page 1887, entry [1381]Open original source
ذكر محله من العلم قال أبو القاسم اللبيدي [¬٤]: وكان أبو إسحاق قد سمع العلماء، وله من عيسى بن مسكين إجازة، وكتب عن أبي بكر بن اللباد. قال اللبيدي: وكان ابن اللباد به معجبا [¬٥]، وكانت [¬٦] أكثر دراسته بالساحل على أبي علي حمود بن سهلون صاحب ابن عبدوس، وأخذ أيضًا عن محمد بن عبد الرحمان [¬٧] بن علي بن عبد ربه، وأبي يوسف بن مسلم، وجماعة سواهم؛ وكان يقول: لقد أدركت [¬٨] هذا الساحل وما منه قرية إلا بها رجل من أهل العلم والقرآن، أو رجل صالح يزار.وقال أبو القاسم: وكان أبو إسحاق حسن الضبط في نقله وتصحيحه للكتب [¬١]، إذا سمع من عالم لم يكتب اسمه في كتاب [¬٢]، وكان ممن سمع واستكتب؛ وكان حافظا إذا حفظ شيئا قلما ينساه، وكان درس محل الفقه دواوين، وكتب بيده كتبا كثيرة، وكان من أعلم الناس باختلاف العلماء، عالما بعبارة الرؤيا ولا يفتى فيها، ويعرف حظا من اللغة والعربية، حسن القراءة للقرآن يحسن تفسيره وإعرابه وناسخه ومنسوخه، لم يترك حظه من دراسة العلم بالليل إلا عند ضعفه قبل موته بقليل، وكان لما ضعف بصره عن قراءة الليل، يجعل ابنه أبا الطاهر يقرأ عليه. قال أبو القاسم: وكان لا يفتى إلا أن يسمع من يتكلم بما لا يجوز فيرد عليه، أو يرى [¬٣] من يخطئ في صلاته فيرد عليه، ولقد وقف على مسائل أفتى فيها جلة العلماء، فقال لهم: عاودوا المفتي [¬٤]، فما أراه أجاب إلا عن شغل قلب [¬٥]، فعاودوه، فأجاب [¬٦] بخلاف الجواب الأول؛ وكان يقرأ، فلما ضعف، جعل ابنه يقرأ عليه، فإذا حضر أحد من العامة، قطع القراءة حذرا عليهم أن يسمعوا ما لا يفهمون، إلا أن يكون كتاب فقه؛ وكان أبو الحسن القابسي يقول: الجبنياني إمام يقتدى به؛ وكان أبو محمد بن أبي زيد يعظم من شأنه ويقول: طريق أبي إسحاق خالية لا يسلكها أحد في الوقت، ويقول: لئن لم يكن أمر أويس القرني صحيحا، فالجبنياني أويس هذه الأمة؛ ويقول: لو فاخرتنا [¬٧] بنو إسرائيل بعبادها، لفاخرناهم بالجبنياني؛ ويقول: من محبتي فيه وكثرة [¬٨] ذكرى له، أني أراه في المنام، ولقدقوى قلبي، أنه يدعو لي، وأنه رأى جامع مختصر المدونة الذي ألفته فأعجبه؛ وكان أبو محمد بن التبان يثني عليه، وكان مسرة بن مسلم [¬١] إذا ذكره يبكي بكاء عظيما ويقول: كان - والله - مقدما علينا في صغره وفي كبره. قال أحمد بن حبيب: قال أبو القاسم اللبيدي: وكان من أهل العلم، قال لي أبو إسحاق: أتدرسون في هذا الوقت العلم؟ قال: نعم، قال: فتجتمعون للمذاكرة، قلت: نعم، قال: لقد كنا نجتمع، ولقد ألقينا المدونة في شهر ندرس [¬٢] النهار ونلقى الليل، فما علمت أنا نمنا ذلك الشهر؛ ثم قال لي [¬٣]: وإنما يقوى على السهر بأكل اللحم، ثم قال لي: أي كتاب في أيديكم تدرسونه، فقلت: العتق الأول، فألقى علي من أوله، وسرد المسائل حتى كأن الكتاب في يده؛ قال: وكان ينزع بالقرآن والسنة، وكان العلماء والفصحاء بين يديه كالغلمان بين يدي المعلم من هيبته.