page 894, entry [348]Open original source
عيسى بن المنكدر ابن محمد بن المنكدر القرشي، قاضى مصر أيام ابن طاهر، أشار به عبد الله بن عبد الحكم، وأعلمه أنه فقير، فأجرى له سبعة دنانير كل يوم، وأجازه بألف دينار، وكان رجلا صالحا، وكان قد أشار أبو ضمرة الزهرى بأصبغ بن الفرج (¬٦٤)، فرد عليه سعيد بن عفير، فأشار عبد الله بن عبد الحكم بعيسى. واستكتب أبا الأسود النضر بن عبد الجبار، وداود بن أبى طيبة (¬٦٥)، واستكتب أيضا - فيما حكاه ابن أبي دليم - أبا إسحاق القسطال. وكان القائم بأمره سليمان بن برد إلى أن مات، فولى بعده مسائله عبد الله بن عبد الحكم. قال محمد بن عبد الحكم: أشار والدى على ابن المنكدر بوجوب اليمين المدعى على المدعى عليه بالمال، وإن لم تقم بينة بخلطة، وبه أخذ، لأن الناس قد فسدوا. وذكر نحوه عن أصبغ، في الغرباء الذين يضربون في الأرض، وهل يشترون ويبيعون إلا ممن لم يعرفوه ويخالطوه؟ قال ابن أخى ابن وهب: سمعت القاضي ابن المنكدر يصيح بالشافعي: يا كذا: يا كذا! دخلت هذه البلدة وأمرنا ورأينا واحد، ففرقت بيننا. ودعا عليه.وكانت له طائفة من أصحابه يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فلما ولى، كانت تأتيه فتعرفه بما حدث، فيترك الحكم، ويصير معهم لتغييره. فكان إذا عذله في هذا أحد، يقول: لابد من القيام بأمر الله. وكان يتنكر بالليل ويمشى، فيستخبر أحوال الشهود، ويسأل عنهم، فولى نحو السنتين، وعزله المعتصم عند قدومه مصر، وأقامه للناس، وسجنه، وأخرجه معه إلى بغداد، فمات بها مسجونا. وكان سبب حقده عليه، ما ذكرناه في خبر عبد الله بن عبد الحكم، قبل هذا. ذكر هذا كله أبو عمر الكندى. وقال الجيزى: قال ابن عبد الحكم: قال لي ابن طاهر، حين طلبت منه لابن المنكدر: كم ترى أن نعطيه؟ فخشيت أن أقول ما يريد أكثر منه، فقلت: يقول الأمير. فقال: أمرنا له بألف دينار. فكرهت أن أعظمها عنده، أو أصغرها، وليست بصغيرة، فقلت: في ألف ما أغناه. فأمر له بها، وأجرى عليه أربعة آلاف درهم في الشهر. وكان أول قاض بها أجرى عليه. قال سعد (¬٦٦) بن عبد الله بن عبد الحكم: لما ولى ابن المنكدر، وكانت حاشيته الصوفية، فكان إذا بلغ أبى أنه كان منه ما ينكره الناس، بعث إليه أخى عبد الحكم، ينهاه عن ذلك، ويأمره بما يراه، فبعث إليه مرة، فالتفت إلى أخى وقال: ما يظن أبوك إلا أنه أعتق المنكدر!فأمسك عبد الله أن ينهاه عن شيء، وغلبت عليه الصوفية، فقالوا له: اكتب إلى أمير المؤمنين تشتكى عمال الخراج. فكتب، ودفع المأمون كتابه إلى المعتصم - وكانوا عماله - فأغاظه، فلما قدم مصر عزله وأوقفه للناس، فجعلوا يثنون عليه، ويصيحون. فبعث إلى إخوانه، وذلك بعد موت ابن عبد الحكم في السجن، بسبب المتهمة معه، فاستشارهم فيما نزل به، فقالوا: لم تحتج، أنت تحفظ كل ما قضيت، إذا ناظرك غدا ابن أبي داود، فقل له: لم أقض لأحد ولا عليه، إلا وقد كتبت قضيته في الديوان، فانظروها، فإن كان مما اختلف فيه العلماء، فللقاضى أن يختار، وإن كان مما خرج عن أقاويل المسلمين، لزمني غره. فلما أصبح، ووقف، قال ذلك، فقال ابن أبي داود لأصحابه: علم هذا الرجل، خلاف ما كنا نعتقد (¬٦٧) فيه. فأعلموا المعتصم، فقال: يفتش الديوان - حنقا عليه -. فأرسل عيسى إلى إخوانه في ذلك، فقالوا له: إذا سألوك أن تحضر الديوان، فقل: هو ديوان أمير المؤمنين، فإن كان أمركم بذلك، فهو بين أيديكم، وأما أنا فلا أدخل يدى فيه. فكره المعتصم هذا، وخاف المأمون وأمر بإشخاصه، وذلك سنة أربع عشرة ومائتين.