page 976, entry [390]Open original source
ذكر مكانه من العلم وثناء الفضلاء عليه قال ابن الفرضى: كان عبد الملك حافظا للفقه على مذهب مالك نبيلا فيه، غير أنه لم يكن له علم بالحديث، ولا معرفة بصحيحه من سقيمه. وقال ابن لبابة - ويروى مثله عن ابن مزين -: عبد الملك عالم الأندلس.وسئل ابن الماجشون: من أعلم الرجلين: القروى التنوخي، أم الأندلسي السلمي؟ فقال: السلمي مقدمه علينا *، أعلم من التنوخي منصرفه عنا. ثم قال للسائل: أفهمت؟ قال أحمد بن عبد البر: كان جماعا للعلم، كثير الكتب، طويل اللسان، فقيه البدن، نحويا، عروضيا، شاعرا، نسابة، أخباريا، وكان أكثر من يختلف إليه، الملوك وأبناؤهم وأهل الأدب. وقال مثله ابن فحلون. قال: وكان يأبى إلا معالى الأمور. وقال إبراهيم بن القاسم بن هلال: رحم الله عبد الملك بن حبيب، فلقد كان ذابا على قول مالك. وذكر أنه لما رحل، قال عيسى: إنه لأفقه ممن يريد أن يأخذ عنه العلم. قال سعيد بن نمير: حدثنا المأمون عبد الملك بن حبيب، لا أراه الله في آخرته قبيحا. قال غيره: رأيته يخرج من الجامع، وخلفه نحو من ثلاثمائة، بين طالب حديث، وفرائض، وفقه، وإعراب. وقد رتب الدول عليه كل يوم ثلاثين دولة، لا يقرأ فيها عليه شيء، إلا تواليفه وموطأ مالك (¬١٣٣). وذكروا أنه كان يلبس الخز والسعيدي. قال ابن نمير: وإنما كان يفعله إجلالا للعلم وتوقيرا له، وأنه كان يلبس إلى جسمه مسح شعر تواضعا، وكان صواما قواما.قال: وعذلته على مآخذه (¬١٣٤) على قلة ماله، فقال لي: قيل لأبي حازم: ما مالك؟ قال: مالان. القناعة بما في يدى، واليأس مما في أيدى الناس. وأنا أقول: لي مالان، غنى في ظاهر أمرى، وقصد في خاصة نفسي. قال غيره: أكثر فقهاء الأندلس وشعرائهم، فعن عبد الملك أخذ، ومن مجلسه نهض. قال المغامى: لو رأيت ما كان على باب ابن حبيب، لازدريت غيره. وذكر الزبيرى أنه نعى إلى سحنون، فاسترجع، وقال: مات عالم الأندلس، بل - والله - عالم الدنيا. وبهذا يرد ما روى عنه من خلاف هذا. وذكره الشيرازي فقال: فقيه الأندلس. وذكره أيضا ابن الفرضى في كتابه المؤلف في طبقات الأدباء، فجعله صدرا فيهم، وقال: كان قد جمع إلى إمامته في الفقه، التبحر في الأدب (¬١٣٥)، والتفنن فيه، وفى ضروب العلوم، وكان فقيها مفتيا نحويا لغويا نسابة أخباريا عروضيا فائقا شاعرا محسنا مرسلا حاذقا مؤلفا متقنا ذكر بعض المشيخة: أنه لما دنا من مصر في رحلته، أصاب جماعة من أهلها بارزين لتلقى الرفقة على عادتهم، فكلما أطل عليهم رجل له هيأة ومنظر، رجموا الظن فيه، وقضوا بفراستهم عليه، حتى رأوه، وكان ذا منظر جميل، فقال قوم: هذا فقيه، وقال آخرون: بل شاعر، وقال آخرون: طبيب، وقال آخرون: خطيب. فلما كثر اختلافهم، تقدموا نحوه، وأخبروه باختلافهم فيه، وسألوه عما هو.فقال لهم كلكم قد أصاب، وجميع ما قررتم أحسنه، والخبرة تكشف الخبرة، والامتحان يجلى عن الإنسان. فلما حط رحله ولقى الناس، شاع خبره، فقصد إليه كل ذى علم يسأله عن فنه، وهو يجيبه جواب متحقق، فعجبوا من ثبوت علمه. وقصدته طائفة من المتفقهة، وقد أعدوا له مسائل من الحج، لا يزالون يقتنصون بها متفقهة الأندلس، ففطن لمرادهم، وكان عهده بعيدا بمطالعة كتب الحج، فلما فاتحوه بها آخر مجلسهم، اعتذر بقيامه فيما لابد للغريب منه، ووعدهم لغد يومه، وأتى رحله، وسهر ليلته على مطالعة مسائل الحج، حتى أحكم النظر فيها، فلما كان من الغد تهافتوا على مطارحته صعابها، فأجابهم عنها جواب عالم. وذكر أنهم أخذوا عنه وعطلوا حلق علمائهم. قال ابن وضاح: كنت عند الخزامى، فقيل له: ابن حبيب سمع التاريخ؟ فقال رحم الله أبا مروان (¬١٣٦)، فإنه وإنه - يثنى عليه. ذكر ابن حارث أن ابن المواز أثنى عليه بالعلم والفقه. وكان إبراهيم بن قاسم يقول: رحم الله عبد الملك، لقد كان ذابا عن قول مالك، وإن خالفه في البعض، ما نزع إلا إلى الحق، ولا أخذ إلا بالصواب. وقال العتبى - وذكر الواضحة -: رحم الله عبد الملك، ما أعلم أحدا ألف على مذهب أهل المدينة تأليفه، ولا لطالب أنفع من كتبه، ولا أحسن من اختياره. وقال محمد بن أبي زيد، في صدر النوادر - وذكر اختيار سحنون وأصبغ وعيسى وابن عبدوس وابن سحنون وابن المواز - قال: وليس يبلغ ابن حبيب في اختياره وقدره رواياتهم (¬١٣٧) مبلغ من ذكرنا؟وقيل للمغامى: لو أوضحت هذا السماع في واضحة ابن حبيب - يريد ما لم يوضحه ابن حبيب من كتابه فقال المغامى: حاولت ذلك، فوجدت نفسى معه كمرقع الخز باللبود! وقال بعضهم: ركبت البحر إلى الأندلس مع ابن حبيب، فهال علينا، وخشينا العطب، فرأيت ابن حبيب متعلقا بحبال السفينة، وهو يقول: اللهم إن كنت تعلم أنى انما أردت بما ابتغيته وجهك وما عندك، فخلصنا برحمتك وانفع بما أتيت به عبادك. فما كان إلا يسير، حتى سكنت الحال، ووصلنا سالمين بحمد الله.