Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

وأما معاوية بن أبي سفيان

البلاذري - أنساب الأشراف - ط الفكر · page 1758, entry [353]

أنساب الأشراف - ط الفكر — البلاذري

Open narrator profile: Mu'awiya ibn Abu Sufyan
page 1758, entry [353]Open original source
وأما معاوية بن أبي سفيان ويكنى أبا عبد الرحمن فأسلم في الفتح، وقال: لقد دخل الإسلام قلبي، ولكن أبويّ كانا يقولان لئن أسلمت لنمنعنّك القوت. وولاّه عمر الشام بعد أخيه يزيد، وولاّه عثمان الشام في خلافته فلما قتل أظهر الطلب بدمه، وقد كتبنا خبر محاربته عليّا حين طلب قتلة عثمان وصلحه الحسن. وحدثني المدائني عن سحيم بن حفص قال: أتى رجل من الأنصار معاوية فقال له: إنّ لي سنّا وسابقة وقرابة، فقال: أما السن فبينة الأثر عليك، وأما سابقتك فقد عرفناها، فما القرابة؟ قال: ولدتني وولدتك فلانة، فقال: صدقت، وأنشد: قبح الإله عداوة لا تتّقى … وقرابة يدلى بها لا تنفع ووصله. المدائني عن ابن جعدبة قال: قدم معاوية المدينة حاجا فأتاه سعية بن غريض فقال له: أسألك بالحق الذي كان بين أبي سفيان وبين أبي إلاّ نزلت عندي، فأتاه، فلما حضر الغداء جاء الطبيب فجعل يقول: كل ذا ودع ذاحتى أتي بحيس، فقال ابن غريض: هذا أقط جهينة وسمن مزينة وتمر ناعمة، فقال: طيبات جمعن من شتّى، وأكل. قالوا: واستعمل معاوية النعمان بن بشير على الكوفة فكتب اليه معاوية يأمره أن يلحق لأهل الكوفة في أعطياتهم زيادة عشرة دنانير عشرة دنانير فكان ينفذ بعضا ويردّ بعضا ويقول: أنا قفل مفتاحه بالشام، وكان يكثر تلاوة القرآن على المنبر ويقول: إن فقد تموني لم تجدوا أحدا يحدثكم عن رسول الله ﷺ. ثم جاؤوا بكتب من معاوية فعمّهم بالزيادة، فقال ابن همّام السلولي: أفاطم قد طال التدلّل والمطل … أجدّك لا صرم جليّ ولا وصل زيادتنا نعمان لا تحبسنّها … تق الله فينا والكتاب الذي تتلو فإنّك قد حمّلت فينا أمانة … وقد عجزت عنها الصلادمة البزل فلا تك باب الشرّ تحسن فتحه … علينا وباب الخير أنت له قفل وقد نلت سلطانا عظيما فلا تكن … لغيرك جمّات الندى ولك البخل وأنت امرؤ حلو اللسان بليغه … فما باله عند الزيادة لا يحلو وقبلك ما كانت علينا أئمّة … يهمّهم تقويمنا وهم عصل يذمّون دنيانا وهم يرضعونها … أفاويق حتّى ما لنا منهم سجل إذا نطقوا بالقول قالوا فأحسنوا … ولكنّ حسن القول خالفه الفعل أينفذ ما زيدوا وتمحى زيادتي … فما إن دمي [إن] ساغ هذا لكم بسل أبى لي كتاب الله والدين والتقى … وبالشام إن حكّمته الحكم العدلأريد أمير المؤمنين فإنّه … على كلّ أنحاء الرجال له الفضل مهاجرة الأقوام يرجون فضله … وهلاّك أعراب أضرّ بها المحل (¬١) المدائني قال: كتب معاوية إلى زياد: إنّ حولك مضر وربيعة واليمن، فأمّا مضر فولّهم الأعمال واحمل بعضهم على رقاب بعض، وأمّا ربيعة فأكرم أشرافهم فإنّ أتباعهم منقادون لهم، وأما اليمن فأكرمهم في العلانية وتجاف عنهم في السرّ. وقال هشام بن عمار: سأل بعض قريش معاوية شيئا فأعطاه إيّاه، ثم سأله شيئا آخر فأعطاه، ثم سأله ثالثا فمنعه، فلم يزل ملحا عليه حتى أعطاه ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين إنّ الضجور تحلب العلبة، فقال معاوية: نعم وربما زبنت (¬٢) الحالب وكسرت أنفه. المدائني عن أبي عاصم الزيادي قال: ذكر النساء عند معاوية فقال من أراد النجابة فعلية بالمشرق، ومن أراد الخدمة فعلية بالمغرب. ومن أراد اللذاذة فعلية بالبربر، قيل فالمولّدات؟ قال: إذا شبعت إحداهنّ فليس همّتها الا التشرّف. المدائني عن عبد الملك بن مسلم قال: قدم مالك بن هبيرة بن خالد بن مسلم بن الحارث بن المخصف السكوني على معاوية فقال له: كيف رأيت قومي بالحجاز؟ قال: رأيت ابن عمر فرأيته رجل نفسه، ورأيت الحسن بن عليّ فرأيته ظاهر الجمال طاهر القلب، ورأيت عبد الله بنمطيع العدوي فرأيت سفيها يريد أن يعدّ فقيها ورأيت ابن الزبير فرأيت رجلا تكفيه واحدة (¬١) فيصيّرها عشرا وهو يحاول أمرا ليس من أهله، قال معاوية: فمن سيد قومك؟ قال: من سوّدته يا أمير المؤمنين، قال: فأنت سيّدهم، قال: فقرّب مجلسي واقض حاجتي والقني ببشر حسن. وقال هشام بن عمار: قال معاوية لعمرو بن العاص ﵄: من أبلغ الناس؟ قال؛ أتركهم للفضول، قال: فمن أصبر الناس؟ قال: أردّهم لهواه برأيه، قال: فمن أسخاهم؟ قال: من بذل دنياه لدينه، قال: فمن أشجع الناس؟ قال: من ردّ جهله بحلمه، قال: فمن أعلم الناس؟ قال: من آثر دينه، قال: صدقت. المدائني قال، قال الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب لمعاوية: أنا أكرم أم أنت؟ قال معاوية: أنا قال: فأنا أكرم من يبقى بعدك، فقال معاوية: أترجو أن أموت وأنت حيّ … ولست بميّت حتّى تموتا المدائني وابن الكلبي قالا: قال معاوية لابن الكوّاء اليشكري: نشدتك الله كيف تعلمني؟ فقال: أما إذ نشدتني الله فإني أعلمك واسع الدنيا ضيّق الآخرة، قريب الرّشا بعيد المدى، تجعل الظلمة نورا والنور ظلمة. حدثنا هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم قال، قال: معاوية: أعنت على علي بكتماني سرّي ونشره أسراره، وبطاعة أهل الشام لي ومعصية أصحابه له، وبذلي مالي وإمساكه إيّاه.المدائني عن مسلمة قال: قال عبد الرحمن بن حسان وقد قدم على معاوية وقد طال مقامه ببابه: طال ليلي وبتّ جدّ حزين … ومللت الثواء في جيرون (¬١) ولذاك اغتربت بالشام حتّى … ظنّ أهلي مرجّمات الظنون المدائني عن أبي عبد الرحمن بن المبارك قال: شبّب عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت الأنصاري بأخت معاوية، فغضب يزيد فقال لمعاوية: يا أمير المؤمنين اقتل عبد الرحمن بن حسّان، قال: ولم يا بني؟ قال: لأنّه شبّب بعمتي، قال: وما قال؟ قال: قال: طال ليلي وبتّ كالمحزون … ومللت الثّواء في جيرون قال: وما علينا يا بني من طول ليله وحزنه أبعده الله، قال: إنّه يقول: ولذاك اغتربت بالشام حتّى … ظنّ أهلي مرجّمات الظنون قال: وما علينا من ظنّ أهله؟ قال: إنّه يقول: هي زهراء مثل لؤلؤة الغوّاص … ميزت من جوهر مكنون قال: صدق يا بني إنّها لمن جوهر مكنون، قال: وإنّه يقول: وإذا ما نسبتها لم تجدها … في سناء من المكارم دون قال: صدق وهي بحمد الله كذاك، قال: إنّه يقول: ثمّ خاصرتها إلى القبّة الخض … راء (¬٢) نمشي في مرمر مسنونقال: ولا كلّ هذا، ثم ضحك وقال: ما قال أيضا؟ قال: قال: قبّة من مراجل ضربوها … عند حدّ الشتاء في قيطون (¬١) عن يساري إذا دخلت من البا … ب وإن كنت خارجا عن يميني تجعل الندّ والألوّة والعو … د صلاء لها على الكانون وقباب قد أشرجت وبيوت … نطّفوها بالآس والزرجون قال: يا بنيّ لا يجب القتل في هذا، والعقوبة دون القتل تغريه فيزيد في قوله، ولكنّا نكفّه بالتجاوز والصلة، فوصله وصرفه. المدائني وغيره قالوا، قال معاوية: ثلاث من السؤدد: الصلع واندحاق البطن وترك الإفراط في الغيرة. حدثني التوّزي النحوي عن الأصمعي قال: خرج معاوية إلى مال له بمكة، ومعه عبد الله بن صفوان بن أميّة الجمحي، وكان معاوية قد غرس في ذلك المال غروسا وزرع، فقال له: يا بن صفوان كيف ترى؟ قال: أرى أنّ الله يقول ﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ (¬٢) وقد زرعت فيه كأنّك تريد الخلاف فقال معاوية: متى قرأت هذه الآية يا بن صفوان؟ قال: أمّا أنا فقد أحرقت قلبك بها فلا عليك أن تعلم متى قرأتها. حدثني العمري عن الهيثم بن عديّ عن شيخ من حمير قال، قال عمرو بن العاص لمعاوية: والله ما تقاتل عليّا ولا يقاتلك ليدخل الجنةأغلبكما لصاحبه، وما تقاتلان إلاّ على الدنيا، فأطعمنا ممّا تأكل لنناضل عنك نضال من يريد الأكل. المدائني قال: قدم عبد الله بن جعفر على معاوية فأنزله معه في قصره، فدخل عليه معاوية يوما وبديح يسمعه: إنّك ما أعلمك ذو ملّة … يذهلك الأدنى عن الأبعد وعبد الله يتخلّج، فقال: ما هذا؟ قال: أريحيّة تعتريني عند الطرب. المدائني قال: قال معاوية للأحنف: أتراني نسيت قولك حسن بأبي حسن، ورضاك بأن تذبح قريش بالبصرة كما تذبح الحيران (¬١)؟! ولكنّي أستصلحك وقومك، فقد كفيتك ما قبلي فاكفني ما قبلك، فكان الأحنف يقول: لقد كلّمني معاوية بكلام ما بعده نغل ولا دغل. قال، وقال الأحنف لمعاوية: والله ما أتيناك يا أمير المؤمنين لتهدينا من ضلالة، ولا لتغنينا من عيلة، ولا لتمنعنا من ذلّة، ولكن للسمّع وللطاعة. حدثني العمري عن الهيثم بن عديّ عن مجالد عن الشعبي أنّ معاوية قال: استعينوا على الحوائج بالكتمان فإنّ كلّ ذي نعمة محسود. وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن يزيد بن عياض قال: قال معاوية: الأرض لله وأنا خليفة الله فما أخذت فلي، وما تركته للناس فبالفضل منّي فقال صعصعة بن صوحان: ما أنت وأقصى الأمّة في ذلك إلاّ سواء، ولكن من ملك استأثر، فغضب معاوية وقال: لهممت، قال صعصعة: ما كلّ من همّ فعل، قال: ومن يحول بيني وبين ذلك، قال:الذي ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ﴾ (¬١)، وخرج وهو يقول بيت الشمّاخ: أريدوني إرادتكم فإنّي … وحذفة كالشّجا تحت الوريد (¬٢) المدائني عن مسلمة وغيره قالوا: أغلظ رجل لمعاوية وأسرف فحلم عنه فقيل: أتحلم عن هذا؟! فقال: إنّي لا أحول بين الناس وألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا. المدائني عن علي بن مالك قال: لا أضع لساني حيث يكفيني مالي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، فإذا لم أجد من السيف بدّا ركبته. المدائني قال: قال معاوية لعبد الرحمن بن الحارث بن أميّة الأصغر، وقد كفّ بصره: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت وقد ذهب خيري وبقي شرّي، قال: هذا من مقدّمات أفاعيك، ووصله. حدثني عبّاس بن هشام عن أبيه قال، قال معاوية لدغفل النسّابة: ابغني رجلا عالما يكون معك أفرّ منه إليك ومنك إليه، وليكن كتوما فإنّ الرجل إذا أنس بالرجل ووثق به ألقى إليه عجره وبجره. المدائني عن سعيد بن أبي سعيد قال: اغلظ أبو الجهم بن حذيفة العدوي لمعاوية وقال: أراحنا الله منك يا معاوية، فقال: ويحك إلى من: إلى بني زهرة فما عندهم نصر ولا فضل، أم الى بني مخزوم فو الله لو نالوا منالأمر شيئا ما كلّموكم كبرا، أم الى بني هاشم فو الله لو نالوها لاستأثروا عليكم، وإنّا على ما فينا لنعطي السائل ونجود بالنائل، ولا تزال العرب غلب الرقاب ما رأوا أشياخنا على المنابر. حدثني رجل من ولد عمر بن الخطّاب عن أبيه قال، قال أبو الجهم: أمر لي معاوية بمائة ألف درهم فذممته وقلت: أراحنا الله منك، فلمّا ولي يزيد أعطاني خمسين ألف درهم، ثم أتيت ابن الزبير فأعطاني ألفا فقلت: أبقاك الله فإنّا لا نزال بخير ما بقيت، فقيل لي: أتدعو لابن الزبير بالبقاء ولم تدع به لمعاوية ولا يزيد؟ فقلت: أخشى والله أن لا يأتي بعده إلاّ خنزير. المدائني عن مسلمة بن محارب قال: حجّ معاوية فلمّا كان بالأبواء خرج يستقري مياه كنانة حتى صار الى عجوز عشمة (¬١) فقال لها: ممّن أنت؟ قالت: من الذي يقول لهم الشاعر: هم منعوا جيش الأحابيش عنوة … وهم نهنهوا عنّا غواة بني بكر فقال معاوية: كوني ديليّة، قالت: فإنّي ديلية، قال: أعندك قرى؟ قالت: عندي خبز خمير وحيس فطير ولبن ثمير وماء نمير، فأناخ، وجعل يأخذ الفلذة من الخبز بمثلها من الحيس فيغمسه في اللبن ثم قال: حاجتك، قالت: حوائج الحيّ، فأمر فنودي فيهم، فأتاه أعراب فرفعوا حوائجهم فقضاها لهم، وامتنعت العجوز أن تأخذ شيئا لنفسها وقالت: أآخذ لقراي ثمنا؟المدائني عن مسلمة قال: مات عمرو بن العاص بمصر، فقال معاوية حين أتاه خبر موته لامرأته ابنة قرظة؛ قد مات رجل كان الأمر بمصر أمره، هلك عمرو وأتتك قباطيّ مصر. حدثني عبّاس بن هشام عن أبيه عن أبي سكين قال: قال معاوية لعبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص: إنّك قد لهجت بالشعر فإيّاك والتشبيب بالنساء فتعرّ الشريفة، وإيّاك والهجاء فإنّك تهجّن به كريما أو تستثير لئيما، وإيّاك والمدح فإنّه طعمة الدنيء الوقاح، ولكن افخر بمفاخر قومك وقل من الأمثال السائرة ما تزين به نفسك وتدلّ على صحة عقلك وتؤدّب به غيرك. المدائني عن حمّاد قال: نظر معاوية الى النخّار (¬١) في عباءة فازدراه، فقال: يا أمير المؤمنين إن العباءة لا تكلّمك إنّما يكلّمك من فيها. المدائني عن شعبة عن قتادة قال، قال معاوية: أي الناس أفصح؟ فقال له رجل ممّن حضره: قومك من قريش، ارتفعوا عن لكنة أهل العراق وكسكسة بكر وكشكشة أسد، قال: فمّن أنت؟ قال: من جرم. حدثني المدائني عن عبد الله بن فائد وسحيم بن حفص قالا: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة: أظهر شتم عليّ وتنقّصه، فكتب إليه: ما أحبّ لك يا أمير المؤمنين أن كلّما عتبت تنقّصت، وكلّما غضبت ضربت، ليس بينك وبين ذلك حاجز من حلمك ولا تجاوز بعفوك. عبد الله بن صالح عن عبد الله بن المبارك عن هشام بن عروة قال: كتبت عائشة إلى معاوية: اتق الله فإنّك إذا اتّقيته كفاك الناس، وإذا اتّقيت الناس لم يغنوا عنك من الله شيئا.المدائني عن أبي سليمان العنبري قال: قال معاوية لأبي هوذة بن شمّاس الباهلي: لقد هممت أن أحمل جمعا من باهلة في سفينة ثم أغرقهم، قال: إذا لا نرضى بعدّتهم من بني أميّة، فقال: اسكت أيّها الغراب الأبقع (¬١)، قال: إنّ الغراب ربّما درج إلى الرخمة حتى ينقر دماغها ويقتلع عينيها، فقال يزيد: اقتله يا أمير المؤمنين، قال: مه؛ ثم إنّ معاوية وجّهه بعد في سريّة فقتل، فقال معاوية ليزيد: يا بنيّ هذا أخفى. حدثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جدّه قال: دخل سعد بن أبي وقّاص على معاوية فقال: السّلام عليك أيّها الملك، فضحك معاوية وقال: ما كان عليك يا أبا اسحاق رحمك الله لو قلت أمير المؤمنين، فقال: أتقولها جذلان ضاحكا؟! والله ما أحبّ أنّي وليتها بما وليتها به. المدائني عن سحيم قال: قال معاوية: لو وزنت بالدنيا لرجحت بها، ولكنّي وزنت بالآخرة فرجحت بي. المدائني قال: قال معاوية: من كتم سرّه كان الخيار له، ومن أفشاه كان الخيار عليه. حدثني منصور بن أبي مزاحم عن شعيب بن صفوان قال: قدم ابن أبي عتيق (¬٢) على معاوية فتعذّر عليه الوصول إليه، فقال عبد الله بن جعفر: يا أمير المؤمنين أمثل ابن أبي عتيق في سنّه وموضعه لم تصله في بلده حتى جاءت به الحاجة إليك؟!فقال: عزّ والله عليّ، لو علمت بمكانه لكنت إلى صلته أسرع من الماء إلى قراره، ثم أعطاه مالا وقضى حوائجه. وقال هشام بن عمّار: قال معاوية لعمرو بن العاص: من للعراق؟ قال: رجل رفيق لا يهمطهم (¬١) في الجباية ولا يعنف عليهم في الرعاية، يحلب فيهم حلب الشاة العزوز، يعني الضيّقة الإحليل. المدائني قال، قال معاوية: إنّي لأرفع نفسي عن أن يكون ذنب أعظم من عفوي، وجهل أكبر من حلمي، وعورة لا أواريها بستري، وإساءة أكبر من إحساني. وحدّثني هشام بن عمّار عن أبيه قال، قال معاوية: أنا أعرف أغلى شيء في السوق وأرخصه، أعلم أنّ الجيّد رخيص والرديء غال. قالوا: وقدم زياد على معاوية فقال مضحك لمعاوية: ألا أمازح زيادا؟ قال: شأنك، فقال: يا أبا المغيرة أيسرّك أنّك من الحور العين، فقال: مه، كلّ ما دخلت به الجنّة فحسن، ويقال: إنّ زيادا افتدى جوابه بعشرة آلاف درهم. عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه عن عوانة قال: قال معاوية لزرعة بن ضمرة الهلالي: ما أنزلك بين هذين الجفّين؟ قال: إنّ لنا ولهم مثلا يا أمير المؤمنين، نحن كالأير، أير شديد صادف اسكتين خوّارتين، فقال معاوية: لا يلبثان حتى يمصّا ماءه ويلينا منه ما اشتدّ واسبطرّ (¬٢).وقال معاوية للأحنف: يا أبا بحر ما المرّوة؟ قال: الفقه في الدين والعفاف وبرّ الوالدين، فقال معاوية: هو ذاك. حدثني هشام بن عمّار عن الوليد قال: بلغني أنّ معاوية قال: العيال أرضة المال، يذهب المال ويبقى العيال، وما في الأرض تبذير إلاّ إلى جانبه حقّ مضاع. وقال هشام: حدثني شيخ لنا قال، قال معاوية ليزيد: يا بنيّ اتخذ المعروف عند ذوي الأحساب لتستميل به مودّتهم وتعظم به في أعينهم وتكفّ به عنك عاديتهم، وإيّاك والمنع فإنّه مفسدة للمروّة وإزراء بالشريف. المدائني قال: دخل أبو الأسود الدولي على معاوية فإنّه ليحدّثه إذ حبق، فقال: يا أمير المؤمنين أنا عائذ بالله وبسترك، ثم خرج ودخل عمرو بن العاص فحدّثه، وبلغ ذلك أبا الأسود فأتاه فقال: يا معاوية إنّ الذي كان منّي قد كان مثله منك ومن أبيك، وإنّ من لم يؤتمن على ضرطة لجدير ألاّ يؤتمن على أمر الأمّة. المدائني قال: سمع معاوية غناء سائب خاثر عند يزيد بن معاوية فلمّا أصبح قال: من كان جليسك في ليلتك يا بنيّ؟ قال: سائب خاثر، قال: فأخثر له فما رأيت بنشيده بأسا. قالوا: وأدخل عبد الله بن جعفر سائبا أو بديحا على معاوية، فأخذ بحلقة باب البيت وجعل يوقّع بها ويغنّي معاوية، ومعاوية يحّرك رجله، فقال: ما هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: إنّ الكريم طروب.وحدّثني الزبير بن بكّار عن عمّه مصعب بن عبد الله قال: كان معاوية يفضّل مزينة في الشعر، ويقول: كان أشعر أهل الجاهليّة زهير وابنه بعده، وأشعر أهل الإسلام معن بن أوس المزني. حدثني عبد الله بن صالح العجلي عن ابن كناسة قال: دخلت ليلى الأخيليّة على معاوية فوصلها وأمر فأدخلت على نسائه فوهبن لها ثم قال: أخبريني عن مضر، فقالت: قريش سادتها وقادتها وتميم كاهلها وقيس فرسانها وخطاطيفها. المدائني عن مسلمة قال: وفد زياد على معاوية فحدا به الحادي: قد علمته الضمّر الجياد … إنّ الأمير بعده زياد فبلغ ذلك معاوية فغضب ولم يذكر لزياد شيئا منه، فقال يوما لحضين بن المنذر الرقاشي بحضرة زياد: يا أبا ساسان إنّ لك رأيا وعقلا، فما فرّق أمر هذه الأمّة حتى سفكت دماؤها واختلف ملأها وسفهت أحلامها؟ فقال: قتل أمير المؤمنين عثمان، فقال: صدقت، والخلافة لا تصلح لمنافق ولا ذي دعابة - يعرّض بعليّ وأنّ زيادا كان من أعوانه - ففطن زياد فقال: راجز رجز بشيء لم يكن عن أمري ولقد زجرته ونهرته، فقبل ذلك معاوية. حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن أبي الزناد عن أبيه قال: لما صار معاوية بالأبواء في حجّته اطّلع في بئر فأصابته اللقوة، فقال: إنّ المؤمن لبعرض خير، إمّا ابتلي فأجر، إمّا عوفي فشكر، وإمّا عوقب بذنب فمحّص، ولئن ابتليت لقد ابتلي الصالحون، ولئن مرض عضو منّي فما أحصي صحيحي، ولما عوفيت أكثر، وإنّي اليوم ابن بضع وسبعين سنة،ومالي على ربيّ أكثر مما أعطاني، فرحم الله عبدا دعا لي بالعافية، فقال له مروان: جزعت يا أمير المؤمنين، قال: يا مروان إنّي قد رققت وذكرت ما كنت عنه عزوفا، وقد ابتليت في أحسني، وخفت أن يكون عقوبة من ربّي، ولولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي. المدائني عن محمد بن الحكم عن أبيه أنّ معاوية أوصى بنصف ماله أن يردّ إلى بيت المال، كأنّه أراد أن يطيب له الباقي لأنّ عمر قاسم عمّاله. وحدثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه عن عوانة قال: قيل لعبد الله بن العبّاس إنّ الوليد بن عقبة يقول: ما رأيت أحدا أحقّ بما هو فيه من معاوية، فقال: إذا لم يقل الوليد هذا فمن يقوله. المدائني قال، قال معاوية للنخّار العذري: أيّ العرب أكرم بعد قريش؟ فقال: بيت زرارة بن عدس، قال: فأيّهم أشجع؟ قال عبسيّ طالبك بذحل أو طالبته، قال: فأيّهم أفصح؟ قال أسديّ وصف سحابا وغيثا، قال: فأيّهم أفرس؟ قال: رجل من بني عامر يلعب على فرسه لعب الصبيّ على زحاليف الرمل، قال: فأيّهم أدهى؟ قال: أريمص (¬١) من ثقيف مارسته في أمر ومارسك. المدائني عن أبي عاصم الزيادي قال: قال معاوية لمروان: من ترى للعراق؟ قال: من لا يفحّج الحلوب قبل الدرّة، ولا يدني العلبة حتى يمسح الضرّة.المدائني عن سفيان بن عيينة قال: كتب معاوية إلى عائشة ﵄ أن عظيني ولا تطيلي، فكتبت إليه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إليهم حتى يعود حامده ذامّا ومن التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله إيّاهم». حدثني هشام بن عمّار قال: لما حجّ معاوية مرّ بالمدينة فأتى سقيفة بني ساعدة فقال: مارس بعود أو دع (¬١) إن كان أبو بكر هاهنا لعلى أعظم الخطر. المدائني عن عبد الله بن سلم الفهري قال: قال معاوية لعمرو: أيّنا أدهى؟ قال: أمّا في البديهية فأنا، وأمّا في الأناة فأنت، قال معاوية: أصغ إليّ أسارّك بشيء، فأدنى عمرو رأسه وكانا خلوين يتسايّران، فقال معاوية: غلبتك أيّها الداهية هل هاهنا أحد أسارّك دونه. حدثني هشام بن عمّار عن أبيه عن أشياخهم قالوا: قال معاوية على منبر دمشق: ما أحد ترك تقوى الله إلاّ عاد حامده ذامّا. وكتب معاوية إلى زياد يشكو قرابته، فكتب إليه: عليك بالموالي فإنّهم أنصر وأغفر وأشكر. المدائني عن سحيم بن حفص قال: قال معاوية: لو أنّ النجوم تساقطت لسقط قمرها في حجور بني يربوع. وقالوا: قدم الأحنف والمنذر بن الجارود الشام، فرشا المنذر حاجب معاوية بأربعة آلاف درهم على أن يدخله قبل الأحنف، فدخل المنذر قبلالأحنف، فقال معاوية للحاجب: كيف قدّمت منذرا على الأحنف؟! فحدّثه الحديث، فضحك معاوية وقال: لا تعد. المدائني عن سحيم قال: قال معاوية: من أكرم الناس أبا وأمّا وجدّا وجدّة وعمّا وخالا وخالة؟ فقال صعصعة بن صوحان، ويقال عبد الله بن عجلان: هذا الجالس بين يديك، يعني الحسن بن عليّ، جدّه رسول الله، وجدّته خديجة بنت خويلد الطاهرة، وأبوه عليّ بن أبي طالب، وأمّه فاطمة بنت رسول الله، وعمّه جعفر بن أبي طالب، وعمّته أمّ هانئ بنت أبي طالب، وخاله القاسم ابن رسول الله، وخالته زينب بنت رسول الله. المدائني عن فليح بن سليمان قال: وفد عمرو بن العاص على معاوية ومعه قوم من أهل حمص فأمرهم إذا دخلوا أن يقفوا ولا يسلموا بالخلافة، فلما دخلوا قالوا: السّلام عليك يا رسول الله، وتتابعوا على ذلك، فضحك معاوية وقال: اغربوا وزجرهم، فلمّا خرجوا قال لهم عمرو: نهيتكم عن أن تسلّموا بالخلافة فسلّمتم بالنّبوة؟! عليكم لعنة الله. المدائني عن جويرية بن أسماء أنّ بسر بن أبي أرطاة نال من عليّ عند معاوية، وزيد بن عمر بن الخطّاب حاضر، فعلاه بعصا فشجّه، فقال معاوية: عمدت إلى شيخ قريش وسيّد أهل الشام فضربته، ثم أقبل على بسر فقال: شتمت عليّا وهو جدّه، وهو أيضا ابن الفاروق أفكنت ترى أنه يصبر لك؟ قال: وأمّ زيد بن عمر أمّ كلثوم بنت علي بن أبي طالب؛ ثم إن معاوية أرضاهما جميعا وأصلح بينهما. المدائني عن سعيد بن المبارك وعوانة قالا: قال معاوية: [معروف] زماننا منكر زمان قد مضى، [ومنكره] معروف زمان قد بقي.المدائني قال: لما قدم أبو موسى للحكومة دسّ معاوية رجلا إلى عمرو ليعرف رأيه وعزمه، فأتاه الرجل فكلّمه بما أراد ممّا أمره معاوية، فعضّ عمرو على إبهامه ولم يجبه، فأتى الرجل معاوية فأخبره فقال: قاتله الله أعلمك أنّك تفرّ قارحا (¬١). المدائني عن عوانة قال: قال معاوية: أشدّ العرب طعانا عن نسائهم بنو ضبّة، وأشدّ العرب بأسا بنو الحارث بن كعب، كانوا يغزون ولا يغزون. المدائني عن عوانة قال: قدم صعصعة بن صوحان على معاوية فقال: قدمت خير مقدم قدمت أرض المحشر، فقال صعصعة: إنّ خير المقدم لمن قدم على الله آمنا يوم القيامة، وأمّا أرض المحشر فليس ينفع الكافر قرب المحشر ولا يضرّ المؤمن بعده. المدائني عن عبد الله بن فائد قال: قال معاوية لصعصعة: يا أهل العراق قلّدتم أمركم غلاما من النخع، يعني إبراهيم بن الأشتر، فقال: لو كان معك لقلّدته أمرك، إنّه شجاع نجيح نصيح يعلم ما يأتي ويذر، وما رأينا بعد أبيه مثله. المدائني عن سحيم بن حفص قال: أتى معاوية رجل فسأله بالرّحم، فقال معاوية: ذكرتني رحما بعيدة، فقال: يا أمير المؤمنين إنّ الرحم شنة إن بللتها ابتلّت وإن تركتها تقصّفت، قال له: سل، قال: مائة ناقة متبع ومائة شاة ربّى (¬٢)، فأمر له بذلك.حدثني هشام بن عمّار عن الوليد بن مسلم قال: بلغني أنّ معاوية صارع رجلا على عهد رسول الله ﷺ فصرعه، فقال: «وأوما علمتم أنّ معاوية رجل لا يصارع أحدا إلاّ صرعه». وقال الواقدي: كان معاوية يغري بين سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أميّة وبين مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أميّة، فكتب إلى سعيد وهو على المدينة يأمره بهدم دار مروان فلم يفعل، فأعاد عليه فلم يفعل، فلما ولي مروان المدينة كتب إليه بهدم دار سعيد، فأرسل الفعلة وركب مروان ليهدمها، فقال له سعيد: يا أبا عبد الملك أتهدم داري؟! قال: كتب أمير المؤمنين إليّ في هدمها، فبعث سعيد فجاء بكتب معاوية إليه في هدم دار مروان، فقال مروان: يا أبا عثمان كتب إليك بهذه الكتب فلم تعلمني؟! قال: ما كنت لأمّرر عليك عيشك، وإنّما أراد أن يغري بيننا، فقال مروان: فداك أبي وأميّ فإنّك أكرمنا ريشا وعقبا، وأمسك عن هدم داره. المدائني قال: قدم معاوية المدينة وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب عليل فركب إليه معاوية في الناس، فقال رجل من قريش لسائب خاثر: مطرفي لك إن غنّيت ومشيت بين أيديهم، وقيل: انّ ذلك كان في وليمة، فغنّى. لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضحى … وأسيافنا يقطرن من نجدة دما (¬١)فنصت معاوية حتى فرغ، وأخذ سائب المطرف. وقتل سائب يوم الحرّة. المدائني قال: كتب معاوية إلى قيس بن سعد بن عبادة حين أبى المصير إليه، وكان مع الحسن بن عليّ ﵉: يا يهوديّ بن اليهودي إنّما أنت عبد من عبيدنا، فكتب إليه: يا وثن يا بن الوثن دخلتم في الإسلام كارهين وخرجتم منه طائعين. المدائني عن عبد الله بن فائد قال: قال معاوية لأسامة بن زيد: رحم الله أمّ أيمن كأنّي أنظر إلى ساقيها وكأنّهما ظنبوبا نعامة خرجاء، فقال: هي والله خير من أمّك وأكرم، فقال معاوية: وأكرم أيضا؟ قال: نعم، قال الله ﷿ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ﴾ (¬١). المدائني عن مسلمة بن محارب قال: كان سليم مولى زياد من الدهاة فساير معاوية ومعاوية على ناقه وسليم على جمل قراسي (¬٢) فعلا معاوية، فقال: يا سليم انزل عن بعيرك، فنزل وركبه معاوية، ثم قال: يا سليم تزعم أنّك من الدهاة وقد غبنتك، فقال: يا أمير المؤمنين لو خرجت لك من كلّ ما أملك بتحويلي إيّاك عن مركبك وركوبي إيّاه كنت قد غبنتك. قال عمر بن بكير: أنشد معاوية: لا يبعد الله جيرانا لنا فقدوا … ماتوا لوقت مناياهم فقد بعدوا قبر بمصر وقبر بالحجاز وقب … ر بالعراق منايا بينهم بددكانت لهم همم فرّقن بينهم … إذا المقاريف عن أمثالها قعدوا فهم رهائن للأجداث ليس لهم … من العوائد إلاّ الهامة الغرد فقال معاوية: من كرم الحيّ بدد قبورهم. المدائني قال: قال معاوية لعبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب: لقد هممت بأن أولّيك الكوفة غير مرّة فما منعني من ذلك إلاّ أنّي قلت: أوليّه فيقول أنا ابن زيد بن الخطّاب أحد أبناء المهاجرين البدريّين وعمّي، الفاروق أمير المؤمنين، وأنا أحقّ بالأمر من معاوية، قال: لو ولّيتني لقلت ذلك، وأنا أقوله الآن، فضحك معاوية. وحدثني أبو مسعود عن ابن دأب قال: نظر معاوية إلى عمر بن سعد بن أبي وقّاص فقال: ما أحد أودّ أنّ هندا ولدته غير هذا وعبد الله بن جعفر. المدائني قال: قدم صعصعة بن صوحان على معاوية قال: نحن أهل البيضاوين (¬١) لم يتعبّد فيهما قطّ غير الله، ولم يضرب فيهما بناقوس، ولا كانت فيهما بيعة ولا كنيسة. المدائني قال: قال عمرو بن العاص لمعاوية: غلبتك امرأتك، فقال: إنّهنّ يغلبن الكرام، ويغلبهنّ اللئام. المدائني قال: ذكر الأشتر النّخعي عند معاوية، فقال رجل من النخع للذي ذكره: اسكت فإنّ موته أذلّ أهل العراق، وإنّ حياته أذلّت أهل الشام، فسكت معاوية ولم يقل شيئا.المدائني قال: قال رجل لمعاوية: يا أمير المؤمنين البرّ أهون أم الفجور؟ فقال: هما يتنازعانك، يروح عليك أحدهما ويغدو الآخر، فأهونهما ما لم يغالب عليه هواك ونفسك. المدائني عن عوانة وغيره قال: قال معاوية: يرحم الله أمير المؤمنين عثمان لو كان قتل الطعّانين عليه لكان ذلك خيرا له، فما الذي يقول قائلهم؟ فقال أبو الأسود: يقول قائلهم: أنكرنا منكرا فقتيلنا شهيد وحيّنا ثائر؛ فسكت معاوية. المدائني عن عبد الله بن فائد قال: تمضمض معاوية يوما فسقطت ثنيّته فاسترجع، وشكا ذلك إلى البراء بن عازب فقال: والله ما يسرنا أنّها كانت بغيرك لعظم الأجر لك، وما بلغ رجل مبلغك من السنّ إلا زايله بعض ما كان مشتدّا منه. المدائني عن الوقّاصي قال: قدم المسور بن مخرمة على معاوية فقال له: بلغني أنّك تنتقصني، فماذا نقمت فيه عليّ؟ هل تعلم أنّي أقاتل عدوّ المسلمين وأجبي فيئهم وأعنى بأمورهم، وأصل وافدهم؟ فقال: اللهمّ نعم، قال: فنشدتك الله أتذنب؟ قال: نعم، قال: فما جعلك أحقّ برجاء المغفرة منّي: قال: غفر الله لك يا أمير المؤمنين. المدائني عن أبي محمد القرشي قال: ذكر عند معاوية قول حذيفة بن اليمان: إنّي لم أشرك في دم عثمان فقال: بلى لقد شرك في دمه، فقال عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث: الرجل كان أعلم بنفسه، قال معاوية: وأنت أيضا قد شركت في دمه بطعنك عليه وخذلانك له، فقال: إنّي كنتأنهى عثمان عمّا قيل فيه وكنت تأمره به، فلما اشتدّ الأمر والتقت حلقتا البطان كتب إليك يستنصرك، فابطأت عنه حتى قتل. المدائني عن محمد بن إبراهيم عن أبيه قال: كان عامل معاوية على المصر من الأمصار إذا أراد أن يكتب إلى معاوية نادى مناديه: من يكتب إلى أمير المؤمنين؟ فكتب إليه زرّ بن حبيش، ويقال أيمن بن خريم، كتابا لطيفا ورمى به في الكتب وكان فيه: إذا الرجال ولدت أولادها … وجعلت أسقامها تعتادها فهي زروع قد دنا حصادها فقال معاوية: ليت شعري من ذا الذي نعى إليّ نفسي، لقد أبلغ في موعظتي. حدثني عليّ بن المغيرة الأثرم عن الأصمعي قال: استأذن رجل من ولد الحصين بن حمام المرّي على معاوية فقال: إئذنوا لابن آبي الضيم، ثم قال لآذنه: إن جاء رجل من ولد حصين أو من ولد خداش بن زهير فاستأذن له وإلاّ فاغرب. وحدثني عبد الله بن صالح قال: سمعت عبثر بن القاسم يقول: قال معاوية: ربّ المعروف أفضل من ابتدائه. المدائني قال: قال معاوية: ما شيء أعجب إليّ من غيظ أتجرّعه أرجو بذلك ثواب الله. المدائني قال: قال معاوية لابن الزبير: ألا تعجب من الحسن وتثاقله عنّي؟ فقال ابن الزبير: مثلك ومثل الحسن كما قال الشاعر:أجامل أقواما حياء وقد أرى … قلوبهم تأرى (¬١) عليّ مراضها فقال معاوية: والله ما جامل ولقد أعلن، قال: بلى والله لقد جامل، ولو شاء أن يطلق عليك عقال حرب زبون لفعل، فقال: أراك يا بن الزبير تجول في ضلالتك، أما والله لو ظفر بك لقتلك كما قتل أبوه أباك أو لغرّبك ونفاك. المدائني عن مسلمة قال: قال معاوية: ازدحام الكلام في السمع مضلّة للفهم. المدائني عن عليّ بن سليم قال: قال معاوية: رجلان إن ماتا فكأنهما لم يموتا، ورجل إن مات مات، أنا إن متّ فخليفتي ابني يزيد، وسعيد بن العاص إن مات فخليفته عمرو بن سعيد، وابن عمر إن مات مات، فقال مروان: أما ذكر ابني عبد الملك فو الله ما أحبّ أنّ لي بابني ابنيهما. حدثني عليّ بن المغيرة عن أبي عبيدة عن أبي عمرو قال: وفد المغيرة بن عبد الله الرياحي على معاوية في وفد بني تميم فقال المغيرة: يا أمير المؤمنين ولّني خراسان، فقال: ما هجا ما لا هجا (¬٢) له، قال: فشرطة البصرة، قال: لا يمكن، قال: فاحملني على بغلة وأعطني قطيفة، فقال: أمّا هذا فنعم، فوهب له بغلة وقطيفة خزّ، فلامه أصحابه فقال: أمّا أنا فقد أخذت شيئا وأنتم لم تأخذوا.المدائني عن حفص بن عمر بن ميمون قال: بعث معاوية إلى عبد الله بن عمر بمال فدعا بصحيفة دينه فقضى ما فيها، ثم دعا بصحيفة العيال فأعطاهم، ثم أمر بصدقة فتصدّق بها، وقسم في أصحابه قطعة من المال، وبعث إلى عبد الله بن الزبير بمال فدعا بصندوق فوضعه فيه، فأخبر معاوية رسوله بفعلهما فقال: هكذا هما لو وليا. المدائني عن جويرية قال: زار حسّان بن ثابت في الجاهليّة جبلة بن الأيهم الغسّاني بجلّق فجفاه يوما أو يومين، ثم لقيه جبلة متنكّرا فقال له: من أنت؟ قال: حسّان بن ثابت، قال: ما تقول في هذا الذي قدمت عليه؟ قال: لو أعلم أنّي أصدق في ذمّه لذممته، ولكّني أسكت فلا أذمّ ولا أحمد، قال: فارجع؛ ثم وصله وقال: لا يأتيك منّي تحيّة إلاّ ومعها صلة، فلمّا ظهر الإسلام ولحق جبلة بالروم بعث معاوية رجلا يفدي من في أيدي الروم من أسارى المسلمين، فرآه جبلة فسأله عن حسّان فأعلمه أنّه باق وأنّه خلّفه عند معاوية، فقال: أقرئه السّلام وأعطه هذه الخمسمائة الدينار، فقدم الرجل على معاوية وحسّان عنده، فقال له: جبلة يقرئك السّلام يا حسّان، قال: هات ما معك، قال: ما معي شيء، قال معاوية: أعطه، فأعطاه الدنانير، فقال معاوية: إنّ هذا لعهد كريم. المدائني قال: قال معاوية حين مات عتبة أخوه: لولا أنّ الدنيا بنيت على نسيان الأحبّة لظننت أنّي لا أنسى أخي عتبة أبدا. حدثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه قال: ولّى معاوية عنبسة بن أبي سفيان، وأمّه ابنة أبي أزيهر، الطائف، ثم عزله وولّى الطائف عتبة بن أبي سفيان، وأمّه هند بنت عتبة، فقال له عنبسة: يا أمير المؤمنين واللهما نزعتني عن ضعف ولا خيانة فقال معاوية: إنّ عتبة ابن هند، فولّى عنبسة وهو يقول: كنّا لحرب صالحا ذات بيننا … جميعا فأمست فرّقت بيننا هند فإن تك هند لم تلدني فإنّني … لبيضاء ينميها غطارفة مجد أبوها أبو الأضياف في كلّ شتوة … ومأوى ضعاف قد أضرّ بها الجهد المدائني عن سحيم بن حفص قال: قال معاوية: إذا ذهب أصحاب رسول الله ﷺ ذهب الورع، وإذا ذهب من بقي من أهل الجاهلية ذهب الحلم. حدثني هشام بن عمّار حدثنا صدقة عن يزيد بن واقد قال: قال معاوية: أفضل ما أعطيه الرجل العقل والحلم، فإن ذكّر ذكر، وإن أعطي شكر، وإن ابتلي صبر، وإن غضب كظم، وإن قدر غفر، وإن أساء استغفر، وإن وعظ ازدجر. المدائني عن مسلمة وغيره قالوا: قال معاوية لعمرو بن العاص: ما بلغ من دهيك؟ قال: لم أدخل في أمر قطّ إلاّ خرجت منه، قال معاوية: لكنّي لم أدخل في أمر قطّ فأردت الخروج منه. المدائني عن أبي محمد العبدي قال: أكل صعصعة بن صوحان مع معاوية فتناول شيئا من بين يديه، فقال له: لقد أبعدت النجعة، قال: من أجدب انتجع.المدائني قال: قال معاوية لمعاوية بن حديج: ما جّرأك على قتل محمد بن أبي بكر؟ قال: الذي جرّأك على قتل حجر بن عديّ (¬١)، أفتقتل حلماءنا وتلومنا على قتل سفهائكم؟! حدثني العمري عن الهيثم عن ابن عيّاش قال: دخل مالك بن هبيرة السّكونيّ على معاوية، فلمّا طلع قال لعمرو بن العاص: يا أبا عبد الله ما أحبّ أنّ هذا من قريش، قال: وما يهولك منه؟ قال: أقسم بالله لو كان منهم لأهمّتك نفسك وما خلوت بمصر، فلمّا دنا سلّم وجلس، قال: وخدرت رجله فمدّها فقال له معاوية: يا أبا سعيد وددت أنّ لي جارية لها مثل ساقيك، قال: في مثل عجيزتك يا أمير المؤمنين، قال: حبجة بلبجة والبادئ أظلم (¬٢)، فلمّا نهض قال معاوية لعمرو: إن الله قد أحسن بك إذ جعل هذا من كندة. حدثنا محمد بن سعد عن عفّان عن سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أبي بردة بن أبي موسى قال: دخلت على معاوية حين أصابته قرحته فقال: هلمّ يا بن أخي فانظر إليها، فنظرت إليها وقد سبرت فقلت: ليس عليك يا أمير المؤمنين بأس، ودخل يزيد فقال له: إن وليت من أمر المسلمين شيئا فاستوص بهذا فإن أباه كان أخا لي وخليلا، غير أنّي رأيت في القتال غير رأيه.حدثني عبد الله بن صالح العجلي عن شريك قال: كتبت عائشة إلى معاوية في قتل حجر أو غير ذلك: أمّا بعد فلا يغرّنّك يا معاوية حلم الله عنك فيزيدك ذلك استدراجا، فإنه بالمرصاد، وإنّما يعجل من يخاف الفوت. حدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن عوانة عن عبد الملك بن عمير قال: سأل قبيصة بن جابر معاوية عن قريش فقال: أمّا سيّدها غير مدافع فسعيد بن العاص، وأمّا رجلها فمروان مع غلق فيه وحدّ، وأمّا فتاها نائلا وتوسّعا فعبد الله بن عامر بن كريز، وأمّا أكرمها أبا وأمّا وجدّا وجدّة وعمّا وعمّة وخالا وخالة فالحسن، وأمّا رجل نفسه فعبد الله بن عمر، وأمّا من يرد مع دواهي السباع ويروغ روغان الثعلب فعبد الله بن الزبير، وأمّا سيّد الناس جميعا فمن يقعد هذا المقعد بعدي، قال: فأخبرني عن نفسك، قال: قد علمت قريش أنّي أشدّها ثبات قدمين في بعثط (¬١) البطحاء. المدائني عن عوانة قال: تغدّى مع معاوية يوما عبيد الله بن أبي بكرة ومعه ابنه بشير أو غيره من ولده فأكثر من الأكل، وكان معاوية أكولا نهما، فلحظه معاوية، فلمّا خرج ابن عبيد الله لامه أبوه على ما صنع، ثم عاد ابن أبي بكرة من الغد وليس ابنه معه، فقال معاوية: ما فعل ابنك التلقامة؟ قال: اشتكى، قال: قد علمت أنّ أكله سيورثه داء. المدائني عن أبي أيّوب بن عبد الله قال: كان معاوية يحسد الناس على النكاح، فقال لرجل من جلسائه من كلب، وكان شيخا كبيرا، كيف أنتوالنساء؟ قال: ما أشاء أن أفعل إلاّ فعلت، فجفاه وحرمه صلته، فدسّ الكلبيّ امرأته الى ابنة قرظة امرأة معاوية فشكت وقالت: ما أنا وهو في اللحاف الاّ بمنزلة امرأتين، ودخل معاوية على ابنة قرظة فقال: من المرأة التي عندك؟ قالت: امرأة فلان الكلبي، قال: وما قالت؟ قالت: شكت حالها وكبر زوجها وأنّه لا ينال منها شيئا ولا يقدر عليه، فقال: ما كذا يزعم؛ فأرسل إليه وتوارت امرأته عند النساء، فقال له معاوية: يا فلان كيف قوّتك على الجماع؟ فقال: ما أشاء أن أفعل إلاّ فعلت، فقالت امرأته: كذب يا أمير المؤمنين، فقال الشيخ: أقلني هذه الكذبة، فضحك معاوية وقال: أنا أبو عبد الرحمن، وأمره فانصرف، وعاد إلى ما كان عليه من برّه وصلته. قالوا: وقدم على معاوية روميّ لم ير قطّ أطول منه، فدعا معاوية قيس بن سعد بن عبادة فطاله، فقال معاوية لقيس: أعطه سراويلك، فلبسها الرومي فكادت تبلغ عنقه، فقال: اتركها عليه، فتركها، وأمر معاوية لقيس بسراويل من سراويلاته فوجده قصيرا عليه فقال: إنما أمرت لي بتبّان، يعيّره بذلك، فقال معاوية: أمّا قريش فأشياخ مسرولة … واليثربيّون أصحاب التبابين فقال قيس: تلك اليهود التي تعنى بقريتنا … أضحت قريش هم أهل السخاخين (¬١)المدائني عن جويرية بن أسماء قال: قدم أبو موسى على معاوية فدخل عليه في برنس أسود، فلمّا خرج من عنده قال: قدم الشيخ لأولّيه و والله لا ولّيته. المدائني عن محمّد بن مروان العجلي عن حبيب بن الشهيد قال: قال معاوية لعبد الله بن عامر: يا أبا عبد الرحمن لا يزال يكون بينك وبين مروان الشيء فتقهره وتستعليه وتظفر به، فقال ابن عامر: إنّه يجدني عضّا، فقال معاوية: إنّك لو لقيت رجلا عرفّك نفسك، قال: فكن أنت ذلك الرجل يا أمير المؤمنين، فقال معاوية: أنا ابن هند، قال ابن عامر: أنا ابن أم حكيم، قال معاوية: ارتفعت جدّا، قال ابن عامر: وانخفضت يا أمير المؤمنين. قال: أمّ عبد الله بن عامر دجاجة بنت [أسماء بن] (¬١) الصلت وأم أبيه أروى بنت كريز وأمّها أمّ حكيم البيضاء بنت عبد المطلب. المدائني عن أبي اسحاق التميمي قال: كتب معاوية إلى عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة في القدوم، فقدم عمرو من مصر والمغيرة من الكوفة، فقال عمرو للمغيرة بن شعبة: ما جمعنا إلاّ ليعزلنا، فإذا دخلت عليه فاشك الضعف واستأذنه في إتيان المدينة أو الطائف، فإني سأسأله إتيان مكّة أو المدينة، فسيقع في قلبه أنّا إنّما نريد إفساد الناس عليه، ففعل المغيرة ذلك، ثم دخل عمرو فسأله أن يأذن له في إتيان مكّة أو المدينة فقال: قد تواطأتما على أمر وإنّكما لتريدان شرّا فارجعا الى عملكما. المدائني قال: نظر معاوية إلى فتيان من بني عبد مناف فتمثّل:بنو الحرب لم تقعد بهم أمّهاتهم … وآباؤهم آباء صدق فأنجبوا ونظر إلى فتيان من بني أسد بن عبد العزّى بن قصيّ فقال: شربن حتّى نفد القليب … أكلن حمضا فالوجوه شيب المدائني عن سعيد بن عامر الخزرجي عن عبادة بن نسيّ قال: خطب معاوية فقال: إنّي كزرع مستحصد، وقد طالت إمرتي عليكم حتى مللتكم ومللتموني، وتمنّيت فراقكم وتمنّيتم فراقي، ولن يأتيكم بعدي إلاّ من أنا خير منه كما أنّ من كان قبلي كان خيرا منّي، وقد قيل: من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه؛ اللهم إنّي أحببت لقاءك فأحبّ لقائي وبارك لي فيه. حدثنا هشام بن عمّار حدثنا اسماعيل بن عيّاش عن صفوان بن عمرو عن الأزهر بن عبد الله الهوزني (¬١) عن أبي عامر الهوزني قال: حججنا مع معاوية، فلمّا قدمنا مكّة أخبر برجل قاصّ يقصّ على أهل مكّة، وكان مولى لبني مخزوم، فقال له معاوية: أمرت بالقصص؟ فقال: لا، قال: فما حملك على أن تقصّ بغير إذن؟ قال: إنّما ننشر علما علّمناه الله، قال: لو كنت تقدّمت إليك لقطعت طابقا منك. المدائني عن سحيم بن حفص قال: خطب ربيعة بن غسل - وذلك الثبت، ويقال عسل - اليربوعي إلى معاوية فقال معاوية: اسقوه سويقا، فقال: يا أمير المؤمنين أعنّي في بناء داري باثني عشر ألف جذع، قال: وكم دارك؟ قال: فرسخان في فرسخين أو أكثر، قال: فدارك بالبصرة أمالبصرة في دارك؟! قال: فدخل رجل من ولده على ابن هبيرة فقال: أنا الذي خطب أبي إلى معاوية، قال: فزّوجه معاوية؟ قال: لا، قال: فما صنع شيئا؛ ثم قال لسلم بن قتيبة: من هذا؟ قال: ابن أحمق قومه، قال: وان الحمق لبيّن فيه أيضا. المدائني قال: ذكر مروان يوما لمعاوية كثرة عدد آل أبي العاص وقلّة عدد آل حرب، فتمثّل معاوية: تفاخرني بكثرتها قريط … وقبلك طالت الحجل الصقور فإن أك في عدادكم قليلا … فإنّي في عدوّكم كثير بغاث الطير أكثرها فراخا … وأمّ الصّقر مقلات نزور وحدثني عبد الله بن صالح عن هشام بن محمد قال: زوّج معاوية ابنته رملة من عمرو بن عثمان بن عفّان، فسمعت مروان بن الحكم يقول له وقد عاده: إنّما ولي معاوية الخلافة بذكر أبيك، فما يمنعك من النهوض لطلب حقّك، فنحن أكثر من آل حرب عددا، منّا فلان وفلان؛ وحجّ عمرو بن عثمان وخرجت إلى أبيها فقال لها: مالك، أطلّقك زوجك؟ قالت: الكلب أضنّ بشحمته، وحدّثته حديث مروان واستكثاره آل أبي العاص واستقلاله آل حرب، فكتب معاوية إلى مروان: أواضع رجل فوق رجل يعدّنا … كعدّ الحصا ما إن يزال يكاثر وأمّكم تزجي تؤاما لبعلها … وأم أخيكم نزرة الولد عاقر المدائني عن مسلمة قال: لمّا بلغ معاوية موت زياد قال: وأفردت سهما في الكنانة واحدا … سيرمى به أو يكسر السّهم كاسرهالمدائني عن عوانة وابن جعدبة قالا: قال معاوية لابن عبّاس: إنّ عثمان أصاب من هذه الدنيا وأصابت منه، وإنّها قد مالت بي وملت بها، فما ترى يا أبا عبّاس؟ فقال: إنّ الدنيا قد أمكنتك فهي في يدك ولك درّها، وإنّ الآخرة ممكنة لك إن أردتها، ولما نقصك من دنياك وزادك في آخرتك خير لك ممّا نقصك من آخرتك وزادك في دنياك. المدائني عن جويرية قال: قال معاوية لعمرو بن العاص، وعمرو عنده بدمشق: قد جاشت الروم، وهرب عامل من عمّالنا، وخرج أهل السجن، قال: فلا يكبرنّ عليك ذلك، أمّا الروم فأرضهم بشيء تردّهم به عنك، وأمّا أهل السجن فإنّما خرجوا حفاة عراة فابعث في طلبهم تؤت بهم، وأمّا عاملك فأظهر أنّك قد تركت له ما عليه فإنّه سيرجع فإذا رجع فطالبه، قال: ففعل معاوية ذلك. المدائني عن غسان بن عبد الحميد عن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور ابن مخرمة عن أبيه [عن جدّه المسور] قال: دخلت على معاوية فقلت: السّلام عليك أيّها الملك، فقال: قد علمت أحسن ما قلت فكيف طعنك على الأمراء؟ فلم أدع شيئا إلاّ بكّتّه به، فقال: يا مسور إنّا غير متبرّئين من الذنوب ونرجو رحمة الله؛ إنّي لعلى شريعة يقين يقبل الله معها الحسنى ويتجاوز عن السّوآى، ولو خيّرت بين الله وما سواه لاخترته، ثم قضى حوائجه. المدائني عن محمد بن الحجّاج عن عبد الملك بن عمير انّ أبا موسى الأشعري عبد الله بن قيس دخل على معاوية فقال: السلام عليك أيّها الأمير، فضحك معاوية وقال: بايع يا أبا موسى، وبسط يده، فقال أبوموسى: أبايع علينا ولنا، فقبض معاوية يده وانصرف أبو موسى، فقال له ابن عضاه الأشعري: يا أبا موسى إنّك رأيت رجالا من قريش يقولون لمعاوية فيحلم عنهم، ففعلت كما فعلوا، وإنّه يهون على معاوية أن يقتلك فيؤدّب بك غيرك، فإنّي سمعته يقول: إنّ السلطان يضحك ضحك الصبيّ ويصول صولة الأسد؛ فراح أبو موسى إلى معاوية فسلّم عليه بالخلافة وقال: ما أنكرت من تسليمي عليك بالإمرة فقد كنّا نقولها لعمر بن الخطّاب فيراها وغيرها سواء، وما أنكرت من قولي أبايعك علينا ولنا؟ علينا الوفاء بها ولنا أجرها، فتبسّم معاوية وقال: بايع أبا موسى فلعمري ما أخرجتها حتى زممتها وخطمتها، ولئن كنت قد قلت خيرا لقد أردت شرّا. المدائني عن أبي عبد الله الحنفي عن رجل قال: قال عبد الله بن العبّاس: ما رأيت أحدا كان أحقّ بالملك من معاوية، لله درّه إن كان لحليما وإن كان الناس لينزلون منه بأرجاء واد خصب، لم يكن بالضيّق الليّق المتصعّب الحصوص، يعني الذي يحاصّ في كلّ شيء. المدائني عن شهاب بن عبد الله عن يزيد بن سويد قال: أذن معاوية للأحنف ثم لمحمد بن الأشعث بن قيس، فجلس محمد فوق الأحنف، فقال معاوية: إنّي لم آذن له قبلك لتكون دونه إليّ، وقد فعلت فعل من أحسّ من نفسه بذلّ، إنّا كما نملك أموركم نملك تأديبكم، فأريدوا منّا ما نريد بكم فإنّه أبقى لكم، فقال محمد: إنّا لم نأتك ليقصى مكاننا منك، ولم نعدم الأدب فنحتاج إلى تأديبك، فخذ منّا عفونا تستوجب مودّتنا، وإنّا عنك لفي غنى وسعة، ثم خرج.المدائني عن مبارك بن سلاّم عن مجالد قال: قال معاوية لسعيد بن العاص: كم ولدك؟ فذكر عشرة أو أكثر، فقال معاوية: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ (¬١) فقال سعيد: ويؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممّن يشاء (¬٢). المدائني عن غسّان بن عبد الحميد عن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور عن أبيه قال: قدم معاوية المدينة فخطبهم فقال: إنّي رمت سيرة أبي بكر وعمر فلم أطقها، فسلكت طريقة لكم فيها حظّ ونفع، على بعض الأثرة، فارضوا بما أتاكم منّي وإن قلّ، فإنّ الخير إذا تتابع وإن قلّ أغنى، وإنّ السخط يكدّر المعيشة، ولست بباسط يدي إلاّ إلى من بسط يده، فأمّا القول يستشفي به ذو غمر فهو دبر أذني وتحت قدمي حتى يروم العوجاء. حدثني عبد الله بن صالح عن أبي بكر بن عيّاش قال: حدثّت عن الشّعبي أنّ عمر بن الخطّاب ذكر معاوية فقال: احذروا آدم قريش وابن كريمها فإنّه لا ينام الاّ على الرضا ويضحك عند الغضب، ويتناول ما فوقه من تحته. المدائني عن أبي قحافة عن أبي قرّة مولى عبّاد بن زياد قال: دخل أعرابي المسجد ومعاوية يخطب فقال: أيّها المتكلّم اسكت أنشد جملي، فسكت معاوية، فقال الأعرابي: أيّها الناس من دعا الى جمل عليه قتب، فردّد القول مرارا، فقال معاوية: أيّها الأعرابي حلّه حلية سوى القتب فلعلّ القتب قد ضاع، ثمّ مضى في خطبته.المدائني عن غسّان بن عبد الحميد عن جعفر بن عبد الرحمن بن مسور قال: قدم عبد الله بن عبّاس على معاوية وافدا فأمر ابنه يزيد أن يأتيه مسلّما فأتى يزيد ابن عبّاس فرحّب به ابن عبّاس وحدّثه، فلمّا خرج قال ابن عبّاس: إذا ذهب بنو حرب ذهب حلماء الناس. قالوا: دخل عبد الله بن الحارث بن أميّة الأصغر على معاوية وكان بذيئا، فجرى بينه وبين معاوية كلام، فقال عبد الله: والله لقد شججت أخاك حنظلة فما أعطيتم عقلا ولا سألتم فدى، قال معاوية: إنّك هربت إلى أخوالك بالطائف، فقال: إنّي إذا مال أحد شقّيّ عدلته بالآخر. المدائني عن عبد ربّه بن نافع عن اسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: مرض معاوية فحسر عن ذراعيه وكأنّهما عسيبان (¬١) ثمّ قال: هل الدنيا إلاّ ما جرّبنا وذقنا، ولوددت أنّي لم أعمّر فيكم فوق ثلاث حتى ألحق بربّي، فقال له رجل عنده: بماذا يا أمير المؤمنين؟ قال: بما شاء الله أن يقضي لي، فقد علم أنّي لم أهو ما كره. المدائني قال: دخل على معاوية عديّ بن حاتم فقال ابن الزبير وهو حاضر: إن عند هذا الأعور جوابا، فأحركه؟ قال: نعم، فقال: يا عديّ أين ذهبت عينك؟ قال: يوم قتل أبوك هاربا وضربت أنت على قفاك موليّا، وأنا يومئذ مع الحقّ وأنت مع الباطل. المدائني عن الفضل بن سليمان عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي عن أبيه عن حبيب بن مسلمة الفهري قال: ركب معاوية وأنا معه، فبينا نحننسير إذ طلع رجل باذّ الهيئة فلم أره أكبر معاوية ولا اكترث له، وأعظمه معاوية إعظاما شديدا ثم قال: أجئت زائرا أم طالب حاجة؟ فقال: لم آت لشيء من ذلك ولكنّي جئت مجاهدا وأرجع زاهدا، فمضى معاوية عنه، فقلت: من هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: عقبة بن عامر الجهني، قلت: ما أدري ما أراد بقوله أخيرا أم شرّا، قال: دعه فلعمري لئن كان أراد الشر إنّ الشرّ عائد بالسوء على أهله، قلت: سبحان الله ما ولدت قرشيّة قرشيّا أذلّ منك، فقال: يا حبيب أحلم عنهم ويجتمعون خير أم أجهل ويتفرّقون؟ قال: قلت: بل تحلم ويجتمعون، قال: امض فما ولدت قرشيّة قرشيّا له مثل قلبي، قال: قلت: إنّي لأخاف أن يكون ما تصنع ذلاّ، قال: وكيف وقد قاتلت عليّا فصبرت على مناوأته؛ وبعضهم يروي هذا عن الضحّاك بن قيس. حدثني عمر بن بكير عن هشام بن الكلبي عن عوانة قال: قال معاوية: يا معشر بني أميّة إنّ محمدا لم يدع من المجد شيئا إلاّ حازه لأهله، وقد أعنتم عليهم بخلّتين: في ألسنتهم ذرب وفي العرب أنف، وهم محدودون، فأوسعوا الناس حلما فو الله إنّي لألقى الرجل أعلم أنّ في نفسه عليّ شيئا فأستثيره فيثور عليّ بما يجد في قلبه، فيوسعني شتما وأوسعه حلما، ثمّ ألقاه بعد ذلك أخا أستنجده فينجدني. حدثنا حفص بن عمر عن الهيثم بن عديّ عن اسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص عن أبيه قال: بينا رجل يخاطب معاوية إذ قال: والله يا معاوية لتستقيمنّ أو لنقوّمنّ صعرك (¬١)، قال: ومن أنت رحمك الله؟قال: أنا فلان بن فلان الحميري، قال: وما كان عليك لو كان كلامك ألين من هذا؟ فلمّا ولّى قال يزيد بن معاوية: يا أمير المؤمنين لو نكّلت بهذا تأدب به غيره فقال: يا بنيّ لربّ غيظ قد تحطّم بين جوانح أبيك لم يكن وباله إلاّ على من جناه. وقال ابن أمّ الحكم ليزيد: خالي من قريش وخالك من كلب فجئني بخال مثل خالي، فشكاه يزيد إلى معاوية فقال معاوية: قل له هات أبا مثل خالك. حدثني عبد الله بن صالح قال: بلغنا أنّ معاوية قال: أحبّ الناس إليّ أشدّهم تحبيبا لي إلى الناس. المدائني عن أبي اسماعيل الهمداني عن مجالد عن الشعبي قال: قال على رضي الله تعالى عنه: لا تمنّوا موت معاوية فإنّكم لو فقدتموه رأيتم الرؤوس تندر عن كواهلها. قال العتبي: وقع بين هدبة بن خشرم العذري وبين آخر من عذرة كلام عند معاوية، فقال العذري: إنّه لا يقال في مجلس أمير المؤمنين الكذب، فقال هدبة: إنّه لا مجلس يدخله من الكذب أكثر ممّا يدخل مجلس أمير المؤمنين، ولكنّ فيه عزّا نيل بالصّدق، يعني الإسلام. أبو الحسن المدائني عن علقمة عن الفضل بن سويد قال: قال عبد الملك: ما رأيت أكرم من معاوية، خرج حاجبه يوما فلم ير في المسجد غيري فرجع، ثم خرج معاوية فقمت إليه، فتوكّأ عليّ حتى خرج من المسجد، ثم أجرى الخيل فسبق في الثنيان، فلمّا كان بعد ذلك غدوت إليه وخرج فصنع بي كما صنع أوّلا، ثم أجرى الخيل فسبق في الربعان، ثم أتيتهيوما ثالثا وخرج الحاجب فاستترت منه مخافة أن يتشاءم بي فقال لحاجبه: اطلبه، فرآني، فأتيت معاوية فتوكّأ عليّ ثم قال: أجر القرّح، فسبق، فقال: يا بن مروان، هكذا القرّح تسبق لها القرّح، هات حاجتك، فما سألت حاجة إلاّ أمر بها فعجّلت. المدائني عن النضر بن اسحاق عن بشير بن عبيد الله بن أبي بكرة قال: قال معاوية لآذنه: ابغني قوما يتحدّثون عندي ويحدّثوني، فأدخل إليه أربعة من سليم فيهم نصر بن الحجّاج، فقال معاوية: أتدرون لم دعوتكم؟ فقال نصر: دعوتنا لأمر حزب ونازلة نزلت فأردت أهل النصيحة والرأي، قال: ما كان بحمد الله إلاّ خير ولا جاءنا إلاّ ما نحبّ، قال: فدعوتنا لأنك روأت (¬١) فقلت ما تركت رحما إلاّ وصلتها وزيّدتها إلاّ رحم هذا الحيّ من سليم، فدعوتنا للصلة وقضاء الحقّ، قال: إنّكم لذلك لأهل وما لذلك دعوتكم، قالوا: فدعوتنا لأمر عراك فأردت أن نحدّثك ليذهب غمّك، فإن أردت حديث الجاهليّة وأيّام العرب وأنسابها فنحن بنوها، وإن أردت حديث الإسلام فنحن أهله، قرأنا كتاب الله وفقهنا في الدين، وإن أردت علم العجم فقد غزوناهم ولنا بأمورهم علم، قال: فأطرق معاوية طويلا ثم قال: أنا خير قريش لها حيّا وميتا، قال نصر: ذاك رسول الله ﷺ، هداها الله به من الضلالة، وبصّرها بعد الحيرة، وأعزّها بعد الذلّة، وأغناها من الفقر، وجمع لها به الحسنيين الخلافة في الدنيا وحسن الثواب في الآخرة، وأورثها كتاب الله فصرتم به علينا أربابا، ولكن إنشئت أخبرناك أنّك شرّ قريش لها حيّا وميتا، قال: وكيف؟ قال: لانت لها أكنافك، وانثنت لها أعطافك، وجادت لها كفّك، وعودتها بحلمك عادة لا يحملها لها من بعدك، فأطغيت برّها وأكفرت فاجرها، فكأنّي بهم إذا فقدوا ما عوّدتهم قد ثاروا إلى القنا فعقدوا فيها خمرهم، فأصبحوا مصرّعين شائلة أرجلهم بأفواه السكك، فقام معاوية وخرجوا، فدعا آذنه فقال: والله ما استرحت من هؤلاء إلى مستراح، ويحك أردت قوما يحدّثوني حديثا سهلا فجئتني بشيطان. ويروى أنّ معاوية قال لسعد مولاه: إنّ جلسائي قد ثقلوا عليّ ونازعوني الكلام فأدخل إليّ غيرهم، فأدخل إليه أبا الأعور السّلمي ورجلا آخر، فجرى بينه وبين معاوية ما نسب إلى نصر بن الحجّاج، قالوا: فلمّا قال أبو الأعور: وأضحوا شائلة أرجلهم بأفواه السكك، قال معاوية: وأبو الأعور فيهم، فقال: أغضبت يا معاوية أن صدقتك؟ ذلك إلى الله فإن شاء كنت فيهم. المدائني عن سحيم بن حفص قال: كانت لعبد الله بن الزبير أرض إلى جانب أرض لمعاوية، فاقتتل غلمان معاوية وغلمان ابن الزبير: فكتب ابن الزبير: إلى معاوية بن أبي سفيان، أمّا بعد فقد غلبتنا بحمرانك وسودانك، ولو قد التقت حلقتا البطان واستوت بنا وبك الأقدام علمت من عبد الله أنّ سودانك وحمرانك لا يغنون عنك شيئا، فقرأ معاوية الكتاب ثم رمى به إلى ابنه يزيد فقال: ما عندك؟ قال: تبعث إليه من يقتله فتستريح من حمقه وعجبه، قال: يا بنيّ له بنون وعشيرة تمنعه، إن بعثت بمائة رجل وأعطيت كلّ رجل ألفا بلغ ذلك مائة ألف، ولا أدري على من تكونالدبرة، فإن غلبوا بعثت ألفا وأعطيتهم ألف ألف، ولكنّي أكتب إليه، فكتب إليه: من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى عبد الله بن الزبير، أمّا بعد فقد جاءني كتابك تذكر أنّا غلبناك بحمراننا وسوداننا وأنّه إن التقت حلقتا البطان واستوت بنا وبك الأقدام علمنا أنّ حمراننا وسوداننا لا يغنون عنّا شيئا، وإنّ أمير المؤمنين قد وهب لك ذلك المال بحمرانه وسودانه فخذه خضرا نضرا والسّلام. فكتب إليه عبد الله بن الزبير: لعبد الله معاوية أمير المؤمنين من عبد الله بن الزبير، أمّا بعد، فقد غلبتنا بحلمك وجدت لنا بمالك، فجزاك الله يا أمير المؤمنين خير جزاء، فلمّا أتى معاوية الكتاب قال ليزيد: يا بنيّ أهذا خير أم ما أردت؟ حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن يزيد بن عياض قال: قال معاوية لأبي الجهم بن حذيفة: أيما أسنّ أنا أم أنت؟ فقال أبو الجهم: والله إنّي لأذكر دخول أمّك على زوجها، قال: أيّ أزواجها؟ فو الله إن كانت لكريمة المناكح، فإيّاك يا أبا الجهم والإقدام بعدي على السلطان بمثل هذا، فإنّما أمر السلطان كاللعب وصولته كصولة الأسد، فاحذر أن يؤمر بك فيؤتى على نفسك. وحدثني العمري عن الهيثم عن ابن عيّاش عن أبي الهيثم الرحبي عن ابن عضاه الأشعري قال: دخل أبو الجهم على معاوية فأجلسه معه على سريره وأكرمه ثم قال له: أيّما أسنّ أنا أم أنت؟ قال: لقد أكلت في عرس أمّك قبل أن يتزوّج أبوك، فقال: لقد كانت تستكرم الأزواج، ففي عرس أيّ أزواجها أكلت؟ قال: في عرس حفص بن المغيرة، قال: ذاك سيّدقومه، ثم قال: إيّاك والسلطان فإنّه يغضب غضب الصبيان ويصول صولة الأسد. أبو الحسن المدائني عن أبي عبد الرحمن العجلاني عن سعيد بن عبد الرحمن قال: دخل قوم من الأنصار على معاوية فقال لهم: يا معشر الأنصار، قريش لكم خير منكم لها، فإن يك ذلك لقتلى أحد فقد نلتم يوم بدر مثلهم، وإن يكن للأثرة فو الله ما تركتم لنا إلى صلتكم سبيلا، لقد خذلتم عثمان يوم الدار وقتلتم أنصاره يوم الجمل وصليتم بالأمر يوم صفّين؛ فتكلم قيس بن سعد فقال: أما ما قلت من أنّ قريشا خير لنا منّا لهم فإن يفعلوا فقد أسكناهم الدار وقاسمناهم الأموال وبذلنا لهم الدماء ودفعنا عنهم الأعداء، وأنت زعمت سيّد قريش فهل لنا عندك جزاء؟ وأمّا قولك إن يكن ذلك لقتلى أحد فإنّ قتيلنا شهيد وحيّنا ثائر، وأمّا ذكرك الأثرة فإن رسول الله ﷺ أمرنا بالصبر عليها، وأمّا خذلان عثمان فإنّ الأمر في عثمان كان الأجفلى (¬١)، وأمّا قتل أنصاره يوم الجمل فما لا نعتذر منه وبودّك أنّ الجميع اصطلموا، وأمّا قولك إنّا صلينا بالأمر يوم صفّين فإنّا كنّا مع رجل لم نأله خيرا؛ ثم قاموا فخرجوا، فقال معاوية: لله درّهم فو الله ما فرغ كلامه حتى ضاق المجلس عليّ وما كان فيكم رجل يجيبه؛ ثم ترضّاهم ووصلهم. المدائني عن أبي عبد الرحمن العجلاني عن سعيد بن عبد الرحمن بن حسّان قال: دخل قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري مع رهط من الأنصار على معاوية فقال معاوية: يا معشر الأنصار بماذا تطلبون ما قبلي؟ والله لقدكنتم قليلا معي كثيرا عليّ، ولقد فللتم حدّي يوم صفّين حتى رأيت المنايا تلظّى في أسنّتكم، وهجوتموني بأشدّ من وخز الأشافي (¬١)، حتى إذا أقام الله ما حاولتم ميله قلتم ارع فينا وصيّة رسول الله ﷺ، هيهات هيهات يأبى الحقين العذرة، فقال قيس بن سعد: إنّا نطلب ما عندك بالإسلام الكافي به الله فقد ما سواه لا بما تمّت به إليك الأحزاب، وأمّا عداوتنا لك فلو شئت كففتها عنك، وأمّا هجاؤنا إيّاك فقول يزول باطله ويثبت حقّه، وأمّا استقامة الأمر لك فعلى كره كان منّا، وأمّا فلّنا حدّك يوم صفّين فإنّا كنّا مع رجل نرى طاعته لله طاعة، وأمّا وصيّة رسول الله ﷺ بنا فإنّ من آمن به رعاها بعده، وأما قولك يأبى الحقين العذرة فليس دون الله يد تحجزك، فشأنك يا معاوية، فقال معاوية: سوءة، ارفعوا حوائجكم، فرفعوها فقضاها. المدائني عن مسلمة بن محارب قال: هجا عقيبة الأسدي أبا بردة بن أبي موسى فقال: أنت امرؤ في الأشعرين مقابل … وبالبيت والبطحاء أنت غريب وما كنت من حدّاث أمّك بالضحى … ولا من يزكّيها بظهر مغيب فشخص أبو بردة إلى معاوية فشكا عقيبة، فقال معاوية: لم يهجك، قال: أنت بالبطحاء غريب وقد صدق، وجعلك مقابلا في قومك وانّه لم يكن من حدّاث أمك، وقد قال لي أشدّ ممّا قال لك:أكلتم أرضنا فجردتموها … فهل من قائم أو من حصيد فهبها أمّة هلكت ضياعا … يزيد يسوسها وأبو يزيد فهلمّ ندعو الله عليه. المدائني عن جويرية بن أسماء عن مسافع بن شيبة قال: حجّ معاوية فلمّا كان عند الرّدم (¬١) أخذ الحسين بخطام ناقته فأناخ به راحلته، ثم سارّه طويلا ثم انصرف، وزجر معاوية راحلته وسار، فقال عمرو بن عثمان بن عفّان: ينيخ بك الحسين وتكفّ عنه وهو ابن أبي طالب وتسرّعه على ما تعلم، فقال معاوية: دعني من عليّ فو الله ما فارقني حتى خشيت أن يقتلني، ولو قتلني ما أفلحتم، وإنّ لكم من بني هاشم ليوما عصيبا. حدثني الحرمازي عن جهيم بن حسّان قال: أخبرت رملة بنت معاوية امرأة عمرو بن عثمان أباها بقول قاله مروان لزوجها فكتب إليه: يا مروان سمعت رسول الله ﷺ وسلّم يقول: «إذا بلغ ولد الحكم ثلاثين رجلا اتّخذوا مال الله دولا ودين الله دخلا وعباد الله خولا»، فكتب إليه مروان: فإنّي أبو عشرة وأخو عشرة وعمّ عشرة والسّلام. المدائني عن محمد الثقفي قال: دعا معاوية بجارية له خراسانية فخلا بها، وعرضت له وصيفة مولّدة فترك الخراسانية وخلا بالوصيفة فنال منها وخرج، فقال للخراسانية: ما اسم الأسد بالفارسية؟ فقالت: كفتار، فخرج وهو يقول: أنا الكفتار، فقيل له: يا أمير المؤمنين أتدري ما الكفتار؟ قال: نعم الأسد، قالوا: لا ولكنّه الضّبع العرجاء، فقال: ما لها لله درّها ما أسرع ما أدركت بثأرها.العمري عن الهيثم عن عوانة قال: قال عبد الرحمن بن حسّان: ألا أبلغ معاوية بن حرب … فقد أبلغتم الحنق الصدورا تقون بنا نفوسكم المنايا … عست بكم الدّوائر أن تدورا بحرب لا يرى القرشيّ فيها … ولا الثقفيّ إلاّ مستجيرا فبلغ معاوية الشعر فقال: لئن استجار القرشيّ إنّه لأسوأ الحالات. المدائني عن عامر بن الأسود قال: وفد الزّعل بن منان على معاوية فقال: لقد كنت أحب أن أراك قبل أن تموت، فقال معاوية: أو تنعى إليّ نفسي، بك الوجبة، وضحك. حدثني هشام بن عمّار حدثنا الوليد بن مسلم عن مروان بن جناح قال: قال عمرو بن العاص وذكر معاوية وهو بمصر: انّ إمامكم لممّن سهّل الله خليقته، وقوّم طريقته، وأحسن صيغته، فمن كانت النعمة تبطره إنّها لتذلّله وتوقّره. وحدثني هشام عن صدقة القرشي قال: قال يزيد بن معاوية: يا أمير المؤمنين ما أدري أتخدع الناس أم يتخادعون لك؟ فقال: من تخادع لك ليخدعك فقد خدعته. المدائني عن عوانة قال: قال معاوية: ما شيء أحبّ إليّ من عين خرّارة في أرض خوّارة، فقال عمرو بن العاص: ما شيء أحبّ إليّ من أن أبيت عروسا بعقيلة من عقائل العرب، فقال وردان مولى عمرو: ما شيء أحبّ إليّ من الإفضال على الإخوان، فقال معاوية: أنا أولى بهذا منك، قال: قد ملكت فافعل.المدائني عن عبد الحميد، عن جابر بن يزيد أنّ عمرو بن العاص قال وهو عند معاوية: ما بقي من لذّتي إلا الحديث وأن يأتيني من ضيعتي ما أحب، فقال معاوية: وأنا والله كذلك، فقال وردان: ما بقي في الدنيا شيء أحبّ إليّ من حديث حسن أسمعه، أو أن يأتيني رجل في حاجة قد عيّ بها وضاق ذرعه فأفرّج كربته وأقضي حاجته، فأنال بذلك ذكرا في الدنيا وأجرا في الآخرة، فقال معاوية: أين كنّا عن هذه يا عمرو؟ قال وردان: أنتما والله أقدر على ذلك منّي. حدثني العمري عن الهيثم عن ابن عيّاش عن [أبي الهيثم] الرحبي قال: قال معاوية ليزيد: ما ألقى الله بشيء أعظم في نفسي من استخلافك. حدثني عبيد الله القواريري حدثنا يحيى بن سعيد عن عمران بن حدير قال: سألت أبا مجلز عن بيع المصاحف قال: انّما بيعت في زمن معاوية، قلت: فأكتبها؟ قال: استعمل يدك بما شئت. المدائني عن مسلمة وغيره قالوا: كتب عمرو بن العاص إلى معاوية يسأله أن يولّي عبد الله ابنه مصر بعده، فقال معاوية: أراد أبو عبد الله أن يكتّ (¬١) فهدر. وروي عن عمرو بن العاص انّه قال: ما رأيت معاوية قطّ متّكئا واضعا إحدى رجليه على الأخرى كاسرا عينه يقول لمن يكلّمه: إيه إلاّ رحمت الذي يكلّمه.المدائني عن مسلمة قال: قال عبد الملك بن مروان: ما رأيت مثل ابن هند في حلمه وكرمه، وما رحمت أحدا قطّ رحمتي لرجل رأيت ابن هند قد احتبج (¬١) على يده اليسرى ثمّ قال: يا هذا قل. المدائني قال: اشترى معاوية من حويطب بن عبد العزّى داره بخمسة وأربعين ألف دينار، فهنّأه قوم فقال: وما خمسة وأربعون ألف دينار بالحجاز مع سبعة من العيال. المدائني قال: قال معاوية لرجل من قريش: ما المروّة؟ قال: إطعام الطعام وضرب الهام، ثم قال لرجل من ثقيف: ما المروّة؟ فقال: تقوى الله وإصلاح المال، فبلغ ذلك عمرو بن العاص فقال: أمّا قول القرشي فهو الفتوّة، وأمّا الثقفي فأصاب في قوله تقوى الله ولم يصنع بعد ذلك شيئا، ولكنّ المروّة أن تعطي من حرمك وتعفوا عمّن ظلمك وتسلّط الحقوق على مالك. وقال معاوية لصعصعة بن صوحان: ما المروّة؟ قال: الصبر على النوائب والصمت حتّى يحتاج إلى الكلام. وزعموا أنّ معاوية قال للحسين بن علي: ما المروّة؟ فقال: فقه الرجل في دينه وإصلاحه معاشه وحسن مخالقته للناس، قال: فما النجدة؟ قال: الذبّ عن الجار والإقدام على الكريهة، قال: فما الجود؟ قال: التبرّع بالإفضال والإعطاء قبل السؤال والإطعام عند الإمحال، فقال معاوية: أشهد بالله لقد صدقت.المدائني عن أبي اليقظان وغيره قالوا: وفد إلى معاوية الأحنف وجارية بن قدامة والحتات بن يزيد المجاشعي فقال معاوية لجارية: أأنت الساعي مع عليّ والموقد النار في نصرته؟ فقال جارية: يا معاوية دع عنك عليا وذكره، فو الله ما أبغضناه مذ أحببناه، ولا غششناه مذ نصحناه، قال: ويحك يا جارية ما كان أهونك على أهلك إذ سمّوك جارية، فقال: أنت كنت أهون على أهلك إذ سمّوك معاوية، فقال معاوية: اسكت لا أمّ لك، قال: أمّ لم تلدني، إن قوائم السيوف التي لقيناك بها بصفّين لفي أيدينا، قال: إنّك لتوعدني، قال: إنّك لم تملكنا قسرا ولم تفتحنا عنوة ولكنّا أعطينا عهودا ومواثيق، فإن وفيت لنا وفينا، وإن نزعت إلى غير ذلك فقد تركنا وراءنا رجالا أنجادا وأذرعا شدادا وأسنّة حدادا، فإن بسطت لنا فترا من غدر دلفنا إليك بباع من ختر، فقال له معاوية: اسكت فلا أكثر الله في الناس أمثالك، فقال: قل معروفا يا أمير المؤمنين فقد بلونا قريشا فوجدناك اليوم أوراها زنّدا وأكثرها زبدا وأحسنها رفدا، فارعنا رويدا، فإنّ شرّ الرّعاء الحطمة (¬١). المدائني عن عامر بن عبد الله عن أبي الزناد قال: قال معاوية لرجل من سبأ: ما كان أجهل قومك حين ملّكوا عليهم امرأة ثم قالوا ﴿رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا﴾ (¬٢) فقال: قومك أجهل من قومي حين قالوا ورسول الله يدعوهم:﴿إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (¬١). المدائني قال، قال معاوية يوما للحسين: يا حسين، فقال ابن الزبير: يا أبا عبد الله أيّاك يعني، فقال معاوية: يا بن الزبير أتريد أن تغريه بي إذ سمّيته وكنيته؟! أما والله ما أولع شيخ قوم قطّ بالرتاج والباب إلاّ مات بينهما. حدثني عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة قال: أراد معاوية أن يدّعي جنادة بن أبي أميّة الأزدي (¬٢)، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص: سمعت النبي ﷺ يقول: «لا يريح ريح الجنّة من ادّعى إلى غير أبيه»، فقال جنادة: أنا سهمك في كنانتك، فأمّا الدعوة فلا. حدثنا العمري عن الهيثم بن عديّ حدثني ابن زغبان عن أبي المخارق قال: كنت أحمل كتب كاتب معاوية وأدخل بها معه إليه، فدخلت ذات يوم فكأنّه أعجبه منّي ما يعجب الملك من خادمه فقال لي: ويحك من أنت؟ قلت: أنا زياد مولى عبد الله بن أذينة الحارثي، قال: صاحبنا بصفّين؟ قلت: نعم يرحمه الله، ثم أقبل على كاتبه فقال: عليك أبدا بصاحبك الأوّل فإنّك تلقاه على مودّة واحدة، وإن طال العهد وشطّت الدار، وإياك وكلّ مستحدث فإنّه يستطرف قوما ويميل مع كلّ ريح. أبو الحسن المدائني عن المغيرة بن عطيّة قال: خرج معاوية من دمشق هاربا من الطاعون، فلما كفّ الطاعون رجع إليها، فبينا هو يسير وقد قربمن الغوطة وقيس بن ثور الكندي وابن زمل السّكسكي يسايرانه أقبل همّام بن قبيصة النميري فأراد أن يدخل بين معاوية وبينهما، فقال معاوية: ألا أخبركم عن صدرنا؟ قالوا: بلى، قال: إن الله بعث رسول الله ﷺ فكان فضله لا يوصف ولا يبلغ حتى توفّاه الله إليه، ثم ولي أبو بكر فلم يرد الدنيا ولم ترده، ثم ولي عمر فأرادته الدنيا ولم يردها، ثم ولي عثمان فأرادته الدنيا وأرادها حتى قتل، ثم صار الأمر إليّ فو الله ما بلغ من حسن عملي ما يكون مثل سيّئ عثمان الذي قتل عليه. ثم بكى، فقال همّام بن قبيصة: ما بكاؤك من أمر أنت مقيم عليه لا تنزع عنه؟! فلم يكلّمه معاوية ومضى حتى أشرف على الغوطة فقال: أيّ بستان رجل، فقال همّام: يا معاوية ملكت الشرق والغرب فلم تكتف بذلك حتى أردت أن تأخذ أموالنا، لا أشبع الله بطنك. فضحك معاوية ثم حرك دابّته فقال: حتى نمير تحاقّني في الغوطة. المدائني عن علي بن سليم قال: قال عبد الله بن همّام السلولي: فإن تأتوا ببرّة أو بهند … نبايعها أميرة مؤمنينا وكلّ بنيك نرضاهم جميعا … وإن شئتم فعمّهم البطينا إذا ما مات كسرى قام كسرى … نعدّ ثلاثة متناسقينا أيا لهفا لو انّ لنا رجالا … ولكنّا نعود كما عنينا إذا لضربتم حتّى تعودوا … بمكّة تلعقون بها السخينا حشينا الغيظ حتّى لو سقينا … دماء بني أميّة ما روينا لقد ضاعت رعيّتكم وأنتم … تصيدون الأرانب غافلينافقال معاوية: ما ترك ابن همّام شيئا، عيّرنا بالسخينة وذكّرنا أمّهاتنا وتهدّدنا وذكر أنّه لو شرب دماءنا ما اشتفى، اللهمّ اكفناه. المدائني عن عبد العزيز بن عمران قال: قال معاوية لعبد الرحمن [بن الحكم] بن أبي العاص أخي مروان بن الحكم يا أبا مطرّف ألا أعرض عليك خيلا؟ قال: بلى، فعرض عليه أفراسا فقال: هذا سابح وهذا أجشّ وهذا هزيم، فقال معاوية: إنّ صاحبها لا يشبّب بكنّاتة ولا يتّهم بريبة، أراد عبد الرحمن قول النجاشي لمعاوية: ونجّى ابن حرب سابح ذو علالة … أجشّ هزيم والرّماح دوان فعّيره بالفرار يوم صفّين، وأراد معاوية تشبيب عبد الرحمن بأمرأتي أخيه مروان بن الحكم أمّ أبان بنت عثمان وقطيّة بنت بشر بن عامر بن ملاعب الأسنّة. قطيّة كالدينار أحسن نقشه … وأمّ أبان كالشّراب المبرّد المدائني عن مسلمة بن محارب عن حرب بن خالد بن يزيد قال: أراد معاوية عزل مروان بن الحكم عن المدينة، فبلغ ذلك مروان فقدم على معاوية، فلم يأذن له وقال: لا آذن له إلاّ مع جماعة الناس، فقال: ما شاء الله! وتهدّده، فبلغ معاوية قوله فأذن له وتعوّذ من شرّه، فدخل فقال: يا أمير المؤمنين علام تعزلني؟ فو الله لقد أمرّناك فما عزلناك، ووصلناك فما قطعناك، ولا حرمناك مذ أعطيناك، فقال معاوية: أعزلك لثلاث لو لم تكن إلا واحدة منهنّ لوجب أن تقتلع اقتلاع الصّمغة، قال: وما هنّ؟ قال: أتيتني وعبد الله بن عامر في يدي وقد أقرّ لي بألف ألف درهم فانتزعته منّي، واستصرختك ابنتي على زوجها فلم تصرخها، ورأيت أنّك قد ذهبت فيالسماء عاليا فأردت أن أضع منك، قال: يا أمير المؤمنين أمّا ابن عامر فقرابته منّي ومنك سواء، فلست بأحقّ به منك، فإن تطب نفسك بما عليه وإلاّ فإنّي ضامن لك ما أقرّبه، وأمّا ابنتك فإنّ أخت زوجها عمرو بن عثمان عندي، وأنا أغيرها وأمضّها فلم أكن لأنهى عمرا عن شيء أصنع مثله بأخته، وأمّا ذهابي في السماء، فأنا ابن عمّك وشرفي شرفك وزيني زينك، قال: صدقت أبا عبد الملك، فارجع إلى عملك وأزرني رملة ابنتي، فرجع مروان إلى المدينة وحمل رملة إلى معاوية، فقال: يا بنّية كيف رضاك عن عن عمرو بن عثمان زوجك؟ قالت: والله ما يزال بنو أبي العاص يتكثّرون علينا بعددهم حتى لوددت أنّ ابنيّ هذين منهم في البحر، قال: يا بنيّة إن هذا منك كبير، ولنحن كنّا أشقى بمناوأة الرجل من أن تكوني رجلا. حدثني عبد الله بن صالح عن يحيى بن يمان عن سفيان قال: ذكر الأعمش معاوية فقال: لقد كان مستصغرا لعظيم ما يجبه به من القول الغليظ مغتفرا له إذا قيل له يا أمير المؤمنين. حدثني محمد بن سعد الواقدي عن محمد بن راشد عن مكحول قال: قال معاوية: ما من عدوّ إلا وأنا أقدر على مداراته واستصلاحه، إلاّ عدوّ نعمة وحاسدها، لا يرضيه منّي إلاّ زوال نعمتي، فلا أرضاه الله أبدا. المدائني عن عبد الله بن فائد وغيره قال: أراد معاوية ابتياع ضيعة من بعض اليهود، وذكرت له، فبعث إلى صاحبها فأتي به، وهو شارب نبيذ، فلمّا رآه معاوية طمع في غبنه، فقال له: بعني ضيعتك، فضحك اليهوديوقال: ليس هذا وقت بيع ولا شراء، ولكن إن شئت غنّيتك صوتا، فضحك معاوية وقال: اللهم أخزه فما أشد عقدته وأثبت عكدته (¬١)! المدائني عن علي بن مجاهد عن هشام بن عروة قال: سأل عبد الله بن الزبير معاوية حوائج فمنعه فقال: يا أمير المؤمنين، أو يا معاوية، إنّي لخليق أن أخرج فأقعد على طريق الشام فلا أشتم لك عرضا ولا أقصب لك حسبا، ولكنّي أسدل عمامتي بين يديّ ذراعا وخلفي ذراعا، وأذكر سيرة أبي بكر وعمر، فيقال هذا ابن حواريّ رسول الله ﷺ، فقال معاوية: كفى بذلك، وقضى حوائجه. المدائني قال: طلب عبد الله بن الزبير الإذن على معاوية هو وعمرو بن الزبير، وكانت أمّ عبد الله بن الزبير أسماء بنت أبي بكر، وأمّ عمرو بنت خالد بن سعيد بن العاص، فقال سعيد بن العاص: يا أمير المؤمنين ائذن لعمرو أوّلا، فقال معاوية: دعني من ولادتكم له، فما هما عندي إلا كجنبي شاة لا أبالي أيّهما وضع على النار أولا. حدثني أبو مسعود عن ابن الكلبي عن عوانة قال: دخل الضحّاك بن قيس الفهريّ على معاوية وعنده أبو الجهم بن حذيفة، فقال أبو الجهم: يا أبا أنيس كيف ترى الدهر؟ قال: هو كما قال الأسدي: أبى الخلد أنّ الدّهر أفنت صروفه … رجالا كراما من لؤيّ بن غالب فلا تأمننّ الدّهر إنّي رأيته … تناول كسرى مجدبا في الكتائب فلم تنجه مل الموت حزم وحيلة … وقد كان محتالا كثير التجاربفقال أبو الجهم - وكان شريرا: كأنّك أردت أمير المؤمنين بهذا، قال: كليكما أردت، فقال معاوية: كلّنا يجري إلى غاية وهو بالغها. المدائني عن بكر بن الأسود عن سعيد بن عمرو بن سعيد قال: قال عبد الرحمن بن الحكم لمعاوية: والله يا معاوية لو لم تجد إلاّ الزّنج لتكّثرت بهم علينا قلّة وذلّة، كأنا لسنا بني أبيك؟! فأقبل معاوية على مروان فقال: ألا تغني عنّا أخاك هذا الخليع! فقال مروان: قد علمت يا أمير المؤمنين أنّه لا يطاق، فقال معاوية: والله لولا حلمي لعلمت أنّه يطاق. المدائني عن مسلمة بن محارب قال: استأذن نافع بن جبير بن مطعم على معاوية فمنعه الحاجب، فكسر أنفه ومعاوية ينظر، فلمّا دخل عليه قال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: وما يمنعني من ذلك وأنا بالمكان الذي أنا به من أمير المؤمنين؟ فقال له أبوه: ويحك، ألا قلت وأنا بالمكان الذي أنا به من عبد مناف بن قصي؟! المدائني عن أبي محمد القرشي عن أبي حرب بن أبي الأسود الدولي قال: وجّه معاوية روح بن زنباع الجذامي إلى بعض الملوك في صلح جرى بينه وبينه ليكتب بينهما كتابا، فلمّا قدم روح على الملك تشدّد في الشرط فقال له الملك: ما هذا التشدّد، وقد بلغني أنّك من صعاليك العرب، وأنّك تريد الركوب إلى صاحبك فتستعير الدوابّ، وأنّك لست تبصر أمرك ولا تقصد لما فيه الحظّ لك، فأصب من هذا المال واعمل لنفسك، فأعطاه عشرين ألف دينار، وليّن له الشرط، فلمّا قدم على معاوية نظر في الشرط فقال: ويحك ما عملت إلاّ له عليّ، ولقد خنتني وغششتني، والله لأعاقبنّك عقوبة أجعلك فيها نكالا لمن بعدك، خذاه، فقال روح، أنشدك الله يا أميرالمؤمنين أن تبدي منّي خسيسة أنت رفعتها، أو تهدم منّي ركنا أنت بنيته، أو تنقض لي مريرة (¬١) أنت أبرمتها، وأن تشمت بي عدوّا أنت وقمته وكبتّه، ليأت حلمك على جهلي، وعفوك على ذنبي، وإحسانك على إساءتي، فرقّ له معاوية ﵁ وقال: خلّوه: *إذا الله سنّى حلّ عقد تيسّرا* المدائني عن علي بن مجاهد عن عبد الأعلى بن ميمون بن مهران عن أبيه أنّ معاوية قال لعمرو بن العاص ﵄: أحبّ أن تصفح لي عن الوهط (¬٢)، ضيعتك، فقال: يا أمير المؤمنين أحبّ أن تعرض لي عنها، قال: لا، فأبى عمرو أن يفعل، فقال معاوية: مثلك يا عمرو كمثل ثور في روضة، إن ترك رتع، وإن هيج نطح، فقال عمرو: ومثلك يا أمير المؤمنين مثل بعير في روضة يصيب من أخلاط الشجر فيها، فرأى شجرة على صخرة زلاّء، فرغب عمّا هو فيه وتعاطى الشجرة فتكسّر. المدائني عن علي بن سليم التميمي قال: قال معاوية لقيس بن سعد بن عبادة: والله يا قيس لقد كنت أكره أن تنجلي هذه الغمّة وتنكشف هذه الهبوة (¬٣) وأنت حيّ، فقال قيس: وأنا والله يا معاوية قد كنت أكره أن تنجلي وأنت أمير المؤمنين.المدائني عن عبد الله بن سلام عن عبد الملك بن نوفل عن محمد بن كعب قال: تنازع عبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم فمال معاوية مع مروان، فقال ابن الزبير: يا معاوية إنّ لنا حقّا وحرمة وطاعة، ما أطعت الله نطعك، إنّا يا معاوية لا ندع مروان يركبنا في جماهير قريش بمشاقصه، ويضرب صفاتهم بمعاوله، ولولا مكانك كان أخفّ على رقابنا من فراشة، وأذلّ في أنفسنا من خشاشة، ولئن ملك أعنّة خيل تنقاد له ليركبنّ منك طبقا تخافه، فقال معاوية: إن يطلب الأمر فقد يطمع فيه من هو دونه، وإن يتركه يتركه لمن هو فوقه، وما أراكم يا معشر قريش بمنتهين حتى يبعث الله عليكم من لا يعطف على أحد منكم بقرابة، ولا يذكركم في ملمّة، يسومكم الخسف ويوردكم التلف، قال ابن الزبير: إذا والله يا معاوية نطلق عقال الحرب بكتائب تمور كرجل الجراد، لها دويّ كدويّ الريح، تتبع غطريفا من قريش لم تكن أمّه براعية ثلّة (¬١)، فقال معاوية: أنا ابن هند، أطلقت عقال الحرب، وأكلت عبيط (¬٢) السّنام، وشربت عنفوان المكرع، فليس للآكل بعدي إلاّ الفلذة، ولا للشارب إلاّ الرّنق (¬٣)، فقال ابن الزبير: ربّ آكل عبيط سيغصّ، وشارب صفو سيشرق ويقال قال: ربّ آكل عبيط سيقدّ، والقداد حرّ في الصدر.المدائني عن حفص بن عمر عن معاوية بن عمرو عن ابن سيرين قال: دخل معاوية البيت الحرام ومعه عبد الله بن الزبير، فكلّمه ابن الزبير في حاجة للحسين بن علي فأباها معاوية، فأخذ ابن الزبير بيده فغمزها، فقال له معاوية: خلّني ويحك، قال: لا والله أو تقضي حاجة الحسين وإلا كسرتها، قال: فإنّي أفعل، فخلّى يده، ثم قال: يا أمير المؤمنين أكنت ترى أنّني أكسر يدك؟ قال: وما يؤمنني ذلك منك؟ حدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال حدثني ابن عيّاش عن [أبي] الهيثم الرحبي، قال: دخل ابن الزبير على معاوية وهو خال، فأخذ يده فغمزها غمزة شديدة تأوّه لها معاوية، فقال: يا أمير المؤمنين ما يؤمنك أن أقتلك؟ قال: لست من قتّالي الملوك، إنّما يصيد كل طائر قدره، قال: يا أمير المؤمنين إنّي قد استجفيتك، قال: ولم؟ فسأله حوائج فقضاها. وقد قيل: إنّ معاوية خرج من مكّة ليلا مستخفيا، وبلغ ابن الزبير خروجه فلحقه وسايره ساعة، ثم قال: لو شئت يا أمير المؤمنين لقتلتك مذ الليلة، قال: كلاّ لست من قتّالي الملوك، إنّما يصيد كلّ طائر قدره. قال الهيثم بن عدّي: أراد معاوية أن يأخذ أرضا لعمرو بن العاص فكتب اليه عمرو بشعر [هجي به] خفاف بن ندبة: أبا خراشة إما كنت ذا نفر … فإنّ قومي لم تأكلهم الضّبع (¬١) وكلّ قومك يخشي منك بائقة … فانظر قليلا وأبصرها بمن تقع فالسّلم تأخذ منها ما رضيت به … والحرب يكفيك من أنفاسها الجرعالمدائني عن أبي عبد الرحمن العجلاني قال: قال معاوية يوما وهو في جماعة من أهل بيته: من يكفيني ابن الزبير، فو الله ما أردت أمرا إلاّ عاند فيه، ولا تكلّمت في شيء إلاّ اعترض في قولي، وهو بعد غلام من غلمان قريش، إلا أنّه غير معروف بالأفن (¬١) وإن كان حديث السنّ، فقال عمرو بن العاص: ضمنت لك يا أمير المؤمنين أن ألين عريكته، وأذهب نخوته، وأخرس لسانه، وأعدمه بيانه، حتى أدعه ألين من خميرة مريّثة، وأذلّ من نقدة (¬٢) على أن ترفدني وتقضي حوائجي، قال: نعم؛ وجاء ابن الزبير وقد بلغه الخبر، فنكت عمرو بن العاص في الأرض ثم قال: إنّي لنار ما يرام اصطلاؤها … لدى كلّ أمر معضل متفاقم فقال ابن الزبير مجيبا له: وإنّي لبحر ما يسامى عبابه … متى يلق بحري حرّ نارك تخمد فقال عمرو: مهلا يا بن الزبير فإنّك لا تزال متجلببا جلابيب التيه، مؤتزرا بوصائل التهكّم، تعاطى الأقورين ولست من قريش في لباب حسبها ولا مؤنق جوهرها، فقال ابن الزبير: أمّا ما ذكرت من تجلببي جلابيب التيه وائتزاري بوصائل التهكّم فمعاذ الله من ذلك، لقد عرف من عرفني أنّ الأبّهة ليست من شأني، وإنّك لأنت المتوّه في وادي الضلالة، المستشعر جخائف (¬٣) الكبر، اللابس للسّبّة، المتجرثم جراثيم البطالة، الساهي عن كلّ مروءة وخير، وأيم الله لتنتهينّ عن تناولك القلل الشامخة والذرى الباسقةأو لأرمينّك بلسان صارم من أريب مراجم، يلدغك بحسبان، فإنّك ذو خدع ومكر، قتّات عيّاب مغتاب، تقلّب لسانك في قريش كتقليب المحالة، و والله لتدعنّ وقيعتك في الرجال أو لأسمنّك بسمة تدعك شنارا وتكسبك عارا، فقال عمرو: كلا يا بن الزبير لقد أحكمتني التجارب، وجرّستني الدهور، وعرفت نظائر الأمور، وحلبت الزمان أشطره، ورضعت أفاويقه، فأغرق سهمي نزعا، ولم تعرف لي نبوة في شدة، ولا جهالة عند الحدّة، ولقد ضربت أمور الباطل بذرب الحقّ حتى أقمت ميلها، وثقّفتها بعد اعوجاجها. فقال ابن الزبير: لقد قرب غورك، وضاق صدرك، فانتفخ سحرك، والتوى عليك أمرك، فأمّا ما ذكرت من تعاطيّ ما أتعاطاه فإنّي امرؤ سمابي إلى ذلك ما لا تصول بمثله: أنفي حميّ، وحسبي زكيّ، وقلبي ذكيّ، وأمري سديد، ورأيي رشيد، ولقد قعد بك عن ذلك ضعف جنانك، وصغير همّتك، وأمّا ذمّك نسبي وحسبي فقد حضرني وإيّاك النظراء الأكفاء العلماء بي وبك وأنشد: تعالوا فإنّ العلم عند ذوي النّهي … من الناس كالبلقاء باد حجولها ننافركم بالحقّ حتّى تبيّنوا … على أيّنا تلقي الفروع أصولها (¬١) فقال معاوية ومن حضر: أنصفك، فقال ابن الزبير: أما والله لأغصّنّك بريقك، ولأليّننّ أخدعيك، ولأقيمنّ صعر خدّيك، ولأبيّننّ للناس كهامة لسانك، يا معشر قريش أأنا في نفسي خير أم هو، قالوا: أنت: قال: فأبي خير أم أبوه، قالوا: اللهمّ أبوك حواريّ رسول الله، قال:أفأمّي خير أم أمّه؟ قالوا: أمّك والله أسماء بنت الصدّيق، قال: أفجدّتي خير أم جدّته؟ قالوا: جدّتك صفيّة عمّة محمد ﷺ، قال: فظفر به ابن الزبير فأنشد: قضت الغطارف من قريش بيننا … فاصبر على رغم لفصل قضائها وإذا جريت فلا تجار مهذّبا … بذّ الجياد لدى احتفال جرائها ثم قال: والله يا عمرو لو أنّ الذي أمرك بهذا إيّاي واجه، لقصرت من سامي طرفه، ولجرجرت الغيظ في صدره، فو الله ما استغاث بكهف ولا لجأ إلى وزر، يعني معاوية. فلما خرج ابن الزبير قال معاوية لعمرو: والله لقد علاك بخصومته. وفلج عليك بحجّته، وما زدت على أن فضحتنا ونفسك، فقال: يا أمير المؤمنين عجل عليّ بالمقالة، فقطعتم عليّ الشهادة، فقال معاوية: لله أبوك أفأردت أن نبهته لك؟! المدائني قال: قدم الزعل السّلمي من الأزد على معاوية فقال: الحمد لله الذي لم يمتك حتى رأيتك، فقال: بك الوجبة، أتنعاني إلى نفسي لا أمّ لك؟! وابنه سفيان بن الزعل كان على شرطة عبد الملك بن المهلّب، وعبد الملك يومئذ خليفة الحكم بن أيّوب. حدثني أبو مسعود الكوفي عن اسماعيل بن عيّاش قال: قدمت رملة بنت معاوية على أبيها فقال: أطلّقك عمرو؟ فقالت: لا، فقال: ليته فعل، وكانت هند بنت معاوية عند ابن عامر، فقال عبد الرحمن بن الحكم: أيرجو ابن هند أن يموت ابن عامر … ورملة يوما أن يطلّقها عمرووحدثت عن عيسى بن يزيد الكناني قال: كان بين الوليد بن عقبة بن أبي معيط وعمرو بن العاص لحاء بين يدي معاوية، فقصبه عمرو، فقال له الوليد: اسكت يا عبد السلطان وأخا الشيطان، يا منزوع الحياء وطوع النساء، يا ألأم أهل بيته وأذلّ عشيرته، لقد بلغ بك اللؤم الغاية القصوى المذلّة لأهلها في الآخرة والأولى، فمنعت الحقوق ولزمت العقوق وماريت أهل الفضل، فقال عمرو: إنّك لتعلم أنّي مرّ المذاقة وأن ليس لك بي طاقة، وأنّي حيّة الوادي، وداهية الأعادي، لا أتبع الأفياء ولا أنتمي إلى غير الآباء، أحمي الذمار في المضمار، غير هيوبة للوعيد ولا فروقة رعديد، أطعم الطعام وأضرب الهام، أفبالبخل تعيّرني وإيّاه حالفت وعليه جبلت؟! فقال معاوية: أقسمت لما سكتّما، ثم أنشد: وليد إذا ما كنت في القوم جالسا … فهن وليكن منك الوقار على بال ولا يأتينّ الدهر من فيك منطق … بلا نظر قد كان منك وإعمال لرأيك فيه، خوف ما ليس راجعا … فما كلّ من تلقى ابن عمّ ولا خال قال لي هشام بن عمّار: نظرت في أحاديث معاوية عندكم فوجدت أكثرها مصنوعا، وذكر هذا الحديث. حدثني العمري عن الهيثم عن يعقوب بن داود عن يزيد بن بشر عن همّام بن قبيصة وعن ابن عيّاش عن [أبي] الهيثم الرحبي قالا: كان عند عبد الله بن معاوية امرأة من بني مخزوم فأغارها، فشكت فعله إلى أخيها، فقال لمعاوية: إنّ عبد الله يسيء إلى أختي، ولولا مكانك لعدلته عن طريقته، فقال معاوية: أما والله إنّي لأقنى العرنين، أصمع (¬١) الكعبين،أحذّ القدمين، أعزّ قرشيّ في الجاهليّة، ولم يزدني الإسلام إلا عزّا، فقال المخزومي: لم أرد هذا يا أمير المؤمنين، فدعا بعبد الله فقال: أحسن إلى امرأتك. المدائني عن مسلمة بن محارب قال: كان معاوية معجبا بجارية له، فدخل عليه يزيد يوما وهي جالسة على السرير، ومعاوية على الأرض، وفي يدها قضيب تلويه على رأسه، فقال يزيد: أو هذا أيضا؟! وهمّ بها، فبادرت فدخلت بيتا، فقال معاوية: ويحك شدّي لزاز الباب دونه، وأراد يزيد دفع الباب فنهاه معاوية، ثم قال: من يعذرنا من هذا، يدخل علينا ويضرب جوارينا، ارجع يا بنيّ فإنّ الجواري لعب، والرجل في بيته مع أهله بمنزلة الصبيّ، فاستحيا يزيد وخرج. المدائني عن يعقوب بن عمر قال: قال ابن الزبير لمعاوية: والله لقد قاتلت عليّا لحبّ عثمان فلم تجزني، فقال معاوية: قاتلت عليّا مع أبيك فغلبكما بشماله، و والله أن لولا بغضك عليّا لجررت برجل مع الضبع، فقال ابن الزبير: إنّا قد أعطيناك عهدا سنفي لك به، ولكن سيعلم من بعدك، فقال معاوية: أما إنّي لا أخافك إلاّ على نفسك، وكأنّي بك قد تورّطت في الحبالة فعلقتك الأنشوطة، فليتني عندك فاستشليتك منهما، ولبئس المولى أنت في تلك الساعة. المدائني عن محمد بن علي بن الحكم قال: حضر ناجذ بن سمره وواثلة بن الأسقع الكناني باب معاوية فقال معاوية لآذنه، وهو أبو أيّوب يزيد مولاه: ايذن لناجذ، فأذن له، فمنعه واثلة، وواثلة أحد بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وناجذ أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة،فدخل الآذن فأعلم معاوية، فأمره أن يدخلهما معا، فقال واثلة: يا أمير المؤمنين لم أذنت لهذا قبلي ولي صحبة برسول الله ﷺ ولي السنّ عليه؟ قال معاوية: إنّي وجدت برد أسنانك بين ثدييّ، ووجدت كفّ هذا تدفع ذلك البرد، يعني يوم الفجار الذي كان بسبب البرّاض، وهو يوم نخلة، فقال: يا معاوية أبثأر الجاهليّة تطالبني؟! أفلا آخذت الذي قال: أغرّك أن كانت لبطنك عكنة … وأنّك مكفيّ بمكّة طاعم (¬١) فقال معاوية: إذا جاءك البكريّ يحمل قصبه … فقل قصب كلب صاده وهو نائم فقال واثلة: فما منع العير الضّروط ذماره … ولا منعت مخزاة والدها هند (¬٢) فقال معاوية: سوءة أجهلتنا وأجهلناك، وأسأنا إليك ولنا المقدرة عليك، ارفع إلينا حوائجك، فقضاها ووصله. المدائني عن اسحاق بن أيّوب قال: شهد أعرابيّ عند معاوية بشهادة فقال: كذبت، قال: الكاذب والله المتزمّل في ثيابك، فقال معاوية: هذا جزاء من عجل. حدثني هشام بن عمّار قال: قال معاوية: خير الصنائع ما أبقى ذكرا حسنا، وخير الجود ما لم يعدّ سرفا، وخير السلطان ما لم يورث صاحبه كبرا، وربّ المعروف أفضل من ابتدائه.المدائني عن مسلمة قال: قال معاوية يوما: ما أعجب الأشياء؟ فقال يزيد ابنه: أعجب الأشياء هذا السحاب الراكد بين السماء والأرض لا يدعمه شيء من تحته ولا هو منوط بشيء من فوقه، وقال الضحّاك بن قيس: أعجب الأشياء إكداء العاقل وحظّ الجاهل، وقال سعيد بن العاص: أعجب الأشياء ما لم ير مثله، وقال عمرو بن العاص: أعجب الأشياء غلبة من لا حقّ له ذا الحقّ على حقّه، فقال معاوية: أعجب من ذلك إعطاء من لا حقّ له ما ليس له بحقّ من غير غلبة. وإنّما عرّض عمرو بمعاوية وعرّض معاوية بعمرو في أمر مصر. المدائني عن ابن المبارك عن هشام بن عوف أنّ مروان نازع ابن الزبير، فكان هوى معاوية مع مروان، فقال ابن الزبير: يا أمير المؤمنين إنّ لك حقّا وطاعة، ولنا بسطة وحرمة، فأطع الله نطعك، فإنّه لا طاعة لمخلوق في معصية خالق، ولا طاعة لك علينا إلاّ في حق الله، ولا تطرق إطراق الأفعوان في أصول السّخبر (¬١) فإنّه أقرّ صامت. المدائني عن مسلمة بن محارب عن حرب بن خالد قال: كان عبد الرحمن بن أمّ الحكم ينازع يزيد بن معاوية كثيرا، فقال معاوية لأبي خداش بن عتبة بن أبي لهب: إنّ عبد الرحمن لا يزال يتعرّض ليزيد، فتعرّض له أنت حتّى يسمع يزيد ما يجري بينكما، ولك عشرة آلاف درهم، فقال: عجّلها، فحملت إليه، ثم التقيا عند معاوية فقال أبو خداش: يا أمير المؤمنين أعدني على عبد الرحمن فإنّه قتل مولى لي بالكوفة، فقال عبدالرحمن: كذبت يا بن المتبوب التابّ، فقال أبو خداش: يا بن تمدّر (¬١)، يا بن البريح يا بن أمّ قدح، فقال معاوية: حسبك رحمك الله، عليّ دية مولاك؛ فخرج أبو خداش ثم رجع فقال لمعاوية: أعطني عشرة آلاف درهم أخرى وإلا أعلمته أنّك أمرتني بالكلام، فأعطاه عشرة آلاف درهم، ثم قال له: فسّر ليزيد ما قلت لعبد الرحمن، قال: هنّ أمّهات له حبشيات، وقد ذكرهنّ ابن الكلبية الثّقفي فقال: ثلاث قد ولدنك من حبوش … إذا تسمو جذبنك بالزّمام تمدّر والبريح وأمّ قدح … ومحلوب يعدّ من آل حام المدائني عن الأسود بن شيبان، حدثني أبو نوفل عن موسى بن عبيدة أنّ معاوية حجّ فدخل البيت الحرام وأرسل إلى عبد الله بن عمر، وبلغ ابن الزبير ذلك فجاء فحرّك الباب، فقال معاوية: لا تفتحوا له، ثم جاء ابن عمر ففتح له ودخل، فقال معاوية: يا أبا عبد الرحمن أين صلّى النبي ﷺ حيث دخل البيت؟ فذكر السارية اليسرى، ثم دخل ابن الزبير بعد خروج ابن عمر فقال: يا معاوية أما هو إلاّ عبد الله بن عمر؟! قال: نعم يا بن الزبير، أمّا عرى الأمور التي هي عراها فلها قوم سواك، وفيما دون تلك أمور يستعان بك فيها، فقال ابن الزبير: والله يا معاوية لقد علمت أنّي أعلم من الذي سألت، ولكنّك حسود فحسدتني، قال: يا أبا بكر لو شئت قلت أحسن من هذا القول. المدائني عن اسحاق بن أيّوب عن خالد بن عجلان قال: قال عبد الله بن الزبير لمعاوية: لقد أعظم الناس ولادة صفيّة إيّانا حتى كأنه لمتلدنا حرّة غيرها، فقال معاوية: هي والله أدنتك من الظلّ ولولا ذلك كنت ضاحيا، ويحك هل ولدك مثلها أو تجد مثلها إلا أختها أو عمّتها، فقال ابن الزبير: والله يا معاوية إنّها وبني أبيها مع قولك لرضفة بين جنبيك يوشك أن تطلع على قلبك، فقال معاوية: إنّ بيننا وبين ذلك زمانا وهم الرديف. المدائني عن علي بن سحيم قال: خطب معاوية فقال: الحمد لله الذي أدالنا على عدوّنا وردّ علينا زماننا، فقال رجل من أهل الشام: أما والله ما ذاك لكرامتك على الله يا معاوية، فقال عمرو بن العاص للشامي: ما أنت والكلام، وأنت من حثالة أهل الشام وسقّاطهم وسفلتهم، فقال الشامي: يا عمرو ما عدوت صفتك، فقال معاوية: إنّي أرى الحلم محمودا مغبّته … والجهل أردى من الأقوام أقواما حدثني العمري عن الهيثم بن عدي عن مجالد عن الشعبي أنّ معاوية بعث إلى رجل من الأنصار بخمسمائة دينار فاستقلّها، وأقسم على ابنه أن يأتي معاوية فيضرب بها وجهه، فانطلق حتى دخل على معاوية، فلمّا رآه قال: ما جاء بك يا بن أخي؟ قال: يا أمير المؤمنين، إنّ لأبي طيرة وفيه حدّة، وقد قال لي كيت وكيت، وعزمه الشيخ على ما قد علمت، فوضع معاوية يده على وجهه وقال: افعل ما أمرك به أبوك وارفق بعمّك، فرمى الدنانير، وأمر معاوية للأنصاري بألف دينار، وبلغ الخبر يزيد فدخل على معاوية مغضبا وقال: لقد أفرطت في الحلم حتى خفت أن يعدّ ذلك منك ضعفا وجبنا، فقال: أي بنيّ إنّه لا يكون مع الحلم ندامة ولا مذمّة، فامض لشأنك.وحدثني هشام بن عمّار عن الوليد قال: بلغنا أنّ يزيد بن معاوية ضرب غلاما له، فقال له معاوية: يا بني كيف طوّعت لك نفسك ضرب من لا يستطيع امتناعا منك؟! المدائني عن أبي زكريّا العجلاني قال: دخل عبد الله بن العجلان أخو يعمر بن العجلان الزّرقي على معاوية فشكا عمرا فقال: يا أمير المؤمنين إنّ ابن العاص بمصر ينبعق منه كلام لهو أشدّ من وخز الأشافيّ، لا يرعوي عن إساءة، ولا يرجو الله في عاقبة، فقال معاوية: يا أبا سعيد إنّ عمرا رجل حديد، فاحمل له قوله فإنّه يفيء إلى خير، فقال: اكففه يا أمير المؤمنين فإنّه راع ونحن رعيّة، وربّما ساق السيء الرّعي الثلّة إلى مجزرها، قال معاوية: أجل ثم تفلت، قال عبد الله: ذاك إذا كنت أنت الجازر، فأمّا اذا كان الجازر من قد كدّحته السّنة الحمراء فمن أنيابه تفلت؟ فقال معاوية: أو يخالف أمري وتهمط (¬١) رعيّتي؟ إنّي إذا لغافل مضيع، ألي تقول هذا يا عبد الله؟! ثم تمثّل: ألم تك قد جرّبتني قبل هذه … وعضّك منّي حدّ ناب ومخلب قال: فحلما يا أمير المؤمنين وصفحا، فضحك ثمّ قال: ذاك لك، وتقدّم إلى عمرو في أمره. حدثني أبو مسعود الكوفي عن ابن الكلبي عن عوانة عن أبيه قال: قال سعد بن أبي وقّاص لمعاوية في كلام جرى: قاتلت عليّا وقد علمت أنّه أحقّ بالأمر منك، فقال معاوية: ولم ذاك؟ قال: لأنّ رسول الله ﷺيقول: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه»، ولفضله في نفسه وسابقته، قال: فما كنت قطّ أصغر في عيني منك الآن، قال سعد: ولم؟ قال: لتركك نصرته وقعودك عنه وقد علمت هذا من أمره. المدائني عن عبد الله بن سلام قال: كتب معاوية إلى مروان «والله لفلان أهون عليّ من ذرّة، أو كلب من الحرّة» ثم قال للكاتب: امح الحرة واكتب «من كلب من الكلاب». المدائني عن عامر بن الأسود قال، قال عمرو بن العاص لمعاوية: رأيتك في منامي وقد ألجمك العرق وأنت تحاسب، فقال معاوية: فما رأيت ثمّ دنانير مصر؟ المدائني عن جعفر بن سليمان الضّبعي عن مالك بن دينار قال: قال عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب لمعاوية، ولّني، فقال: لام ألف. المدائني عن ابن أبي الزناد عن أبيه قال: لمّا بايع معاوية ليزيد قال رجل: أعوذ بالله من شرّ معاوية، فقال معاوية: تعّوذ بالله من شرّ نفسك فشرّها أضرّ عليك، وبايع رحمك الله فإن الله جعل في الكثرة خيرا كثيرا. المدائني عن مسلمة بن محارب قال: مرض معاوية فأرجف به مصقلة بن هبيرة الشيباني وساعده قوم على ذلك، ثم تماثل معاوية وهم يرجفون به، فحمل زياد مصقلة إلى معاوية وكتب إليه: إنّ مصقلة كان يجمع مرّاقا من مرّاق أهل العراق فيرجفون بأمير المؤمنين، وقد حملته إليك يا أمير المؤمنين لترى فيه رأيك، ويرى عافية الله بأمير المؤمنين، فلمّا قدمبمصقلة جلس معاوية للناس، فلمّا دخل مصقلة عليه قال له معاوية: ادن، فدنا، فأخذ معاوية بيده فجذبه فسقط مصقلة، فقال معاوية للناس: أبقى الحوادث من خلي … لك مثل جندلة المراجم قد رامني الأقوام قب … لك فامتنعت من المظالم فقال مصقلة: قد أبقى الله منك يا أمير المؤمنين ما هو أعظم من ذلك: حلما يزينك، وكلأ ومرعى لأوليائك، وسمّا ناقعا لأعدائك، فمن يرومك وكان أبوك سيّد أهل الجاهليّة، وأنت في الإسلام أمير المؤمنين، فقال له: قم، وأمر بصلته وأذن له، فانصرف إلى الكوفة فقيل له: كيف تركت معاوية؟ فقال: زعمتم أنّه لما به، والله لغمز يدي غمزة فكاد يحطمها، وجبذني جبذة فكاد يكسر منّي عظما. المدائني عن عبد الله بن سلم الفهري عن زياد بن حدير أنّ معاوية قال لرجل: هل تذكر أبا سفيان؟ فقال: نعم أذكره وقد تزّوج هندا، فأطعمنا في أوّل يوم لحم جزور وسقانا خمرا، وفي اليوم الثاني لحم غنم وسقانا نبيذ زبيب، وفي اليوم الثالث لحم طير وسقانا نبيذ عسل، وإن كانت لذات أزواج، فقال معاوية: كرام (¬١). المدائني عن عبد الحميد الأشجّ عن خالد بن سعيد قال: خرج عبد الملك ومعه نافع بن جبير بن مطعم، فوقف على راهب، فذكر الراهب معاوية فأطراه، فقال عبد الملك لنافع: لشدّ ما أطرى هذا الراهب ابنهند، فقال نافع: إنّ معاوية كان لذلك أهلا، أصمته الحلم وأنطقه العلم، بجأش ربيط، وكفّ نديّة. المدائني قال: دخل معاوية المدينة فتلقّاه بعض سودانها فقال: والله لكأنّ وجهك وجه هند، قال: وأين رأيتها؟ قال: في مأتم سودة بنت زمعة، فقال معاوية: إن كانت لكريمة المحيا والممات. قال ابن دأب: خرج نابغة بني جعدة إلى صفّين مع علي، فساق به يوما فقال: قد علم المصران والعراق … أنّ عليّا فحلها العتاق أبيض جحجاح (¬١) … له رواق إنّ الألى جاروك لا أفاقوا لكم سياق ولهم سياق (¬٢) … فلمّا قدم معاوية الكوفة قام النابغة بين يديه فقال: ألم تأت أهل المشرقين رسالتي … وإنّي نصيح لا يبيت على عتب هلكتم وكان الشرّ آخر عهدكم … لئن لم تدراككم حلوم بني حرب (¬٣) وكان مروان قد أخذ أهل النابغة وماله، فدخل على معاوية فأنشده: من راكب يأتي ابن هند بحاجتي … ومروان والأنباء تنمي وتجلب فإن تأخذوا أهلي ومالي بظنّة … فإنّي إذا ما ريم ظلمي أغضب (¬٤)فقال معاوية لمروان: ما تقول؟ قال: لا نردّ عليه، فقال معاوية: وما أهون عليك أن ينجحر هذا في غار فيقطع عرضي بشعر ترويه العرب، فردّ عليه ماله وأهله. المدائني عن أبي عبد الرحمن بن اسماعيل بن هشام قال: قال ابن الزبير: لله درّ معاوية إن كان ليتخادع لنا وإنّه لأدهى العرب، مع حلم لا ينادى وليده، وإن كان ليتضاعف لنا وهو أنجد العرب، فكان كما قالت النادبة: ألا يا عين فابكيه … ألا كلّ النهى فيه ولوددت أنّه بقي لنا ما بقي أبو قبيس. المدائني قال: قال عبد الله بن فائد: كانوا يذكرون عبد الملك ومعاوية فيقولون: معاوية أحلم وعبد الملك أحزم. المدائني عن عوانة عن أبيه أنّ ابن عبّاس قال: لله درّ ابن هند ولينا عشرين سنة فما آذانا على ظهر منبر ولا بساط، صيانة منه لعرضه وأعراضنا، ولقد كان يحسن صلتنا ويقضي حوائجنا. المدائني عن اسحاق بن أيّوب ومسلمة بن محارب قالا: قدم رجل ممّن كان في الصائفة على معاوية، فسأله معاوية عن الناس وحالهم، فبينا هو يحدّثه إذ حبق الرجل فحصر وسكت، فقال معاوية: خذ أيّها الرجل في حديثك فما سمعتها من أحد أكثر ممّا سمعتها من نفسي. المدائني عن مسلمة بن محارب قال: قال زياد: لم يغلبني معاوية بالسياسة إلاّ في رجل من بني تميم استعملته فكسر الخراج ولحق به فآمنه، فكتبت اليه: إنّ في هذا مفسدة للعمّال وحملا على سوء الأدب، فابعث بهإليّ، فكتب إليّ معاوية: إنّه لا يصلح أن أسوس وتسوس الناس سياسة واحدة، إنّا إن نشتدّ جميعا نهلك الناس ونحرجهم، وإن نلن جميعا نبطرهم، ولكن تلين وأشتدّ وتشتدّ وألين، فإذا خاف أحدهم وجد بابا فدخله. حدثني الحسين بن علي بن الأسود حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا مجالد عن الشعبي عن زياد قال: ما غلبني أمير المؤمنين معاوية إلا بواحدة، استعملت فلانا فكسر الخراج وهرب إلى معاوية، فكتبت اليه: إنّ هذا أدب سوء لمن قبلي، فكتب إليّ: إنّه لا ينبغي لي ولك أن نسوس الناس سياسة واحدة، فنلين جميعا نمرج الناس في العصبيّة، وأن لا نشتد جميعا فنحمل الناس على المهالك، ولكن تكون أنت للغلظة والشدّة، وأكون أنا للّين والرأفة، أو قال: للرحمة. المدائني عن اسحاق بن أيّوب عن خليد بن عجلان قال: دخل سعد بن أبي وقّاص على معاوية فقال له: يا معاوية أراك معجبا بما أنت فيه، والله ما أحب أنّي نلت ما أنت فيه وأنّي هرقت محجمة من دم، قال: ولكنّني وابن عمّك قد هرقنا محجمة ومحجمة ومحاجم. حدثني العمري عن لقيط المحاربي عن أشياخ من الزهريين قالوا: لمّا دخل سعد بن أبي وقّاص الشام في ولاية معاوية، بعث معاوية قوما ينعون عثمان ويلعنون قتلته ومن خذله وقعد عن نصرته، فقال سعد: هذا عمل الفاسق معاوية، فأتاه فدخل عليه فقال: يا معاوية قد سمعت قول هؤلاء الذين دسستهم، أفمن نهى عثمان عمّا فعله ثم كفّ عنه واعتزله خير أم منأمر عثمان بما فعله ثم خذله وخذّل عنه؟ فقال معاوية: ما أراك أبا اسحاق رحمك الله إلا محتاجا إلى عطائك، فقد حرمته مذ ولينا، فأمر له بذلك. وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن أبي الزناد عن أبيه قال: ولي معاوية فلم يزل أمره مستقيما، ولم تزل الأموال عليه دارّة، فاستمال القلوب بالبذل والإعطاء، وكان يقول: البذل يقوم مقام العدل. المدائني عن أزهر عن ابن عون عن مولى لأبي أيّوب الأنصاري أنّ أبا أيّوب قدم على معاوية فجلس معه على سريره، فقال له: يا أبا أيّوب من قتل صاحب الفرس الأشقر الذي كان يجول؟ قال: أنا قتلته يوم كنت أنت وأبوك على الجمل الأحمر تحملان لواء المشركين. المدائني عن ابراهيم بن محمد قال: قال معاوية: لو كانت بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، قيل: وكيف يا أمير المؤمنين؟ قال: إن جبذوها أرسلتها، وإن خلّوها جبذتها. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنّه قال: قد علمت بما كان معاوية يغلب الناس، كان إذا طاروا وقع وإذا وقعوا طار، وإذا قعدوا قام وإذا قاموا قعد. حدثني أبو مسعود الكوفي عن عوانة عن أبيه قال: أغزى معاوية الناس في سنة خمسين وعليهم سفيان بن عوف، وأمر يزيد بالغزو فتثاقل واعتلّ فأمسك عنه، وأصاب الناس في غزاتهم جوع وأمراض، فأنشأ يزيد يقول:ما إن أبالي بما لاقت جموعهم … بالقرقذونة (¬١) من جوع ومن موم (¬٢) إذا اتّكأت على الأنماط في غرف … بدير مرّان (¬٣) عندي أمّ كلثوم وأمّ كلثوم امرأته، وهي بنت عبد الله بن عامر بن كريز، فبلغ معاوية شعره، فأقسم عليه ليلحقنّ بسفيان في أرض الروم ليصيبه ما أصاب الناس ولو مات، فلحق به في فرس أنطاكية وبعلبكّ وجماعة أنهضهم معه، فبلغ بالناس الخليج، وضرب بسيفه باب الذهب وهزم الروم، وخرج وسفيان بالناس. حدثني العمري عن الهيثم قال: ولّى معاوية روح بن زنباع بعلبك فرجم امرأة ورجلا، فقال الشاعر: إنّ الجذاميّ روحا في إقامته … حدّ الإله لمعذور وإن عجلا لو كان رفّه عن حسناء ناعمة … وعن أخي غزل لم يحسن الغزلا فبلغ الشعر معاوية فكتب إلى روح: لا تعجلنّ بإقامة حدّ حتى تثبّت في أمره، فتكون إقامتك إيّاه بإقرار ظاهر، أو بأربعة شهداء مستورين. حدثني العمري عن الهيثم بن عدّي عن يعقوب بن داود قال: خطب معاوية فقال: إنّ عمر ولاّني ما ولاّني من الشام ثم عثمان بعده، فو الله ما غششت ولا استأثرت، ثم ولاّني الله الأمر فأحسنت وأسأت، فقام اليه رجل فقال: يا معاوية بل استأثرت وأسأت ولم تحسن ولم تنصف، فقال لهمعاوية: اجلس فما أنت والكلام؟! والله لكأنّي أنظر إلى بيتك بفخّ (¬١) تهفو الريح بجوانبه، بفنائه تيس وبهمة وأعنز، درّهنّ نزر يحلبن في مثل محارة ألقاها الموج، فقال: يا معاوية رأيت ذلك في شرّ زمان، وكان تحت ما رأيت حسب كريم غير دنس، فهل رأيتني قتلت مسلما وانتهكت محرما؟ قال: وأين أنت حتى أراك وأنت لا تبرز إلاّ في خمار، وأيّ مسلم تقوى عليه حتى تقتله، اجلس لا جلست، قال: لا أجلس ولكنّي سأذهب عنك إلى أبعد أرض وأسحقها، وقام الرجل فولّى، فقال معاوية: ردّوه، فردوه فقال: أستغفر الله، أما لقد رأيتك أتيت رسول الله ﷺ فسلّمت عليه فرّد عليك، وأهديت إليه فقبل منك، وأسلمت فحسن إسلامك، ولقد غلظ عليك منّا القول، فاذكر حاجتك فإنّي أعطيك حتى ترضى. المدائني عن عبد الله بن سلم قال: خطب معاوية الناس فذكر تولية عمر أيّاه ثم قال: فو الله ما خنت ولا كذبت، ثم وليت هذا الأمر فتقدّمت وتأخّرت، وأصبت وأخطأت، وأحسنت وأسأت، فقام اليه رجل من كنانة يقال له سلمة (¬٢) فردّ قوله، فقال له: وما أنت وذاك؟! كأنّي أنظر إلى حفش بيتك مربوطا بطنب منه تيس، وبطنب بهمة، والريح تخفق به كأنّه جناح نسر، ولك أعنز تحتلب في مثل قواره حافر عير، قال: رأيت ذلك في زمن علينا لا لنا، أما والله إنّ حشوه لحسب غير دنس؛ ثم ذكر باقي الحديث.المدائني عن عبد الرحمن الأنصاري قال: قدم قوم من قريش على معاوية وفيهم عبد الله بن جعفر وعبد الله بن صفوان بن أميّة الجمحي وعبد الله بن الزبير، فوصلهم وفضّل عبد الله بن جعفر عليهم، أعطاه ألف ألف درهم، فقال عبد الله بن صفوان: يا معاوية إنّما صغرت أمورنا عندك لأنّا لم نقاتلك كما قاتلك غيرنا، ولو كنّا فعلنا كنّا كابن جعفر، فقال معاوية: إنّي أعطيكم فتكونون إمّا رجلا معدّا بما أعطيه لحربي، وإما مضمّا (¬١) له مع بخل به، وإنّ عبد الله يعطي أكثر ممّا يأخذ، ثم لا يلبث أن يلزمه من الدّين بتوسعه أكثر ممّا نعطيه، فخرج ابن صفوان وهو يقول: إنّ معاوية ليحرمنا حتى نيأس ويعطينا حتى نطمع. المدائني عن مسلمة قال: أراد المغيرة أن يبلو ما عند معاوية، فكتب إليه يسأله أن يأذن له في إتيان الحجاز أو المصير اليه، فكتب إليه معاوية: إن شئت فأت الحجاز وإن شئت فصر الينا، فإنّك كما قال الأوّل: اختر لنفسك ما بدا لك راشدا … ودع الخداع فقد كفاك الأوّل فكتب إليه المغيرة: إنّ الذي يرجو سقاطك والذي … سمك السّماء مكانها لمضلّل أجعلت ما ألقي إليك خديعة … حاشا الإله وترك ظنّك أجمل المدائني عن علي بن سليم قال: قال عمرو بن العاص في مجلس معاوية: احمدوا الله يا معشر قريش الذي جعل والي أمركم معاوية، من يغضي على القذى، ويتصامّ عن العوراء، ويجرّ ذيله على الخدائع، فقالعبد الله بن صفوان: لو لم يكن كذلك لمشينا إليه الضّراء ودببنا له الخمر، وقلبنا له ظهر المجنّ، ورجونا أن يقوم بأمرنا من لا يعطيك مال مصر، فقال معاوية: يا معشر قريش حتى متى لا تنصفون من أنفسكم؟ فقال عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: يا أمير المؤمنين إنّ عمرا وذويه أفسدوك علينا وأفسدونا عليك، لو أغضيت عن هذه، فقال معاوية: إنّ عمرا لي ناصح، فقال عبد الرحمن: فأطعمّنا مصر كما أطعمته ثم خذنا بمثل نصيحته، إنّا رأيناك تضرب عوامّ قريش بأياديك في خواصّها، كأنك ترى أنّ كرامها جازوك عن لئامها، ولعمر الله إنك لتفرغ من وعاء ضخم في إناء فعم (¬١)، وكأنّك بالحرب قد حلّ عليك عقالها ثم لا ينظر إليك، فقال معاوية: يا بن أخي ما أحوج أهلك إليك؛ ثم قال معاوية: أغرّ رجالا من قريش تتايعوا (¬٢) … على سفه منّي الحيا والتكرّم المدائني عن مسلمة قال: قال قوم من قريش: ما نظنّ معاوية أغضبه شيء قط، فقال بعضهم: بلى إذا ذكر (¬٣) من أمّه غضب، فقال مالك بن أسماء المنى القرشي - وهي أمّه، وإنّما قيل لها المنى لجمالها-: والله لأغضبنّه إن جعلتم لي جعلا، فجعلوا له جعلا رضي به، فأتى معاوية وقد حضر الموسم فقال له في جماعة: يا أمير المؤمنين ما أشبه عينيك بعيني أمّك، قال: تانك عينان طال ما أعجبتا أبا سفيان، انظر يا بن أخي إلى ما أعطيت من الجعلفخذه، ولا تتّخذنا متجرا، ثم دعا معاوية مولاه سعدا فقال له: أعدد لأسماء المنى دية ابنها فإنّي قد أقتلته (¬١) فرجع مالك فأخذ جعله، فقال له رجل: لك ضعفا جعلك إن أتيت عمرو بن الزبير فقلت له كما قلت لمعاوية، وكان عمرو ذا نخوة وكبر، فأتاه فقال له: ما أشبهك بأمّك يا عمرو، فأمر به فضرب حتى مات، فبعث معاوية بديته إلى أمّه وقال: ألا قل لأسماء المنى أمّ مالك … فإنّي لعمر الله أقتلت مالكا المدائني عن ابن جعدبة قال: ذكروا عند معاوية قول حذيفة: إنّي لم أشرك في دم عثمان، فقال معاوية: بلى والله لقد شرك فيه، فقال عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث: الرجل كان أعلم بنفسه، فقال معاوية: وأنت قد شركت في دمه، قال: كلا والله، ولكني كنت أنهاه عمّا قيل فيه، وكنت تأمره به، فلمّا صعب الأمر عليه استغاث بك، فأبطأت عنه حتى قتل. المدائني عن مسلمة قال: أوفد زياد عبيد الله بن كعب النّميري إلى معاوية فقال معاوية: أخبرني عن زياد، قال: يستعمل على الجرأة والأمانة دون الهوى والمحاباة، ويعاقب فلا يعدو بالذنب قدره، ويسمر ويحبّ السمر ليستجمّ بحديث الليل تدبير النهار، قال: أحسن، إنّ التثقيل على القلب مضرّة بالرأي، فكيف رأيه في حقوق الناس؟ قال: يأخذ ما له عفوا ويعطي ما عليه عفوا، قال: فكيف عطاياه؟ قال: يعطي حتى يقال جواد ويمنع حتى يقال بخيل، قال معاوية: إنّ العدل ضيّق وفي البذل عوض منالعدل، فكيف الشفاعة عنده؟ قال: ليس فيها بمطمع، ما أراد من خير جعله لك أو له. المدائني قال: قال رجل من قريش لمعاوية: يا معاوية لا تباعدنّ منّا ما قرّب الله، ولا تصغّرنّ ما عظّم، ولا تقطعنّ منّا ما أمر الله به أن يوصل، فقال معاوية: يرحمك الله، والله ما صغّرت منكم شيئا إلا بما أنزلتموه بأنفسكم، وما باعدت منكم إلاّ ما تباعدتم به منّي، ولا قطعت إلاّ ما بدأتم بقطعه، هذا مروان بن الحكم، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن عامر، وعمرو بن العاص شرّفتهم بالمنابر، وولّيتهم معالي الأمور، ثم لا تزال تأتيني منهم هنة كراغية البكر (¬١). المدائني عن علي بن سليم قال: قال ابن الزبير: يا معاوية إذا استعتبناك من أمر فأعتبناه منه، ولا تحملنا على ما نكره، فإنّك إن لم تحتمل رجال قريش عابوك وخذلوك وقاتلوك، وإذا هممت لنا بخير فهنّئناه قبل المسألة، فإنّك إذا ألجأتنا إلى المسألة أخذت ثمن عطيّتك، فقال معاوية: والله ما استعتبتموني من أمر قطّ إلا وجدتموني قد استعتبتكم من أعظم منه، وأمّا إعطائي إيّاكم قبل المسألة فمن سألنا أعطيناه ومن استغنى عنّا وكلناه إلى غناه، وأحبّكم إلينا السائل، فاعترفوا بذنوبكم، فقال عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه: ما لنا إليك ذنب فنعتذر منه، وإنّ خيرك علينا لقليل فقال معاوية متمثّلا:إذا العفو لم ينفع ولم يشكر امرؤ … وجاشت صدور منكم حشوها الغمر فكيف أداوي داءكم ودواؤكم … يكون لكم داء فقد عسر الأمر (¬١) المدائني عن جويرية بن أسماء قال: ذكر معاوية يوما الوليد بن عقبة فتنقّصه أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه وقال: إنّه يرى أنّه أحقّ بما أنت فيه منك لمكانه من عثمان، أخيه لأمّه، فلم يجبه معاوية رضي الله تعالى عنه، وبلغ الوليد فدخل عليه فقال: يا معاوية إذا دبّت الرجال إليك فينا بالباطل فلا تقبل منهم ما لا تعرفنا به، وخذ منّا عفو طاعتنا، ولا تجشّمنا ما لا نريد، فقال معاوية رضي الله تعالى عنه: إنّي لا أقبل فيكم إلا ما أعرفكم به، وكلّ ذنب عنكم موضوع ما خلا القدح في هذا الملك. وحدثني أبو مسعود عن عوانة قال: دخل عدّي بن حاتم الطائي على معاوية فقال له ابن الزبير: يا أبا طريف متى ذهبت عينك؟ قال: يوم فرّ أبوك وقتل خالك - يعني طلحة لأنّه من بني تيم - وضربت على قفاك، وأنا مع الحقّ وأنت مع الباطل، فقال معاوية: ما بقي من حبّك لعلي؟ قال: هو على ما كان وكلّما ذكر زاد، فقال معاوية: يا أبا طريف ما نريد بذكرك له إلا خلافه، قال: إنّ القلوب إذا بيدك يا معاوية، فقال معاوية: إنّ طيّئا كانوا لا يحجّون البيت ولا يعظّمون حرمته، فقال عديّ: كنّا كما قلت إذ كان البيت لا ينفع حجّة ولا يضرّ تركه، فأمّا إذ نفع وضرّ تركه فإنّا نغلب الناس عليه، وكانت طيء وخثعم لا يحجّون فكانوا يدعون الأفجران.المدائني عن عبد الله بن عبد الرحمن الهمداني قال: دخل أبو الطفيل عامر بن واثلة على معاوية فقال له معاوية: يا أبا الطفيل أنت من قتلة عثمان؟ قال: لا ولكنّي ممّن حضره فلم ينصره، قال: وما منعك من نصره؟ قال: منعني أنّ المهاجرين والأنصار لم ينصروه، ولا رأيت أحدا نصره، قال: أوما طلبي بدمه نصرة له؟ فضحك أبو الطفيل وقال: يا معاوية أنت وعثمان كما قال الشاعر: لا ألفينّك بعد الموت تندبني … وفي حياتي ما زوّدتني زادي فقال معاوية: يا أبا الطفيل فما بقي من وجدك بعلي؟ قال: وجد العجوز المقلاة والشيخ الرّقوب، قال: فكيف كان حبّك له؟ قال: حبّ أمّ موسى لموسى، وأشكو إلى الله التقصير. المدائني عن عامر بن حفص أنّ الأحنف بن قيس وجارية بن قدامة والجون بن قتادة العبشمي والحتات بن يزيد المجاشعي وفدوا على معاوية، فوصلهم وفضّل الأحنف وجارية، أعطاهما مائة ألف، وكان الأحنف بن قيس وجارية علويّين وكان الحتات مع عائشة يوم الجمل: فقال: يا أمير المؤمنين فضّلت من كان عليك على من كان لك، قال: إنّي اشتريت دينهم، قال: ومنّي فاشتر ديني، فألحقه بهما، فعرضت له علّة مات منها قبل قبضه صلته، فحبس معاوية المال، فقال الفرزدق: أبوك وعمّي يا معاوي أورثا … تراثا فيحتاز التّراث أقاربه فما بال ميراث الحتات حبسته … وميراث حرب جامد لك ذائبه ولو كان إذ كنّا وللكفّ بسطة … لصمّم عضب فيك ماض ضرائبه فلو كان هذا الأمر في جاهليّة … علمت من المولى القليل حلائبهولو كان في دين سوى ذا عرفتم … لنا حقّنا أو غصّ بالماء شاربه وكم من أب لي يا معاوي لم يزل … أغرّ يباري الريح مذ طرّ شاربه نمته فروع المالكين ولم يكن … أبوك الذي من عبد شمس يخاطبه تراه كنصل السيف يهتزّ للندى … جوادا منيع الجار جزلا مواهبه (¬١) فأنشد معاوية الشعر، فلمّا بلغ إلى قوله: «ولم يكن أبوك الذي من عبد شمس يخاطبه» قال: صدق والله، ما كان قدره أن يخاطبه أبي. وزعموا أنّ الفرزدق كان باع جملا وصرّ ثمنه، فعيّره رجل بصرّه وقال: لو كنت كريما ما صررت هذا الصرّ، فرمى بالدراهم ونثرها حتى انتهبها الناس، وبلغ ذلك زيادا فقال: هذا أحمق يضري الناس بالنهب، فطلبه فلم يوجد وبلغه هذا الشعر فقال: من صاحبه؟ فقيل: الذي نثر الدراهم، فجدّ في طلبه، فكان يهرب من البصرة إلى الكوفة، ومن الكوفة إلى البصرة، وذلك أنّ زيادا كان يأتي هذه مرّة وهذه مرّة. وكان المنصور أمير المؤمنين إذا ذكر شعر الفرزدق في معاوية قال: قبح الله معاوية ورأيه، ما كان هذا لحلم وما كان إلاّ ضعفا. المدائني قال: قال ابن أمّ الحكم ليزيد بن معاوية: خالي من قريش وخالك من كلب، فشكاه يزيد إلى معاوية، فقال معاوية: قل له فجئني بأب مثل خالك. ولمّا مات سعيد بن العاص قال معاوية لعمرو بن سعيد: إلى من أوصى بك أبوك؟ قال: أوصى إليّ ولم يوص بي، فقال: إنّه الأشدق.حدثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه عن عوانة - وذكره المدائني عن جويرية - أنّ عمرو بن العاص قال لعبد الله بن عبّاس: يا بني هاشم، أما والله لقد تقلّدتم من دم عثمان كفرم (¬١) الإماء العوارك، وأطعتم فسّاق أهل العراق في عيبه، وأجزرتموه مرّاق أهل مصر، وآويتم قتلته، وإنّما نظر الناس إلى قريش، ونظرت قريش إلى بني عبد مناف، ونظر بنو عبد مناف إلى بني هاشم، فقال ابن عبّاس لمعاوية: ما تكلّم عمرو إلا عن رأيك، وإنّ أحقّ الناس أن لا يتكلّم في قتل عثمان لأنتما، أمّا أنت يا معاوية فزيّنت له ما صنع، حتى إذا حصر طلب نصرك، فأبطأت وتثاقلت وأحببت قتله، وترّبصت لتنال ما نلت، وأما أنت يا عمرو فأضرمت المدينة عليه نارا، ثم هربت إلى فلسطين، فأقبلت تحرّض عليه الوارد والصادر، فلمّا بلغك قتله دعتك عداوة علي إلى أن لحقت بمعاوية، فبعت دينك منه بمصر، فقال معاوية: حسبك يرحمك الله، عرّضني لك ونفسه فلا جزي خيرا. المدائني عن عبد الله بن المبارك قال: أراد عمرو بن العاص معاوية على أن يكتب له مصر طعمة ويبايعه، فقال معاوية: إنّي لا أحب أن يقول الناس إنّك إنّما بايعتني على تأمير لك وشكم (¬٢)، فقال له مروان: أبا عبد الله إنّ هذا ليس بيوم مسألة، وقد تدانت الأمور بك فلا تدبرنّ بعد إقبالها، فقال عمرو: يا مروان قدمت على معاوية وأمره زلق دحض منفرج انفراج القتب، فما برحت أبرمه قوّة بعد قوّة حتى تركته على مثل دائرة الفلكة،ولعمر الله إن تركته والشبه المشكلات لتهننّ قواه حتى يدبر عنه ما قد تدانى منه، فقال مروان: إن يكن الله قد سهّل بك أمرا، فمثلك سهّل الله به الوعر وأعان به على حسن العاقبة، فقاربه فإنه مؤاتيك، ثم قال لمعاوية: أيّها الرجل إنّ الأمور قد لزم بعضها بعضا، فاكمش أمرك، واكتب له بما أراد، فليس مثل عمرو يبخل عليه بالجزيل يطلبه، فكتب له؛ وقال معاوية للكاتب: اكتب لا ينقض شرط طاعة، فقال عمرو: لا ولكن اكتب ولا تنقض طاعة شرطا. فلمّا قتل محمّد بن أبي بكر رضي الله تعالى عنهما بمصر، غلب عمرو عليها، واستقامت الأمور لمعاوية، فلم يحمل عمرو إليه منها شيئا، فكان أهل معاوية يسألونه أن يكتب إلى عمرو في هدايا مصر فيقول: عمرو جموح طموح منوع، فاعفوني من الكتاب إليه واكتبوا أنتم، فكانوا يكتبون إليه فلا يبعث إليهم بشيء، فقالوا لمعاوية: اعزله، فقال: أمّا عزله فلا، ولكنّي أروّعه بالقدوم فإنّه شبيه بالعزل له، فكتب إليه فقدم، فقال معاوية: يا عمرو بلغني أنّك تقوم على منبر مصر فتذكر بلاءك بصفّين، فإن كان ذلك لله فأجرك عليه، وإن كان للدنيا فقد أعظمنا مكافأتك، فهل علمت أنّك قد نقضت شرطك لردّك كتبي؟ قال: ما رددت لك كتابا أعلم أنّه منك، ولكنّه كانت تأتيني كتب على لسانك؛ فأمّا قيامي على المنبر فلم أرد به منّا عليك، وأمّا قولك إني أعظمت مكافأتك بمصر فعليها بايعتك، قال: انصرف إلى رحلك، فانصرف ثم عاد إليه من الغد، فقال: يا أمير المؤمنين لم أزل أقدح في غارب خير بمصر حتى رجعت إليك، وقد رأيت أن أحضرك ما قدمت به لترى فيه رأيك، فقال معاوية: أمسك عليك مالك،واعلم أنّك اذا دعيت إلى مأدبة قوم - أو قال مائدة قوم - فقد عدّك أهلها ممّن يأكل، فإن شئت فكل وإن شئت فجع، وما أعطيتك مصر إلا لأنفعك، فارجع إلى عملك. المدائني عن أبي زكرياء العجلاني عن عكرمة بن خالد قال: قدم معاوية المدينة يريد الحجّ، فلقيه الحسين ﵇ فقال له: يا معاوية قد بلغني ذكرك وذكر ابن النابغة بني هاشم بالعيوب، فارجع إلى نفسك وسلّط الحقّ عليها، فإنّك تجد أعظم عيوبها أصغر عيب فيك، لقد تناولتنا بالعداوة وأطعت فينا عمرا، فو الله ما قدم إيمانه ولا حدث نفاقه، والله ما ينظر لك ولا يبقي عليك، فانظر لنفسك أو دع. المدائني عن غسّان بن عبد الحميد عن أبيه أنّ معاوية قال لشدّاد بن أوس: قم فاذكر عليا وتنقّصه، فقام شدّاد فقال: الحمد لله الذي افترض طاعته، وجعل في التقوى رضاه، على ذلك مضى أوّل الأمة، وعليه يمضي آخرهم؛ أيّها الناس إنّ الآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قادر، وإنّ الدنيا أجل حاضر، يأكل فيها البرّ والفاجر، وإنّ السامع المطيع لا حجّة عليه، وإنّ السامع العاصي لا حجّة له، وإن الله إذا أراد بالناس صلاحا عمل (¬١) عليهم صلحاؤهم، وقضى بينهم فقاؤههم، وجعل المال في سمحائهم، وإذا أراد بالعباد شرّا عمل عليهم سفهاؤهم، وقضى بينهم جهلاؤهم، وجعل المال عند بخلائهم، وإنّ من صلاح الولاة أن تصلحقرابينها (¬١) ووزراؤها، نصحك يا معاوية من أسخطك بالحقّ، وغشّك من أرضاك بالباطل؛ فكره معاوية أن يجيء بشيء يكرهه فقال: اجلس رحمك الله، وأمر له بمال، فقال معاوية: ألست من السمحاء؟ قال: إن كان من مالك دون مال المسلمين ممّا تعهّدته عند جمعه مخافة تبعته، تعهّده لك من محضك النصح وآثر الحقّ، وإن كنت أصبته اقترافا وأنفقته إسرافا فإنّ الله يقول ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ (¬٢). وقال العتبي: دخل عبد الرحمن بن شيحان، وكان أبوه حليفا لحرب، على سعيد بن العاص فقال له سعيد: قلت: إنّي لأشربها حتّى تميل بنا … كما تمايل وسنان بوسنان قال: معاذ الله أن أشرب الخمر وأصفها، ولكنّي الذي أقول: عمدت بحلفي للطوال وللذّرى … ولم تلقني كالنّسي في ملتقى الحرب فقال عمرو بن سعيد لأبيه: ما يمنعك من ضربه مائة سوط؟ قال؛ أي بنيّ أضربه وهو حليف معاوية؟! فقال معاوية لسعيد: أمرك أحمقك أن تضرب حليفي، والله لو ضربته مائة سوط لضربتك مائتين، ولو قطعت يده لقطعت يديك، قال غفرا يا أمير المؤمنين، فإنّك ضربت حليفك عمرو بن جبلة، قال: إنّي آكل لحمي ولا أوكله. المدائني عن جويريه بن أسماء قال: قال معاوية لشدّاد بن أوس: أنا أفضل أم عليّ، وأيّنا أحبّ أليك؟ قال: عليّ أقدم إسلاما وهجرة، وأكرم بيتا وعتره، وأقدم لنبي الله نصرة، وأشدّ إلى الخير سبقا، وأشجع نفساوأسلم قلبا، وأمّا الحبّ فقد مضى عليّ ﵀، وأنت اليوم عند الناس أرجى منه. المدائني قال: قال معاوية لرجل من اليهود: هل تروي من شعر أبيك شيئا؟ قال: أيّ شعره أردت؟ قال: أبياتا كانت قريش تستحسنها، فأنشده: هل أضرب الكبش في ملمومة قدما … أم هل سمعت بشرّ كان لي نشرا أم هل يلومنّني قوم إذا نزلوا … أم هل يقولنّ يوما قائل بسرا نقريهم الوجه ثمّ البشر يتبعه … لا يمنع العرف منّا قلّ أو كثرا فقال معاوية: أنا أحقّ بهذا الشعر من أبيك، فقال اليهودي: لا لعمرو الله لأبي أحقّ بها إذ سبق إليها، فاستلقى معاوية ووضع ساعده على وجهه، فقال الوليد بن عقبة وعبد الرحمن بن أمّ الحكم، اسكت يا بن اليهوديّة، وشتماه، فقال: كفّا عن شتمي وإلاّ شتمت صاحب السرير، فرفع معاوية رأسه ضاحكا ثمّ قال: كفّا عنه يكفّ عنّي، ثمّ قال لليهودي: إنّكم أهل بيت تجيدون صنعة الهريسة في الجاهليّة، فكيف صنعتكم لها اليوم؟ قال: نحن اليوم يا أمير المؤمنين لها أجود صنعة، قال: فاغد بها عليّ، وأمر له بأربعة آلاف درهم. فخرج، فقال الوليد وعبد الرحمن: كذّبك وتأمر له بجائزة؟! قال: أنتما أجزتماه بما شتمتماه، فأردت أن أسلّ سخيمته؛ وغدا بالهريسة فأكلها معاوية. حدثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه عن عوانة قال: أغزى معاوية الناس، فحمل اليمانية في البحر، وحمل مضر في البرّ، فقال رجل من صداء متهدّدا لمعاوية:يا أيّها القوم الذين تجمّعوا … بعكّا أناس أنتم أم أباعر أتترك قيس ترتعي في بلادكم … ونحن نسامي البحر والبحر زاخر فو الله ما أدري وإني لسائل … أكندة تحمي أصلنا أم يحابر (¬١) أم الغرّ من حيّي قضاعة إنّهم … هم أصلنا لو تستمرّ المرائر أما كان في همدان حامي حقيقة … ولا كان في عكّ ولا في الأشاعر فبلغ معاوية الشعر فقال: حتّى صداء تهدّدني! ويقال إنّ معاوية غرّب قوما من اليمانية فحملهم في البحر، فقال شاعرهم هذا الشعر، وكان يقال ليزيد بن يزيد بن حرب بن علة: صداء. المدائني عن عوانة قال: قدم زياد على معاوية ومعه شريك بن تمّام الحارثي، فقال معاوية: ما هذا الرجل يا أبا المغيرة؟ فقال شريك: لم أر لك هفوة قبل هذه، قال: ما رأيت رحمك الله؟ قال: إنكارك مثلي من رعيّتك، فقال معاوية: عسى أن تكون معرفتي إيّاك متفرّقة، أعرف وجهك إذا حضرت في الوجوه الحاضرة، وأعرف اسمك إذا ذكرت في الأسماء الكافية، فلا أعلم أنّ هذا الوجه هو لذلك الاسم، فما اسمك تجتمع لي معرفتك؟ قال: أنا شريك بن تمّام الحارثي، فقال معاوية: الآن عرفتك. المدائني عن عوانة قال، قال معاوية ليزيد: يا بنيّ احفظ عنّي ما أقول لك: أكرم أهل مكّة والمدينة فإنّهم أصلك ومنصبك، ومن أتاك منهم فأكرمه، ومن لم يأتك فابعث إليه بصلة، وانظر أهل العراق فإنّهم أهل طعن على أمرائهم وملالة لهم، فإن سألوك أن تبدل كلّ يوم أميرا فافعل،وانظر أهل الشام فليكونوا عيبتك وحصنك، فمن رابك أمره فارمه بهم، فإذا فرغوا فأقفلهم فإنّي لا آمن الناس على إفسادهم، وقد كفاك الله عبد الرحمن بن أبي بكر، فليس يخالف عليك غير الحسين وابن الزبير - فأمّا ابن عمر فقد وقذه الإسلام - وأمّا ابن الزبير فخب خدع، فإذا هو شخص لك فالبد له فإنّه ينفسخ على المطاولة، وأمّا الحسين فلست أشكّ في وثوبه، ثمّ يكفيكه الله بمن قتل أباه وجرح أخاه؛ إنّ بني أبي طالب مدّوا أعناقهم إلى غاية أبت العرب أن تعطيهم أيّاها، وهم محدودون. حدثني العمري عن الهيثم بن عديّ عن عوانة قال: هجا عقيبة بن هبيرة الأسدي عمرو بن قيس الأسدي فقال: لعمرك إنّ اللؤم خدن وصاحب … لعمرو بن قيس ما دعا الله راغب تراه عظيما ذا رواء ومنظر … وأجبن من منزوف (¬١) ان صاح ناعب شجاع على جيرانه وصديقه … وأجرأ منه في اللقاء الثّعالب فشكاه إلى معاوية فقال معاوية: قد هجانا بأشدّ من هذا، فقال: أرى ابن أبي سفيان يزجي جياده … ليغزو عليا ضلّة وتحامقا وبئس الفتى في الحرب يوما إذا بدت … برازيق خيل يتّبعن برازقا (¬٢) فهلمّ ندعو الله عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، أما غير هذا؟ قال: لا، وإن شئت هجوته.حدثنا بعض أصحابنا عن عمر بن بكير عن الهيثم بن عديّ قال: دخل الحسن بن عليّ على معاوية، فلمّا أخذ مجلسه قال معاوية: عجبا لعائشة تزعم أنّي في غير ما أنا أهله، وأنّ الذي أصبحت فيه ليس لي بحقّ، ما لها ولهذا يغفر الله لها، إنّما كان ينازعني في هذا الأمر أبوك، وقد استأثر الله به، فقال الحسن: أو عجب هذا يا معاوية؟ قال: أي والله إنّ هذا لعجب: قال: أفلا أنبئك بأعجب منه؟ قال: وما هو؟ قال: جلوسك في صدر المجلس، وأنا عند رجليك، فضحك معاوية ثمّ قال: يا بن أخي بلغني أنّ عليك دينا، قال: إنّ عليّ دينا، قال: وكم هو؟ قال: مائة ألف، قال: فقد أمرنا لك بثلاثمائة ألف، ثمّ قال: مائة ألف لقضاء دينك، ومائة ألف تقسمها في أهل بيتك، ومائة ألف لخاصّة بدنك، فاقبض صلتك؛ فلمّا خرج الحسن قال يزيد: تالله ما رأيت رجلا استقبلك بما أستقبلك به، ثمّ أمرت له بثلاثمائة ألف درهم، فقال: يا بنيّ إنّ الحقّ حقّهم، فمن أتاك منهم فاحث له واحتفل. حدثني عبّاس بن هشام الكلبي عن أبيه عن عوانة عن عبد الملك بن عمير قال: قال قبيصة بن ذؤيب الأسدي (¬١): ما رأيت أحدا قطّ أعلم بالله من عمر بن الخطّاب، ولا رأيت أحدا أطول بلاء في الله من عليّ بن أبي طالب، ولا رأيت أحدا قطّ أعطى من طلحة، ولا رأيت أحدا قطّ أحمل لأحد منمعاوية لمصقلة بن هبيرة، ولا رأيت أحدا قطّ أظهر جلدا وظرفا من عمرو بن العاص، ولا رأيت أحدا أيسر لصديق في عداوة العامّة من المغيرة بن شعبة، ولا رأيت أحدا قطّ أخصب رفيقا ولا أقلّ أذى لجليسه من زياد. المدائني عن أبي بكر الهذلي قال: دخل صعصعة بن صوحان على معاوية أوّل ما دخل عليه، وقد كان يبلغه عنه ما يكره، فقال له معاوية: ممّن الرجل؟ قال: من نزار، قال: وما نزار؟ قال: كان إذا غزا احتوش، وإذا انصرف انكمش، وإذا لقي افترش، قال: فمن أيّ ولده أنت؟ قال: من ربيعة، قال: وما ربيعة؟ قال: كان يغزو بالخيل، ويغير بالليل، ويجود بالنيل، قال: فمن أيّ ربيعة؟ قال: من ولد أسد، قال: وما أسد؟ قال: كان إذا طلب أفضى، وإذا أدرك أرضى، وإذا آب أنضى، قال: فمن أيّ ولده أنت؟ قال: من جديلة، قال: وما جديله قال: كان يطيل النجاد ويعدّ الجياد ويجيد الجلاد، قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: من ولد دعميّ [قال]: وما دعميّ؟ [قال]: كان نورا ساطعا وشرّا قاطعا وخيرا نافعا، قال: فمن أيّ ولده أنت؟ قال: من ولد أفصى، قال: وما أفصى؟ قال: كان ينزل القارات ويغير الغارات ويحمي الجارات، قال: فمن أيّ ولده أنت؟ قال: من عبد القيس، قال: وما عبد القيس؟ [قال]: أبطال ذادة جحاجحة سادة صناديد قادة، قال: فمن أيّ ولده أنت؟ قال: من ولد أفصى، قال: وما أفصى؟ [قال]: كانت رماحهم مشرعة وقدورهم مترعة وجفانهم مشبعة، قال: فمن أيّ ولده أنت؟ قال: من ولد عمرو، قال: وما عمرو؟ قال: كانوا يستعملونالسيف ويكرمون الضيف في الشتاء والصيف، قال: فمن أيّ ولده أنت؟ قال: من ولد لكيز، [قال]: وما لكيز؟ [قال]: كان يباشر القتال ويعانق الأبطال ويبذّر الأموال، قال: فمن أيّ ولده أنت: قال: من ولد عجل، [قال]: وما عجل؟ [قال]: الليوث الضراغمة الملوك القمامة القروم القشاعمة، قال: فمن أيّ ولده أنت؟ قال: من ذهل بن عجلان، [قال]: وما ذهل؟ [قال]: كان يغشى الحرب ويجيد الضرب ويكشف الكرب، قال: يا بن صوحان ما تركت لهذا الحيّ من قريش شيئا، قال: تركت لهم أكثره وأكبره، تركت لهم الوبر والمدر والأبيض والأصفر والصفا والمشعر، والسرير والمنبر، والملك إلى المحشر، قال: يا بن صوحان لقد كان يسوءني أن أراك خطيبا، قال: وأنا والله لقد كان يسوءني أن أراك أمير المؤمنين، فردّه ووصله. قالوا: هو صعصعة بن صوحان بن حجر بن الحارث بن الهجرس بن صبرة بن حدرجان بن عساس بن ليث بن حداد بن ظالم بن ذهل بن عجل بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس بن أفصى بن دعميّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار. المدائني عن عتّاب بن إبراهيم أنّ معاوية استعمل على الصائفة وقد جاشت الروم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وكتب له عهدا ثمّ قال له: ما تصنع بعهدي هذا؟ قال: أتّخذه إماما فلا أتجاوزه، قال: ردّ عليّ عهدي، فقال: أتعزلني ولم تخبرني؟ أما والله لو كنّا ببطن مكّة على السّواء ما فعلت بي هذا؛ فقال: لو كنّا ببطن مكّة كنت معاوية بن أبي سفيان بن حرب، وكنت عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وكان منزلي بالأبطح، وكان منزلك بأجياد، أعلاه مدرة وأسفله عذرة. ثمّ بعث إلى سفيان بنعوف الغامدي فقال له: قد ولّيتك الصائفة وهذا عهدي، فما أنت صانع به؟ قال: أتّخذه إماما ما أمّ الحزم، فإذا خالفه أعملت رأيي، وبالله التوفيق. قال معاوية: أنت لها، فلمّا ودّعه قال: هذا والله الذي لا يدفع عن نطق، ولا يكفكف من عجلة، ولا يضرب على الأمور ضرب الجمل الثفال؛ فغزا بالناس الصائفة، ثم هلك فاستخلف عبد الرحمن بن مسعدة الفزاري وقال له: احرص على أن ترجع بالناس سالمين، فغزا بهم فأصيبوا ورجع منهزما، وقد كان الشاعر قال فيه: أقم يا بن مسعود قناة قويمة … كما كان سفيان بن عوف يقيمها وسم يا بن مسعود مدائن قيصر … كما كان سفيان بن عوف يسومها فلمّا قدم على معاوية قال: «أقم يا بن مسعود» فقال: يا أمير المؤمنين، قرنتني إلى رجل قلّ أشباهه في حزمه، فقال معاوية: إنّ من فضلك عندي معرفتك بفضل من هو أفضل منك، ولكنّك قلت هذه أوّل ولاياتي ومحني فحرصت فغررت، والله يغفر لك. المدائني عن أبي البختري عن جعفر بن محمّد عن أبيه قال: كتب معاوية إلى عبد الله بن عبّاس: أمّا بعد فإنّكم معشر بني هاشم لستم إلى أحد بالمساءة أسرع منكم إلى أنصار عثمان، فإن يك ذلك لسلطان بني أميّة فقد وليها بنو تيم وعديّ فأظهرتم الطاعة، وقد وقع من الأمر ما ترى معما كان من وقعة البصرة (¬١) التي لم يخف عليك ما كان فيها من عظيم المصائب، وذهاب طلحة والزبير، وأخذ هذه الحرب منّا ومنكم، حتّى استوينا فيها،وقد رجونا غير الذي كان، وخشينا دون الذي وقع، ولستم بلاقينا اليوم بأحدّ من حدّكم أمس، ولا غدا بأحدّ من حدّكم اليوم، وقد منعنا بما كان منّا الشام، ومنعتم بما كان منكم العراق، فاتّقوا الله في قريش فإنّما بقي من رجالها سبعة نفر: رجلان بالشام ورجلان بالعراق وثلاثة بالحجاز، فأمّا الذي بالحجاز فسعد بن أبي وقّاص، وسعيد بن زيد، وعبد الله بن عمر، وأمّا اللذان بالشام فأنا وعمرو، وأمّا اللذان بالعراق فعليّ وأنت، ومن السبعة رجلان ناصبان، ورجلان مدبران، وثلاثة وقوف عنّا وعنك، وأنت رأس هذا الجمع اليوم، ولو بايع الناس لك بعد عثمان كنّا إليك أسرع منّا إلى عليّ، والسّلام. فلمّا قرأ ابن عبّاس كتابه ضحك ثمّ قال: حتّى متى يخطب إليّ معاوية عقلي وأجمجم له عمّا في نفسي؟! ثمّ كتب. بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله بن عبّاس إلى معاوية بن أبي سفيان، أمّا بعد، فقد أتاني كتابك، فأمّا ما ذكرت من سرعتنا إلى أنصار عثمان بسلطان بني أميّة فقد أدركت حاجتك بعثمان، لقد استنصرك فلم تنصره حتى صرت إلى ما صرت إليه، وبيني وبينك في ذلك ابن عمّك الوليد بن عقبة وما كتب به إليك، وأمّا طلحة والزبير فإنهما طلبا الملك ونكثا البيعة، فقاتلناهما على النكث، وقاتلناك على البغي، وأما قولك لم يبق من قريش غير سبعة نفر، فما أكثر رجالها وأحسن بقيّتها بحمد الله ونعمته، وقد قاتلك من خيارها من قاتلك، وأمّا إغراؤك إيّاي بتيم وعديّ فأبو بكر وعمر خير من عثمان، كما أنّ عثمان خير منك، وماذا تقيس به نفسك بأبي بكر وعمر، وأمّا قولك إنّا لن نلقاكم بمثل ما لقيناكم به بالأمس، فقد بقي لك منّا يوم ينسيك ما قبله،ويخيفك ما بعده، وأمّا قولك إنّه لو بايعني الناس استقمت لي، فقد بايعوا عليّا وهو خير منّي فلم تستقم له، وإنّ الخلافة لا تصلح إلاّ لمن كان في الشورى، ممّن سمّاه عمر، فما أنت والخلافة يا معاوية، وأنت طليق الإسلام، وابن رأس الأحزاب، وابن آكلة الأكباد؟! فلمّا أتى معاوية كتابه قرأه على عمرو، فقال له عمرو: أنت عرضت نفسك لهذا، فقال: لست والله أعود لمثلها. حدثني أبو مسعود عن عليّ بن صالح عن عيسى بن يزيد المدني قال: قالت فاختة بنت قرظة امرأة معاوية: يا أمير المؤمنين، لم تصانع الناس وترى أنّهم منصفون منك، فلو أخذتهم من عل كانوا الأذلّين وكنت لهم قاهرا، فقال: ويحك إنّ في العرب بقيّة بعد، ولولا ذلك لجعلت عاليها سافلها، فقالت: والله ما بقي أحد إلاّ وأنت عليه قادر، قال: فهل لك في أن أريك بعض ذلك منهم؟ قالت: نعم، فأدخلها بيتا وأسبل عليها ستره، ثمّ أمر حاجبه أن يدخل عليه رجلا من أشراف من بالباب، فأدخل عليه رجلا من قيس يقال له الحارث، فقال له معاوية: يا حويرث، إيه أنت الذي طعنت في الخلافة وتنقّصت أهلها؟ والله لقد هممت أن أجعلك نكالا، فقال: يا معاوية إنّما دعوتني لهذا؟ والله إنّ ساعدي لشديد، وإنّ رمحي لمديد، وإنّ سيفي لحديد، وإنّ جوابي لعتيد، ولئن لم تأخذ ما أعطيت بشكر لتنزعنّ عمّا نكره بصغر، فقال: أخرجوه عنّي، فأخرج، فقالت فاختة: ما أجرأ هذا وأقوى قلبه؟! فقال معاوية: ما ذاك إلاّ لإدلاله بطاعة قومه له، ثمّ أمر الحاجب فأدخل عليه رجلا من ربيعة يقال لهجارية، فقال له معاوية، إيه يا جويرية، أنت الذي بلغني عنك تخبيب (¬١) للجند وقلّة من الشكر؟ فقال: وعلام نشكر؟ ما تعطي إلاّ مداراة ولا تحلم إلاّ مصانعة، فاجهد جهدك، فإن ورائي من ربيعة ركنا شديدا لم تصدأ أدرعهم مذ جلوها، ولا كلّت سيوفهم مذ شحذوها، فقال: أخرجوه، ثمّ أمر معاوية حاجبه فأدخل إليه رجلا من أهل اليمن يقال له عبد الله، فقال له: إيه يا عبيد السوء، ألحقتك بالأقوام وأطلقت لسانك بالكلام، ثمّ يبلغني عنك ما يبلغني من سوء الإرجاف؟! لقد هممت أن أخرجك وأنت عبرة لأهل الشام، فقال: أيا معاوية ألهذا دعوتني، ثم صغّرت اسمي ولم تنسبني إلى أبي؟ وإنّما سميّت معاوية باسم كلبة عاوت الكلاب، فاربع على ظلعك فذلك خير لك، فقال لحاجبه: أخرجه، فقالت فاختة: صانع الناس بجهدك، وسسهم برفقك وحلمك، فأخزى الله من لامك. حدثني أبو حفص السامي قال: بلغنا أن يزيد بن معاوية قال لأبيه: يا أمير المؤمنين متى يكون العلم ضارّا؟ قال: إذا نقصت القريحة وفصلت الرواية. وقال معاوية: إذا لم يكن الهاشمي شجاعا سخيّا لم يشبه قومه ولم يشبه من هو منه؛ وقال: إذا لم يكن الاموي مصلحا لماله، حليما عند غضبه، لم يشبه من هو منه، ولن تعدم من الهاشمي لسنا أو سخاء أو شجاعة، وربّما اجتمع ذلك لبعضهم. المدائني عن أبي إسحاق التميمي قال: سمع معاوية رجلا يقول: ومن رقاش ماجد سميدع … يأبى الذي يكرهه فيمنعفقال معاوية: ذلك منّا، ذاك ابن الزبير. المدايني عن سلاّم بن أبي مطيع عن قتادة قال: حرم مروان بن الحكم ابنا لصهيب عطاءه، فبلغ ذلك معاوية فكتب إليه معاوية: إنّك حفظت على ابن صهيب ما كان من أبيه في أمر عثمان، ونسيت ما كان من سابقته مع رسول الله ﷺ، فاردد عليه عطاءه وأكرمه وأحسن مجاورته، إن شاء الله. وقال معاوية لخالد بن معمر: كيف حبّك لعليّ؟ قال: شديد، أحبّه لحلمه إذا غضب، وصدقه إذ قال، ووفائه إذا وعد، وجوده إذا سئل. وقال عمرو بن العاص: عقم النساء أن يلدن مثل معاوية، وما استدرّ لمعاوية كلام قطّ فقطعه حتّى يأمر بخير ويصيب الناس بفضل. حدثني هشام بن عمّار عن أبيه أو غيره قال: قدمت رملة بنت معاوية الشام من المدينة، وكانت عند عمرو بن عثمان بن عفّان، وكان عمرو لها محبّا إلاّ أنّه كان ربما أغارها، فقال لها: أطلّقك ابن عمّي؟ فقالت: كلا، الكلب أضنّ بالشحمة، قال: ويقال: قالت بشحمته. وقال هشام: كان معاوية يقول: زين الشرف العفاف. وقال هشام: أتي معاوية بصريع فقال ليزيد: أما في أخوالك من يصارع هذا؟ قال: بلى، الزبّان خالي، فأتي به فصرعه، فقال يزيد: أقول له والعبد يكبو لوجهه … لقد فعل الزبّان ما كنت أعرف وقال المدائني: قدم بحير بن ريسان الحميري على معاوية وعنده أبو الأسود الدولي فقال:ألا إنّ خير الناس بعد نبيّهم … وبعد أمير المؤمنين بحير وإنّي لأرجو من بحير وليدة … وذاك على الحرّ الكريم يسير (¬١) فقال بحير: بل وليدة ووليدة، ولو قلت ألف دينار لأعطيتك إيّاها. وحدّثني محمّد بن سعد عن الواقدي قال: توفّي خالد بن الوليد بن المغيرة بحمص سنة عشرين وأوصى إلى عمر بن الخطّاب وكان عبد الرحمن بن خالد يلي الصوائف فيبلي ويحسن أثره، فعظم أمره بالشام، فدسّ إليه معاوية متطبّبا يقال له ابن أثال ليقتله وجعل له خراج حمص، فسقاه شربة فمات، فاعترض خالد بن المهاجر بن خالد - ويقال خالد بن عبد الرحمن بن خالد - ابن أثال فضربه بالسيف فقتله، فرفع أمره إلى معاوية، فحبسه أيّاما وأغرمه ديته ولم يقده به. المدائني وغيره قالوا: غزا عبد العزيز بن زرارة الكلابي الصائفة مع يزيد بن معاوية فمات وبلغ معاوية ذلك فقال لأبيه: هلك والله فتى العرب، فقال: ابني أوه، قال: ابنك، فآجرك الله، وأمر فنودي ليعزّي الناس أمير المؤمنين عن عبد العزيز بن زرارة، فقال زرارة. فإن يكن الموت أودي به … وأصبح مخّ الكلابيّ ريرا (¬٢) فكلّ فتى شارب كأسه … فإمّا صغيرا وإمّا كبيرا المدائني قال: قال معاوية ذات يوم: إنّ الله بعث رسوله بفضل بيّن فلم يرد الدنيا ولم ترده، وكان بعده أبو بكر وعمر فلم يرداها ولم تردهما، ثمّكان عثمان فنال منها ونالت منه، ثمّ آتانا الله هذا الأمر والمال فأعطينا كلّ ذي حق حقّه، وفضل مال كثير عاث فيه أهل معاوية، فإن يغفر الله لهم فأهل ذاك هو، وإن يعذّبهم فأهل ذاك هم. المدائني قال: قال معاوية لسعية بن عريض اليهودي: أنشدني مرثية أبيك نفسه، فأنشده: يا ليت شعري حين أندب هالكا … ماذا تؤبّنني به أنواحي ولقد حملت عن العشيرة ثقلها … ولقد أخذت الحقّ غير ملاح إنّ امرءا أمن الحوادث جاهلا … ورجا الخلود كضارب بقداح فقال معاوية: صدق، وتغرغرت عيناه. وزعموا أنّ معاوية كتب إلى عليّ رضي الله تعالى عنهما: يا أبا الحسن، إنّ لي فضائل كثيرة، كان أبي سيّدا في الجاهليّة، وولاّني عمر في الإسلام، وأنا صهر رسول الله ﷺ وخال المؤمنين، وأحد كتّاب الوحي، فلمّا قرأ عليّ كتابه قال: أبالفضائل يفخر عليّ ابن آكلة الأكباد؟! يا غلام اكتب، فكتب: محمّد النبيّ أخي وصهري … وحمزة سيّد الشهداء عمّي وجعفر الذي يمسي ويضحي … يطير مع الملائكة ابن أمّي وبنت محمّد سكني وعرسي … مسوط لحمها بدمي ولحمي وسبطا أحمد ولداي منها … فأيّكم له سهم كسهمي سبقتكم إلى الإسلام طرّا … غلاما قبل حين أوان حلمي (¬١)فلمّا قرأه معاوية قال: يا غلام مزّق الكتاب لئلا يقرأه أهل الشام فيميلوا إليه دوني. قالوا: وانتحل السيّد الحميري هذه الأبيات فأدخلها في شعره. ورحل حضين بن المنذر إلى معاوية في وفد من أهل العراق، فتأخر وصوله إليه من بينهم، فقال: وكلّ صغير الشأن يسعى مشمّرا … إذا فتح البوّاب بابك إصبعا ويبقى الجلوس الماكثون رزانة … حياء إلى أن يفتح الباب أجمعا فأمر معاوية أن يدخل أوّل الناس. وذكروا أنّ معاوية أقبل على بني هاشم فقال: يا بني هاشم إنّ خيري لكم ممنوح، وبابي مفتوح، فلا تقطعوا خيري عنكم، ولا تغلقوا بابي دونكم، وقد رأيت أمري وأمركم متفاوتا، ترون أنّكم أحقّ بما في يدي منّي، وأنا أرى أنّي أحقّ به منكم، فإذا أعطيتكم العطيّة فيها قضاء حقوقكم قلتم: أخذنا دون حقّنا وقصّر بنا عن قدرنا، فصرت كالمسلوب لا يحمد على ما أخذ منه، فبئست المنزلة نزلت بها منكم، أعطي فلا أشكر، وأمنع فلا أعذر، ونعمت المنزلة نزلتم بها منّي: إنصاف قائلكم، وإعطاء سائلكم، فقال عبد الله بن عبّاس، والله ما منحتنا خيرك حتّى طلبناه، ولا فتحت لنا بابك حتّى قرعناه، ولئن قطعت عنّا خيرك لله أوسع لنا منك، ولئن أغلقت دوننا بابك لنكفّنّ أنفسنا عنك، فو الله ما أحفيناك في مسألة ولا سألناك باهظة، فأمّا هذا المال فليس لك منه إلا ما لرجل من المسلمين، ولنا في كتاب الله حقّان: حقّ الغنيمة وحقّ الفيء، فالغنيمة ما غلبنا عليه، والفيء ما اجتبيناه، فعلى أيّ وجه خرج ذلك منك أخذناه وحمدناالله عليه، ثمّ لم نخلك من شكر خير جرى على يدك، ولولا حقّنا في هذا المال ما أتاك منّا زائر يحمله خفّ ولا حافر، أكفاك أم أزيدك؟ فقال معاوية: حسبك يا أبا عبّاس فإنك تكوي ولا تغوي، فقال الفضل بن عبّاس بن عتبة بن أبي لهب: ألا أبلغ معاوية بن صخر … فإنّ المرء يعلم ما يقول لنا حقّان حقّ الخمس واف … وحقّ الفيء جاء به الرسول فكلّ عطيّة وصلت إلينا … وإن سحبت لخدعتها الذّيول ففي حكم القران لنا مزيد … على ما كان لا قال وقيل أتأخذ حقّنا وتريد حمدا … له، هذاك تأباه العقول فقال له ابن عبّاس مجيبا … فلم يدر ابن هند ما يقول فلا تهج ابن عبّاس مجيبا … فإنّ جوابه جذع أصيل حدثني محمّد بن اسماعيل الواسطي عن الفرات العجلي عن أبيه عن قتادة قال: خطب معاوية بالمدينة فحمد الله وأثنى عليه، وذكر عليّا فنال منه ونسبه إلى قتل عثمان وإيواء قتلته، والحسن بن عليّ تحت المنبر، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: يا أهل الشام إنّ معاوية يخدعكم بهذا الخاتم الذي من كان في يده جازت كتبه في الآفاق، وادخر لعياله الذخائر، فقام رجل من أهل الشام فأراد أن يقطع على الحسن كلامه فقال: يا حسن قد وصفت لنا معاوية، فكيف صفتك للخراءة؟ فقال الحسن: يا أحيمق أبعد الممشى، وأنفي الأذى، وأستنجي باليسرى، فغاظ قوله من حضر من أهل المدينة، واستشاط الحسن، فلمّا رأى معاوية ذلك نزل عن منبره تخوّفا أن يأتي الحسن بشيء يكرهه، وأن يتشارّ الناس، فأخذ بيد الحسن وأدخله منزله، ثمّ دعابماء وسويق فجدحه بيده، ثمّ قال: اشرب يا بن فاطمة فو الله ما جدحته (¬١) لأحد قبلك، فأخذه الحسن فشرب منه الحسن، ثمّ ناوله معاوية وقال: اشرب يا بن هند فو الله ما ناولك مثلي، وانّ بين الأمرين لبونا بعيدا، فقال معاوية: أجل والله وما أردت بما قلت بأسا. وقال معاوية لعقيل: إنّ فيكم لينا قال: أجل في غير ضعف، وإنّ لنا لعزا في غير كبر، وأمّا أنتم فإن في لينكم غدرا، وإنّ في كبركم كفرا، فقال معاوية: دون هذا يا أبا يزيد، فقال عقيل: لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا … وما علّم الإنسان إلاّ ليعلما (¬٢) فقال معاوية: وإنّ سفاه الشيخ لا حلم بعده … وإنّ الفتى بعد السّفاه ليحلم (¬٣) فقام عقيل وهو يقول: إنّ السفاهة قدما من خلائقكم … لا قدّس الله أخلاق الملاعين العمري عن الهيثم عن ابن عبّاس قال: قال معاوية: الرأي الثاقب كهانة، والحلم سؤدد. المدائني وغيره قالوا: دخل شريك الحارثي على معاوية، وكان رجلا دميما آدم شديد الأدمة شريفا في قومه، فلمّا استقرّ به المجلس أراد معاوية أن يضع منه فقال: إنّك لشريك وما لله شريك، وإنّك لابن الأعور والصحيحخير من الأعور، وإنّك لدميم حنزقرة (¬١) أسود، فكيف سوّدك قومك؟ فقال شريك: انّك لمعاوية، وما معاوية إلاّ كلبه عاوت فاستعوت فسمّيت معاوية، وإنّك لابن صخر والسّهل خير من الصخر، وإنّك لابن حرب والسلم خير من الحرب، فكيف صرت أمير المؤمنين؟ ثمّ خرج مغضبا وهو يقول: أيشتمني معاوية بن صخر … وسيفي صارم ومعي لساني وحولي من ذوي يمن ليوث … ضراغمة تهشّ إلى الطعان يعيّر بالدمامة من سفاه … وربّات الحجال هي الغواني ذوات الحسن، والرئبال جهم … شتيم وجهه ماضي الجنان فلا تبسط لسانك يا بن هند … علينا أن بلغت مدى الأماني فإن تك للشقاء لنا أميرا … فإنّا لا نقيم على الهوان وإن تك من أميّة في ذراها … فإنّي من بني عبد المدان قالوا: وصعد معاوية المنبر فحمد الله وأثنى عليه، فلمّا أراد الكلام قطع عليه غلام من الأنصار قام فقال: يا معاوية ما جعلك وأهل بيتك أحقّ بهذه الأموال منّا؟ وإنّما أفاءها الله على المسلمين بسيوفنا ورماحنا، وما لنا عندك ذنب نعلمه إلاّ أنّا قتلنا خالك وليدا وجدّك عتبة وأخاك حنظلة، فقال معاوية: لا والله يا بن أخي، ما أنتم قتلتموهم ولكنّ الله قتلهم بملائكة بعد ملائكة، على يدي بني أبيهم، وما ذاك بعار ولا منقصة، قال الأنصاري: فأين العار والمنقصة إذا؟ قال: صدقت، أفلك حاجة؟ قال: نعم ليعجوز كبيرة وأخوات عواتق وقد عضّنا الدهر وحلّ بنا الحدثان، فقال له معاوية: خذ من المال ما استطعت، وكان مالا ورد من بعض النواحي، فحمل الغلام وقره، ومضى معاوية في خطبته حتّى فرغ. وقال سعيد بن عثمان لمعاوية: وليناك فما عزلناك ولا نازعناك، ووصلناك فما قطعناك، ثمّ حلأتنا (¬١) ما نرى كله، فولاّه خراسان، ويقال كتب إلى زياد في توليته. وحدّثت أنّ معاوية خطب الناس يوما، فذكر عليّا فتنقّصه، فقال أبو الدرداء: كذبت يا معاوية ليس هو كما تقول، فنزل معاوية، فقال يزيد: أتحتمل هذا كلّه؟ فقال: إنّه من عصبة عاهدوا الله أن لا يسمعوا كذبة إلاّ ردّوها. المدائني قال: حجّ معاوية فلمّا قرب من المدينة تلقّاه الناس، وتلقّته الأنصار وأكثرها مشاة، فقال: ما منعكم من تلقّي من بعد كما تلقّاني الناس من بعد؟ فقال ابن لسعد بن عبادة يقال له سعيد: منعنا من ذلك قلّة الظهر وخفّة ذات اليد بإلحاح الزمان علينا وإيثارك بمعروفك غيرنا، فقال معاوية كالمعيّر لهم: فأين أنتم عن نواضح المدينة؟ قالوا: أحرثناها (¬٢) يوم بدر، يوم قتلنا حنظلة بن أبي سفيان، فأعرض معاوية عنه وتبسّم وقال: حبجة بلبجة، والبادئ أظلم.وقال القحذمي: يروى أنّ رسول الله ﷺ نظر إلى الحكم بن أبي العاص فقال: «إذا بلغ ولده ثلاثين (¬١) كان الأمر لهم»، فشاجر معاوية مروان يوما فقال: أنا أبو عشرة وأخو عشرة وعمّ عشرة، فقال معاوية: لقد أخذتها من عين صافية. المدائني عن عبد الله بن سلم الفهري قال: قال معاوية يوما: لقد أكرم الله الخلفاء أفضل الكرامة، أنقذهم من النار وأوجب لهم الجنّة، وجعل أنصارهم أهل الشام، فقال صعصعة بن صوحان: تكلّمت فهجرت، وليس الأمر كما ذكرت، أنّى يكون خليفة من ضرب الناس قسرا، وخدعهم مكرا، وساسهم خترا (¬٢)؟! فأمّا إطراؤك أهل الشام فلا أعلم أحدا أطوع لمخلوق في معصية خالق منهم، اشتريت أديانهم بالمال، فإن تدرّه عليهم يمنعوك وينصروك، وإن تقطعه عنهم يخذلوك، فاستبان الغضب في وجه معاوية ثمّ قال: لولا أن القدرة تذهب الحفيظة، وأنّ الحلم محمود المغبّة، ما عدت لقولك يا صعصعة مرة بعد مرّة، ثمّ قال: عفوت عن جهلهم حلما ومكرمة … والحلم عن قدرة من أفضل الكرم قالوا: واجتمع ذات يوم عند معاوية وهو بصفّين عتبة بن أبي سفيان، والوليد بن عقبة بن أبي معيط وغيرهما، فقال عتبة: إنّ أمرنا وأمر عليّ لعجب، وذكر من قتل عليّ يوم بدر منهم، فقال معاوية: إن كان لينبغي أن تشجروه بالرماح طلبا لثأركم، فقام الوليد بن عقبة وهو يقول:يقول لنا معاوية بن حرب … أما فيكم لوتركم طلوب يشدّ على أبي حسن عليّ … بأسمر لا تهجّنه الكعوب فقلت له أتلعب يا بن هند … كأنّك بيننا رجل غريب أتأمرنا بحيّة بطن واد … إذا نكزت فليس لها طبيب كأنّ القوم لمّا عاينوه … خلال النّقع ليس لهم قلوب لعمرو أبي معاوية بن حرب … ورأي المرء يخطئ أو يصيب لقد ناداه في الهيجا عليّ … فأسمعه ولكن لا يجيب وحدثني هشام قال: قال معاوية: ما غضبي على من أملك وأنا قادر عليه، وما غضبي على من لا أملك ويدي لا تناله (¬١). العمري عن الهيثم بن عديّ عن عوانة وغيره قالوا: قال عليّ بصفّين: يا معاوية ما قتلك الناس بيني وبينك، ابرز لي فإن قتلتني كان الأمر إليك، وإن قتلتك كان الأمر إليّ، فالتفت معاوية إلى عمرو كالمستشير له، فقال له عمرو: ما أرى الرجل إلاّ منصفا، ولن تبلّ لك بالّة عند أهل الشام إن لم تبارزه، فحقدها عليه وأمسك وعلم أنّه يريد قتله، فقال: يا عمرو إنّك قد قشرت لي العصا … برضاك لي وسط العجاج برازي ما للملوك وللبراز وإنّما … حظّ المبارز خطفة من باز ولقد أعدت فقلت مزحة مازح … والمرء يفحمه مقال الهازي فقال عمرو:معاوي إن ثقلت عن البراز … لك الخيرات فانظر من تنازي وما ذنبي إذا نادى عليّ … وكبش القوم يدعو للبراز أجبنا في العجاجة يا بن هند … وعند السّلم كالتّيس الحجازي المدائني عن مسلمة بن محارب قال: قال قبيصة بن جابر: ما رأيت رجلا أقرأ لكتاب الله ولا أشدّ في دين الله من عمر بن الخطاب، وما رأيت أحدا أسود من معاوية، ولا رجلا أعطى لماله في غير ولاية من طلحة بن عبيد الله، ولا رأيت رجلا أنصع ظرفا ولا أحضر، جوابا ولا أكثر صوابا من عمرو بن العاص، ولا رأيت رجلا المعرفة عنده أنفع منها عند المغيرة بن شعبة، ولا رأيت رجلا أحلم جليسا ولا أخصب رفيقا ولا أشبه سريرة بعلانية من زياد. وقال معاوية لعديّ بن حاتم ودخل عليه: ما فعل الطرفات يا أبا طريف: طريف، وطرفة، وطراف؟ فقال: قتلوا يوم صفّين، قال: ما أنصفك عليّ، أخّر بنيه وقدّم بنيك، قال: لئن فعل فقد قتل وبقيت، قال: قد بقيت قطرة من دم عثمان عند قوم ولا بدّ من أن نطلب بها، قال عديّ: اغمد سيفك، فإنّ السيف إذا سلّ سلّت السيوف، قال: فالتفت معاوية إلى عمرو فقال له: ضعها في قرنك فإنّها كلمة حكم. المدائني عن إسحاق بن أيّوب عن الوليد بن المغيرة عن حضين بن المنذر قال: قال لي معاوية: إنّ لك رأيا، فما فرّق هذه الأمّة وسفك دماءها وشقّ عصاها وشتّت ملأها؟ قلت: قتل عثمان، قال: صدقت.

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Chronology

  • Birth Year Ah

    1

    القحذمي: يروى أنّ رسول الله ﷺ نظر إلى الحكم بن أبي العاص فقال: «إذا بلغ ولده ثلاثين (¬١) كان الأمر لهم»، فشاجر معاوية مروان يوما فقال: أنا أبو عشرة وأخو عشرة و

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Identity attributes

  • Kunya

    أبا عبد

    وأما معاوية بن أبي سفيان وأما معاوية بن أبي سفيان ويكنى أبا عبد الرحمن فأسلم في الفتح، وقال: لقد دخل الإسلام قلبي، ولكن أبويّ كانا يقولان لئن أسلمت لنمنع

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Kunya

    أبي سفيان

    وأما معاوية بن أبي سفيان

    Review metadata

    Needs Review · High confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
253631
Book record
shamela-9773
Source record
336455
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate
وأما معاوية بن أبي سفيان — shamela-9773 · Hadith Research Library