page 756, entry [262]Open original source
ولاية أسد للقضاء والإمارة ولي زيادة الله أسدًا القضاء شريكًا لأبي محرز الكناني، سنة ثلاث أو أربع ومائتين، فاشتركا في القضاء وكان ما بينهما غير جميل، فكان أسد أغزرهما علما وفقها، وأبو محرز أسدهما رأيا وأكثرهما صوابا، فأقام قاضيًا إلى أن خرج إلى صقلية سنة اثنتي عشرة واليا على جيشها، وكان على علمه وفقهه أحد الشجعان، فخرج أسد في عشرة آلاف رجل، منهم تسعمائة فارس؛ وكان سبب غزوة صقلية أنهم كانوا معه في هدنة، وكان في شرطهم أن من دخل إليهم من المسلمين * وأراد أن يرد، فعليهم رده؛ فرفع إلى زيادة الله أن عندهم أسرى، فجاءه رسل طاغيتها، فجمع زيادة الله العلماء وسألهم عن الأمر؛فقال أبو محرز: يستأنى حتى يتبين؛ وقال أسد: يسأل رسلهم عن ذلك؛ فقال أبو محرز: كيف يقبل قولهم عليهم؟ فقال أسد: بالرسل ها دناهم، وبهم نجعلهم ناقضين، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ (¬٣٨٣) الآية. فنحن الأعلون؛ فسئل الرسل، فاعترفوا أنهم في دينهم لا يحل لهم ردهم؛ فأمر زيادة الله بالغدو إليها؛ وقال أسد إذ ذاك لزيادة الله: من بعد القضاء والنظر في الحلال والحرام تعزلني وتوليني الإمارة؟ فقال: لا ولكني وليتك الإمارة وهي أشرف، وأبقيت لك اسم القضاء، فأنت أمير قاض؛ فخرج إلى صقلية، وظفر بكثير منها، وتوفي وهو محاصر سرقوسة (¬٣٨٤) منها، وكان أيضا قد غزا سردانية، فأشرف على فتحها، وحسده بعض من كان معه، فانهزم، وبلغ ذلك الأمير، فقال له: بلغني كذا، فسم لي من فعل ذلك، فلم يفعل. ولما خرج أسد إلى سوسة ليتوجه منها إلى صقلية، خرج معه وجوه أهل العلم والناس يشيعونه، وأمر زيادة الله أن لا يبقى أحد من رجاله إلا شيعه، فلما نظر الناس حوله من كل جهة، وقد صهلت الخيل وضربت الطبول وخفقت البنود، قال: لا إلاه إلا الله، وحده لا شريك له، والله يا معاشر الناس ما ولى لي أب ولا جد، ولا رأى أحد من سلفي مثل هذا، ولابلغت ما ترون إلا بالأقلام، فأجهدوا أنفسكم فيها وثابروا على تدوين العلم تنالوا به الدنيا والآخرة؛ وحكى سليمان بن سالم (¬٣٨٥) أن أسدًا لقي ملك صقلية في مائة ألف وخمسين ألفا، قال الراوي: فرأيت أسدًا وفي يده اللواء وهو يزمزم، وأقبل على قراءة (يس) ثم حرض الناس، وحمل وحملوا معه، فهزم الله جموع النصارى، ورأيت أسدًا وقد سالت الدماء مع قناة اللواء حتى صار تحت إبطه، ولقد رد يده في بعض تلك الأيام فلم يستطع، مما اجتمع من الدم تحت إبطه.