتُكم إلى غِياث إخوانكم منذ بضع وخمسين ليلةً فتجرجرتم جَرجرةَ الجَمَل الأشدق، وتثاقلتم إلى الأرض تثاقُلَ من ليس له نيّة في جهاد العدوّ، ولا اكتساب الأجر، ثم خرج إليّ منكم جُنيْد متذانب كأنّما يُساقون إلى الموت وهم يَنظرون. فأفٍّ لكم! ثم نزل وكتب إلى عبد الله بن عباس وهو بالبَصرة:﷽ من عبد الله عليّ أميرِ المؤمنين إلى عبد الله بن عبّاس، سلامٌ عليك، فإنّي أحمد اللهَ إليك الذي لا إله إلا هو، أمّا بعد: فإن مصر قد افتتِحت، ومحمد بن أبي بكر قد استشهد، فعند الله نَحتسبه وندّخره، وقد كنت قمتُ في الناس في بدئه، وأمرْتهم بغياثِهِ قبل الوقعة، ودعوتهم سرًّا وجهرًا، وعَودًا وبدءًا، فمنهم من أتى كارهًا، ومنهم من اعتلّ كاذبًا، ومنهم القاعد حالًا، أسأل الله أن يجعل لي منهم فَرَجًا ومَخرجًا، وأن يُريحَني منهم عاجلًا، والله لولا طمعي عند لقاء عدوّي في الشهادة لأحببتُ ألّا أبقى مع هؤلاء يومًا واحدًا، عَزَم الله لنا ولك على الرُّشد، وعلى تقواه وهداه، إنه على كلّ شيء قدير، والسلام. فكتب إليه ابنُ عبّاس: ﷽ لعبد الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، من عبدِ الله بن عباس. سلامٌ عليك يا أميرَ المؤمنين ورحمة الله وبركاته! أما بعد، فقد بلغني كتابك تذكر فيه افتتاحَ مصر، وهلاكَ محمد بن أبي بكر، فالله المستعان على كلّ حال، ورحم الله محمد بن أبي بكر، وآجَرَك يا أميرَ المؤمنين! وقد سألت الله أن يجعل لك من رعيّتك التي ابتليت بها فرَجًا ومخرجًا، وأن يُعزّك بالملائكة عاجلًا بالنصرة، فإن الله صانعٌ لك ذلك، ومعزّك، ومجيب دعوتك، وكابتٌ عدوّك، أخبرك يا أميرَ المؤمنين: أنّ الناس ربما تثاقلوا ثم ينشَطون، فارفق بهم يا أميرَ المؤمنين! وداجِنْهم ومَنِّهم، واستعنِ بالله عليهم، كفاك الله ألَمَهم والسلام (١). (٥: ١٠٦/ ١٠٨/١٠٧/ ١٠٩). ١١٨٢ - قال أبو مخنف: حدّثني فُضَيل بن خَدِيج عن مالك بن الحور: أنّ عليًّا قال: رحِم الله محمدًا! كان غلامًا حَدَثًا، أما والله لقد كنتُ على أن أولِّيَ المِرْقال هاشم بن عُتْبة مصرَ، أما والله لو أنه وليّها ما خلّى لعمرو بن العاصوأعوانه الفَجَرة العَرْصةَ، ولمَا قُتِل إلا وسيفه في يده، لا بلا دمٍ كمحمدٍ، فرحم الله محمدًا، فقد اجتهد نفسَه، وقَضَى ما عليه (١). (٥: ١٠٩/ ١١٠). وفي هذه السنة وجّه معاوية بعد مقتل محمد بن أبي بكر عبدَ الله بن عمرو بن الحضرميّ إلى البصرة للدعاء إلى الإقرار بحُكم عمرو بن العاص فيه. وفيها قُتل أعيَن بن ضبيعة المُجاشعيّ، وكان عليّ وجّهه لإخراج ابن الحضرميّ من البَصرة (٢). (٥: ١١٠).. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Critical assessments

  • KadhdhabKadhdhab

    ي المؤونة، وأعجب إليك ولايةً منه. إنّ الرجل الذي كنتُ وليته مصرَ كان لنا نصيحًا، وعلى عدوّنا شديدًا، وقد استكمَل أيّامَه، ولاقَى حِمامَه، ونحن عنه راضُون، فرضي الله عنه، وضاعَفَ له الثواب، وأحسَنَ له المآب. اصبر لعدوّك، وشمِّر للحرب، وادعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة، وأكثِرْ ذكرَ الله، والاستعانةَ به، والخوفَ منه؛ يَكفِك ما أهمّك

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • MatrukMatruk

    فقد جاءني كتابُك تذكُر: أنّ ابن العاصِ قد نزل بأداني أرضِ مصرَ في لجبٍ من جيشه خُرّاب، وإن مَن كان بها على مثل رأيه قد خرج إليه، وخروجُ مَن يرى رأيه إليه خيرٌ لك من إقامتهم عندَك. وذكرتَ أنك قد رأيتَ في بعض مَنْ قبَلك فَشَلًا، فلا تَفشَل، وإن فشلوا؛ فحصِّنْ قريَتك، واضمُم إليك شيعتَك، واندُب إلى القوم كنانةَ بنَ بِشر المعروفَ بالنصيحة والنّ

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • ThiqaThiqa

    ّيت محمد بن أبي بكر مصر،فخرجتْ عليه بها خوارج، وهو غلامٌ حَدَث ليس بذي تجرِبة للحَرْب، ولا بمجرّب للأشياء، فاقدم عليٌّ لننظر في ذلك فيما ينبغي، واستخلِف على عَملك أهلَ الثقة والنصيحة من أصحابك، والسلام. فأقبَل مالكٌ إلى عليٍّ حتى دخل عليه، فحدّثه حديثَ أهل مصرَ، وخبّره خبرَ أهلها، وقال: ليس لها غيرك، اخرج رحِمَك الله! فإني إن لم أوصِك؛ اكتفي

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
340248
Book record
shamela-145435
Source record
dedupe:1351:917870
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين — shamela-145435 · Hadith Research Library