Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Narrator profile

مَا كَانَ من خبر الخوارج عِنْدَ توجيه علي الحكم للحكومة وخبر يوم النهر

مَا كَانَ من خبر الخوارج عِنْدَ توجيه علي الحكم للحكومة وخبر يوم النهر

Hadith transmissions

Hadiths in which this narrator appears, with their position in the chain.

No hadiths transmitted by this narrator in our data.

Mentioned in

2 books · 12 entries
Research data and provenancemoderate dossier · expand

Technical evidence counts from parsed rijāl entries and reviewable fact extraction. These support the passages shown below.

View JSON
Tier
moderate
Source entries
3
Strong identity entries
0
Chronology hints
2
Attribute hints
0
Relation hints
0
Assessment hints
9
Known assessors
0

Classical evidence · أقوال الجرح والتعديل

2 books · 12 entries

Every item remains attached to its source passage and identity. Exact parsed entries are distinguished from extracted review hints and legacy snippets; no composite verdict is manufactured.

3 exact linked passages0 legacy full passages9 assessment hints0 assessment snippets

ابن جرير الطبري - تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري

full-text

— · 6 entries

  • exact linked passagemedium confidencepage 2533, entry [531]36,166 chars
    ذكر مَا كَانَ من خبر الخوارج عِنْدَ توجيه علي الحكم للحكومة وخبر يوم النهر قَالَ أَبُو مخنف: عن أبي المغفل، عن عون بن أبي جحيفة، [أن عَلِيًّا لما أراد أن يبعث أبا مُوسَى للحكومة، أتاه رجلان من الخوارج: زرعة بن البرج الطَّائِيّ وحرقوص بن زهير السعدي، فدخلا عَلَيْهِ، فقالا له: لا حكم الا لله، فقال علي…
    ▸ expand full passage (36,166 chars)
    ذكر مَا كَانَ من خبر الخوارج عِنْدَ توجيه علي الحكم للحكومة وخبر يوم النهر قَالَ أَبُو مخنف: عن أبي المغفل، عن عون بن أبي جحيفة، [أن عَلِيًّا لما أراد أن يبعث أبا مُوسَى للحكومة، أتاه رجلان من الخوارج: زرعة بن البرج الطَّائِيّ وحرقوص بن زهير السعدي، فدخلا عَلَيْهِ، فقالا له: لا حكم الا لله، فقال علي: لا حكم إلا لله، فَقَالَ لَهُ حُرْقُوص: تب من خطيئتك، وارجع عن قضيتك، واخرج بنا إِلَى عدونا نقاتلهم حَتَّى نلقى ربنا. فَقَالَ لَهُمْ علي: قَدْ أردتكم عَلَى ذَلِكَ فعصيتموني، وَقَدْ كتبنا بيننا وبينهم كتابا، وشرطنا شروطا، وأعطينا عَلَيْهَا عهودنا ومواثيقنا، وَقَدْ قَالَ اللَّه ﷿: «وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ» فَقَالَ لَهُ حُرْقُوص: ذَلِكَ ذنب ينبغي أن تتوب مِنْهُ، فَقَالَ علي: مَا هُوَ ذنب، ولكنه عجز من الرأي، وضعف من الفعل، وَقَدْ تقدمت إليكم فِيمَا كَانَ مِنْهُ، ونهيتكم عنه فَقَالَ لَهُ زرعة بن البرج: أما وَاللَّهِ يَا علي، لَئِنْ لم تدع تحكيم الرجال فِي كتاب اللَّه ﷿ قاتلتك، أطلب بِذَلِكَ وجه اللَّه ورضوانه، فَقَالَ لَهُ علي: بؤسا لك، مَا أشقاك! كأني بك قتيلا تسفى عَلَيْك الريح، قَالَ: وددت أن قَدْ كَانَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ علي: لو كنت محقا كَانَ فِي الموت عَلَى الحق تعزية عن الدُّنْيَا، أن الشَّيْطَان قَدِ استهواكم، فاتقوا اللَّه ﷿، إنه لا خير لكم فِي دنيا تقاتلون عَلَيْهَا، فخرجا من عنده يحكمان] . قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي عَبْد الْمَلِكِ بن أبي حرة الحنفي، أن عَلِيًّا خرج ذات يوم يخطب، فإنه لفي خطبته إذ حكمت المحكمة فِي جوانب المسجد، فَقَالَ علي: اللَّه أكبر! كلمة حق يراد بِهَا باطل! إن سكتوا عممناهم، وإن تكلموا حججناهم، وإن خرجوا علينا قاتلناهم فوثب يَزِيد بن عاصمالمحاربي، فَقَالَ: الحمد لِلَّهِ غير مودع ربنا وَلا مستغنى عنه اللَّهُمَّ إنا نعوذ بك من إعطاء الدنية فِي ديننا، فإن إعطاء الدنية فِي الدين إدهان فِي أمر اللَّه ﷿، وذل راجع بأهله إِلَى سخط اللَّه يَا علي، أبالقتل تخوفنا! أما وَاللَّهِ إني لأرجو أن نضربكم بِهَا عما قليل غير مصفحات، ثُمَّ لتعلمن أينا أولى بِهَا صليا ثُمَّ خرج بهم هُوَ وإخوة لَهُ ثلاثة هُوَ رابعهم، فأصيبوا مع الخوارج بالنهر، وأصيب أحدهم بعد ذَلِكَ بالنخيلة. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي الأجلح بن عَبْدِ اللَّهِ، عن سلمة بن كهيل، عن كثير بن بهز الحضرمي، قَالَ: قام علي فِي الناس يخطبهم ذات يوم، فَقَالَ رجل من جانب المسجد: لا حكم إلا لِلَّهِ، فقام آخر فَقَالَ مثل ذَلِكَ، ثُمَّ توالى عدة رجال يحكمون، فَقَالَ علي: اللَّه أكبر، كلمة حق يلتمس بِهَا باطل! أما إن لكم عندنا ثلاثا مَا صحبتمونا: لا نمنعكم مساجد اللَّه أن تذكروا فِيهَا اسمه، وَلا نمنعكم الفيء مَا دامت أيديكم مع أيدينا، وَلا نقاتلكم حَتَّى تبدءونا، ثُمَّ رجع إِلَى مكانه الَّذِي كَانَ فِيهِ من خطبته. قَالَ أَبُو مخنف: وَحَدَّثَنَا عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ الْوَلِيد، أن حكيم بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيد البكائي كَانَ يرى رأي الخوارج، فأتى عَلِيًّا ذات يوم وَهُوَ يخطب، فَقَالَ: «وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ» ، فقال علي: «فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ» . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، قال: سمعت اسماعيل ابن سُمَيْعٍ الْحَنَفِيَّ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، قَالَ: لَمَّا وَقَعَ التَّحْكِيمُ وَرَجَعَ عَلِيٌّ مِنْ صِفِّينَ رَجَعُوا مُبَايِنِينَ لَهُ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى النَّهْرِ أَقَامُوا بِهِ، فَدَخَلَ عَلِيٌّ فِي النَّاسِ الْكُوفَةَ، وَنَزَلُوا بِحَرُورَاءَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، فَرَجَعَ وَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ فَكَلَّمَهُمْ حَتَّى وَقَعَ الرِّضَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، فَدَخَلُواالْكُوفَةَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ تَحَدَّثُوا إِنَّكَ رَجَعْتَ لَهُمْ عَنْ كُفْرِكَ. فَخَطَبَ النَّاسَ فِي صَلاةِ الظُّهْرِ، فَذَكَرَ أَمْرَهُمْ فَعَابَهُ، فَوَثَبُوا مِنْ نَوَاحِي الْمَسْجِدِ يَقُولُونَ: لا حُكْمَ إِلا لِلَّهِ وَاسْتَقْبَلَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ وَاضِعٌ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، فَقَالَ: «وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ» ، فقال علي: «فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ» . حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، [قَالَ: سَمِعْتُ لَيْثَ بْنَ أَبِي سُلَيْمٍ يَذْكُرُ عَنْ أَصْحَابِهِ، قَالَ: جَعَلَ عَلِيٌّ يُقَلِّبُ يَدَيْهِ يقول يديه هَكَذَا وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: حُكْمُ اللَّهِ ﷿ يَنْتَظِرُ فِيكُمْ مَرَّتَيْنِ، إِنَّ لَكُمْ عِنْدَنَا ثَلاثًا: لا نَمْنَعُكُمْ صَلاةً فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، وَلا نَمْنَعُكُمْ نَصِيبَكُمْ مِنْ هَذَا الْفَيْءِ مَا كَانَتْ أَيْدِيكُمْ مَعَ أَيْدِينَا، وَلا نُقَاتِلُكُمْ حَتَّى تُقَاتِلُونَا] . قَالَ أَبُو مخنف عن عَبْدِ الْمَلِكِ بن أبي حرة: إن عَلِيًّا لما بعث أبا مُوسَى لإنفاذ الحكومة لقيت الخوارج بعضها بعضا، فاجتمعوا فِي منزل عَبْد اللَّهِ بن وهب الراسبي، فَحَمِدَ اللَّهَ عَبْد اللَّهِ بن وهب وأثنى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بعد، فو الله مَا ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن، وينيبون إِلَى حكم القرآن، أن تكون هَذِهِ الدُّنْيَا، الَّتِي الرضا بها والركون بها والإيثار إياها عناء وتبار، آثر عندهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بالحق، وإن من وضر فإنه من يمن ويضر فِي هَذِهِ الدُّنْيَا فإن ثوابه يوم الْقِيَامَة رضوان اللَّه ﷿ والخلود فِي جناته فاخرجوا بنا إخواننا من هَذِهِ القرية الظالم أهلها إِلَى بعض كور الجبال أو إِلَى بعض هَذِهِ المدائن، منكرين لهذه البدع المضلة. فَقَالَ لَهُ حُرْقُوص بن زهير: إن المتاع بهذه الدُّنْيَا قليل، وإن الفراق لها وشيك، فلا تدعونكم زينتها وبهجتها إِلَى المقام بِهَا، وَلا تلفتنكم عن طلب الحق، وإنكار الظلم، ف إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ فقال حمزهابن سنان الأسدي: يَا قوم، إن الرأي مَا رأيتم، فولوا أمركم رجلا مِنْكُمْ، فإنه لا بد لكم من عماد وسناد وراية تحفون بِهَا، وترجعون إِلَيْهَا فعرضوها عَلَى زَيْد بن حصين الطَّائِيّ فأبى، وعرضوها عَلَى حُرْقُوص بن زهير فأبى، وعلى حمزة بن سنان وشريح بن أوفى العبسي فأبيا، وعرضوها عَلَى عَبْد الله ابن وهب، فَقَالَ: هاتوها، أما وَاللَّهِ لا آخذها رغبة فِي الدُّنْيَا، وَلا أدعها فرقا من الموت فبايعوه لعشر خلون من شوال- وَكَانَ يقال لَهُ ذو الثفنات- ثُمَّ اجتمعوا فِي منزل شريح بن أوفى العبسي، فَقَالَ ابن وهب: اشخصوا بنا إِلَى بلدة نجتمع فِيهَا لإنفاذ حكم اللَّه، فإنكم أهل الحق قَالَ شريح: نخرج إِلَى المدائن فننزلها، ونأخذ بأبوابها، ونخرج منها سكانها، ونبعث إِلَى إخواننا من أهل الْبَصْرَة فيقدمون علينا فَقَالَ زَيْد بن حصين: إنكم إن خرجتم مجتمعين اتبعتم، ولكن اخرجوا وحدانا مستخفين، فأما المدائن فإن بِهَا من يمنعكم، ولكن سيروا حَتَّى تنزلوا جسر النهروان، وتكاتبوا إخوانكم من أهل الْبَصْرَة قَالُوا: هَذَا الرأي. وكتب عَبْد اللَّهِ بن وهب إِلَى من بِالْبَصْرَةِ مِنْهُمْ يعلمهم مَا اجتمعوا عَلَيْهِ، ويحثهم عَلَى اللحاق بهم، وسير الكتاب إِلَيْهِم، فأجابوه أَنَّهُمْ عَلَى اللحاق بِهِ. فلما عزموا عَلَى المسير تعبدوا ليلتهم- وكانت ليلة الجمعة ويوم الجمعة- وساروا يوم السبت، فخرج شريح بن أوفى العبسي وَهُوَ يتلو قول اللَّه تعالى: «فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ» . وخرج معهم طرفة بن عدي بن حاتم الطَّائِيّ، فاتبعه أبوه فلم يقدر عَلَيْهِ، فانتهى إِلَى المدائن ثُمَّ رجع، فلما بلغ ساباط لقيه عَبْد اللَّهِ بن وهب الراسبي فِي نحو عشرين فارسا، فأراد عَبْد اللَّهِ قتله، فمنعه عَمْرو بن مالك النبهاني وبشر بن زَيْد البولاني وأرسل عدي إِلَى سعد بن مسعود عامل علي عَلَى المدائن يحذرهأمرهم، فحذر، وأخذ أبواب المدائن، وخرج فِي الخيل واستخلف بِهَا ابن أخيه المختار بن أبي عبيد، وسار فِي طلبهم، فأخبر عَبْد اللَّهِ بن وهب خبره فرابأ طريقه، وسار عَلَى بغداد، ولحقهم سعد بن مسعود بالكرخ في خمسمائة فارس عِنْدَ المساء، فانصرف إِلَيْهِم عَبْد اللَّهِ فِي ثَلاثِينَ فارسا، فاقتتلوا ساعة، وامتنع القوم مِنْهُمْ، وَقَالَ أَصْحَاب سعد لسعد: مَا تريد من قتال هَؤُلاءِ ولم يأتك فِيهِمْ أمر! خلهم فليذهبوا، واكتب إِلَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، فإن أمرك باتباعهم اتبعتهم، وإن كفاكهم غيرك كَانَ فِي ذَلِكَ عافية لك فأبى عَلَيْهِم، فلما جن عَلَيْهِم الليل خرج عَبْد اللَّهِ بن وهب فعبر دجلة إِلَى أرض جوخى، وسار إِلَى النهروان، فوصل إِلَى أَصْحَابه وَقَدْ أيسوا مِنْهُ، وَقَالُوا: إن كَانَ هلك ولينا الأمر زَيْد بن حصين أو حُرْقُوص بن زهير، وسار جماعة من أهل الْكُوفَة يريدون الخوارج ليكونوا معهم، فردهم أهلوهم كرها، مِنْهُمُ القعقاع بن قيس الطَّائِيّ عم الطرماح بن حكيم، وعبد اللَّه بن حكيم بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ البكائي، وبلغ عَلِيًّا أن سَالم بن رَبِيعَة العبسي يريد الخروج، فأحضره عنده، ونهاه فانتهى. ولما خرجت الخوارج من الْكُوفَة أتى عَلِيًّا أَصْحَابه وشيعته فبايعوه وَقَالُوا: نحن أولياء من واليت، وأعداء من عاديت، فشرط لَهُمْ فِيهِ سنه رسول الله ص، فجاءه رَبِيعَة بن أبي شداد الخثعمي- وَكَانَ شهد مَعَهُ الجمل وصفين، وَمَعَهُ راية خثعم- فَقَالَ لَهُ: بايع عَلَى كتاب اللَّه وسنة رسول الله ص، فَقَالَ رَبِيعَة: عَلَى سنة أبي بكر وعمر، قَالَ لَهُ علي: ويلك! لو أن أبا بكر وعمر عملا بغير كتاب اللَّه وسنة رسول الله ص لم يكونا عَلَى شَيْء من الحق، فبايعه، فنظر إِلَيْهِ علي وَقَالَ: أما وَاللَّهِ لكأني بك وَقَدْ نفرت مع هَذِهِ الخوارج فقتلت، وكأني بك وَقَدْ وطئتك الخيل بحوافرها، فقتل يوم النهر مع خوارج الْبَصْرَة. وأما خوارج البصره فإنهم اجتمعوا في خمسمائة رجل، وجعلوا عليهم مسعر ابن فدكي التميمي، فعلم بهم ابن عَبَّاس، فأتبعهم أبا الأسود الدولى،فلحقهم بالجسر الاكبر، فتوافقوا حَتَّى حجز بينهم الليل، وأدلج مسعر بأَصْحَابه، وأقبل يعترض الناس وعلى مقدمته الأشرس بن عوف الشيباني، وسار حَتَّى لحق بعبد اللَّه بن وهب بالنهر فلما خرجت الخوارج وهرب أَبُو مُوسَى إِلَى مكة، ورد علي ابن عَبَّاس إِلَى الْبَصْرَة، قام فِي الْكُوفَة فخطبهم فَقَالَ: الحمد لِلَّهِ وإن أتى الدهر بالخطب الفادح، والحدثان الجليل، وأشهد أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ، أَمَّا بَعْدُ، فإن المعصية تورث الحسرة، وتعقب الندم، وَقَدْ كنت أمرتكم فِي هَذَيْنِ الرجلين وفي هَذِهِ الحكومة أمري، ونحلتكم رأيي، لو كَانَ لقصير أمر! ولكن أبيتم إلا مَا أردتم، فكنت أنا وَأَنْتُمْ كما قَالَ أخو هوازن: أمرتهم أمري بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد أَلا إن هَذَيْنِ الرجلين اللذين اخترتموهما حكمين قَدْ نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما، وأحييا مَا أمات القرآن، واتبع كل واحد منهما هواه بغير هدى من اللَّه، فحكما بغير حجة بينة، وَلا سنة ماضية، واختلفا فِي حكمهما، وكلاهما لم يرشد، فبرئ اللَّه منهما ورسوله وصالح الْمُؤْمِنِينَ. استعدوا وتأهبوا للمسير إِلَى الشام، وأصبحوا فِي معسكركم إِنْ شَاءَ اللَّهُ يوم الاثنين ثُمَّ نزل وكتب إِلَى الخوارج بالنهر: بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من عَبْد اللَّه علي أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، إِلَى زَيْد بن حصين وعبد اللَّه بن وهب ومن مَعَهُمَا مِنَ النَّاسِ. أَمَّا بَعْدُ، فإن هَذَيْنِ الرجلين اللذين ارتضينا حكمهما قَدْ خالفا كتاب اللَّه، واتبعا أهواءهما بغير هدى من اللَّه، فلم يعملا بالسنة، ولم ينفذا للقرآن حكما، فبرئ اللَّه ورسوله منهما والمؤمنون! فإذا بلغكم كتابي هَذَا فأقبلوا فإنا سائرون إِلَى عدونا وعدوكم، ونحن عَلَى الأمر الأول الذى كنا عوكتبوا إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ، فإنك لم تغضب لربك، إنما غضبت لنفسك، فإن شهدت عَلَى نفسك بالكفر، واستقبلت التوبة، نظرنا فِيمَا بيننا وبينك، وإلا فقد نابذناك عَلَى سواء إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ فلما قرأ كتابهم أيس مِنْهُمْ، فرأى أن يدعهم ويمضي بِالنَّاسِ إِلَى أهل الشام حَتَّى يلقاهم فيناجزهم. قَالَ ابو مخنف، عن المعلى بن كليب الهمدانى، عن جبر بن نوف أبي الوداك الهمداني: إن عَلِيًّا لما نزل بالنخيلة وأيس من الخوارج، قام فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فإنه من ترك الجهاد فِي اللَّه وأدهن فِي أمره كَانَ عَلَى شفا هلكه إلا أن يتداركه اللَّه بنعمة، فاتقوا اللَّه، وقاتلوا من حاد اللَّه، وحاول أن يطفئ نور اللَّه، قاتلوا الخاطئين الضالين، القاسطين المجرمين، الَّذِينَ ليسوا بقراء للقرآن، وَلا فقهاء فِي الدين، وَلا علماء فِي التأويل، وَلا لهذا الأمر بأهل سابقة فِي الإِسْلام، وَاللَّهِ لو ولوا عَلَيْكُمْ لعملوا فيكم بأعمال كسرى وهرقل، تيسروا وتهيئوا للمسير إِلَى عدوكم من أهل المغرب، وَقَدْ بعثنا إِلَى إخوانكم من أهل الْبَصْرَة ليقدموا عَلَيْكُمْ، فإذا قدموا فاجتمعتم شخصنا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلا حول وَلا قوة إلا بِاللَّهِ. وكتب علي إِلَى عَبْد اللَّهِ بن عباس مع عتبة بن الأخنس بن قيس، من بني سعد بن بكر: أَمَّا بَعْدُ، فإنا قَدْ خرجنا إِلَى معسكرنا بالنخيلة، وَقَدْ أجمعنا عَلَى المسير إِلَى عدونا من أهل المغرب، فأشخص بِالنَّاسِ حَتَّى يأتيك رسولي، وأقم حَتَّى يأتيك أمري والسلام. فلما قدم عَلَيْهِ الكتاب قرأه عَلَى الناس، وامرهم بالشخوص مع الأحنف ابن قيس، فشخص معه منهم الف وخمسمائة رجل، فاستقلهم عَبْد اللَّهِ بن عَبَّاسٍ، فقام في الناس، فحمد اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ يَا أهل الْبَصْرَة، فإنه جاءني أمر أَمِير الْمُؤْمِنِينَ يأمرني بإشخاصكم، فأمرتكم بالنفير إِلَيْهِ مع الأحنف بن قيس، ولم يشخص معه منكم الا الف وخمسمائة،وَأَنْتُمْ ستون ألفا سوى أبنائكم وعبدانكم ومواليكم! أَلا انفروا مع جارية بن قدامة السعدي، وَلا يجعلن رجل عَلَى نفسه سبيلا، فإني موقع بكل من وجدته متخلفا عن مكتبه، عاصيا لإمامه، وقد امرت أبا الأسود الدولى بحشركم، فلا يلم رجل جعل السبيل عَلَى نفسه إلا نفسه. فخرج جارية فعسكر، وخرج أَبُو الأسود فحشر الناس، فاجتمع إِلَى جارية الف وسبعمائة، ثُمَّ أقبل حَتَّى وافاه علي بالنخيلة، فلم يزل بالنخيلة حَتَّى وافاه هَذَانِ الجيشان مِنَ الْبَصْرَةِ ثلاثة آلاف ومائتا رجل، فجمع إِلَيْهِ رءوس أهل الْكُوفَة، ورءوس الأسباع، ورءوس القبائل، ووجوه الناس. فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، أنتم إخواني وأنصاري، وأعواني عَلَى الحق، وصحابتي عَلَى جهاد عدوي المحلين بكم، أضرب المدبر، وأرجو تمام طاعة المقبل، وَقَدْ بعثت إِلَى أهل الْبَصْرَة فاستنفرتهم إليكم، فلم يأتني مِنْهُمْ إلا ثلاثة آلاف ومائتا رجل، فأعينوني بمناصحة جلية خلية من الغش، إنكم مخرجنا إِلَى صفين، بل استجمعوا بأجمعكم، وإني أسألكم أن يكتب لي رئيس كل قوم مَا فِي عشيرته من المقاتلة وأبناء المقاتلة الَّذِينَ أدركوا القتال وعبدان عشيرته ومواليهم، ثُمَّ يرفع ذَلِكَ إلينا. فقام سَعِيد بن قيس الهمداني، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، سمعا وطاعة، وودا ونصيحة، أنا أول الناس جَاءَ بِمَا سألت، وبما طلبت وقام معقل بن قيس الرياحي فَقَالَ لَهُ نحوا من ذَلِكَ، وقام عدي بن حاتم وزياد بن خصفة وحجر بن عدي وأشراف الناس والقبائل فَقَالُوا مثل ذَلِكَ. ثُمَّ إن الرءوس كتبوا من فِيهِمْ، ثُمَّ رفعوهم إِلَيْهِ، وأمروا أبناءهم وعبيدهم ومواليهم أن يخرجوا معهم، وألا يتخلف مِنْهُمْ عَنْهُمْ أحد، فرفعوا إِلَيْهِ أربعين ألف مقاتل، وسبعة عشر ألفا من الأبناء ممن أدرك، وثمانية آلاف من مواليهم وعبيدهم، وَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أما من عندنا من المقاتلة وأبناء المقاتلة ممن قَدْ بلغ الحلم، وأطاق القتال، فقد رفعنا إليك مِنْهُمْ ذوي القوة والجلد، وأمرناهم بالشخوص معنا، ومنهم ضعفاء، وهم فِي ضياعنا وأشياء مما يصلحناوكانت العرب سبعة وخمسين ألفا من أهل الْكُوفَة، ومن مواليهم ومماليكهم ثمانية آلاف، وَكَانَ جميع أهل الْكُوفَة خمسة وستين ألفا، وثلاثة آلاف ومائتي رجل من أهل الْبَصْرَة، وَكَانَ جميع من مَعَهُ ثمانية وستين ألفا ومائتي رجل. قَالَ أَبُو مخنف، عن أبي الصلت التيمى: ان عليا كتب الى سعد ابن مسعود الثقفي- وَهُوَ عامله عَلَى المدائن: أَمَّا بعد، فانى قد بعثت إليك زياد ابن خصفة فأشخص مَعَهُ من قبلك من مقاتلة أهل الْكُوفَة، وعجل ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّه وَلا قوة إلا بِاللَّهِ. قَالَ: وبلغ عَلِيًّا أن الناس يقولون: لو سار بنا إِلَى هَذِهِ الحرورية فبدأنا بهم، فإذا فرغنا مِنْهُمْ وجهنا من وجهنا ذَلِكَ إِلَى المحلين! فقام في الناس فحمد اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فإنه قَدْ بلغني قولكم: لو أن أَمِير الْمُؤْمِنِينَ سار بنا إِلَى هَذِهِ الخارجة الَّتِي خرجت عَلَيْهِ فبدأنا بهم، فإذا فرغنا مِنْهُمْ وجهنا إِلَى المحلين، وإن غير هَذِهِ الخارجة أهم إلينا مِنْهُمْ، فدعوا ذكرهم، وسيروا إِلَى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا جبارين ملوكا، ويتخذوا عباد اللَّه خولا. فتنادى الناس من كل جانب: سر بنا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَيْثُ أحببت قَالَ: فقام إِلَيْهِ صيفي بن فسيل الشيباني فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، نحن حزبك وأنصارك، نعادي من عاديت، ونشايع من أناب إِلَى طاعتك، فسر بنا إِلَى عدوك، من كَانُوا وأينما كَانُوا، فإنك ان شاء الله لن تؤتى من قلة عدد، وَلا ضعف نية أتباع وقام اليه محرز بن شهاب التميمى من بني سعد فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، شيعتك كقلب رجل واحد فِي الإجماععَلَى نصرتك، والجد فِي جهاد عدوك، فأبشر بالنصر، وسر بنا إِلَى أي الفريقين أحببت، فإنا شيعتك الَّذِينَ نرجو فِي طاعتك وجهاد من خالفك صالح الثواب، ونخاف فِي خذلانك والتخلف عنك شدة الوبال. حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ كَانَ مِنَ الْخَوَارِجِ ثُمَّ فَارَقَهُمْ، قَالَ: دَخَلُوا قَرْيَةً، فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ذُعْرًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ، فَقَالُوا: لَمْ تُرَعْ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ ذَعَّرْتُمُونِي! قَالُوا: أَأَنْتَ عبد الله بن خباب صاحب رسول الله ص؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: فَهَلْ سَمِعْتَ مِنْ أَبِيكَ حديثا يحدث به عن رسول الله ص أَنَّهُ ذَكَرَ فِتْنَةً، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي؟ قَالَ: فَإِنْ أَدْرَكْتُمْ ذَلِكَ فَكُنْ يَا عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ- قَالَ أَيُّوبُ: وَلا أَعْلَمُهُ إِلا قَالَ: وَلا تَكُنْ يَا عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِلَ- قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَقَدَّمُوهُ عَلَى ضِفَّةِ النَّهْرِ، فَضَرَبُوا عُنُقَهُ، فَسَالَ دَمُهُ كَأَنَّهُ شِرَاكُ نَعْلٍ، وَبَقَرُوا بَطْنَ أُمِّ وَلَدِهِ عَمَّا فِي بَطْنِهَا. قَالَ أَبُو مخنف عن عطاء بن عجلان، عن حميد بن هلال: إن الخارجة الَّتِي أقبلت مِنَ الْبَصْرَةِ جاءت حَتَّى دنت من إخوانها بالنهر، فخرجت عصابة مِنْهُمْ، فإذا هم برجل يسوق بامرأة عَلَى حمار، فعبروا إِلَيْهِ، فدعوه فتهددوه وأفزعوه، وَقَالُوا لَهُ: من أنت؟ قَالَ: أنا عَبْد الله بن خباب صاحب رسول الله ص، ثُمَّ أهوى إِلَى ثوبه يتناوله من الأرض- وَكَانَ سقط عنه لما أفزعوه- فَقَالُوا لَهُ: أفزعناك؟ قَالَ: نعم، قَالُوا لَهُ: لا روع عَلَيْك! [فحدثنا عن أبيك بحديث سمعه من النبي ص، لعل اللَّه ينفعنا بِهِ! قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، عن رسول الله ص، أن فتنة تكون، يموت فِيهَا قلب الرجل كما يموت فِيهَا بدنه، يمسي فِيهَا مؤمنا ويصبح فِيهَا كافرا، ويصبح فِيهَا كافرا ويمسي فِيهَا مؤمنا،] فَقَالُوا: لهذا الحديث سألناك، فما تقول فِي أبي بكر وعمر؟ فأثنى عليهما خيرا، قَالُوا: مَا تقولفِي عُثْمَان فِي أول خلافته وفي آخرها؟ قَالَ: إنه كَانَ محقا فِي أولها وفي آخرها، قَالُوا: فما تقول فِي علي قبل التحكيم وبعده؟ قَالَ: إنه أعلم بِاللَّهِ مِنْكُمْ، وأشد توقيا عَلَى دينه، وأنفذ بصيرة فَقَالُوا: إنك تتبع الهوى، وتوالي الرجال عَلَى أسمائها لا عَلَى أفعالها، وَاللَّهِ لنقتلنك قتلة مَا قتلناها أحدا، فأخذوه فكتفوه ثُمَّ أقبلوا بِهِ وبامرأته وَهِيَ حبلى متم حَتَّى نزلوا تحت نخل مواقر، فسقطت مِنْهُ رطبة، فأخذها أحدهم فقذف بِهَا فِي فمه، فَقَالَ أحدهم: بغير حلها، وبغير ثمن! فلفظها وألقاها من فمه، ثم أخذ سيفه فاخذ يمينه، فمر بِهِ خنزير لأهل الذمة فضربه بسيفه، فَقَالُوا: هَذَا فساد فِي الأرض، فأتى صاحب الخنزير فأرضاه من خنزيره، فلما رَأَى ذَلِكَ مِنْهُمُ ابن خباب قَالَ: لَئِنْ كنتم صادقين فِيمَا أَرَى فما علي مِنْكُمْ بأس، إني لمسلم، مَا أحدثت فِي الإِسْلام حدثا، وَلَقَدْ أمنتموني، قلتم: لا روع عَلَيْك! فجاءوا بِهِ فأضجعوه فذبحوه، وسال دمه فِي الماء، وأقبلوا إِلَى المرأة، فَقَالَتْ: إني إنما أنا امرأة، أَلا تتقون اللَّه! فبقروا بطنها، وقتلوا ثلاث نسوة من طيئ، وقتلوا أم سنان الصيداوية، فبلغ ذَلِكَ عَلِيًّا ومن مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ من قتلهم عَبْد اللَّهِ بن خباب، واعتراضهم الناس، فبعث إِلَيْهِم الْحَارِث بن مُرَّةَ العبدي ليأتيهم فينظر فِيمَا بلغه عَنْهُمْ، ويكتب بِهِ إِلَيْهِ عَلَى وجهه، وَلا يكتمه فخرج حَتَّى انتهى إِلَى النهر ليسائلهم، فخرج القوم إِلَيْهِ فقتلوه، وأتى الخبر أَمِير الْمُؤْمِنِينَ والناس، فقام إِلَيْهِ الناس، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، علام تدع هَؤُلاءِ وراءنا يخلفوننا فِي أموالنا وعيالنا! سر بنا إِلَى القوم فإذا فرغنا مما بيننا وبينهم سرنا إِلَى عدونا من أهل الشام. وقام إِلَيْهِ الأشعث بن قيس الكندي فكلمه بمثل ذَلِكَ وَكَانَ الناس يرون أن الأشعث يرى رأيهم لأنه كَانَ يقول يوم صفين: أنصفنا قوم يدعون إِلَى كتاب اللَّه، فلما أمر عَلِيًّا بالمسير إِلَيْهِم علم الناس أنه لَمْ يَكُنْ يرى رأيهم فأجمع عَلَى ذَلِكَ، فنادى بالرحيل،وخرج فعبر الجسر فصلى ركعتين بالقنطرة، ثُمَّ نزل دير عبد الرَّحْمَن، ثُمَّ دير أبي مُوسَى، ثُمَّ أخذ عَلَى قرية شاهي، ثُمَّ عَلَى دباها، ثُمَّ عَلَى شاطئ الفرات، فلقيه فِي مسيره ذَلِكَ منجم، أشار عَلَيْهِ بسير وقت من النهار، وَقَالَ لَهُ: إن سرت فِي غير ذَلِكَ الوقت لقيت أنت وأَصْحَابك ضرا شديدا فخالفه، وسار فِي الوقت الَّذِي نهاه عن السير فِيهِ، [فلما فرغ من النهر حمد اللَّه وأثنى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: لو سرنا فِي الساعة الَّتِي أمرنا بِهَا المنجم لقال الجهال الَّذِينَ لا يعلمون: سار فِي الساعة الَّتِي أمره بِهَا المنجم فظفر] . قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي يُوسُف بن يَزِيدَ، عن عَبْد اللَّهِ بن عوف، قَالَ: لما أراد علي المسير إِلَى أهل النهر من الأنبار، قدم قيس بن سَعْدِ بْنِ عبادة وأمره أن يأتي المدائن فينزلها حَتَّى يأمره بأمره، ثُمَّ جَاءَ مقبلا إِلَيْهِم، ووافاه قيس وسعد بن مسعود الثقفي بالنهر، [وبعث إِلَى أهل النهر: ادفعوا إلينا قتلة إخواننا مِنْكُمْ نقتلهم بهم، ثُمَّ أنا تارككم وكاف عنكم حَتَّى ألقى أهل الشام، فلعل اللَّه يقلب قلوبكم، ويردكم إِلَى خير مما أنتم عَلَيْهِ من أمركم فبعثوا إِلَيْهِ، فَقَالُوا: كلنا قتلتهم، وكلنا نستحل دماءهم ودماءكم] . قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي الْحَارِث بن حصيرة، عن عبد الرَّحْمَن بن عبيد أبي الكنود، أن قيس بن سَعْدِ بْنِ عبادة قَالَ لَهُمْ: عباد اللَّه، أخرجوا إلينا طلبتنا مِنْكُمْ، وادخلوا فِي هَذَا الأمر الَّذِي مِنْهُ خرجتم، وعودوا بنا إِلَى قتال عدونا وعدوكم، فإنكم ركبتم عظيما من الأمر، تشهدون علينا بالشرك، والشرك ظلم عظيم، وتسفكون دماء الْمُسْلِمِينَ، وتعدونهم مشركين! فَقَالَ عَبْد اللَّهِ بن شجرة السلمي: إن الحق قَدْ أضاء لنا، فلسنا نتابعكم أو تأتونا بمثل عمر، فَقَالَ: مَا نعلمه فينا غير صاحبنا، فهل تعلمونه فيكم؟ وَقَالَ: نشدتكم بِاللَّهِ فِي أنفسكم أن تهلكوها، فإني لأرى الْفِتْنَة قَدْ غلبت عَلَيْكُمْ!وخطبهم أَبُو أيوب خَالِد بن زَيْد الأَنْصَارِيّ، فَقَالَ: عباد اللَّه، إنا وإياكم عَلَى الحال الأولى الَّتِي كنا عَلَيْهَا، ليست بيننا وبينكم فرقة، فعلام تقاتلوننا؟ فَقَالُوا: إنا لو بايعناكم الْيَوْم حكمتم غدا قَالَ: فإني أنشدكم اللَّه أن تعجلوا فتنة العام مخافة مَا يأتي فِي قابل. قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي مالك بن أعين، عن زَيْد بن وهب، أن عَلِيًّا أتى أهل النهر فوقف عَلَيْهِم فَقَالَ: أيتها العصابة الَّتِي أخرجتها عداوة المراء واللجاجة، وصدها عن الحق الهوى، وطمح بِهَا النزق، وأصبحت فِي اللبس والخطب العظيم، إني نذير لكم أن تصبحوا تلفيكم الأمة غدا صرعى بأثناء هَذَا النهر، وبأهضام هَذَا الغائط، بغير بينة من ربكم، وَلا برهان بين ألم تعلموا أني نهيتكم عن الحكومة، وأخبرتكم أن طلب القوم إياها مِنْكُمْ دهن ومكيدة لكم! ونبأتكم أن القوم ليسوا بأَصْحَاب دين وَلا قرآن، وأني أعرف بهم مِنْكُمْ، عرفتهم أطفالا ورجالا، فهم أهل المكر والغدر، وأنكم إن فارقتم رأيي جانبتم الحزم! فعصيتموني، حَتَّى أقررت بأن حكمت، فلما فعلت شرطت واستوثقت، فأخذت عَلَى الحكمين أن يحييا مَا أحيا القرآن، وأن يميتا مَا أمات القرآن، فاختلفا وخالفا حكم الكتاب والسنة، فنبذنا أمرهما، ونحن عَلَى أمرنا الأول، فما الَّذِي بكم؟ ومن أين أتيتم! قَالُوا: إنا حكمنا، فلما حكمنا أثمنا، وكنا بِذَلِكَ كافرين، وَقَدْ تبنا فإن تبت كما تبنا فنحن مِنْكَ ومعك، وإن أبيت فاعتزلنا فإنا منابذوك عَلَى سواء إن اللَّه لا يحب الخائنين فَقَالَ علي: أصابكم حاصب، وَلا بقي مِنْكُمْ وابر! [أبعد إيماني برسول الله ص وهجرتي مَعَهُ، وجهادي فِي سبيل اللَّه، أشهد عَلَى نفسي بالكفر! لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ثُمَّ انصرف عَنْهُمْ] . قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي أَبُو سلمة الزُّهْرِيّ- وكانت أمه بنت انس ابن مالك- أن عَلِيًّا قَالَ لأهل النهر: يَا هَؤُلاءِ، إن أنفسكم قَدْ سولتلكم فراق هَذِهِ الحكومة الَّتِي أنتم ابتدأتموها وسألتموها وأنا لها كاره، وأنبأتكم أن القوم سالوكموها مكيده ود هنا، فأبيتم علي إباء المخالفين، وعدلتم عني عدول النكداء العاصين، حَتَّى صرفت رأيي إِلَى رأيكم، وَأَنْتُمْ وَاللَّهِ معاشر أخفاء الهام، سفهاء الأحلام، فلم آت- لا أبا لكم- حراما وَاللَّهِ مَا خبلتكم عن أموركم، وَلا أخفيت شَيْئًا من هَذَا الأمر عنكم، وَلا أوطأتكم عشوة، وَلا دنيت لكم الضراء، وإن كَانَ أمرنا لأمر الْمُسْلِمِينَ ظاهرا، فأجمع رأي ملئكم عَلَى أن اختاروا رجلين، فأخذنا عليهما أن يحكما بِمَا فِي القرآن وَلا يعدواه، فتاها وتركا الحق وهما يبصرانه، وَكَانَ الجور هواهما، وَقَدْ سبق استيثاقنا عليهما فِي الحكم بالعدل، والصد للحق سوء رأيهما، وجور حكمهما والثقة فِي أيدينا لأنفسنا حين خالفا سبيل الحق، وأتيا بِمَا لا يعرف، فبينوا لنا بماذا تستحلون قتالنا، والخروج من جماعتنا، إن اختار الناس رجلين أن تضعوا أسيافكم عَلَى عواتقكم، ثُمَّ تستعرضوا الناس، تضربون رقابهم، وتسفكون دماءهم! إن هَذَا لهو الخسران المبين وَاللَّهِ لو قتلتم عَلَى هَذَا دجاجة لعظم عِنْدَ اللَّه قتلها، فكيف بالنفس الَّتِي قتلها عِنْدَ اللَّه حرام! فتنادوا: لا تخاطبوهم، وَلا تكلموهم، وتهيئوا للقاء الرب، الرواح الرواح إِلَى الجنة! فخرج علي فعبأ الناس، فجعل عَلَى ميمنته حجر بن عدي، وعلى ميسرته شبث بن ربعي- أو معقل بن قيس الرياحي- وعلى الخيل أبا أيوب الأَنْصَارِيّ، وعلى الرجالة أبا قَتَادَة الأَنْصَارِيّ، وعلى أهل المدينة- وهم سبعمائة او ثمانمائه رجل- قيس بن سَعْدِ بْنِ عبادة. قَالَ: وعبأت الخوارج، فجعلوا عَلَى ميمنتهم زَيْد بن حصين الطَّائِيّ، وعلى الميسرة شريح بن أوفى العبسي، وعلى خيلهم حمزة بن سنان الأسدي، وعلى الرجالة حُرْقُوص بن زهير السعديقَالَ: وبعث علي الأسود بن يَزِيدَ المرادي فِي ألفي فارس، حَتَّى أتى حمزة بن سنان وهو في ثلاثمائة فارس من خيلهم، ورفع علي راية أمان مع أبي أيوب، فناداهم أَبُو أيوب: من جَاءَ هَذِهِ الراية مِنْكُمْ ممن لم يقتل ولم يستعرض فهو آمن، ومن انصرف مِنْكُمْ إِلَى الْكُوفَةِ أو إِلَى المدائن وخرج من هَذِهِ الجماعة فهو آمن، إنه لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة إخواننا مِنْكُمْ فِي سفك دمائكم فَقَالَ فروة بن نوفل الأشجعي: وَاللَّهِ مَا أدري عَلَى أي شَيْء نقاتل عَلِيًّا! لا أَرَى إلا أن أنصرف حَتَّى تنفذ لي بصيرتي فِي قتاله أو اتباعه. وانصرف في خمسمائة فارس، حتى نزل البندنيجين والد سكره، وخرجت طائفة أخرى متفرقين فنزلت الْكُوفَة، وخرج إِلَى علي مِنْهُمْ نحو من مائة، وكانوا أربعة آلاف، فكان الَّذِينَ بقوا مع عَبْد الله بن وهب منهم الفين وثمانمائه، وزحفوا إِلَى علي، وقدم علي الخيل دون الرجال، وصف الناس وراء الخيل صفين، وصف المرامية أمام الصف الأول، وَقَالَ لأَصْحَابه: كفوا عَنْهُمْ حَتَّى يبدءوكم، فإنهم لو قَدْ شدوا عَلَيْكُمْ- وجلهم رجال- لم ينتهوا إليكم إلا لاغبين وَأَنْتُمْ رادون حامون وأقبلت الخوارج، فلما أن دنوا مِنَ النَّاسِ نادوا يَزِيد بن قيس، فكان يَزِيد بن قيس عَلَى أصبهان فَقَالُوا: يَا يَزِيد بن قيس، لا حكم إلا لِلَّهِ، وإن كرهت إصبهان! فناداهم عباس ابن شريك وقبيصة بن ضبيعة العبسيان: يَا أعداء الله، اليس فيكم شريح ابن أوفى المسرف عَلَى نفسه؟ هل أنتم إلا أشباهه! قَالُوا: وما حجتكم عَلَى رجل كَانَتْ فِيهِ فتنة، وفينا توبة! ثُمَّ تنادوا: الرواح الرواح إِلَى الجنة! فشدوا عَلَى الناس والخيل أمام الرجال، فلم تثبت خيل الْمُسْلِمِينَ لشدتهم، وافترقت الخيل فرقتين: فرقة نحو الميمنة، وأخرى نحو الميسرة، وأقبلوا نحو الرجال، فاستقبلت المرامية وجوههم بالنبل، وعطفت عَلَيْهِم الخيل من الميمنة والميسره، ونهض اليهم الرجال بالرماح والسيوف، فو الله مَا لبثوهم أن أناموهم. ثُمَّ إن حمزة بن سنان صاحب خيلهم لما رَأَى الهلاك نادى أَصْحَابه أن انزلوا، فذهبوا لينزلوا فلم يتقاروا حَتَّى حمل عَلَيْهِم الأسود بن قيس المرادي، وجاءتهم الخيل من نحو علي، فأهمدوا في الساعةقَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي عَبْد الْمَلِكِ بن مسلم بن سلام بن ثمامة الحنفي، عن حكيم بن سَعْدٍ، قَالَ: مَا هُوَ إلا أن لقينا أهل الْبَصْرَة، فما لبثناهم، فكأنما قيل لَهُمْ: موتوا، فماتوا قبل أن تشتد شوكتهم، وتعظم نكايتهم. قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي أَبُو جناب، أن أبا أيوب أتى عَلِيًّا، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قتلت زَيْد بن حصين، قَالَ: فما قلت لَهُ وما قَالَ لك؟ قَالَ: طعنته بالرمح فِي صدره حَتَّى نجم من ظهره، قَالَ: وقلت لَهُ: أبشر يَا عدو اللَّه بالنار! قَالَ: ستعلم أينا أولى بِهَا صليا، فسكت علي عَلَيْهَا. قَالَ أَبُو مخنف، عن أبي جناب: أن عَلِيًّا قَالَ لَهُ: هُوَ أولى لها صليا. قَالَ: وجاء عائذ بن حملة التميمي، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قتلت كلابا، قَالَ: أحسنت! أنت محق قتلت مبطلا وجاء هاني بن خطاب الأرحبي وزياد بن خصفة يحتجان فِي قتل عَبْد اللَّهِ بن وهب الراسبي، فَقَالَ لهما: كيف صنعتما؟ فقالا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لما رأيناه عرفناه، وابتدرناه فطعناه برمحينا، فَقَالَ علي: لا تختلفا، كلاكما قاتل وشد جيش بن رَبِيعَة أَبُو المعتمر الكناني عَلَى حُرْقُوص بن زهير فقتله، وشد عَبْد اللَّهِ بن زحر الخولاني عَلَى عَبْد اللَّهِ بن شجرة السلمي فقتله، ووقع شريح بن أوفى إِلَى جانب جدار، فقاتل عَلَى ثلمة فِيهِ طويلا من نهار، وَكَانَ قتل ثلاثة من همدان، فأخذ يرتجز ويقول: قَدْ علمت جارية عبسيه ناعمة فِي أهلها مكفيه أني سأحمي ثلمتي العشيه فشد عَلَيْهِ قيس بن مُعَاوِيَة الدهني فقطع رجله، فجعل يقاتلهم، ويقول: القرم يحمي شوله معقولا. ثُمَّ شد عَلَيْهِ قيس بن مُعَاوِيَة فقتله، فَقَالَ الناس: اقتتلت همدان يَوْمًا ورجل اقتتلوا من غدوة حَتَّى الأصلففتح اللَّه لهمدان الرجل وَقَالَ شريح: أضربهم ولو أَرَى أبا حسن ضربته بالسيف حَتَّى يطمئن وَقَالَ: أضربهم ولو أَرَى عَلِيًّا ألبسته أبيض مشرفيا قَالَ أَبُو مخنف: حَدَّثَنِي عَبْد الْمَلِكِ بن أبي حرة، [أن عَلِيًّا خرج فِي طلب ذي الثدية وَمَعَهُ سُلَيْمَان بن ثمامة الحنفي أَبُو جبرة، والريان بن صبرة ابن هوذة، فوجده الريان بن صبرة بن هوذة فِي حفرة عَلَى شاطئ النهر فِي أربعين أو خمسين قتيلا قَالَ: فلما استخرج نظر إِلَى عضده، فإذا لحم مجتمع عَلَى منكبه كثدي المرأة، لَهُ حلمة عَلَيْهَا شعرات سود، فإذا مدت امتدت حَتَّى تحاذي طول يده الأخرى، ثُمَّ تترك فتعود إِلَى منكبه كثدي المرأة، فلما استخرج قَالَ علي: اللَّه أكبر! وَاللَّهِ مَا كذبت وَلا كذبت، أما وَاللَّهِ لولا أن تنكلوا عن العمل، لأخبرتكم بِمَا قضى الله على لسان نبيه ص لمن قاتلهم مستبصرا فِي قتالهم، عارفا للحق الذى نحن عليه. قال: ثم بر وهم صرعى فَقَالَ: بؤسا لكم! لقد ضركم من غركم، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، من غرهم؟ قَالَ: الشَّيْطَان، وأنفس بالسوء أمارة، غرتهم بالأماني، وزينت لَهُمُ المعاصي، ونبأتهم أَنَّهُمْ ظاهرون] قَالَ: وطلب من بِهِ رمق مِنْهُمْ فوجدناهم أربعمائة رجل، فأمر بهم علي فدفعوا إِلَى عشائرهم، وَقَالَ: احملوهم معكم فداووهم، فإذا برئوا فوافوا بهم الْكُوفَة، وخذوا مَا فِي عسكرهم من شَيْء. قَالَ: وأما السلاح والدواب وما شهدوا بِهِ عَلَيْهِ الحرب فقسمه بين الْمُسْلِمِينَ، وأما المتاع والعبيد والإماء فإنه حين قدم رده عَلَى أهله. وطلب عدي بن حاتم ابنه طرفة فوجده، فدفنه، ثُمَّ قَالَ: الحمد لِلَّهِ الَّذِي ابتلاني بيومك عَلَى حاجتي إليك ودفن رجال مِنَ النَّاسِ قتلاهم،فَقَالَ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ حين بلغه ذَلِكَ: ارتحلوا إذا، أتقتلونهم ثُمَّ تدفنونهم! فارتحل الناس. قَالَ أَبُو مخنف عن مجاهد، عن المحل بن خليفة: أن رجلا مِنْهُمْ من بني سدوس يقال لَهُ العيزار بن الأخنس كَانَ يرى رأي الخوارج، خرج إِلَيْهِم، فاستقبل وراء المدائن عدي بن حاتم وَمَعَهُ الأسود بن قيس والأسود بن يَزِيدَ المراديان، فَقَالَ لَهُ العيزار حين استقبله: أسالم غانم، أم ظالم آثم؟ فَقَالَ عدي: لا، بل سَالم غانم، فَقَالَ له المراديان: ما قلت هَذَا إلا لشر فِي نفسك، وإنك لنعرفك يَا عيزار برأي القوم، فلا تفارقنا حَتَّى نذهب بك إِلَى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ فنخبره خبرك فلم يكن بأوشك أن جَاءَ علي فأخبراه خبره، وقالا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنه يرى رأي القوم، قَدْ عرفناه بِذَلِكَ، فَقَالَ: مَا يحل لنا دمه، ولكنا نحبسه، فَقَالَ عدي بن حاتم: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، ادفعه الى وانا اضمن الا يأتيك من قبله مكروه فدفعه إِلَيْهِ. قَالَ ابو مخنف: حدثنى عمران بن حدير، عن أبي مجلز، عن عبد الرَّحْمَن بن جندب بن عَبْدِ اللَّهِ، إنه لم يقتل من أَصْحَاب علي إلا سبعة. قَالَ أَبُو مخنف، عن نمير بن وعله اليناعى، عن أبي درداء، قَالَ: كَانَ علي لما فرغ من أهل النهروان حمد اللَّه وأثنى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إن اللَّه قَدْ أحسن بكم، وأعز نصركم، فتوجهوا من فوركم هَذَا إِلَى عدوكم قَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، نفدت نبالنا، وكلت سيوفنا، ونصلت أسنة رماحنا، وعاد أكثرها قصدا، فارجع إِلَى مصرنا، فلنستعد بأحسن عدتنا، ولعل أَمِير الْمُؤْمِنِينَ يَزِيد فِي عدتنا عده من هلك منا، فإنه أوفى لنا عَلَى عدونا وَكَانَ الَّذِي تولى ذَلِكَ الكلام الأشعث بن قيس، فأقبل حَتَّى نزل النخيلة، فأمر الناس أن يلزموا عسكرهم، ويوطنوا عَلَى الجهاد أنفسهم، وأن يقلوا زيارة نسائهم وأبنائهم حَتَّى يسيروا إِلَى عدوهم، فأقاموا فِيهِ أياما، ثمتسللوا من معسكرهم، فدخلوا إلا رجالا من وجوه الناس قليلا، وترك العسكر خاليا، فلما رَأَى ذَلِكَ دخل الْكُوفَة، وانكسر عَلَيْهِ رأيه فِي المسير. قَالَ أَبُو مخنف عمن ذكره، عن زيد بن وهب: أن عليا قال لِلنَّاسِ- وَهُوَ أول كلام قاله لَهُمْ بعد النهر: أَيُّهَا النَّاسُ، استعدوا للمسير إِلَى عدو فِي جهاده القربة إِلَى اللَّهِ ودرك الوسيلة عنده حيارى فِي الحق، جفاة عن الكتاب، نكب عن الدين، يعمهون فِي الطغيان، ويعكسون في غمره الضلال، ف أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ، وتوكلوا عَلَى اللَّه، وكفى بِاللَّهِ وكيلا، وكفى بالله نصيرا! قال: فلاهم نفروا وَلا تيسروا، فتركهم أياما حَتَّى إذا أيس من أن يفعلوا، دعا رؤساءهم ووجوههم، فسألهم عن رأيهم، وما الَّذِي ينظرهم، فمنهم المعتل، ومنهم المكره، وأقلهم من نشط فقام فِيهِمْ خطيبا، فَقَالَ: عباد اللَّه، مَا لكم إذا أمرتكم أن تنفروا اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ! أرضيتم بالحياة الدُّنْيَا من الآخرة، وبالذل والهوان من العز! أو كلما ندبتكم إِلَى الجهاد دارت أعينكم كأنكم من الموت فِي سكرة، وكأن قلوبكم مألوسة فأنتم لا تعقلون! وكأن أبصاركم كمه فأنتم لا تبصرون لِلَّهِ أنتم! مَا أنتم إلا أسود الشرى فِي الدعة، وثعالب رواغة حين تدعون إِلَى البأس. مَا أنتم لي بثقة سجيس الليالي، مَا أنتم بركب يصال بكم، وَلا ذي عز يعتصم إِلَيْهِ لعمر اللَّه، لبئس حشاش الحرب أنتم! إنكم تكادون وَلا تكيدون، ويتنقص أطرافكم وَلا تتحاشون، وَلا ينام عنكم وَأَنْتُمْ فِي غفلة ساهون، إن أخا الحرب اليقظان ذو عقل، وبات لذل من وادع، وغلب المتجادلون، والمغلوب مقهور ومسلوب ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فإن لي عليكمحقا، وإن لكم علي حقا، فأما حقكم على فالنصيحة لكم مَا صحبتكم، وتوفير فيئكم عَلَيْكُمْ، وتعليمكم كيما لا تجهلوا، وتأديبكم كي تعلموا، وأما حقي عَلَيْكُمْ فالوفاء بالبيعة، والنصح لي فِي الغيب والمشهد، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم، فإن يرد اللَّه بكم خيرا انتزعتم عما أكره، وتراجعوا إِلَى مَا أحب، تنالوا مَا تطلبون، وتدركوا مَا تأملون. وَكَانَ غير أبي مخنف يقول: كَانَتِ الوقعة بين علي وأهل النهر سنة ثمان وثلاثين، وهذا القول عَلَيْهِ أكثر أهل السير. ومما يصححه أَيْضًا مَا حَدَّثَنِي بِهِ عُمَارَةَ الأَسَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا نعيم، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مريم أن شبث بن ربعي وابن الكواء خرجا من الْكُوفَة إِلَى حروراء، فأمر علي الناس أن يخرجوا بسلاحهم، فخرجوا إِلَى الْمَسْجِدِ حَتَّى امتلأ بهم، فأرسل إِلَيْهِم: بئس مَا صنعتم حين تدخلون المسجد بسلاحكم! اذهبوا إِلَى جبانة مراد حَتَّى يأتيكم أمري. قَالَ أَبُو مريم: فانطلقنا إِلَى جبانة مراد فكنا بِهَا ساعة من نهار، ثُمَّ بلغنا أن القوم قَدْ رجعوا وهم زاحفون قَالَ: فقلت: أنطلق أنا حَتَّى أنظر إِلَيْهِم، فانطلقت حَتَّى أتخلل صفوفهم، حَتَّى انتهيت إِلَى شبث بن ربعي وابن الكواء وهما واقفان متوركان عَلَى دابتيهما، وعندهما رسل علي وهم يناشدونهما اللَّه لما رجعا بِالنَّاسِ! ويقولون لَهُمْ: نعيذكم بِاللَّهِ أن تعجلوا بفتنة العام خشية عام قابل. فقام رجل إِلَى بعض رسل علي فعقر دابته، فنزل الرجل وَهُوَ يسترجع، فحمل سرجه، فانطلق بِهِ وهم يقولون: مَا طلبنا إلا منابذتهم، وهم يناشدونهم اللَّه، فمكثنا ساعة، ثُمَّ انصرفوا إِلَى الْكُوفَةِ كأنه يوم فطر أو أضحى. [قَالَ: وَكَانَ علي يحدثنا قبل ذَلِكَ أن قوما يخرجون من الإِسْلام يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، علامتهم رجل مخدج اليد] قَالَ: وسمعت ذَلِكَ مِنْهُ مرارا كثيرة، قَالَ: وسمعه نافع المخدج أَيْضًا- حَتَّى رأيته يتكره طعامه من كثرة مَا سمعه، يقول: وَكَانَ نافع معنا يصلي فِي المسجد بالنهار ويبيت فِيهِ بالليل، وَقَدْ كنت كسوته برنسا، فلقيته من الغد، فسألته: هل كَانَخرج مع الناس الَّذِينَ خرجوا إِلَى حروراء؟ فَقَالَ: خرجت أريدهم حَتَّى إذا بلغت إِلَى بني سعد، لقيني صبيان فنزعوا سلاحي، وتلعبوا بي، فرجعت حَتَّى إذا كَانَ الحول أو نحوه خرج أهل النهر، وسار علي إِلَيْهِم، فلم أخرج مَعَهُ وخرج أخي أَبُو عَبْد اللَّهِ قَالَ: فأخبرني أَبُو عَبْد اللَّهِ أن عَلِيًّا سار إِلَيْهِم حَتَّى إذا كَانَ حذاءهم عَلَى شط النهروان أرسل إِلَيْهِم يناشدهم اللَّه ويأمرهم أن يرجعوا، فلم تزل رسله تختلف إِلَيْهِم، حَتَّى قتلوا رسوله، فلما رَأَى ذَلِكَ نهض إِلَيْهِم فقاتلهم حَتَّى فرغ مِنْهُمْ، [ثُمَّ أمر أَصْحَابه أن يلتمسوا المخدج، فالتمسوه، فَقَالَ بعضهم: مَا نجده، حَتَّى قَالَ بعضهم: لا، مَا هُوَ فِيهِمْ ثُمَّ إنه جَاءَ رجل فبشره وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ وجدناه تحت قتيلين فِي ساقية فَقَالَ: اقطعوا يده المخدجة، وأتوني بِهَا، فلما أتي بِهَا أخذها ثُمَّ رفعها، وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا كذبت وَلا كذبت] . قَالَ أَبُو جَعْفَر: فقد أنبأ أَبُو مريم بقوله: فرجعت حَتَّى إذا كَانَ الحول أو نحوه، خرج أهل النهر، أن الحرب الَّتِي كَانَتْ بين علي وأهل حروراء كَانَتْ فِي السنة الَّتِي بعد السنة الَّتِي كَانَ فِيهَا إنكار أهل حروراء عَلَى علي التحكيم، وَكَانَ ابتداء ذَلِكَ فِي سنة سبع وثلاثين عَلَى مَا قَدْ ثبت قبل، وإذا كَانَ كذلك، وَكَانَ الأمر عَلَى مَا روينا من الخبر عن أبي مريم، كَانَ معلوما أن الوقعة كَانَتْ بينه وبينهم فِي سنة ثمان وثلاثين. وذكر عَلِيّ بْن مُحَمَّدٍ، عن عَبْد اللَّهِ بن ميمون، عَنْ عَمْرِو بْنِ شجيرة، عن جابر، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: بعث علي بعد ما رجع من صفين جعدة ابن هبيرة المخزومي، وأم جعدة أم هانئ بنت أبي طالب- إِلَى خُرَاسَان، فانتهى إِلَى أَبْرَشَهْر وَقَدْ كفروا وامتنعوا، فقدم عَلَى علي، فبعث خليد بن قرة اليربوعي فحاصر أهل نيسابور حَتَّى صالحوه، وصالحه أهل مرو. وحج بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السنة- أعني سنة سبع وثلاثين- عبيد اللَّهِ بن عَبَّاسٍ، وَكَانَ عامل علي عَلَى اليمن ومخاليفها وَكَانَ عَلَى مكة والطائف قثم بنالعباس، وعلى الْمَدِينَة سَهْل بن حنيف الأَنْصَارِيّ، وقيل: كان عليها تمام ابن العباس وَكَانَ عَلَى الْبَصْرَة عَبْد اللَّهِ بن العباس، وعلى قضائها أَبُو الأسود الدؤلي، وعلى مصر مُحَمَّد بن أبي بكر، وعلى خُرَاسَان خليد بن قرة اليربوعي. وقيل: إن عَلِيًّا لما شخص إِلَى صفين استخلف عَلَى الْكُوفَة أبا مسعود الأَنْصَارِيّ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ لَيْثًا ذَكَرَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ عَلِيٌّ إِلَى صفين استخلف على الكوفة أبا مسعود الأنصاري عُقْبَةَ بْنَ عَمْرٍو وَأَمَّا الشَّامُ فَكَانَ بِهَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَثُمَّ دخلت
  • reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 2533, entry [531]343 chars
    ما بِمَا فِي القرآن وَلا يعدواه، فتاها وتركا الحق وهما يبصرانه، وَكَانَ الجور هواهما، وَقَدْ سبق استيثاقنا عليهما فِي الحكم بالعدل، والصد للحق سوء رأيهما، وجور حكمهما والثقة فِي أيدينا لأنفسنا حين خالفا سبيل الحق، وأتيا بِمَا لا يعرف، فبينوا لنا بماذا تستحلون قتالنا، والخروج من جماعتنا، إن اختار الناس رجلين أن تضعوا أسيافكم عَلَى عواتقكم، ثُ
  • reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 2533, entry [531]343 chars
    فسه؟ هل أنتم إلا أشباهه! قَالُوا: وما حجتكم عَلَى رجل كَانَتْ فِيهِ فتنة، وفينا توبة! ثُمَّ تنادوا: الرواح الرواح إِلَى الجنة! فشدوا عَلَى الناس والخيل أمام الرجال، فلم تثبت خيل الْمُسْلِمِينَ لشدتهم، وافترقت الخيل فرقتين: فرقة نحو الميمنة، وأخرى نحو الميسرة، وأقبلوا نحو الرجال، فاستقبلت المرامية وجوههم بالنبل، وعطفت عَلَيْهِم الخيل من الميم
  • reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 2533, entry [531]346 chars
    بصرانه، وَكَانَ الجور هواهما، وَقَدْ سبق استيثاقنا عليهما فِي الحكم بالعدل، والصد للحق سوء رأيهما، وجور حكمهما والثقة فِي أيدينا لأنفسنا حين خالفا سبيل الحق، وأتيا بِمَا لا يعرف، فبينوا لنا بماذا تستحلون قتالنا، والخروج من جماعتنا، إن اختار الناس رجلين أن تضعوا أسيافكم عَلَى عواتقكم، ثُمَّ تستعرضوا الناس، تضربون رقابهم، وتسفكون دماءهم! إن هَذَا
  • reviewable assessment hintmatrukneeds reviewmedium confidencepage 2533, entry [531]344 chars
    ساعة، ثُمَّ انصرفوا إِلَى الْكُوفَةِ كأنه يوم فطر أو أضحى. [قَالَ: وَكَانَ علي يحدثنا قبل ذَلِكَ أن قوما يخرجون من الإِسْلام يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، علامتهم رجل مخدج اليد] قَالَ: وسمعت ذَلِكَ مِنْهُ مرارا كثيرة، قَالَ: وسمعه نافع المخدج أَيْضًا- حَتَّى رأيته يتكره طعامه من كثرة مَا سمعه، يقول: وَكَانَ نافع معنا يصلي فِي المس
  • reviewable assessment hintthiqaneeds reviewmedium confidencepage 2533, entry [531]343 chars
    ة، وكأن قلوبكم مألوسة فأنتم لا تعقلون! وكأن أبصاركم كمه فأنتم لا تبصرون لِلَّهِ أنتم! مَا أنتم إلا أسود الشرى فِي الدعة، وثعالب رواغة حين تدعون إِلَى البأس. مَا أنتم لي بثقة سجيس الليالي، مَا أنتم بركب يصال بكم، وَلا ذي عز يعتصم إِلَيْهِ لعمر اللَّه، لبئس حشاش الحرب أنتم! إنكم تكادون وَلا تكيدون، ويتنقص أطرافكم وَلا تتحاشون، وَلا ينام عنكم و

محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري

full-text

— · 6 entries

  • exact linked passagemedium confidencepage 1180, entry [476]9,167 chars
    ذكر ما كان من خبر الخوارج عند توجيه علي الحكم للحكومة وخبر يوم النهر ٢٧٠ - قال أبو مخنف: حدثني الأجلح بن عبد الله، عن سلمَة بن كُهَيل، عن كثير بن بَهْز الحضرميّ، قال: قام عليّ في الناس يخطبهم ذات يوم، فقال رجلٌ من جانب المسجد: لا حكمَ إلا لله، فقام آخرُ فقال مِثلَ ذلك، ثم تَوالى عدّة رجال يحكّمون، ف…
    ▸ expand full passage (9,167 chars)
    ذكر ما كان من خبر الخوارج عند توجيه علي الحكم للحكومة وخبر يوم النهر ٢٧٠ - قال أبو مخنف: حدثني الأجلح بن عبد الله، عن سلمَة بن كُهَيل، عن كثير بن بَهْز الحضرميّ، قال: قام عليّ في الناس يخطبهم ذات يوم، فقال رجلٌ من جانب المسجد: لا حكمَ إلا لله، فقام آخرُ فقال مِثلَ ذلك، ثم تَوالى عدّة رجال يحكّمون، فقال عليّ: الله أكبر؛ كلمة حقّ يلتمس بها باطل! أما إنّ لكم عندنا ثلاثًا ما صحبتمونا: لا نمنعكم مساجدَ الله أن تذكروا فيها اسمَه، ولا نمنعكم الفيءَ ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تبدؤونا؛ ثم رجع إلى مكانه الذي كان فيه من خطبته (١). (٥: ٧٣).٢٧١ - حدثنا أبو كُريب، قال: حدَّثنا ابن إدريس، قال: سمعت إسماعيل بن سَميع الحنفي؛ عن أبي رَزين، قال: لما وقع التحكيم ورجع عليّ من صفين رجعوا مُباينين له، فلمّا انتهوْا إلى النَّهر أقاموا به، فدخل عليّ في الناس الكوفة، ونزلوا بحَرُوراء، فبعث إليهم عبدَ الله بن عباس، فرجع ولم يصنع شيئًا، فخرج إليهم عليّ فكلّمهم حتى وقع الرِّضا بينه وبينهم، فدخلوا الكوفة، فأتاه رجل فقال: إنّ الناس قد تحدّثوا أنك رجعتَ لهم عن كُفرك. فخطب النَّاس في صلاة الظهر، فذكر أمرَهم فعابه؛ فوثبوا من نواحِي المسجد يقولون: لا حُكمَ إلا لله. واستقبله رجل منهم. واضع إصبعيه فِي أذنيه، فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ فقال عليّ: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ (١). (٥/ ٧٣ / ٧٤). ٢٧٢ - حدَّثنا أبو كُرَيب، قال: حدَّثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثَ بن أبي سُليم يذكر عن أصحابه، قال: جعل عليّ يقلّب يديه يقول يديه هكذا وهو على المنبر، فقال: حُكْمُ الله ﷿ يُنتَظر فيكم مرّتين، إنّ لكم عندنا ثلاثًا: لا نمنعكم صلاةً في هذا المسجد، ولا نمنعكم نصيبَكم من هذا الفيء ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتِلونا (٢). (٥: ٧٤). ٢٧٣ - حدّثني يعقوب، قال: حدّثني إسماعيل، قال: أخبرَنا أيُّوب عن حُميد بن هلال، عن رجل من عبد القيس كان من الخوارج ثم فارقهم، قال: دخلوا قريةً، فخرج عبد الله بن خبّاب صاحب رسول الله ذَعِرًا يجرّ رداءه، فقالوا: لم تُرَعْ؟ فقال: والله لقد ذَعَرْتموني! قالوا: أأنت عبد الله بن خبّابصاحب رسول الله ﷺ؟ قال: نعم؛ قالوا: فهل سمعتَ من أبيك حديثًا يحدِّث به عن رسول الله ﷺ أنه ذكر فتنةً، القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي؟ قال: فإن أدركتم ذلك فكن يا عبدَ الله المقتول -قال أيوب: ولا أعلمه إلا قال: "ولا تكن يا عبد الله القاتل"- قال: نعم؛ قال: فقدّموه على ضِفّة النهر، فضربوا عنقَه، فسال دمُه كأنه شِراكُ نعل، وبَقَروا بطنَ أمّ ولده عمّا في بطنها (١). (٥: ٨١). ٢٧٤ - قال أبو مخنف عن عطاء بن عجلان، عن حُميد بن هلال: إنّ الخارجة التي أقبلتْ من البصرة جاءت حتى دنتْ من إخوانها بالنَّهر، فخرجتْ عِصابة منهم، فإذا هم برجل يسوق بامرأة على حمار، فعبروا إليه، فدعوه فتهدّدوه وأفزعوه، وقالوا له: مَن أنت؟ قال: أنا عبد الله بن خبّاب صاحبُ رسول الله ﷺ، ثم أهَوى إلى ثوبه يتناوله من الأرض - وكان سقط عنه لما أفزعوه - فقالوا له: أفزعناك؟ قال: نعم؛ قالوا له: لا رَوْع عليك! فحدِّثنا عن أبيك بحديث سمعه من النبيّ ﷺ، لعلّ الله ينفعنا به! قال: حدّثني أبي، عن رسول الله ﷺ: "أنّ فتنة تكون، يموت فيها قلبُ الرجل كما يموتُ فيها بدنُه، يمسِي فيها مؤمنًا ويصبحُ فيها كافرًا، ويصبح فيها كافرًا ويمسِي فيها مؤمنًا"، فقالوا: لهذا الحديث سألناك، [فما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثَنَى عليهما خيرًا، قالوا: ما تقول في عثمانَ في أوّل خلافته وفي آخرِها؟ قال: إنه كان محقًّا في أوّلها وفي آخرها؛ قالوا: فما تقول في عليّ قبل التحكيم وبعده؟ قال: إنه أعلم بالله منكم، وأشدّ تَوقِّيًا على دينه، وأنفَذُ بصيرةً. فقالوا: إنك تتّبع الهوى، وتُوالِي الرّجال على أسمائها لا على أفعالها]، والله لنقتلنّك قتِلة ما قتلناها أحدًا، فأخذوه فكَتفوه ثم أقبلوا به وبامرأته وهي حُبلى مُتِمٌّ حتى نزلوا تحت نَخْل مَواقر، فسقطتْ منه رطبةٌ، فأخذها أحدهم فقذف بها في فمه، فقال أحدهم: بغير حلِّها، وبغير ثمن! فَلَفظها وألقاها من فمه، ثم أخذ سيفه فأخذ يمينه، فمرّ به خنزير لأهل الذمّة فضربَه بسيفه، فقالوا: هذا فسادٌ في الأرض، فأتى صاحبَالخنزير فأرضاه من خنزيره، فلما رأى ذلك منهم ابن خبّاب قال: لئن كنتم صادقين فيما أرى فما عليَّ منكم بأس، إني لَمُسلِم؛ ما أحدثتُ في الإسلام حَدَثًا، ولقد أمّنتموني، قلتم: لا رَوْع عليك! فجاؤوا به فأضجَعوه فذَبحوه، وسال دمه في الماء، وأقبَلوا إلى المرأة، فقالت: إنّي إنما أنا امرأة، ألّا تتقون الله! فبَقَروا بطنَها، وقتَلوا ثلاثَ نسوةٍ من طيّئ، وقتلوا أمَّ سِنان الصيّداويّة، فبلغ ذلك عليًّا ومن معه من المسلمين مِن قتلهم عبد الله بن خبّاب، واعتراضهم الناس، فبعث إليهم الحارثَ بن مرّة العبديّ ليأتيَهم فينظر فيما بلغه عنهم، ويكتبَ به إليه على وجهه، ولا يكتمه. فخرج حتى انتهى إلى النهر ليُسائلهم، فخرج القومُ إليه فقتلوه، وأتى الخبرُ أميرَ المؤمنين والناس، فقام إليه الناس، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين! عَلام تَدَع هؤلاء وراءنا يخلفوننا في أموالنا وعيالِنا! سِرْ بنا إلى القوم فإذا فرغنا مما بيننا وبينهم سِرْنا إلى عدوّنا من أهل الشام. وقام إليه الأشعث بن قيس الكِنْديّ فكلّمه بمثل ذلك. وكان الناس يَرَوْن: أن الأشعث يَرَى رأيَهم لأنه كان يقول يومَ صِفيّن: أنصفنَا قوم يدعون إلى كتاب الله، فلما أمر عليًّا بالمسير إليهم علم الناس أنه لم يكن يرى رأيهم. فأجمع على ذلك، فنادى بالرحيل، وخرج فعَبَر الجسر فصلّى ركعتين بالقنطرة، ثم نزل ديرَ عبد الرحمن، ثم دير أبي موسى، ثم أخذ على قرية شاهي، ثم على دَباها، ثم على شاطئ الفرات، فلقيَه في مسيره ذلك منجّم، أشار عليه بسير وقتٍ من النهار، وقال له: إن سرتَ في غير ذلك الوقت لقيت أنت وأصحابك ضرًّا شديدًا. فخالفه، وسار في الوقت الذي نهاه عن السير فيه، فلما فرغ من النهر حمد الله وأثنَى عليه ثم قال: لو سرنا في الساعة التي أمرنا بها المنجِّم لقال الجهّال الذين لا يعلمون: سار في الساعة التي أمره بها المنجّم فظفر (١). (٥: ٨١/ ٨٢ / ٨٣).٢٧٥ - وممّا يصحِّحه أيضًا ما حدّثني به عُمارة الأسديّ، قال: حدَّثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا نعيم، قال: حدّثني أبو مريم أن شَبَث بنَ رِبْعيّ وابن الكوّاء خرَجَا من الكُوفة إلى حَروراء، فأمر عليٌّ الناسَ أن يخرجوا بسلاحهم، فخرجوا إلى المسجد حتى امتلأ بهم، فأرسل إليهم: بئسَ ما صنعتمْ حين تدخلون المسجدَ بسلاحكم! اذهَبوا إلى جبّانة مُراد حتى يأتيَكم أمري. قال أبو مريم: فانطلقْنا إلى جبانة مُراد فكنّا بها ساعة من نهار، ثم بلغَنا أن القوم قد رجعوا وهم زاحفون. قال: ففلت: أنطلق أنا حتى أنظرَ إليهم، فانطلقت حتى أتخلّل صفوفَهم، حتى انتهيت إلى شَبَث بن رِبعيّ وابن الكوّاء وهما واقفان متورّكان على دابّتيهما، وعندهما رسل عليٍّ وهم يناشدونَهما الله لمّا رجعا بالناس! ويقولون لهم: نعيذكم بالله أن تعجَلوا بفتنة العام خشية عام قابل. فقام رجل إلى بعض رسل عليّ فعقر دابته، فنزل الرجل وهو يسترجع، فحمل سرجَه، فانطلق به وهم يقولون: ما طلبُنا إلا منابذتهم، وهم يناشدونهم الله، فمكثنا ساعة، ثم انصرفوا إلى الكُوفة كأنه يوم فِطْر أو أضحَى. قال: وكان عليٌّ يحدّثنا قبل ذلك: أنّ قومًا يَخرجون من الإسلام يَمرُقونمن الدين كما يَمرُق السهم من الرميّة، علامتهم رجل مخْدَج اليد. قال: وسمعتُ ذلك منه مرارًا كثيرة، قال: وسمعه نافع "المخدج" أيضًا حتى رأيته يتكرّه طعامه من كثرة ما سمعه، يقول: وكان نافع معنا يصلي في المسجد بالنهار ويبيت فيه بالليل، وقد كنت كسوتُه بُرْنُسًا، فلقيته من الغد، فسألتُه: هل كان خرج مع الناس الذين خرجوا إلى حَرُوراء؟ فقال: خرجت أريدُهم حتى إذا بلغت إلى بني سعد، لقيَني صِبيان فنزَعوا سلاحِي، وتلعّبوا بي، فرجعت حتى إذا كان الحوْل أو نحوه خرج أهل النّهر، وسار عليّ إليهم، فلم أخرج معه وخرج أخي أبو عبد الله. قال: فأخبرني أبو عبد الله: أن عليًّا سار إليهم حتى إذا كان حذاءَهم على شطّ النّهروان أرسل إليهم يناشدُهم اللهَ ويأمرهم أن يرجعوا، فلم تزل رسُلُه تختلف إليهم، حتى قَتَلوا رسولَه، فلما رأى ذلك نهض إليهم فقاتَلَهم حتى فرغ منهم، ثم أمر أصحابه أن يلتمسوا المخدَج، فالتمسوه، فقال بعضهم: ما نجدهُ، حتى قال بعضهم: لا، ما هو فيهم. ثم إنه جاء رجل فبشّره وقال: يا أمير المؤمنين! قد وجدناه تحت قَتيلين في ساقِيَة. فقال: اقطَعوا يدَه المخدَجة، وائْتُوني بها، فلما أُتِي بها أخذَها ثم رَفَعها، وقال: والله ما كَذَبْتُ ولا كُذبتُ. قال أبو جعفر: فقد أنبأ أبو مريم بقوله: "فرجعت حتى إذا كان الحول أو نحوه، خرج أهل النهر": أنّ الحرب التي كانت بين عليّ وأهل حَرُوراء كانت في السنة التي بعد السنة التي كان فيها إنكار أهل حَروراءَ على عليّ التحكيم، وكان ابتداء ذلك في سنة سبع وثلاثين على ما قد ثبت قبلُ، وإذا كان كذلك، وكان الأمر على ما روينا من الخبر عن أبي مريم، كان معلومًا أنّ الوقعة كانت بينه وبينهم في سنة ثمان وثلاثين (١). (٥: ٩١/ ٩٢). وحجّ بالناس في هذه السنة -أعني: سنة سبع وثلاثين- عبيد الله بن عبّاس، وكان عامل عليٍّ على اليَمَن ومخاليفِها. وكان على مكة والطائف قُثَم بن العبّاس، وعلى المدينة سهل بن حُنَيف الأنصاريّ، وقيل: كان عليها تمّام بن العباس. وكان على البصرة عبد الله بن العباس، وعلى قضائها أبو الأسودالدُّؤَليّ، وعلى مصر محمد بن أبي بكر، وعلى خُراسانَ خليد بن قرّة اليربوعيّ. ٢٧٦ - وقيل: إن عليًّا لما شخص إلى صِفِّين استَخلَف على الكوفة أبا مسعود الأنصاريّ؛ حدّثني أحمد بن إبراهيم الدّوْرقيّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن إدريس، قال: سمعتُ ليثًا ذكر عن عبد العزيز بن رُفَيع: أنه لما خرج عليّ إلى صِفيّن استخلف على الكوفة أبا مسعود الأنصاريّ عقبة بن عمرو. وأمّا الشام فكان بها معاوية بن أبي سُفْيان (١). (٥: ٩٢/ ٩٣).. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
  • exact linked passagemedium confidencepage 3513, entry [1350]25,859 chars
    ذكر ما كان من خبر الخوارج عند توجيه علي الحَكَم للحكومة وخبر يوم النَّهر ١١٥٥ - قال أبو مخنف: عن أبي المغفّل، عن عون بن أبي جُحَيفة: أنّ عليًّا لما أراد أن يبعث أبا موسى للحكومة؛ أتاه رجلان من الخوارج: زُرْعة بن البُرْجالطائيّ، وحُرْقوص بن زُهير السعديّ، فدخلا عليه، فقالا له: لا حكمَ إلا لله، فقال ع…
    ▸ expand full passage (25,859 chars)
    ذكر ما كان من خبر الخوارج عند توجيه علي الحَكَم للحكومة وخبر يوم النَّهر ١١٥٥ - قال أبو مخنف: عن أبي المغفّل، عن عون بن أبي جُحَيفة: أنّ عليًّا لما أراد أن يبعث أبا موسى للحكومة؛ أتاه رجلان من الخوارج: زُرْعة بن البُرْجالطائيّ، وحُرْقوص بن زُهير السعديّ، فدخلا عليه، فقالا له: لا حكمَ إلا لله، فقال عليّ: لا حكم إلا لله، فقال له حُرْقوص: تُبْ من خطيئتك، وارجع عن قضيّتك، واخرج بنا إلى عدوّنا نقاتلهم، حتى نلقى ربّنا. فقال لهم عليّ: قد أردتكم على ذلك فعصيتموني، وقد كتبنا بيننا وبينهم كتابًا، وشرطنا شروطًا، وأعطينا عليها عهودَنا ومواثيقنا، وقد قال الله ﷿: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾. فقال له حُرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه! فقال عليّ: ما هو ذنب، ولكنه عَجْز من الرأي، وضعفٌ من الفعل، وقد تقدّمت إليكم فيما كان منه، ونهيتُكم عنه. فقال له زُرعة بن البُرْج: أما والله يا على لئن لم تَدَع تحكيمَ الرجال في كتاب الله ﷿ قاتلتُك! أطلبُ بذلك وجهَ الله ورضوانَه، فقال له عليّ: بؤسًا لك، ما أشقاك! كأني بك قتيلًا تَسفِي عليك الريح؛ قال: وددتُ أن قد كان ذلك؛ فقال له عليّ: لو كنت محقًّا كان في الموت على الحق تعزية عن الدنيا، إن الشيطان قد استهواكم، فاتّقوا الله ﷿؛ إنه لا خيرَ لكم في دُنيا تقاتِلون عليها؛ فخرجا من عنده يحكّمان (١). (٥: ٧٢). ١١٥٦ - قال أبو مخنف: فحدّثني عبد الملك بن أبي حُرَة الحنفيّ: أنّ عليًّا خرج ذات يوم يخطب، فإنه لفِي خطبته؛ إذْ حكّمت المحكّمة في جوانب المسجد، فقال عليّ: الله أكبر! كلمةُ حقّ يراد بها باطل! إن سكتوا عممناهم، وإن تكلّموا حَجَجْناهم، وإن خرجوا علينا قاتلناهم. فوثب يزيد بن عاصم المحاربيّ، فقال: الحمد لله غير مودّع ربّنا ولا مستغنى عنه. اللهمّ إنا نعوذ بك من إعطاء الدنيَّة في ديننا، فإنّ إعطاء الدنيّة في الدّين إدْهان في أمرِ الله ﷿، وذلّ راجع بأهله إلى سخط القه، يا عليّ! أبالقتل تخوّفنا؟ ! أما والله إني لأرجو أن نضربكم بها عما قليل غير مصفَحات، ثم لتعلمُنّ أيّنا أولَى بها صِلِيًّا، ثم خرج بهم هو وإخوة له ثلاثة هو رابعهم، فأصيبوا مع الخوارج بالنّهر، وأصيب أحدهم بعد ذلك بالنُّخَيْلة (٢). (٥: ٧٢/ ٧٣). ١١٥٧ - قال أبو مخنف: وحُدّثنا عن القاسم بن الوليد: أن حكيم بنعبد الرحمن بن سعيد البَكائيّ كان يرى رأيَ الخوارج، فأتى عليًّا ذات يوم وهو يخطب، فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، فقال علي: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (١) (٥: ٧٢). ١١٥٨ - قال أبو مِخْنف عن عبد الملك بن أبي حُرّة: إنّ عليًّا لما بعث أبا موسى لإنفاذ الحكومة؛ لقيت الخوارج بعضُها بعضًا، فاجتمعوا في منزل عبد الله بن وهب الرّاسيّ، فحمِد الله عبدُ الله بن وهب، وأثنى عليه، ثم قال: أمَّا بعد: فوالله ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن، وينيبون إلى حُكم القرآن أن تكون هذه الدنيا - التي الرّضا بها والرّكون بها والإيثار إياها عناء وتَبار - آثرَ عندهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بالحقّ، وإنْ مُنَّ وضُرَّ فإنه مَن يُمنّ ويُضرّ في هذه الدنيا فإنّ ثوابه يوم القيامة رضوان الله ﷿ والخلود في جنّاته، فاخرجوا بنا إخوانَنا من هذه القرية الظالِم أهلُها إلى بعض كُوَر الجبال أو إلى بعض هذه المدائن، منكِرين لهذه البدع المضلّة. فقال له حُرْقوص بن زهير: إنّ المتاع بهذه الدنيا قليل، وإنّ الفراق لها وشيك، فلا تدعوَنّكم زينتها، وبهجتها إلى المقام بها، ولا تلفتنكّم عن طلب الحقّ، وإنكار الظلم، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾. فقال حمزة بن سنان الأسَدِيّ: يا قوم، إنّ الرأي ما رأيتم، فولّوا أمرَكم رجلًا منكم، فإنه لابدّ لكم من عماد وسناد وراية تحفّون بها، وترجعون إليها، فعرضوها على زيد بن حصين الطائيّ فأبَى، وعرضوها على حُرقوص بن زهير فأبى، وعلى حمزة بن سنان وشُريح بن أوفَى العبسيّ فأبَيَا، وعرضوها على عبد الله بن وهب، فقال: هاتوها، أما والله لا آخذها رغبةً في الدنيا، ولا أدَعها فَرَقًا من الموت، فبايعوه لعشر خلْون من شوال - وكان يقال له ذو الثَّفِنات - ثم اجتمعوا في منزل شُريح بن أوفى العبسيّ، فقال ابن وهب: اشخَصُوا بنا إلى بلدة نجتمع فيها لإنفاذ حكمِ الله، فإنكم أهل الحق. قال شريح: نخرج إلى المدائن فننزلها، ونأخذ بأبوابها، ونخرج منها سكّانها، ونبعث إلى إخواننا من أهل البصرة فيقدمون علينا، فقال زيد بن حصين: إنكم إن خرجتم مجتمعين اتُّبِعْتُم، ولكن اخرجوا وُحْدانًا مستَخْفِين،فأمّا المدائن فإنّ بها مَنْ يمنعكم، ولكن سِيروا حتى تنزلوا جسرَ النّهروان، وتكاتِبوا إخوانكم من أهل البصرة. قالوا: هذا الرّأي. وكتب عبد الله بن وهب إلى مَن بالبصرة منهم يعلمهم ما اجتمعوا عليه، ويحثّهم على اللحاق بهم، وستر الكتاب إليهم، فأجابوه: أنهم على اللحاق به، فلما عزموا على المسيرِ تعبّدوا ليلتَهم - وكانت ليلة الجمعة ويوم الجمعة - وساروا يومَ السبت، فخرج شُريح بن أوَفى العبسيّ، وهو يتلو قول الله تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. وخرج معهم طرَفة بن عديّ بن حاتم الطائيّ، فاتّبعه أبوه فلم يقدر عليه، فانتهَى إلى المدائن ثم رجع، فلما بلغ ساباطَ لقيَه عبد الله بن وهب الراسبي في نحو عشرين فارسًا، فأراد عبد الله قتله، فمنعه عمرو بن مالك النّبْهانيّ وبشر بن زيد البَوْلانيّ، وأرسل عديّ إلى سعد بن مسعود عامل عليّ على المدائن يحذّره أمرَهم، فحذِر، وأخذ أبوابَ المدائن، وخرج في الخيل واستخلف بها ابن أخيه المختار بن أبي عبيد، وسار في طلبهم، فأخبر عبد الله بن وهب خبرَه فرابأ طريقه، وسار على بغداد، ولحقهم سعد بن مسعود بالكَرْخ في خمسمئةِ فارس عند المساء، فانصرف إليهم عبدُ الله في ثلاثين فارسًا، فاقتتلوا ساعة، وامتنع القومُ منهم؛ وقال أصحاب سعد لسعد: ما تريد من قتال هؤلاء ولم يأتك فيهم أمر! خلّهم فليذهبوا، واكتب إلى أمير المؤمنين، فإنْ أمَرَك باتّباعهم اتَّبعتَهم، وإن كَفاكَهُم غيرُك كان في ذلك عافية لك. فأبى عليهم، فلما جَنّ عليهم الليلُ؛ خرج عبد الله بن وهب، فعَبَر دجلة إلى أرض جُوخَى، وسار إلى النهروان، فوصل إلى أصحابه وقد أيِسُوا منه، وقالوا: إن كان هلك؛ ولَّيْنا الأمرَ زَيدَ بن حصين، أو حُرقوص بن زهير، وسار جماعة من أهل الكوفة يريدون الخوارج ليكونوا معهم، فردّهم أهلوهم كَرْهًا، منهم: القعقاع بن قيس الطائيّ عمّ الطِّرِمّاح بن حكيم، وعبد الله بن حكيم بن عبد الرحمن البكّائيُّ، وبلغ عليًّا: أن سالم بن ربيعة العبسيّ يريد الخروج، فأحضره عنده، ونهاه فانتهى. ولما خرجت الخوارج من الكوفة؛ أتى عليًّا أصحابُه وشيعتُه فبايعوه وقالوا: نحن أولياء مَن واليتَ، وأعداءُ مَن عادَيْت، فشرط لهم فيه سنّة رسولِ الله ﷺ،فجاءه ربيعة بن أبي شدّاد الخثعمي - وكان شهد معه الجمل وصِفَين، ومعه راية خَثْعَم - فقال له: بايع على كتاب الله وسنّةِ رسولِ الله ﷺ؛ فقال ربيعة: على سُنَّة أبي بكر وعمر؛ قال له عليّ: ويلك! لو أن أبا بكر وعمرَ عَمِلا بغير كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ لم يكونا على شيء من الحقِّ، فبايعه، فنظر إليه على وقال: أما والله لكأني بك وقد نفرتَ مع هذه الخوارج فقُتلت، وكأني بك وقد وطئتْك الخيل بحوافرها، فقُتِل يوم النَّهر مع خَوارج البصرة. وأما خوارج البصرة؛ فإنهم اجتمعوا في خمسمئة رجل، وجعلوا عليهم مسعر بن فَدَكيّ التميميّ، فعلم بهم ابن عبالص، فأتبعهم أبا الأسود الدُّؤليَّ، فلحقهم بالجسر الأكبر، فتواقفوا حتى حجز بينهم الليل، وأدلجَ مسعر بأصحابه، وأقبل يعترِض الناس وعلى مقذَمته الأشرسُ بنُ عوف الشيبانيّ، وسار حتى لحق بعبد الله بن وهب بالنّهر، فلما خرجت الخوارجُ، وهَرَب أبو موسى إلى مكة، وردَّ عليٌّ ابن عباس إلى البصرة؛ قام في الكوفة فخطبهم فقال: الحمد لله وإن أتى الدّهرُ بالخطب الفادح، والحَدَثان الجليل، وأشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا رسول الله؛ أما بعد: فإن المعصية تورِث الحسرة، وتُعقِب الندم، وقد كنت أمرتُكم في هذين الرَّجلين وفي هذه الحكومة أمري، ونَحَلْتكم رأي، لو كان لقصيرٍ أمر! ولكن أبيتم إلا ما أردتم، فكنتُ أنا وأنتم كما قال أخو هوازن: أَمَرْتُهُمُ أَمري بمُنْعَرَجِ اللِّوَى ... فلم يَسْتَبينوا الرُّشْدَ إلا ضُحَى الغَدِ ألا إنّ هذين الرجلين اللذين اخترتموهما حَكَمين قد نَبذَا حكم القرآن وراء ظهورهما، وأحييَا ما أماتَ القرآن، واتّبع كل واحد منهما هَواه بغير هدىً من الله، فحَكَما بغير حجّة بيتة، ولا سُنّة ماضية، واختَلَفا في حكمهما، وكلاهما لم يرشد، فبرئ اللهُ منهما ورسولُه وصالحُ المؤمنين. استعِدّوا وتأهّبوا للمسير إلى الشأم، وأصبِحوا في لمعسكركم إن شاء الله يوم الإثنين، ثم نزل. وكتب إلى الخوارج بالنهر: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله على أمير المؤمنين، إلى زيد بن حصين وعبد الله بن وهب ومن معهما من الناس. أمّا بعد، فإن هذين الرجلين اللذَين ارتضيْنا حكمَهما قد خالفا كتابَ الله، واتّبعاأهواءهما بغير هدىً من الله، فلم يَعمَلا بالسنّة، ولم ينفِّذا للقرآن حُكمًا، فبرئ الله ورسولُه منهما والمؤمنون! فإذا بلغكم كتابي هذا فأقبلوا فإنا سائرون إلى عدوّنا وعدوّكم، ونحن على الأمر الأوّل الذي كنا عليه. والسلام. وكتبوا إليه: أمّا بعد؛ فإنّك لم تغضب لربّك، إنما غضبتَ لنفسك، فإن شهدتَ على نفسك بالكفر، واستقبلتَ التوبة؛ نظرنا فيما بيننا وبينك، وإلا فقد نابَذْناك على سواء ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]، فلما قرأ كتابهم أيس منهم، فرأى أن يدَعَهم ويمضيَ بالناس إلى أهل الشأم حتى يلقاهم فيناجزهم (١). (٥: ٧٤/ ٧٥/ ٧٦/ ٧٨). ١١٥٩ - قال أبو مخنف: عن المعلّى بن كُليب الهمْدانيّ، عن جبر بن نَوْف أبي الودّاك الهمْدانِيّ: إن عليًّا لما نزل بالنُّخَيلة، وأيس من الخوارج؛ قام فحمِد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإنه من ترك الجهاد في الله، وأدْهن في أمره كان على شَفا هُلْكِه إلا أن يتداركَه الله بنعمة، فاتقوا الله، وقاتِلوا من حاد الله، وحاوَلَ أن يطفئ نورَ الله، قاتلوا الخاطئين الضالين، القاسطين المجرمين، الذين ليسوا بقرّاء للقرآن، ولا فقهاءَ في الدين، ولا علماءَ في التأويل، ولا لهذا الأمر بأهل سابقة في الإسلام، والله لو ولّوا عليكم، لعملوا فيكم بأعمال كِسْرى وهِرَقل، تيسّروا، وتهيّؤوا للمسير إلى عدوِّكم من أهل المغرب، وقد بعثنا إلى إخوانكم من أهل البصرة ليقدموا عليكم، فإذا قَدموا، فاجتمعتم؛ شخصْنا إن شاء الله، ولا حول ولا قوّة إلا بالله. وكتب عليّ إلى عبد الله بن عباس مع عتبة بن الأخنس بن قيس من بني سعد بن بكر: أمّا بعد، فإنا قد خرجنا إلى معسكرنا بالنُّخيلة، وقد أجمعْنا على المسير إلى عدوّنا من أهل المغرب، فاشخص بالناس حتى يأتيَك رسولي، وأقم حتى يأتيك أمري، والسلام. فلما قدم عليه الكتاب؛ قرأه على الناس، وأمرهم بالشخوص مع الأحنف بن قيس، فشخص معه منهم ألفٌ وخمسمئة رجل، فاستقلّهم عبد الله بن عبّاس، فقام في الناس، فحمِد الله وأثْنَى عليه ثم قال: أما بعد يا أهل البصرة! فإنهجاءني أمرُ أميرِ المؤمنين يأمرني بإشخاصكم، فأمرتُكم بالنَّفير إليه مع الأحنف بن قيس، ولم يَشخَص معه منكم إلا ألف وخمسمئة، وأنتم ستون ألفًا سوى أبنائكم وعبدانكم ومواليكم! ألا انفِروا مع جارية بنِ قدامة السعديّ، ولا يجعلَنّ رجلٌ على نفسه سبيلًا، فإني مُوقع بكلّ من وجدتُه متخلِّفًا عن مكتبه، عاصيًا لإمامه، وقد أمرت أبا الأسود الدُّؤَليّ بحشْركم، فلا يَلُمْ رجل جعل السبيل على نفسه إلا نفسَه. فخرج جارية فعسكر، وخرج أبو الأسود فحشر الناس، فاجتمع إلى جارية ألف وسبعمئة، ثم أقبل حتى وافاه عليٌّ بالنُّخَيلة، فلم يزل بالنُّخَيلة حتى وافاه هذان الجيشان من البَصرة ثلاثة آلاف ومئتا رجل، فجمع إليه رؤوس أهل الكوفة، ورؤوس الأسباع، ورؤوس القبائل، ووجوه الناس. فحمِد الله وأثْنَى عليه، ثم قال: يا أهلَ الكوفة! أنتم إخواني، وأنصاري، وأعواني على الحق، وصَحَابتِي على جهاد عدوّي المحلّين بكم، أضرب المدْبِر، وأرجو تمام طاعة المقْبِل، وقد بعثتُ إلى أهل البصرة فاستنفرتُهم إليكم، فلم يأتني منهم إلا ثلاثة آلاف ومئتا رجل، فأعينوني بمناصحة جليّة خليّة من الغشّ، إنكم ... مَخرَجنا إلى صفين، بل استجمعوا بأجمعكم، وإني أسألكم أن يكتب لي رئيس كلّ قوم ما في عشيرته من المقاتلة وأبناء المقاتِلة الذين أدركوا القتال، وعبدان عشيرته، ومواليهم، ثم يرفع ذلك إلينا. فقام سعيد بن قيس الهمْدانيّ، فقال: يا أمير المؤمنين! سمعًا وطاعة، وودًّا ونصيحة، أنا أوّل الناس جاء بما سألت، وبما طلبت، وقام معقل بن قيس الرّياحيّ فقال له نحوًا من ذلك، وقام عديّ بن حاتم وزياد بن خصَفة وحُجْر بن عديّ، وأشراف الناس والقبائل فقالوا مِثلَ ذلك. ثمّ إن الرؤوس كَتبوا مَن فيهم، ثم رفعوهم إليه، وأمروا أبناءهم وعبيدهم ومواليَهم أن يخرجوا معهم، وألّا يتخلّف منهم عنهم أحد، فرفعوا إليه أربعين ألف مقاتل، وسبعة عشر ألفًا من الأبناء ممن أدرك، وثمانية آلاف من مواليهم وعبيدهم، وقالوا: يا أمير المؤمنين! أمّا مَن عندنا من المقاتِلة وأبناء المقاتلة ممّن قد بلغ الحُلُم، وأطاق القتال، فقد رفعنا إليك منهم ذَوِي القوّة والجَلَد،وأمرْناهم بالشّخوص معنا، ومنهم ضعفاء، وهم في ضِياعنا وأشياءَ مما يُصلحنا. وكانت العرب سبعةً وخمسين ألفًا من أهل الكوفة، ومن مواليهم ومماليكهم ثمانية آلاف، وكان جميع أهل الكوفة خمسة وستين ألفًا، وثلاثة آلاف ومئتي رجل من أهل البصرة، وكان جميع من معه ثمانية وستّين ألفًا ومئتي رجل (١). (٥: ٧٨/ ٧٩/ ٨٠). ١١٦٠ - قال أبو مِخْنَف، عن أبي الصَّلْت التيميّ: إن عليًّا كتب إلى سعد بن مسعود الثَّقَفِي - وهو عامله على المدائن: أما بعد، فإني قد بعثتُ إليك زيادَ بنَ خَصَفة فأشخص معه مَن قِبَلك من مقاتِلة أهل الكوفة، وعجّل ذلك إن شاء الله ولا قوّة إلا بالله. قال: وبلغ عليًّا: أنَّ الناس يقولون: لو سارَ بنا إلى هذه الحَروريّة فبدأنا بهم، فإذا فرغنا منهم؛ وجّهنا من وجّهنا ذلك إلى المُحِلّين! فقام في الناس فحمِد الله وأثْنَى عليه، ثم قال: أما بعد، فإنه قد بلغني قولُكم: لو أنّ أمير المؤمنين سار بنا إلى هذه الخارجة التي خرجتْ عليه فبدأنا بهم، فإذا فرغنا منهم؛ وجهنا إلى المحِلّين؛ وإن غير هذه الخارجة أهمّ إلينا منهم، فدعوا ذكرَهم، وسيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا جبّارين ملوكًا، ويتّخذوا عباد الله خَوَلًا. فتنادَى الناسُ من كلّ جانب: سْر بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت، قال: فقام إليه صيفيّ بن فَسيل الشيبانيّ، فقال: يا أميرَ المؤمنين! نحن حِزبُك وأنصارُك، نعادي من عاديت، ونشايع من أناب إلى طاعتك، فسِر بنا إلى عدوّك؛ من كانوا وأينما كانوا؛ فإنك إن شاء الله لن تُؤتَى من قلّة عَدَد، ولا ضعف نيّةِ أتباع، وقام إليه مُحرِز بن شهاب التميميّ من بني سعد فقال: يا أمير المؤمنين، شيعتك كقلْبِ رجل واحد في الإجماع على نُصْرتك، والجدّ في جهاد عدوّك، فأبْشِر بالنصر، وسِرْ بنا إلى أيّ الفريقين أحببت، فإنّا شيعتك الذين نرجو في طاعتك وجهاد من خالَفك صالحَ الثواب، ونَخاف في خذلانكوالتخلّف عنك شدّةَ الوبال (١). (٥: ٨٠/ ٨١). ١١٦١ - قال أبو مخنف: حدّثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن عوف، قال: لما أراد عليّ المسيرَ إلى أهل النهر من الأنبار، قدّم قيس بن سعد بن عُبادة وأمره أن يأتيَ المدائنَ فينزلَها حتى يأمرَه بأمره، ثم جاء مقبِلًا إليهم، ووافاه قيس، وسعد بن مسعود الثقفى بالنّهر، وبعث إلى أهل النّهر: ادفعوا إلينا قَتَلة إخواننا منكم نقتلهم بهم، ثم أنا تارككم، وكافّ عنكم حتى ألقَى أهلَ الشأم؛ فلعلّ الله يقلِّب قلوبَكم، ويردكم إلى خير مما أنتم عليه من أمركم، فبعثوا إليه، فقالوا: كلنا قَتَلَتهُم، وكلنا نستحلّ دماءهم ودماءَكم (٢). (٥: ٨٣). ١١٦٢ - قال أبو مِخْنف: فحدّثني الحارث بن حَصيرة عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكنود: أن قيس بن سعد بن عبادة قال لهم: عباد الله! أخرِجوا إلينا طِلبتَنَا منكم، وادخلوا في هذا الأمر الذي منه خرجتم، وعودوا بنا إلى قتال عدوّنا وعدوّكم، فإنكم ركبتُم عظيمًا من الأمر، تشهدون علينا بالشِّرْك، والشِّرْك ظلمٌ عظيم، وتسفكون دماءَ المسلمين، وتعدّونهم مشركين! فقال عبد الله بن شجرة السُّلَميّ: إن الحقّ قد أضاء لنا، فلسنا نتابعكم، أو تأتونا بمثلِ عمر! فقال: ما نعلمه فينا غير صاحبنا، فهل تعلمونه فيكم؟ وقال: نشدتكم بالله في أنفسكم أن تُهلكوها، فإنّي لأرى الفتنةَ قد غلبتْ عليكم! . وخطَبَهم أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاريّ؛ فقال: عبادَ الله! إنّا وإيّاكم على الحال الأولى التي كنا عليها، ليست بيننا وبينكم فُرْقة، فعلام تقاتلوننا؟ ! فقالوا: إنا لو بايعناكم اليوم حكّمتم غدًا، قال: فإنِّي أنشُدكم الله أن تعجّلوا فتنة العام مخافةَ ما يأتي في قابل (٣)! (٥: ٨٣/ ٨٤). ١١٦٣ - قال أبو مخنف: حدّثني مالك بن أعيَن عن زيد بن وهب: أن عليًّا أتى أهلَ النّهر، فوقف عليهم فقال: أيّتها العصابة التي أخرجَتْها عداوةُ المِراء واللَّجاجة، وصدّها عن الحقّ الهَوَى، وطمح بها النَّزَق، وأصبحتْ في اللّبس،والخطب العظيم! إني نذيرٌ لكم أن تُصبِحوا تُلفيكم الأمّة غدًا صَرْعَى بأثناء هذا النّهر، وبأهضام هذا الغائط، بغير بيِّنة من ربّكم، ولا برهان بيِّن، ألم تعلموا: أنّي نهيتُكم عن الحكومة، وأخبرتكم: أنّ طلب القوم إيّاها منكم دَهْن ومكيدة لكم! ونبّأتكم أن القوم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، وأني أعرَفُ بهم منكم، عرفتُهم أطفالًا ورجالًا، فهم أهلُ المكَر والغَدْر، وأنكم إن فارقتم رأيي جانبتم الحزم! فعصيتموني، حتى أقررت بأن حَكَّمْتُ، فلما فعلت شرطت واستوثقت، فأخذت على الحَكَمين أن يُحييا ما أحيَا القرآن، وأن يُميتَا ما أماتَ القرآن، فاختلَفَا، وخالَفا حكم الكتاب والسنة، فنبذنا أمرَهما، ونحن على أمرنا الأوّل، فما الذي بكم؟ ومن أين أتيتم! قالوا: إنا حكَّمنا، فلمّا حكَمنا أثِمنا، وكنا بذلك كافرين، وقد تُبْنا فإن تبتَ كما تبنا فنحنُ منك ومعك، وإن أبيتَ فاعتزِلْنا فإنا منابِذُوك على سَواء ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]، فقال عليّ: أصابكم حاصب، ولا بقي منكم وابر! أبعْدَ إيماني برسول الله ﷺ وهجرتي معه، وجهادي في سبيل الله، أشهد على نفسي بالكُفر؟ ! لـ ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦] قد ضللتُ إذًا وما أنا من المهتدين. ثم انصرف عنهم (١). (٥: ٨٤). ١١٦٤ - قال أبو مخنف: حدّثني أبو سَلَمة الزُّهريّ - وكانت أمّه بنت أنَس بن مالك -: أنّ عليًّا قال لأهل النّهر: يا هؤلاء! إنّ أنفسكم قد سوّلت لكم فراقَ هذه الحكومة التي أنتم ابتدأتموها وسألتموها وأنا لها كارهٌ، وأنبأتكم: أنّ القوم سألوكُمُوها مكيدةً ودَهنًا، فأبيتم عليَّ إباءَ المخالِفين، وعدلتم عنّي عدولَ النكَداء العاصِين، حتى صرفت رأي إلى رأيكم، وأنتم والله معاشر أخفَّاء الهام، سُفَهاء الأحلام، فلم آتِ - لا أبا لكم - حرامًا، والله ما خبلتُكَم عن أموركم، ولا أخفيتُ شيئًا من هذا الأمر عنكم، ولا أوطأتكم عَشْوة، ولا دَنّيتُ لكم الضَّرّاء! وإن كان أمرُنا لأمرِ المسلمين ظاهرًا؛ فأجمَعَ رأي مَلَئِكم على أن اختاروا رجلين، فأخذْنا عليهما أن يَحكما بما في القرآن ولا يَعدُواه، فَتَاها وتركا الحقَّ وهما يُبصِرانه، وكان الجوْر هَواهما، وقد سبق استيثاقُنا عليهما في الحكم بالعدل، والصدّ للحقّ سوءَ رأيهما، وجَوْر حكمهما، والثقة في أيدينا لأنفسناحين خالفا سبيلَ الحق، وأتيا بما لا يعرف، فبيّنوا لنا بماذا تستحلّون قتالنا، والخروجَ من جماعتنا؟ ! إن اختار الناس رجلين أن تضعوا أسيافَكم على عواتقكم، ثم تَستعرضوا الناس، تضربون رقابَهم، وتَسفِكون دماءهم! إنّ هذا لهو الخسران المبين. والله لو قتلتم على هذا دجاجة لَعَظُم عند الله قتلها، فكيف بالنفس التي قتْلُها عند الله حرامٌ؟ ! فتنادَوا: لا تُخاطبوهم، ولا تكلّموهم، وتهيّؤوا للقاء الربّ، الرّواحَ الرّواحَ إلى الجنَّة! فخرج عليٌّ فعبّأ الناس، فجعل على ميمنته حُجْر بن عديّ، وعلى ميسرته شَبَث بن رِبْعيّ - أو معقِل بن قيس الرّياحيّ - وعلى الخيل أبا أيوب الأنصاريّ، وعلى الرّجالة أبا قَتادة الأنصاريّ، وعلى أهل المدينة - وهم سبعمئة أو ثمانمئة رجل - قيس بن سعد بن عُبادة. قال: وعبّأت الخوارج، فجعلوا على ميمنتهم زيد بن حُصَين الطائيّ، وعلى الميسرة شُريح بن أوفَى العبسيّ، وعلى خيلهم حمزة بن سنان الأسَديّ، وعلى الرّجالة حُرقوص بن زُهير السعديّ. قال: وبعث عليّ الأسود بن يزيد المُراديّ في ألفي فارس؛ حتى أتى حمزة بن سنان وهو في ثلاثمئة فارس من خيلهم، ورفع عليٌّ رايةَ أمان مع أبي أيوب، فناداهم أبو أيوب: مَن جاء هذه الرّاية منكم ممّن لم يقتل، ولم يستعرض فهو آمِن، ومَن انصرف منكم إلى الكُوفة أو إلى المدائن وخرج من هذه الجماعة فهو آِمِن، إنّه لا حاجة لنا بعد أن نصيب قَتلةَ إخواننا منكم في سفك دمائكم. فقال فرْوة بن نوفل الأشجعيّ: والله ما أدري على أيّ شيء نقاتل عليًّا! لا أرى إلا أن أنْصرف حتى تنفذ لي بصيرتي في قتاله أو اتّباعه. وانصرف في خمسمئة فارس، حتى نزل البَنْدَنيجَيْن، والدَّسْكرة، وخرجت طائفةٌ أخرى متفرّقين فنزلت الكوفة، وخرج إلى عليّ منهم نحو من مئة، وكانوا أربعة آلاف، فكان الذين بقُوا مع عبد الله بن وهب منهم ألفين وثمانمئة، وزحفوا إلى عليّ، وقدّم عليّ الخيلَ دون الرجال، وصفّ الناس وراء الخيل صَفّين، وصَفّ المرامية أمامَ الصفّ الأوّل، وقال لأصحابه: كفّوا عنهم حتى يبدؤوكم، فإنهم لو قد شدّوا عليكم - وجُلّهم رجال - لم ينتهوا إليكم إلا لاغِبين وأنتم رادّون حامُون، وأقبلت الخوارج، فلما أن دنَوا من الناس نادَوا يزيد بن قيس، فكان يزيد بن قيس علىأصبهان. فقالوا: يا يزيد بن قيس! لا حُكْمَ إلّا لله، وإن كرهتْ أصبهان! فناداهم عباس بن شريك وقَبيصة بن ضبَيعة العبسيّان: يا أعداء الله! أليس فيكم شُرَيح بن أوفى المسرِف على نفسه؟ هل أنتم إلا أشباهه؟ ! قالوا: وما حجّتكم على رجل كانت فيه فتنة، وفينا توبة! ثمّ تنادَوا: الرّواحَ الرّواحَ إلى الجنّة! فشَدّوا على الناس والخيل أمام الرجال، فلم تثبت خيل المسلمين لشدّتهم، وافترقتْ الخيل فرقتين: فِرقة نحو الميمنة، وأخرى نحو الميسرة، وأقبلوا نحو الرجال، فاستقبلتْ المرامية وجوهَهم بالنّبْل، وعطفتْ عليهم الخيل من الميمنة والميسرة، ونهض إليهم الرّجال بالرّماح والسيوف، فوالله ما لَبَّثوهم أن أناموهم، ثم إنّ حمزة بن سنان صاحبَ خيلهم لما رأى الهلاك نادى أصحابه أن انزِلوا، فذهبوا لينزِلوا فلم يتقارّوا حتى حمل عليهم الأسود بن قيس المراديّ، وجاءتهم الخيل من نحو عليّ، فأهمِدوا في الساعة (١). (٥: ٨٤/ ٨٥/ ٨٦). ١١٦٥ - قال أبو مخنف: فحدّثني عبد الملك بن مسلم بن سلام بن ثُمامة الحنفيّ عن حكيم بن سعد، قال: ما هو إلّا أنْ لقينا أهلَ البصرة، فما لبّثناهم، فكأنما قيل لهم: موتوا؛ فماتوا قبل أن تشتدّ شوكتهم، وتعظمَ نكايتُهم (٢). (٥: ٨٧). ١١٦٦ - قال أبو مخنف: فحدّثني أبو جَناب: أنّ أبا أيّوب أتى عليًّا، فقال: يا أمير المؤمنين! قتلتُ زيدَ بن حُصين، قال: فما قلتَ له وما قال لك؟ قال: طعنتُه بالرّمح في صدره حتى نجمَ من ظهره، قال: وقلتُ له: أبشر يا عدوّ الله بالنار! قال: ستعلم أيُّنا أولَى بِها صِليًّا. فسكت عليٌّ عليها (٣). (٥: ٨٧). ١١٦٧ - قال أبو مِخنف، عن أبي جَناب: إنْ عليًّا قال له: هو أوْلى لها صِليًّا، قال: وجاء عائذ بن حملة التميميّ، فقال: يا أميرَ المؤمنين! قتلتُ كلابًا، قال: أحسنت! أنت محِقّ قتلتَ مُبطِلًا. وجاء هانئ بن خطاب الأرْحَبيّ، وزياد بن خَصَفة يحتجّان في قتل عبد الله بن وهب الراسبيّ، فقال لهما: كيف صنعتما؟ فقالا: يا أمير المؤمنين! لما رأيناه عرفناه، وابتدرناه فطعنّاه برمْحَيْنا،فقال عليّ: لا تختلفا، كلاكُما قاتِل. وشدّ جيش بن ربيعة أبو المعتمر الكنانيّ على حُرقوص بن زهير فقَتلَه، وشدّ عبد الله بن زَحْر الخَوْلانيّ على عبد الله بن شَجرَة السُلمِيّ فقتله، ووقع شريحٍ بن أوفَى إلى جانب جدار، فقاتل على ثُلْمة فيه طويلًا من نَهار، وكان قَتَل ثلاثةً من هَمْدان، فأخذ يرتجِز ويقول: قد عَلِمَتْ جارِيَةٌ عَبْسِيَّهْ ... ناعِمَةٌ في أَهَلِها مَكْفِيَّهْ أَنِّي سَأَحْمي ثُلْمَتِي العَشِيَّهْ فشدّ عليه قيسُ بن معاوية الدُّهنِيّ، فقطع رجلَه، فجعل يقاتلهم، ويقول: * القَرْمُ يحْمي شَوْلهُ مَعْقولَا * ثم شدّ عليه قيس بن معاوية فقتله، فقال الناس: اقتَتَلَتْ هَمْدانُ يَوْمًا ورَجُلْ ... اقتَتَلوا مِنْ غُدْوة حتى الأصُلْ * فَفتحَ الله لَهمْدانَ الرَّجُلْ * وقال شُريح: أَضْربُهُمْ وَلوْ أَرَى أَبا حَسَنْ ... ضَرَبْتُهُ بالسيفِ حتى يَطْمَئنّ وقال: أَضرِبُهُمْ ولو أَرَى عَليًّا ... أَلْبَسْتُهُ أَبْيَضَ مَشْرَفيَّا (١) (٥: ٨٧/ ٨٨). ١١٦٨ - قال أبو مخنف: حدّثني عبد الملك بن أبي حرّة: أنّ عليًّا خرج في طلب ذي الثُّدَيّة ومعه سليمان بن ثُمامة الحنفيّ أبو جَبْرة، والرّيان بن صبرة بن هَوْذة، فوجده الرّيان بن صبرة بن هَوْذة في حُفرة على شاطئ النهر في أربعين أو خمسين قتيلًا، قال: فلما استُخرِج نظر إلى عَضُدِه، فإذا لحم مجتمع على منكبِه كثَدْي المرأة، له حَلَمة عليها شَعَرات سُود، فإذا مُدّت امتدّت حتى تحاذى طول يده الأخرى، ثم تُترك فتعود إلى منكبه كثدي المرأة، فلما استُخرج قال عليّ: الله أكبر! والله ما كذَبتُ، ولا كُذِبت، أما والله لولا أن تنكلوا عن العمل، لأخبرتُكم بما قضى الله على لسان نبيّه ﷺ لمن قاتلهم مستبصرًا في قتالهم، عارفًا للحقّ الذي نحن عليه. قال: ثم مرَّ وهم صرعَى فقال: بؤسًا لكم! لقد ضرّكم مَنغرّكم؛ فقالوا: يا أمير المؤمنين! مَن غرّهم؟ قال: الشيطان، وأنفسٌ بالسوء أمّارة، غرّتهم بالأمانيّ، وزيّنتْ لهم المعاصي، ونبّأتهم أنهم ظاهرون، قال: وطلِب مَن به رَمَق منهم فوجدناهم أربعمئة رجل، فأمر بهم عليّ فدُفِعوا إلى عشائرهم، وقال: احمِلوهم معكم فداوُوهم، فإذا بَرِئوا فوافُوا بهم الكوفة، وخذوا ما في عسكرهم من شيء. قال: وأما السلاح والدّوابّ وما شهدوا به عليه الحرب فقسَّمه بين المسلمين، وأما المتاع والعبيد والإماء فإنه حين قدم ردّه على أهله، وطلب عديّ بن حاتم ابنه طَرفة فوجده، فدَفَنه، ثم قال: الحمد لله الذي ابتلاني بيومك على حاجتي إليك، ودَفَن رجالٌ من الناس قَتْلاهم، فقال أمير المؤمنين حين بلغه ذلك: ارتحِلِوا إذًا، أتقتلونهم ثم تدفنونهم! فارتحل الناس (١). (٥: ٨٨/ ٨٩). ١١٦٩ - قال أبو مِخنف عن مجاهد، عن المحِلّ بن خليفة: أنّ رجلًا منهم من بني سَدوس يقال له: العَيْزار بن الأخنس كان يرى رأيَ الخوارج، خرج إليهم، فاستقبل وراء المدائن عديّ بن حاتم، ومعه الأسود بن قيس، والأسود بن يزيد المُراديّان، فقال له العيزار حين استقبلَه: أسالمٌ غانم، أم ظالمٌ آثم؟ فقال عديّ: لا، بل سالمٌ غانم، فقال له المراديّان: ما قلت هذا إلا لشرّ في نفسك، وإنك لنعرفك يا عَيزار برأي القوم، فلا تفارِقنا حتى نذهب بك إلى أمير المؤمنين فنخبرَه خبرَك. فلم يكن بأوشَكَ أن جاء عليّ فأخبرَاه خبَره، وقالا: يا أميرَ المؤمنين! إنه يرى رأيَ القوم، قد عرفْناه بذلك، فقال: ما يحِلّ لنا دمه، ولكنا نحبسه، فقال عديّ بن حاتم: يا أميرَ المؤمنين! ادفَعْه إليّ وأنا أضمن ألّا يأتيَك مِن قبَله مكروه، فدَفَعَه إليه (٢). (٥: ٨٩). ١١٧٠ - قال أبو مخنف: حدّثني عمران بن حُدير عن أبي مِجْلز، عن عبد الرحمن بن جندب بن عبد الله أنه لم يقتَل من أصحاب عليّ إلا سبعة (٣). (٥: ٨٩).١١٧١ - قال أبو محْنف عن نُمَير بن وَعْلة اليناعيّ، عن أبي دَرْداء، قال: كان عليّ لما فرغ من أهل النهروان حَمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنّ الله قد أحسَن بكم، وأعزّ نصركم، فتوجّهوا من فَوْركم هذا إلى عدوّكم، قالوا: يا أمير المؤمنين! نفدَتْ نبالنا، وكَلّت سيوفُنا، ونصَلْت أسنّة رماحِنا، وعاد أكثرها قِصَدًا، فارجع إلى مِصرنا، فلنستَعدّ بأحسن عدّتنا، ولعلّ أمير المؤمنين يزيد في عُدّتنا عُدّة من هلك منا، فإنه أوفى لنا على عدوّنا، وكان الذي تولى ذلك الكلام الأشعث بن قيس، فأقبل حتى نزل النّخَيلة، فأمر الناسَ أن يلزموا عسكرَهم، ويوطّنوا على الجهاد أنفسَهم، وأن يُقلّوا زيارةَ نسائهم وأبنائهم حتَّى يسيروا إلى عدوّهم، فأقاموا فيه أيامًا، ثم تسلّلوا من معسكرهم، فدخلوا إلا رجالًا من وجوه الناس قليلًا، وتُرك العسكر خاليًا، فلما رأى ذلك دخل الكوفة، وانكسر عليه رأيُه في المسير (١). (٥: ٨٩/ ٩٥). ١١٧٢ - قال أبو مخنف عمّن ذكره، عن زيد بن وهب: إنّ عليًّا قال للناس - وهو أوّل كلام قاله لهم بعد النّهر -: أيّها الناس! استعدّوا للمسير إلى عدوّ في جهاده القُربة إلى الله ودرَك الوسيلة عنده، حيارَى في الحقّ، جُفاة عن الكتاب، نُكُبٌ عن الدّين، يَعمَهون في الطّغيان، ويُعْكَسون في غَمْرة الضلال، فأعِدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل، وتوكّلوا على الله، وكفى بالله وكيلًا، وكفى بالله نصيرًا! قال: فلا هم نفروا ولا تيسّروا، فتركهم أيامًا حتى إذا أيس من أن يفعلوا، دعا رؤساءهم ووجوهَهم، فسألهم عن رأيهم، وما الذي يُنظرهم، فمنهم المعتلّ، ومنهم المكرَه، وأقلّهم من نَشِط، فقام فيهم خطيبًا، فقال: عبادَ الله! ما لكم إذا أمرتُكم أن تنفِروا اثّاقلتم إلى الأرض! أرَضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة، وبالذّلّ والهوان من العِزّ! أوَ كلّما ندبتُكم إلى الجهاد دارت أعينكم كأنكم من الموت في سَكْرة، وكأنّ قلوبكم مألوسة فأنتم لا تعقلون! وكأن أبصاركم كُمْه فأنتم لا تُبصِرون. لله أنتم! ما أنتم إلا أسُود الشرَى في الدَّعة، وثعالبُ رَوّاغة حين تُدْعَوْن إلى البأس. ما أنتم لي بثقة سَجيسَ الليالي،ما أنتم برَكْب يُصالُ بكم، ولا ذي عِزّ يُعتصَم إليه، لَعمرُ الله، لبئس حُشَّاش الحرب أنتم! إنكم تُكادون ولا تكيدون، ويتنقّص أطرافكم ولا تتحاشوْن، ولا يُنام عنكم وأنتم في غفلةٍ ساهون؛ إن أخا الحَرب اليَقْظان ذو عقل، وبات لذلّ مَن وادَع، وغلب المتجادلون، والمغلوب مقهور ومسلوب، ثم قال: أما بعد، فإنّ لي عليكم حقًّا، وإن لكم عليَّ حقًّا، فأمّا حقكم عليّ فالنّصيحة لكم ما صحبتُكم، وتوفيرُ فَيئكم عليكم، وتعليمُكم كيما لا تجهلوا، وتأديبُكم كي تَعلَّموا؛ وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة، والنصح لي في الغيب والمشهد، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم، فإن يُرِد اللهُ بكم خيرًا؛ انتزعتم عما أكره، وتَراجَعوا إلى ما أحِبّ، تنالوا ما تَطلُبون، وتُدرِكوا ما تأمُلون (١). (٥: ٩٠/ ٩١). ١١٧٣ - وذكر عليّ بن محمد عن عبد الله بن ميمون، عن عمرو بن شُجَيرة، عن جابر، عن الشعبيّ، قال: بعث عليٌّ بعدما رجع من صِفين جَعْدة بن هبيرة المخزوميّ، وأمّ جعدة أمّ هانئ بنت أبي طالب - إلى خُراسان، فانتهى إلى أبْرشهر؛ وقد كَفَروا وامتنعوا، فقدم على عليّ، فبعث خُليد بن قرّة اليربوعيّ، فحاصر أهل نَيْسابور حتى صالحوه، وصالحه أهلُ مرْو (٢). (٥: ٩٢).
  • reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 3513, entry [1350]343 chars
    لى نفسه؟ هل أنتم إلا أشباهه؟ ! قالوا: وما حجّتكم على رجل كانت فيه فتنة، وفينا توبة! ثمّ تنادَوا: الرّواحَ الرّواحَ إلى الجنّة! فشَدّوا على الناس والخيل أمام الرجال، فلم تثبت خيل المسلمين لشدّتهم، وافترقتْ الخيل فرقتين: فِرقة نحو الميمنة، وأخرى نحو الميسرة، وأقبلوا نحو الرجال، فاستقبلتْ المرامية وجوهَهم بالنّبْل، وعطفتْ عليهم الخيل من الميمنة
  • reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 3513, entry [1350]346 chars
    بصِرانه، وكان الجوْر هَواهما، وقد سبق استيثاقُنا عليهما في الحكم بالعدل، والصدّ للحقّ سوءَ رأيهما، وجَوْر حكمهما، والثقة في أيدينا لأنفسناحين خالفا سبيلَ الحق، وأتيا بما لا يعرف، فبيّنوا لنا بماذا تستحلّون قتالنا، والخروجَ من جماعتنا؟ ! إن اختار الناس رجلين أن تضعوا أسيافَكم على عواتقكم، ثم تَستعرضوا الناس، تضربون رقابَهم، وتَسفِكون دماءهم! إنّ
  • reviewable assessment hintthiqaneeds reviewmedium confidencepage 3513, entry [1350]342 chars
    قلوبكم مألوسة فأنتم لا تعقلون! وكأن أبصاركم كُمْه فأنتم لا تُبصِرون. لله أنتم! ما أنتم إلا أسُود الشرَى في الدَّعة، وثعالبُ رَوّاغة حين تُدْعَوْن إلى البأس. ما أنتم لي بثقة سَجيسَ الليالي،ما أنتم برَكْب يُصالُ بكم، ولا ذي عِزّ يُعتصَم إليه، لَعمرُ الله، لبئس حُشَّاش الحرب أنتم! إنكم تُكادون ولا تكيدون، ويتنقّص أطرافكم ولا تتحاشوْن، ولا يُنا
  • reviewable assessment hintda'ifneeds reviewmedium confidencepage 3513, entry [1350]342 chars
    في القرآن ولا يَعدُواه، فَتَاها وتركا الحقَّ وهما يُبصِرانه، وكان الجوْر هَواهما، وقد سبق استيثاقُنا عليهما في الحكم بالعدل، والصدّ للحقّ سوءَ رأيهما، وجَوْر حكمهما، والثقة في أيدينا لأنفسناحين خالفا سبيلَ الحق، وأتيا بما لا يعرف، فبيّنوا لنا بماذا تستحلّون قتالنا، والخروجَ من جماعتنا؟ ! إن اختار الناس رجلين أن تضعوا أسيافَكم على عواتقكم، ث