page 558, entry [163]Open original source
ذكر زهده وعبادته وورعه وقيامه بالحق قال ابن قادم: كان ابن فروخ كثير التهجد بالليل، وكان تهجده آخر الليل؛ وقال أحمد بن يزيد: كان عبد الله بن فروخ إذا أخذ الجند أعطياتهم أغلق حانوته تلك الأيام حتى يذهب ما في أيديهم؛ *** قال ابن قادم: كان الناس يتبركون بصحبة ابن فروخ ويجلسون له على طريقه إذا خرج من داره، ويمشون معه، ويغتنمون منه دعوة وموعظة، حتى يأتى الجامع، فإذا وصل الجامع تشاغل بمسح رجليه خارج المسجد، وقال لمن معه ادخلوا رحمكم الله، فلا يدخل حتى لا يبقى معه أحد؛ *** وحدث الجدلى (¬١٦٢)، أن روح بن حاتم أرسل إلى ابن فروخ ليوليه القضاء، فلما جاءه قال له: بلغنى أنك ترى الخروج علينا.قال نعم. فعظم ذلك على روح، ثم قال ابن فروخ: وذلك مع ثلاثمائة وسبعة عشر، عدة أصحاب بدر، كلهم أفضل منى. فقال روح: أمناك أن تخرج علينا أبدًا، ثم عرض عليه القضاء فامتنع، فأقعده في الجامع وأمر الخصوم يكلمونه، فجعل يبكى ويقول لهم: ارحموني رحمكم الله. *** وذكر غيره: أنه لما امتنع أمر به أن يربط، وصعد به على سقف الجامع، فقيل له: تقبل؟ قال: لا؛ فأخذ ليطرح، فلما رأى العزم قال: قبلت؛ فأجلس في الجامع ومعه حرس، فتقدم إليه خصمان، فنظر إليهما، وبكى طويلا، ثم رفع رأسه فقال لهما: سألتكما بالله إلا أعفيتماني من أنفسكما، ولا تكونا أول مشومين على، فرحماه وقاما عنه. فأعلم الحرس بذلك روحًا فقال: اذهبوا إليه فقولوا له: تشير علينا من نولى، أو فاقبل؛ فقال: ان يكن فعبد الله بن غانم، فإني رأيته شابًا له صيانة يعتنى بمسائل القضاء (¬١٦٣)، فعليكم به فإنه يعرف مقدار القضاء، فولى ابن غانم، فكان ابن غانم يشاوره في كثير من أموره وأحكامه، فأشفق ابن فروخ من ذلك، وقال له: يا ابن أخى! لم أقبلها أميرًا، أقبلها وزيرًا؛فألح عليه ابن غانم وشدد عليه، فلما رأى ذلك ابن فروخ، خرج إلى مصر هربًا من ذلك وورعًا، فمات بها. *** وكان أكره الناس في القضاء، وكان يقول: قلت لأبي حنيفة: ما منعك أن تلى القضاء؟ فقال لي: يا ابن فروخ، القضاة ثلاثة، رجل يحسن العوم فأخذ البحر طولا فما عساه يعوم، يوشك أن يكل فيغرق، ورجل لا بأس بعومه عام يسيرًا فغرق، ورجل لا يحسن العوم ألقى بنفسه على الماء فغرق من ساعته. *** قال سحنون: اختلف ابن غانم وابن فروخ في الرجل يوليه أمير غير عدل القضاء، فأجاز ابن غانم له أن يلى، وأباه ابن فروخ، وكتبا بذلك إلى مالك؛ فلما قرأ مالك الكتاب، قال للرسول: ولى ابن غانم؟ قال: نعم. قال مالك: إنا لله وإنا إليه راجعون، فألا هرب؟ فألا فر حتى تقطع يده؟. أصاب الفارسي وأخطأ الذي يزعم أنه عربي. *** وسأله يزيد بن حاتم الأمير عن دم البراغيث في الثوب هل تجوز الصلاة به؟ فقال له: ما أرى به بأسًا. ثم قال بمحضر رسوله: يسألوننا عن دم البراغيث، ولا يسألوننا عن دماء المسلمين التي تسفك! ***وخرج مرة يصلى على جنازة فإذا بإسحاق بن الأمير يزيد بن حاتم قد أغرى كلابه بظبى، يضريها بذلك، فلما انصرف استوقفه، وقال له: يا فتى! رأيتك الآن تفعل كذا وكذا، وما أحب ذلك لك، لأن النبي ﷺ نهى عنه؛ فقبل منه إسحاق، وقال له: صدقت يا أبا محمد، جزاك الله خيرًا، والله لا فعلت ذلك بعدها أبدًا. * * * قال ابن قادم: كان ابن فروخ ربما غسل الأموات الضعفاء تواضعًا، ولا يولى ذلك غيره، ويحملها إلى قبرها.