page 758, entry [263]Open original source
بقية أخباره ووفاته قال عبد الرحيم الزاهد: قلت لأسد لما قدم علينا بكتب أهل المدينة وأهل العراق: أي القولين تأمرني أتبع وأسمع منك؟ فقال لي: إن أردت الله والدار الآخرة، فعليك بقول مالك، وإن أردت الدنيا فعليك بقول أهل العراق. قال ابن حارث: فكان هذا الرجل بعد، يطعن علي أسد بهذه القصة، وكان يقول: كان الحق عنده في مذهب مالك وكان يفتي بغيره. ولما غلب عمران بن مجاهد على القيروان، بعث إلى أسد: أن اخرج معنا. فتمارض ولزم بيته؛ فبعث إليه: إن لم تخرج معي بعثت إليك من يجر برجلك.فقال للرسول: لئن أخرجتني لأنادين: القاتل والمقتول في النار، فلما سمع ذلك تركه. قال بعضهم: بعث الأمير إلى أبي محرز وأسد، وهما قاضيان، فأقبل أسد، فإذا أبو محرز ينتظره مع بعض الرسل، فقال: كيف أصبحت أبا محرز؟ فلم يرد عليه شيئا، وصار إلى الأمير، فأجلس أبا محرز عن يمينه، وأسدًا عن شماله، ثم دفع صكا إلى أسد ليقرأه، فلم يقرأ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فقال له أبو محرز: أخطأت؛ فقال أسد: أيها الأمير، لقيته فسلمت عليه فلم يرد على السلام، ولم أقرأ إلا كلمتين فقال لي أخطأت؛ فنظر زيادة الله إليه فقال أبو محرز: ما سلم علي، ولو سلم علي لرددت عليه، وإنما قال: كيف أصبحت؟ وأصبحت مغمومًا فلو أخبرته * لسررته؛ ثم دخل عليهم رجل فذكر للأمير أنه رأى كأن جبريل هبط من السماء، ومعه نور، حتى وقف بين يديك وصافحك، وفي رواية: وقبل يدك، فابتهج لها زيادة الله، وقال هذا عدل يجريه الله على يدي؛ فقال أسد: كذب الشيخ أيها الأمير؛ فغضب الأمير، ونظر إلى أبي محرز كالمحرك له، لما يعلم مما بينهما؛ فقال أبو محرز: صدق أسد وكذب الشيخ، إن جبريل لا ينزل بوحي إلا على نبي، وقد انقطع الوحي، وهذا وأمثاله يأتونك بمثل هذا طلبًا لدنياك، فاتق الله، فسكت الأمير وخرجا، فجزى أسد أبا محرز خيرا، فقال له: لله فعلته لا لك؛وكانا على تباعدهما لا يستحل أحدهما من صاحبه ما لا يحل، ولم يكن عند أسد عربية، وكان صاحبه معربا قليل الكلام؛ وقيل له: ما هذا الذي يقول الناس في أمر أبي بكر وعلي؟ فقال: والله ما يخفى علينا من يستحق الولاية بعد والينا وقاضينا، فكيف يخفى على أصحاب محمد ﷺ من يستحق الأمر بعد نبيهم ﵇؛ ولما قام منصور على ابن الأغلب، ودنا من القيروان، خرج إليه أسد وأبو محرز وهما قاضيان، فكان من قوله لهما: اخرجا معنا، أما تعلمان أن هذا ظلم المسلمين؟ فقال أبو محرز وقد خاف منه،: نعم، واليهود والنصارى؛ وأما أسد فقال: قد كنتم أعوانا له، وأنتم وهو على مثل هذه الحال. قال أسد: لما انصرفت من العراق إلى مصر قصدت أشهب، واعتمدت عليه، وكان في خلقه ضيق، وكان علمه خيرا من دينه، فذكر يوما أبا حنيفة فأزرى عليه، ثم فعل بمالك مثل ذلك، فنهضت إليه، وقلت له: يا أشهب! فأخذ الطلبة بثوبي وأقعدوني وقالوا لي: ما أردت أن تقول له؟ قلت: أقول إنما مثلك ومثلهما مثل من بال بين بحرين، فرغى بوله، فقال هذا بحر ثالث؛ قال: فتركته وملت إلى ابن القاسم فخير لي، وكان أورع منه؛وكان أسد يقول: أنا أسد، وهو خير الوحوش، وأبي فرات وهو خير المياه، وجدي سنان، وهو خير السلاح. وكانت وفاة أسد في حصار سرقوسة (¬٣٨٦)، من غزوة صقلية، وهو أمير الجيش وقاضيه، سنة ثلاث عشرة ومائتين، وقيل أربع عشرة، وقيل سبع عشرة، وقبره ومسجده بصقلية. مولده سنة خمس وأربعين ومائة، بحران، ويقال سنة ثلاث، ويقال سنة اثنين وأربعين. وكان قدومه من المشرق سنة إحدى وثمانين ومائة.