page 1889, entry [1382]Open original source
ذكر زهده في الدنيا وسيرته في نفسه [¬٤] وولده وأهله قال أبو الحسن القابسي: لما رأيت هديه وسمته وصلاته وحاله، رأيت شبيه السلف الصالح؛ وكان يقول: وقف أبو إسحاق على أقل عيش في الدنيا، وقال: أروني منزلة دونها أنزل إليها. قال أبو القاسم: وكان أبو إسحاق من أشد الناس تضييقا [¬٥] على نفسه ثم على أهله، وكان يأكل البقل البري والجراد إذا وجده، ويطحن قوته بيده شعيرا ثم يجعله بنخالته دقيقا في قدر مع ما وجد [¬٦] من بقل بري أو غيره، حتى انه ربما رمىمنه بشيء لكلب أو هر [¬١] فلا يأكله، وربما عوتب في ذلك فيقول: الرقاد مع الكلاب على المزابل، وأكل خبز الشعير بنخالته [¬٢]، كثير لمن يرجو [¬٣] في الآخرة شيئا، وكان قوته الذي يأكله من الشعير يتولاه له رجل من إخوانه يحرثه في أرض حلال، وزريعة حلال ببقر [¬٤] حلال، فإذا أصاب فيما زرع أكثر من القوت، تصدق به، وقوته من الزيت من عند رجال صالحين، وكان لباسه أولا صوفا من موضع يعرف أصله، فلما تغيرت الأمور - يعني بالفتن - كان يلبس خرق المزابل، يجمعها فيغسلها [¬٥]، ويبطن بعضها على بعض، فيجعل منها شيئا في وسطه [¬٦]، وشيئا على ظهره، ويخيطها بمسلة من عظم غزال، وكان يتوطأ الرمل، وفي الشتاء، يأخذ قفاف المعاصر [¬٧] الملقاة على المزابل فيجعلها [¬٨] تحته، ويكسو بنيه [¬٩] كل واحد جبة صوف ولفافة على رأسه، فإذا بلغ أحدهم، اسقط النفقة عنه والكسوة، وقال له: لا أتقلد لك [¬١٠]، وكان وطاؤهم حصيرا خلقا قديما، وعند رؤوسهم الطوب، ومائدتهم جلد أضحية، ولقد مكث قبل موته نحوا من سبع سنين، لم يأكل خبزا، إنما يلقى الدقيق في القدر مع ما فيها، وكان إذا مشى أسرع حتى لا يكاد يدركه إلا من يجري. قال بعضهم: لقيته يوما مهموما، فسألته: ما بالك؟ قال: ولم لا أكون مهموما والمنكر في داري؟ والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم: قلت:المنكر؟ قال: أي والله - المنكر، قلت: ما هو - رحمك الله؟ قال: قشور قرع ملقاة على بابي، رماها أهلي، يمشون عليها وفيها قوت، أيموت أحد جوعا وهو يجد قشور قرع [¬١]؟ ثم جمعها فطبخها لقوته، قال: وكان عند أبي إسحاق في شبيبته [¬٢] زيت حصل له من التعليم، فمرت على الناس شدة، فقيل له: تبيع هذا الزيت بالدين؟ فقال: نعم، لكني لا أعامل من له ذمة، إنما أعامل الفقراء، ومن لا ذمة له، فباعه منهم، فلما وجب البيع، قال: لي عليكم أن لا يأتيني أحد بشيء مما عليه حتى أقتضيه منه؛ فلما زالت الشدة وأيسر [¬٣] بعضهم، أتاه بالثمن، فقال له: ما هكذا بيني وبينكم، ثم ترك جميع ذلك لهم. وختم عليه صبى، فأتاه بدينار، قال له شيخ من أصحابه: أعطني هذا الدينار أعمل لك فيه، ففعل، قال: فلم أزل أتجر به [¬٤] سنين [¬٥] كثيرة حتى حصل به من الزيت ما يساوي ستين دينارا، وغلا الزيت، فأخبرته بذلك، فحمد الله وأثنى عليه، وقال لي: إذا أتتك رقعتي بخطي، فاعمل على ما فيها؛ فكانت رقعته تأتيني بيد فقير فيها: بسم الله الرحمان الرحيم، جبر الله - يا أخي - قلبك، وغفر ذنبك، تدفع إلى موصل رقعتي كذا وكذا، والسلام عليك [¬٦]، وصلى الله على محمد وعلى آله [¬٧] وسلم. وهكذا كانت كتبه، ثم صلى على جنازة فقال لي: بقي من ذلك الزيت شيء؟ قلت: لا، إلا شيء من عكر ففرقه، وانصرف منه بنصف قفيز [¬٨] لا غير ذلك. ورغب إليه رجل من الصالحين في حصار أبي يزيد واشتداد الحال في دينار يقبله منه قرضا، إذ [¬٩] علم أنه لايقبله على غير ذلك، فأبى وقال: أنا في غنى عنه، عندى قفيز زيت وخمسة أثمان شعير؛ فقيل له: ما [¬١] يغنى عنك هذا القدر - وأنت في خمسة من العيال، وفتنة وغلاء؛ فقال: الاشتغال بهذا من الفضول. قال ابنه أبو الطاهر: وكنا إذا بقينا بلا شيء نقتاته، كنت أسمعه في الليل يقول -: مالي تلاد ولا استظرفت [¬٢] من نشب … وما أؤمل غير الله من أحد إن القنوع بحمد الله يمنعني … من التعرض للمنانة النكد إني لأكرم وجهي أن أعرضه … عند السؤال لغير الواحد الصمد فذكر ذلك لأبي الحسن القابسي، فقال مثل الجبنياني، يقول هذا ويصدق فيه.