page 1136, entry [562]Open original source
جمل من أخباره ذكر أبو عمرو المقرئ عن ابن المنتاب القاضي، قال: كنت عند إسماعيل يوما، فسئل: لم جاز التبديل على أهل التوراة ولم يجز على أهل القرآن؟ فقال: قال الله تعالى في أهل التوراة: "بما استحفظوا من كتاب الله" (¬٣٢٢) فوكل الحفظ إليهم. وقال في القرآن: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (¬٣٢٣) فلم يجز التبديل عليهم. فذكر ذلك للمحاملي، فقال: ما سمعت كلاما أحسن من هذا. قال القاضي ﵀: وقع لي أيضا هذا الكلام مرويا من طريق* الأندلسيين، أن نصرانيا سأل محمد بن وضاح عن هذه المسألة، فأجابه بمثل هذا الجواب. وذكر أبو محمد الفرغانى في صلته، أنه اجتمع غلام خليل القاص مع إسماعيل القاضي، في وليمة - أرى لبعض الرؤساء - وكان غلام خليل يشتم القضاة ويشهد عليهم أنهم من أهل النار. فلما خرجا قال له إسماعيل: أنت تعيب القضاة وتشهد عليهم أنهم من أهل النار وأصحاب السلطان، فما تصنع ها هنا؟ قد حضرت وحضرتك، ويشمون يدك ويشمون يدى أو نحو هذا (¬٣٢٤) ومن كتاب الخطيب، قال أبو العباس المبرد: توفيت والدة القاضي إسماعيل، فركبت إليه أعزيه وأتوجع له، فألفيت عنده الجلة من بني هاشم، والفقهاء، والعدول، وميسوري بغداد، ورأيت من ولهه ما أبداه، ولم يقدر على ستره، وكلا يعزيه، وقد كاد لا يسلو.فلما رأيت ذلك منه، ابتدأت بعد التسليم، فأنشدته: العمرى لئن غال ريب الزمان … فساء، لقد غال نفسا حبيبه ولكن علمى بما في الثواب … عند المصيبة ينسى المصيبه فتفهم كلامي واستحسنه، ودعا بدواة وكتبه، ورأيته بعد قد انبسط وجهه، وزال عنه ما كان فيه من تلك الكآبة وشدة الجزع. قال نفطويه: كنت عند المبرد، فمر به إسماعيل بن إسحاق، فوثب المبرد إليه، وقبل يده وأنشده: فلما بصرنا به مقبلا … حللنا الحبا وابتدرنا القياما فلا تفكرن قيامى له … فإن الكريم يجل الكراما قال ابن الأنبارى أنشدنا إسماعيل القاضي: لا تعتبن علي النوائب … فالدهر يرغم كل عاتب واصبر على حدثانه … ان الأمور لها عواقب ولكل صافية قذى … ولكل خالصة شوائب كم فرحة مطوية … لك بين أثناء النوائب (¬٣٢٥) وقال القاضي إسماعيل: ما عرض لي هم فادح فذكرت هذه الأبيات، إلا وجدت من روح الله ما يحل عقالى، وينعم بالى، ثم تؤول عاقبة ما أحذره إلى فاتحة ما أوثره. وأنشد بعضهم للقاضى أسماعيل: من كفاه من مساعيه رغيف يعتذيه … وله بيت يواريه وثوب يكتسيه فلماذا يبذل العرض لنذل أو سفيه … ولماذا يتمادى عند ذى كبر وتيهكل مال منعت للبر أيدى باذليه … فهو للوارث والوزر على مكتسبيه (¬٣٢٦) ذكر أبو عبد الله بن عتاب، أن القاضي إسماعيل، سئل عن الحد هل يدخل في المحدود أو لا. وذلك إذا باع منه أرضا، وقال: حدها من جهة كذا الشجرة. فتوقف عن الجواب، ثم قال بعد للسائل: طالعت هذا الباب من كتاب سيبويه فدلني على دخولها. وذكر بعضهم قال: اجتمع أبو العباس بن شريح القاضي، وأبو بكر بن داود الأصبهاني، وأبو العباس المبرد، على باب القاضي إسماعيل، فأذن لهم. فتقدم ابن شريح، وقال: قدمنى العلم والسن. وتأخر المبرد وقال: أخرنى الأدب. وقال ابن داود: إذا صحت المودة سقطت المعاذير. وحدث الدارقطني، أن إسماعيل القاضي دخل عنده عبدون بن صاعد الوزير، وكان نصرانيا، فقام له، ورحب به. فرأى * إنكار الشهود ذلك، فلما خرج قال: قد علمت إنكاركم، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (¬٣٢٧) الآية. وهذا الرجل يقضى حوائج المسلمين، وهو سفير بيننا وبين المعتضد، وهذا من البر. فسكتت الجماعة عند ذلك.وذكر بعضهم، أن درة جليلة خرجت من دار السلطان ببغداد، لبعض الأمراء، فوصلت إلى مجلس القاضي إسماعيل، فاستحسنها كل من حضر وجعل يقلبها. وفى المجلس رجل من المغاربة من أصحاب سحنون، فلم يمد يديه إليها وامتنع من تقليبها. نقال له القاضي إسماعيل: خبرنى لم لم تفعل؟ وكأنه فهم مراده. فقال له: هي لغير مالكها، وحكمها حكم اللقطة، يلزم ضمانها ملتقطها، حتى يؤديها إلى مالكها، فلو أخذتها لضمنتها، أو نحو هذا من الكلام. فاستحسنه القاضي، ودل على فضل قائله. قال إبراهيم بن حماد: كان عمى إسماعيل ينشد: ههم الموت عاليات فمن … ثم تخطى إلى لباب اللباب ولهذا قيل الفراق أخو الموت … لإقدامه على الأحباب وذكر الدولابى في كتابه، عن أبي ذر، أن المعتضد كانت له حظية يحبها، ولها ابن أخت حجر عليه إسماعيل القاضي بعد موت والده، فشكت أمه ذلك إلى أختها، ورغبت سؤال المعتضد، ليأمر القاضي بفكه من الحجر. فلما جاء المعتضد إلى حظيته، سألته ذلك، فكتب رقعة بخطه إلى إسماعيل يأمره بفك الحجر عن الغلام، وختمها ووجهها مع وزيره إليه. فعظم ذلك على الوزير وكتمانه عنه. فلما وصل به إسماعيل، فكه، وكتب على ظهره، وختمه، ورده مع الوزير. فكان ما فعله إسماعيل أشد على الوزير. فلما وصل به الخليفة وفتحه ونظر فيه، بكى وكان بعيد الدمعة، ثم رمى به إلى الوزير. وقال: انظر بما كتب إلينا إسماعيل.فإذا هو قد كتب إليه: "بسم الله الرحمان الرحيم ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ (¬٣٢٨) الآية. وقال: قل لإسماعيل: يعمل ما يرى، فلا اعتراض عليه. * * * قال أبو بكر بن أبي الأزهر: دعانى يومًا على بن إبراهيم بن موسى فتشاغلت عنه، فلما كان الغد بكرت إليه معتذرا، فتلقاني كاتب مسرور وقال: انتظرنى قليلا، فإني أريد دخول الحمام. فدخلت إلى موضع جلوسه. وتقدم إلى غلمانه بتغييب سرج حمارى ولجامه. أراه قال: فلما طال انتظاري قمت فوجدت الحمار عريا، فسألتهم، فقالوا: ما ندرى. فأقمت أعذل الغلام مرة، وأهم بضربه أخرى. فلما انتصف النهار، علمت أنه في دعوة الحسن بن إسماعيل، فكتبت إليه: يا ابن خير القضاة (¬٣٢٩) والحكام … وكريم الأخوال والأعمام يا ابن من بينت له سنن الذي … ن وتمت شرائع الإسلام اقض بينى وبين خالك والم … صفى لك الود من جميع الأنام أنه كادني بأخذ حمارى … وتعدى في سرج واللجام ومنعت الخروج ظلما وألجئت … إلى الرفق صاغرا بالغلام مرة أنثنى عليه بضرب … غير مجد ومرة بالكلام وأشد الأمور أنى قد جعت … كأني محالف للصيام فتراه أجاز أخذ حمارى! … أتراه يجيز منع الطعامقال: وطلبت من يحملها إليه، فرأيت امرأة من دار القاضي إسماعيل، فدفعت الرقعة إليها، وأمرتها بدفعها للحسن، فدفعتها إلى القاضي نفسه. فلما قرأها وقع في ظهرها بخطه: "يا بني! هذا رجل متظلم منكم، فأنصفوه". وبعث بها إلى ابنه، فلما قرأها وجهوا إلى لاحضر معهم، فوافاني الرسول قد انصرفت. * * * ولما كانت محنة غلام خليل (¬٣٣٠)، ومطالبته الصوفية ببغداد، ونسبتهم إلى الزندقة، وأمر الخليفة بالقبض عليهم، وكان فيمن قبض عليه شيخهم، إذ ذاك أبو الحسن النورى، فلما أدخلوا على الخليفة أمر بضرب أعناقهم، فتقدم النورى مبتدرا إلى السياف ليضرب عنقه، فقال له: ما دعاك إلى هذا دون أصحابك؟ فقال: آثرت حياتهم على حياتى هذه اللحظة. فرفع الأمر إلى الخليفة، فرد أمرهم إلى قاضي القضاة إسماعيل. فقدم إليه النورى، وسأله عن مسائل من العبادات فأجابه. ثم قال له: وبعد هذا، لله عباد يسمعون بالله، وينطقون بالله، ويصدرون بالله، ويردون بالله، ويأكلون بالله، ويلبسون بالله. فلما سمع إسماعيل مقالته، بكى طويلا، ثم دخل على الخليفة فقال: إن كان هؤلاء القوم زنادقة، فليس في الأرض موحدون. فأمر بإطلاقهم.