Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Narrator profile

محمدٌ (¬١) رسولُ اللهِ ﷺ

محمدٌ (¬١) رسولُ اللهِ ﷺ

Hadith transmissions

Hadiths in which this narrator appears, with their position in the chain.

No hadiths transmitted by this narrator in our data.

Mentioned in

7 books · 8 entries
Research data and provenancemoderate dossier · expand

Technical evidence counts from parsed rijāl entries and reviewable fact extraction. These support the passages shown below.

View JSON
Tier
moderate
Source entries
5
Strong identity entries
0
Chronology hints
10
Attribute hints
0
Relation hints
0
Assessment hints
0
Known assessors
0

Classical evidence · أقوال الجرح والتعديل

7 books · 8 entries

Every item remains attached to its source passage and identity. Exact parsed entries are distinguished from extracted review hints and legacy snippets; no composite verdict is manufactured.

5 exact linked passages3 legacy full passages0 assessment hints0 assessment snippets

ابن سعد - الطبقات الكبرى - ط العلمية

full-text

— · 1 entry

  • exact linked passagemedium confidencepage 688, entry [403]1,413 chars
    ١ - محمد رسول الله ﷺ-. الطيب المبارك سيد المسلمين وإمام المتقين رسول رب العالمين ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي. وأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي ابن غالب بن فهر. وكان لرسول الله ﷺ من الولد القاسم. وبه كان يكنى. ولد له قبل أن يبعث ﷺ وعبد الله …
    ▸ expand full passage (1,413 chars)
    ١ - محمد رسول الله ﷺ-. الطيب المبارك سيد المسلمين وإمام المتقين رسول رب العالمين ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي. وأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي ابن غالب بن فهر. وكان لرسول الله ﷺ من الولد القاسم. وبه كان يكنى. ولد له قبل أن يبعث ﷺ وعبد الله وهو الطيب وهو الطاهر. سمي بذلك لأنه ولد في الإسلام. وزينب وأم كلثوم ورقية وفاطمة. وأمهم كلهم خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي. وهي أول امرأة تزوجها رسول الله ﷺ وإبراهيم ابن رسول الله. ﷺ. وأمه مارية القبطية. بعث بها إلى رسول الله ﷺ المقوقس صاحب الإسكندرية. قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب. قال أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان أكبر ولد رسول الله ﷺ القاسم. ثم زينب. ثم عبد الله. ثم أم كلثوم. ثم فاطمة. ثم رقية. فمات القاسم. وهو أول ميت من ولده ﷺ بمكة. ثم مات عبد الله فقال العاص بن وائل: لقد انقطع نسله فهو أبتر. فأنزل الله ﵎: «إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ» الكوثر: ٣. ثم ولدت له مارية بالمدينة إبراهيم فيذي الحجة سنة ثمان من الهجرة فمات وهو ابن ثمانية عشر شهرا. قالوا: وبدأ وجع رسول الله ﷺ في بيت ميمونة زوج رسول الله ﷺ يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر. وتوفي. صلوات الله عليه. يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة. ودفن يوم الثلاثاء حين زاغت الشمس. وكان مقامه بالمدينة بعد الهجرة عشر سنين. وكان مقامه ﷺ بمكة من قبل ذلك. من حين تنبأ إلى أن هاجر. ثلاث عشرة سنة. وبعث وهو ابن أربعين سنة. وولد عام الفيل. وتوفي. صلوات الله عليه. وهو ابن ثلاث وستين سنة.

ابن عبد البر - الاستيعاب في معرفة الأصحاب - ت التركي

full-text

— · 1 entry

  • exact linked passagemedium confidencepage 189, entry [55]39,188 chars
    محمدٌ (¬١) رسولُ اللهِ ﷺ - لم يَختلف أهلُ العلمِ بالأنسابِ والأخبارِ، وسائِرُ العلماءِ بالأمصارِ، أنَّه ﷺ محمدُ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ بنِ هاشمِ بنِ عبدِ مَنافِ بن قُصَيِّ بنِ كِلابِ بن مُرَّةَ بن كعَبِ بن لُؤَيِّ بنِ غالبِ بنِ فِهْرِ بنِ مالكِ بنِ النَّضْرِ بنِ كِنانةَ بنِ خُزَيمةَ بنِ…
    ▸ expand full passage (39,188 chars)
    محمدٌ (¬١) رسولُ اللهِ ﷺ - لم يَختلف أهلُ العلمِ بالأنسابِ والأخبارِ، وسائِرُ العلماءِ بالأمصارِ، أنَّه ﷺ محمدُ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ بنِ هاشمِ بنِ عبدِ مَنافِ بن قُصَيِّ بنِ كِلابِ بن مُرَّةَ بن كعَبِ بن لُؤَيِّ بنِ غالبِ بنِ فِهْرِ بنِ مالكِ بنِ النَّضْرِ بنِ كِنانةَ بنِ خُزَيمةَ بنِ مُدْرِكةَ بنِ إِلياسَ بنِ مُضَرَ بنِ نِزارِ بنِ مَعَدِّ بنِ عدنانَ. هذا ما لم يختَلِفْ فيه أحدٌ مِن النَّاسِ، وقد رُوِي مِن أخبارِ الآحادِ عن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّه نَسَبَ نفسَه كذلك إلى نِزَارِ بن مَعَدِّ بنِ عَدنانَ (¬٢)، وما ذَكرْنا مِن إجماعِ أهلِ السِّيرِ والعِلمِ (¬٣) بالأثَرِ يُغنِي عمَّا سِوَاه (¬٤). واختَلفوا فيما بينَ عَدْنانَ وإسماعيلَ بنِ إبراهيمَ ﵉، وفيما بينَ إبراهيمَ وبينَ سامِ بنِ نوحٍ، بما (¬٥) لم أَرَ لذكرِه هاهنا وجهًا؛لكثرةِ الاضطرابِ فيه، وأنَّه لا يُوقَفُ منه على شيءٍ مُتَتابعٍ مُتَّفَقٍ عليه، وهُم مع (¬١) اختِلافِهم واضطرابِهم فيما ذَكَرْنا، مُجمِعون على أنَّ نِزَارًا بأَسرِها - وهي ربيعةُ ومُضَرُ - هي الصَّريحُ الصَّحِيحُ مِن ولدِ إِسماعِيلَ ﵇ على ما ذكَرْنا في كتابِ "القبائلِ مِن الرُّواةِ" عنه ﷺ، وهناك ذكرْنا أَصحَّ ما قيل في نَسبِه إلى آدمَ ﵇ (¬٢). وقال أبو الأسودِ محمدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، عن عُروَةَ بن الزُّبيرِ، قال: قال عمرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁: إنَّما نَنْتَسِبُ إلى مَعَدٍّ، وما بعدَ مَعَدٍّ لا نَدرِي ما هو (¬٣)؟. وقال ابنُ جُرَيجٍ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، عن عكرمةَ: أَضَلَّتْ نِزَارٌ نَسَبَها مِن عدنانَ (¬٤). وقال خليفةُ بنُ خَيَّاطٍ (¬٥)، عن ابنِ (¬٦) الكَلبِيِّ، عن أبيه، عن أبي صالحٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ: من مَعَدِّ بنِ عدنانَ إلى إسماعِيلَ ثلاثون أبًا. وليس هذا الإسنادُ ممَّا يُقْطَعُ بصِحَّتِه، ولكنَّه عمَّن عِلْمُ الأنسابِ صَنْعَتُه.وأَمَّا عَشيرتُه ﷺ ورَهْطُه وبَطْنُه الذي يَتَمَيَّزُ به مِن سائرِ بُطُونِ قُريشٍ (¬١): فهاشِمٌ، وقد ذكَرْنا بالأسانيدِ الحِسَانِ قولَه ﷺ: "إِنَّ اللهَ اصطفَى كِنانةَ مِن ولدِ إسماعيلَ، واصطفَى قُريشًا مِن كِنانةَ، واصطفَى مِن قُريشٍ بني هاشمٍ، واصطَفَانِي مِن بني هاشمٍ" (¬٢)، في كتابِ "الإنباهِ على (¬٣) القبائِلِ الرُّواةِ" عن النَّبِيِّ ﷺ (¬٤)، وهو مُضافٌ إلى هذا الكتابِ، والحمدُ للهِ. واسمُ هاشمٍ عمرٌو، وإنَّما قيل له: هاشِمٌ؛ لأنَّه أَوَّلُ مَن هَشَمَ الثَّرِيدَ لقومِه فيما زعَموا، واسمُ قُصَيٍّ زيدٌ، وهذا هو الأكثرُ، وقد قيل: يزيدُ، وإنَّما قيل له: قُصَيٌّ؛ لأنَّه تَقَصَّى مع أُمِّه، فاطمةُبنتُ سعدٍ، من بني عُذْرَةَ، ونَشَأَ مع أخوالِه مِن كلبٍ في باديتِهم، وبَعُدَ في مَغِيبِه ذلك عن مَكَّةَ، فسُمِّيَ بذلك قُصَيًّا، واللهُ أعلمُ، وكان يُدْعَى مُجَمِّعًا؛ لأنه جَمَّعَ قبائلَ قُرَيْشٍ بمَكَّةَ في حينِ انصرافِه إليها، وقد ذكَرْنا ذلك في صَدْرِ كتابِ "القبائلِ" (¬١)، وقِيل: اسمُ عبدِ مَنَافٍ المُغِيرةُ، ويُكْنَى أبا عبدِ شَمسٍ. وأمَّا عبدُ المُطَّلِبِ، فقيل: اسمُه عامِرٌ، ولا يَصِحُّ، واللهُ أعلمُ. وقيل: اسمُه شَيْبةُ، وقيل: بل اسمُه عبدُ المُطَّلِبِ، وكان يُقال له: شَيْبةُ الحمدِ؛ لشَيْبَةٍ كانَتْ في ذُؤَابَتِه ظَاهِرةٍ، ومَن قال: اسمُه شَيْبةُ، قال: إنَّما قيل له: عبدُ المُطَّلِبِ؛ لأنَّ أباه هاشِمًا قال لأخيه المُطَّلِبِ وهو بمَكَّةَ حينَ حَضَرَتْه الوَفاةُ: أدرِكْ عبدَ (¬٢) المُطَّلِبِ بِيَثْرِبَ، فمِن هناك سُمِّيَ عبدَ المُطَّلِبِ (¬٣)، ولا يَختَلِفون أنَّه يُكْنَى أبا الحارثِ بابنِه الحارثِ، وكان أكبرَ ولدِه. وأُمُّه سَلْمَى بنتُ زيدٍ، وقيل: بنتُ عمرِو بنِ زيدٍ، من بني عَدِيِّ ابنِ النَّجَّارِ، ويُقالُ: إِنَّه أَوَّلُ مَن خَضَبَ بالسَّوَادِ.أخبَرنا خلفُ بنُ قاسمٍ، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ عليُّ بنُ محمدِ بنِ إسماعيلَ الطُّوسِيُّ، قال: حدَّثنا [أبو العَبَّاسِ] (¬١) محمدُ بنُ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ السَّرَّاجُ، قال: حدَّثنا عُبَيدُ اللهِ بنُ سعدٍ الزُّهْرِيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ حنبلٍ، قال: سمِعتُ الشَّافِعِيَّ يقولُ: اسمُ عبدِ المُطَّلِبِ شَيبةُ بنُ هاشمٍ؛ وهاشمٌ اسمُه عمرُو بنُ عبدِ مَنافٍ، وعبدُ مَنافٍ اسمُه المُغِيرَةُ بنُ قُصَيٍّ، وقُصَيٌّ اسمُه زيدُ بنُ كِلابِ (¬٢) بنِ مُرَّةَ بنِ كعبِ بنِ لُؤَيٍّ، قال: وسَمِعتُ الشَّافِعِيَّ يقولُ: أبو طالبٍ اسمُه عبدُ مَنافِ بنُ عبدِ المُطَّلِبِ (¬٣). قال أبو عمرَ ﵁: وأُمُّ رسولِ اللهِ ﷺ آمِنَةُ بنتُ وهبِ بنِ عبدِ مَنافِ بنِ زُهْرةَ بن كِلابٍ، قُرَشِيَّةٌ زُهْرِيَّةٌ، تَزَوَّجَها عبدُ اللهِ بنُ عبدِ المُطَّلِبِ وهو ابنُ ثلاثينَ سنةً، وقيل: بل كان يومَئذٍ ابنَ خمسٍ وعشرينَ سنةً، خرَج به أبوه عبدُ المُطَّلِبِ إلى وهبِ بنِ عبدِ مَنافٍ فزَوَّجَه ابنَتَه، وقيل: كانَتْ آمِنةُ في حَجْرِ عَمِّها وهَيبِ بنِ عبدِ مَنافِ ابنِ زُهْرَةَ، فأَتاه عبدُ المُطَّلِبِ، فخَطَبَ إليه ابنتَه هالةَ بنتَ وُهَيبٍ لنفسِه، وخطَب على ابنِه عبدِ اللهِ [ابنةَ أخيه] (¬٤) آمِنةَ بنتَ وهبٍ، فزَوَّجَه وزَوَّجَابنَه في مَجلِسٍ واحدٍ، فَوَلَدَتْ آمِنةُ لعبدِ اللهِ رسولَ اللهِ ﷺ، ووَلَدَتْ هالةُ لعبدِ المُطَّلِبِ حمزةَ، فأَرضَعَتْ رسولَ اللهِ ﷺ وحمزةَ ثُوَيبَةُ جاريةُ أبي لَهَبٍ، وأَرضَعَتْ معهما أبا سَلَمَةَ بن عبدِ الأَسَدِ، فكان رسولُ اللهِ ﷺ يُكرِمُ ثُوَيبَةَ، وكانَتْ تَدخُلُ على النبيِّ ﷺ بعدَ أَنْ تَزوَّجَ خديجةَ، وكانَتْ خديجةُ تُكرِمُها، وأَعتَقَها أبو لَهبٍ بعدَ ما هاجَر رسولُ اللهِ ﷺ إلى المدينةِ، فكان رسولُ اللهِ ﷺ يَبْعَثُ إليها مِن المدينةِ بكِسوَةٍ وصِلَةٍ حَتَّى ماتَتْ بعدَ فتحِ خيبرَ، فَبَلَغَتْ وَفَاتُها النبيَّ ﷺ، فسأَلَ عن ابنِها مَسْروحٍ، وبلَبنِه أَرضَعَتْهم، فقيلَ له: قد مات، فسألَ عن قَرَابَتِها؛ فقيل له: لم يَبْقَ منهم أحدٌ. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أَصبَغَ، قال: حَدَّثنا محمدُ بنُ وَضَّاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شَيْبَةَ، قال: حدَّثنا عليُّ ابنُ مُسْهِرٍ، عن ابنِ أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أُرِيدَ على ابنةِ حمزةَ، فقال: "إنَّها ابنةُ أخي مِن الرَّضاعةِ، وإنَّه يَحْرُمُ مِن الرَّضاعةِ ما يَحْرُمُ مِن النَّسَبِ" (¬١). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أَصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ القَطَّانُ، عن شُعبَةَ، عن قتادةَ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ،قال: قيل للنَّبيِّ ﷺ: أَلَا تَتَزَوَّجُ ابنةَ حمزةَ؟ قال: "إنَّها ابنةُ أخي مِن الرَّضاعةِ" (¬١). وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسمٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ ابنُ أَصْبَغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا أبو النَّضرِ، قال: حدَّثنا الليثُ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عن عِرَاكِ بنِ مالكٍ، أنَّ زينبَ بنتَ أبي سَلَمةَ أخبَرتْه، أنَّ أمَّ حبيبةَ، قالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّا قد تَحَدَّثْنا أَنَّك ناكِحٌ دُرَّةَ (¬٢) بنتَ (¬٣) أَبي سَلَمَةَ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "أعلى أمِّ سَلَمَةَ؟ لو أنِّي لم أَنكِحْ أُمَّ سَلَمةَ لم تَحِلَّ لي؛ إنَّ أَباها أخي مِن الرَّضاعةِ" (¬٤). ثُمَّ (¬٥) استُرضِعَ له ﷺ في (¬٦) بني سعدِ بنِ بكرٍ حَلِيمةُ بنتُ أبي ذُؤَيبٍ السَّعْدِيةُ، ورَدَّتْه ظِئْرُه حَلِيمةُ إِلى أُمِّه آمِنةَ بنتِ وهَبٍ بعد خمسِسنينَ ويومينِ مِن مَولِده، وذلك سنةَ سِتٍّ مِن عامِ الفِيلِ، فَأَخْرَجَتْه أُمُّه آمِنةُ إلى أخوالِ أبيه بني النَّجَّارِ تَزُورُهم به بعدَ سبعِ سنينَ مِن عامِ الفيلِ، وتُوُفِّيَتْ أُمُّه آمِنةُ بعدَ ذلك بشهرٍ بالأَبْوَاءِ (¬١) ومعها النَّبِيُّ ﷺ، فَقَدِمَتْ به أُمُّ أيمنَ مَكَّةَ بعد موتِ أُمِّهِ بخَمسةِ أيَّامٍ، وسنذكُرُ خبرَ حَلِيمةَ وخبرَ أُمِّ أيمنَ في بابَيْهما مِن (¬٢) كتابِ النِّساءِ (¬٣) إنْ شاء اللهُ تعالى. قال الزُّبَيرُ (¬٤): حَمَلَتْ (¬٥) به أُمُّه ﷺ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ في شِعْبِ أبي طالبٍ عندَ الجَمْرةِ الوُسْطَى، ووُلِدَ ﷺ بمَكَّةَ فِي الدَّارِ التي كانَتْ تُدْعَى لمُحمَّدِ بن يُوسُفَ أخي الحَجَّاجِ بنِ يوسفَ، وذلك يومَ الاثنَينِ لاثنتَي عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِن شهرِ رمضانَ (¬٦)، وقيل: بل وُلِدَ يومَ الاثنَينِ في ربيعٍ الأوَّلِ لليلَتَينِ خَلَتَا منه. قال أبو عمرَ ﵁: وقد قيل: لثَمانٍ خَلَونَ منه، وقيل: إنَّه وُلِدَ (¬٧)أَوَّلَ اثْنَيْنِ مِن ربيعٍ الأوَّلِ، وقيل: لاثنَتَيْ عَشْرَةَ ليلةً خَلَتْ منه عامَ الفيلِ؛ إذْ ساقَه الحَبَشةُ إلى مَكَّةَ في جيشِهم يَغْزُونَ البيتَ، فرَدَّهم اللهُ عنه، وأرسَل عليهم طَيْرًا أبابيلَ فأَهلَكَهُم (¬١). وقيل: إنَّه وُلِد في شِعْبِ بني هاشمٍ. ولا خلافَ أنَّه وُلِد عامَ الفيلِ، فرُوِي عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: وُلِد رسولُ اللهِ ﷺ يومَ الفيلِ (¬٢). وهذا يَحتَمِلُ أنْ يكونَ أرادَ اليومَ الذي حَبَسَ اللهُ الفيلَ فيه عن وَطْءِ الحَرَمِ (¬٣)، وأهلَكَ الذينَ جاءُوا به، ويَحتَمِلُ أن يكونَ أرادَ بقولِه: يومَ الفيلِ: عامَ الفيلِ. وقيل: وُلِد رسولُ اللهِ ﷺ بعدَ قُدُومِ الفيلِ بشَهرٍ، وقيل: بأربعينَ يومًا، وقيل: بخمسينَ يومًا. فأمَّا (¬٤) الخُوَارِزمِيُّ محمدُ بنُ موسى (¬٥)، فقال: كان قُدُومُ الفِيلِمَكَّةَ وأصحابِه لثلاثَ عَشْرَةَ ليلةً بَقِيَتْ (¬١) مِن المُحَرَّمِ (¬٢)، وقد قال ذلك غيرُ الخُوَارِزمِيِّ أيضًا، وزادَ: يومَ الأحدِ، قال: وكان أَوَّلَ المُحَرَّمِ تلك السَّنةِ يومُ الجُمُعَةِ. قال الخُوَارِزمِيُّ: ووُلِدَ رسولُ اللهِ ﷺ بعدَ ذلك بخمسينَ يومًا، يومَ الاثنينِ لثَمانٍ خَلَتْ مِن ربيعٍ الأَوَّلِ، وذلك يومَ عشرينَ مِن نَيْسانَ (¬٣)، قال: وبُعِثَ نَبِيًّا يومَ الاثنَينِ لثَمانٍ أيضًا مِن ربيعٍ الأولِ، سنةً إِحدَى وأربَعِينَ مِن عامِ الفيلِ، فكانَ مِن مَولدِه ﷺ إلى أن بعَثهُ اللهُ ﷿ أربعونَ سنةً ويومٌ، ومِن مَبْعَثِهِ إِلَى أَوَّلِ المُحَرَّمِ مِن السَّنةِ التي هاجَر فيها اثنتا عَشْرَةَ سنةً وتسعةُ أَشْهُرٍ وعشرونَ يومًا، وذلك ثلاثٌ وخمسونَ سنةً تامَّةً مِن أَوَّلِ عامِ الفيلِ. أخبَرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ (¬٤)، حدَّثنا [محمدُ بنُ] (¬٥) معاويةَ، حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الفِريَابِيُّ، حدَّثنا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا ابنُ لَهِيعَةَ، عن خالدِ بنِ أبي عِمرانَ، عن حَنَشٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، قال:وُلِدَ نَبِيُّكُم ﷺ يومَ الاثنَين، وخرَج مِن مَكَّةَ يوم الاثنَينِ، ودخَل المدينةَ يومَ الاثنَينِ، وكانَتْ بدرٌ يومَ الاثنَينِ، وتُوُفِّي يومَ الاثنينِ ﷺ (¬١). قال أبو عمرَ ﵁: الأكثرُ على أن وَقعَةَ بدرٍ كانَتْ يومَ الجُمعةِ صَبِيحةَ سبعَ عَشْرَةَ مِن رمضانَ، وما رأيتُ أَحَدًا ذكَر أنَّها كانَتْ يومَ الاثنَينِ إِلَّا في هذا الخبرِ مِن روايةِ ابنِ لَهِيعةَ، عن خالدِ بنِ أبي عِمرانَ، عن حَنَشٍ، ولا حُجَّةَ في مِثلِ هذا الإسنادِ عندَ جميعِهم، إذْ خالَفه مَن هو أكثرُ منه. قال الخُوَارِزمِيُّ: وقَدِمَ رسولُ اللهِ ﷺ المدينةَ مُهاجِرًا يومَ الاثنينِ، وهو اليومُ الثَّامِنُ مِن ربيعٍ الأوَّلِ سنةَ أَرَبَعٍ وخمسينَ [مِن عامِ الفِيلِ] (¬٢)، وهي سَنَةُ إحدَى (¬٣) مِن الهجرةِ، ويومُ عشرينَ مِن أَيلُولَ (¬٤)، فكانَ مِن مَبْعَثِه إلى يومِ هاجَر ودخَل المدينةَ ثلاثَ عَشْرَةَ سنةً كاملةً، ومَكَثَ بالمدينةِ عَشْرَ سنينَ وشَهرَينِ إلى أن مات ﷺ، وذلك يومَ الاثنَينِ أَوَّلَ يومٍ مِن ربيعٍ الأَوَّلِ سنةَ أربعٍ وسِتِّينَ مِن عامِالفيلِ، ومِن الهجرةِ سنةَ إحدَى عَشْرَةَ. هذا كُلُّه قولُ الخُوَارِزمِيِّ، وهذا الذي قال الخُوارِزميُّ هو مَعْنَى قَولِ ابنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أقام بمِكَّةَ ثلاثَ عَشْرَةَ سنةً - يعني: بعدَ المَبْعَثِ - وبالمدينةِ عَشْرَ سِنِينَ (¬١)، ويشهدُ لصِحَّةِ ذلك قولُ أبي قَيْسٍ صِرْمَةَ بن قَيسٍ الأَنصارِيِّ (¬٢): ثَوَى فِي قُرَيْشٍ بِضِعَ عَشْرَةَ حِجَّةً … يُذَكِّرُ لو يَلْقَى صديقًا مُواتِيَا (¬٣) ويَعرِضُ في أهلِ المَواسِمِ نَفْسَهُ … فلَمْ يَرَ مَن يُؤوِي ولَمْ يَرَ دَاعِيَا فلمَّا أَتَانَا واستَقَرَّتْ به النَّوَى … وأَصْبَحَ مَسْرُورًا بِطَيْبَةَ رَاضِيَا وأَصْبَحَ لا يَخْشَى ظُلامَةَ ظَالِمٍ … بَعِيدٍ ولا يَخْشَى مِنَ النَّاسِ بَاغِيَا بَذَلْنا له الأموالَ مِن جُلِّ مالِنا … وأَنفُسَنا عندَ الوَغَى والتَّآسِيَا نُعَادِي الذي عَادَى مِنَ النَّاسِ كُلِّهِم … جَمِيعًا وإن كان الحَبِيبَ المُوَاتِيَا ونَعْلَمُ أَنَّ اللهَ لا شَيءَ غيرُه … وأنَّ كِتابَ اللهِ أَصْبَحَ هَادِيَا ورُوِّينا هذه الأبياتَ مِن طُرُقٍ عن سفيانَ بنِ عُيَينةَ، عن يحيى بنِ سعيدٍ الأنصارِيِّ، وهذه (¬٤) أَكمَلُ الرِّوَايَاتِ فيها: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثني أبِي، قال: حدَّثني أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا قَاسِمُ بنُ محمدٍ إملاءً،قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المُنذِرِ الحِزَامِيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَينةَ، قال: سَمِعتُ عمرَو بنَ دينارٍ، يقولُ (¬١): قلتُ لِعُرُوةَ بن الزُّبَيرِ: كَمْ لَبِثَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ؟ قال: عَشْرَ سِنِينَ، فقلتُ: إِنَّ ابنَ عَبَّاسٍ كان (¬٢) يقولُ: لَبِثَ بِمَكَّةَ بضعَ عَشْرَةَ سنةً، فقال: إِنَّما أَخَذه مِن قولِ الشَّاعِرِ. قال سفيانُ بنُ عُيَينةَ: وأخبَرنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: سَمِعْتُ عَجُوزًا مِن الأنصارِ تقولُ: رأيتُ ابنَ عَبَّاسٍ يَختَلِفُ إِلى صِرْمَةَ بنِ قَيْسٍ يَتَعَلَّمُ منه هذه الأبياتَ: ثَوَى فِي قُرَيْشٍ بِضْعَ عَشْرَةَ حِجَّةً … يُذَكِّرُ لو ألْفَى (¬٣) صَدِيقًا مُوَاتِيَا فذَكَر الأبياتَ كما ذكَرتُها سَوَاءً إلى آخِرِها (¬٤). قال أبو عمرَ ﵁: وماتَ أبوه عبدُ اللهِ بنُ عبدِ المُطَّلِبِ وأُمُّه حَامِلٌ به، وقيل: بل تُوفِّيَ أبوهُ بالمدينةِ والنَّبِيُّ ﷺ ابنُ ثمانيةٍ وعشرينَ شهرًا، وقبرُه بالمدينةِ في دارٍ مِن دُورِ بَنِي عَدِيٍّ بَنِ النَّجَّارِ، وكان خرَج إلى المدينةِ يَمتارُ تَمرًا، وقيل: بل خرَج به إلى أخوالِه زائِرًا وهو ابنُ سَبعَةِ أَشهُرٍ، وقيل (¬٥): تُوفِّيَ أبوه وهو ابنُ شهرينِ، فَكَفَلَه جَدُّه عبد المُطَّلِب.وفي خبرِ سيفِ بنِ ذِي يَزَنَ: ماتَ أبوهُ وأُمُّه، فكَفَلَه جَدُّه وعَمُّه (¬١)، وقد قيل: إِنَّ عبدَ اللهِ بن عَبدِ المُطَّلِبِ تُوفِّي وَالنَّبِيُّ ﷺ ابنُ ثَمَانِيةٍ وعشرينَ شهرًا. وروى ابنُ وَهْبٍ، عن يُونسَ، عن ابنِ شِهَابٍ، قال: بعَث عبدُ المُطَّلِبِ ابنَه عبدَ اللهِ يَمْتَارُ له تَمْرًا مِن يَثْرِبَ فماتَ بها (¬٢). وكانت وفاتُه وهو شابٌّ عندَ أخوالِه بني النَّجَّارِ بالمدينةِ، ولم يَكُنْ له ولدٌ غيرُ رسولِ اللهِ ﷺ. وتُوفِّيتْ أُمُّه آمِنَةُ بالأَبْوَاءِ بينَ مَكَّةَ والمدينةِ، وهو ابنُ سِتِّ سِنينَ، وقيل: ابنُ سبعِ سنينَ، وقال محمدُ بنُ حبِيبٍ (¬٣) في كتابِه "المُحَبَّرِ" (¬٤): تُوفِّيتْ أمُّه ﷺ وهو ابنُ ثَمَانِ سِنينَ، قال (¬٥): وتُوفِّي جَدُّه عبد المُطَّلِبِ بعدَ ذلك بسنةٍ وأحدَ عَشَرَ شَهرًا، سنةَ تِسعٍ (¬٦) مِن أوَّلِ عام الفِيلِ.وقيل: إنَّه تُوفِّيَ جَدُّه عبدُ المُطَّلِبِ وهو ابنُ ثَمانِ سِنينَ، وقيل: بل تُوفِّيَ جَدُّه وهو ابنُ ثلاثِ سِنِينَ، فأَوصَى به إلى أبي طالبٍ، فصَارَ في حَجْرِ عَمِّه أبي طالبٍ حتى بَلَغَ خمسَ عَشْرَةَ سنةً، وكان أبو طالِبٍ يُحِبُّه، ثمَّ انفرد بنفسِه، وكان مائلًا إلى عمِّه أبي طالبٍ؛ لوَجاهَتِهِ في بني هاشمٍ وسِنِّه، وكان مع ذلك شَقِيقَ أبيه. وخرَج النَّبِيُّ ﷺ مع عمِّهِ في تجارةٍ إلى الشَّامِ سنةَ ثلاثَ عَشْرَةَ مِن الفيلِ، فرَآه بَحِيرَا الرَّاهِبُ، فقال: احتَفِظوا به فإِنَّه نَبِيٌّ. وشَهِدَ بعدَ ذلك بثَمانِ سِنينَ يومَ الفِجارِ سَنَةَ إحدى وعِشْرِينَ، وخرَج إلى الشَّامِ في تِجارةٍ لخديجةَ بنتِ خُوَيلِدٍ، فرَآه نُسْطُورُ الرَّاهِبُ وقد أَظَلَّتْه غَمَامةٌ، فقال: هذا نَبِيٌّ، وذلك سنةَ خَمسٍ وعشرينَ، وتزَوَّج رسولُ اللهِ ﷺ خديجةَ بنتَ خُوَيلدِ بنِ أَسَدٍ بعدَ ذلك بشَهرَينِ وخمسةٍ وعشرينَ يومًا، في عَقِبِ صفرٍ سنةَ سِتٍّ وعشرينَ، وذلك بعدَ خمسٍ وعشرينَ سنةً وشهرينِ وعَشَرَةِ أَيَّامٍ مِن يومِ الفيلِ، وقال الزُّهْرِيُّ: كانَتْ سِنُّ رسولِ اللهِ ﷺ يومَ تَزَوَّجَ خديجةَ إحدَى وعشرينَ سنةً (¬١)، وقال أبو بكرِ بنُ عثمانَ وغيرُه: كان يومَئذٍ ابنَ ثلاثينَ سنةً (¬٢)، قالوا: وخديجةُ يومَئذٍ بنتُ أربعينَ سنةً، وُلِدَت قبلَ الفيلِ بخَمْسَ عَشْرَةَ سنةً. وشَهِدَ رسولُ اللهِ ﷺ بُنيانَ الكَعبةِ، وتَرَاضَتْ قُرَيشٌ بحُكمِه فيوَضعِ الحَجَرِ (¬١) بعدَ ذلك بعَشْرِ سنينَ، وذلك سنةَ ثلاثٍ وثلاثينَ (¬٢). قال أبو عمرَ ﵁: لو صَحَّ هذا لكانَتْ سِنُّ خديجةَ يومَ تَزَوَّجَها خمسًا وأربعينَ سنةً. وقال محمدُ بنُ جُبَيرِ بنِ مُطْعِمٍ: بُنَيَتِ الكعبةُ على رأسِ خمسٍ وعشرينَ سنةً من عامِ الفيلِ (¬٣)، وقيل: بل كان بينَ بُنيانِ الكعبةِ وبينَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ خمسُ سنينَ. ثُمَّ تَنبَّأَه اللهُ تعالى وهو ابنُ أربعين سنةً، وكان أولَ يومٍ [أَوْحَى اللهُ إليه فيه] (¬٤) يومَ الاثنَينِ، فَأَسَرَّ رسولُ اللهِ ﷺ أمرَه ثلاثَ سنينَ أو نحوَها، ثمَّ أمَره اللهُ ﷿ بإظهارِ دِينِه والدُّعاءِ إليه، فأظهَره بعدَ ثلاثِ سنينَ (¬٥) مِن مَبْعَثِه. وقال الشعبيُّ: أُخبِرْتُ أنَّ إسرافيلَ تَرَاءَى له ثلاثَ سنينَ (¬٦). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أَصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ، قال حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثناحَمَّادُ بنُ سَلَمةَ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن الشعبيِّ، قال: بُعِثَ رسولُ اللهِ ﷺ لأربعين، وُكِّلَ به إسرافيلُ ﵇ ثلاثَ سنينَ، ثمَّ وُكِّلَ به جِبْرِيلُ ﵇ (¬١). قال: وأخبَرنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: حدَّثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن الشَّعبيِّ، قال: نُبِّئَ رسولُ اللهِ ﷺ، فذكَر مثلَه. قال: ثُمَّ بُعِثَ إليه جبريلُ ﵇ بالرِّسالةِ. قال: وأخبَرنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أَبي عَدِيٍّ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن عامرٍ الشَّعبيِّ، قال: أُنزِلَتْ عليه النُّبُوَّةُ وهو ابنُ أربعينَ سنةً، فقُرِنَ بِنُبُوَّتِه إسرافيلُ ﵇ ثلاثَ سنينَ، فكان يُعَلِّمُه الكلمةَ والشَّيءَ، ولم يَنْزِلْ عليه القرآنُ على لسانِه، فلمَّا مَضَتْ ثلاثُ سنينَ قُرِنَ بِنُبُوَّتِهِ جبريلُ ﵇، فَنَزَلَ القرآنُ على لسانِه عشرينَ سنةً (¬٢). وقيل: كان مَبْعَثُه ﷺ وهو ابنُ أربعينَ سنةً وشهرينِ وعَشَرَةِ أَيَّامٍ، وقيل: بل كان مَبْعَثُه ﷺ لتَمامِ أربعينَ سنةً مِن مَولِده يومَ الاثنينِ للَيلتَينِ خَلَتَا مِن ربيعٍ الأوَّلِ سنةَ أربعينَ، وممِّن قال: إِنَّه نُبِّئَ وهو ابنُ أربعينَ: عبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ، ومحمدُ بنُ جُبَيرِ بن مُطْعِمٍ، وَقَبَاثُ بنُأَشْيَمَ، وعطاءٌ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وأنسُ بنُ مالكٍ (¬١)، وهو الصَّحِيحُ عند أهلِ السِّيَرِ وأهل العلمِ بالأَثَرِ. فلمَّا دَعا قومَه إلى دِينِ اللهِ تعالى نابَذوه (¬٢)، فَأَجَارَهُ عمُّه أبو طالبٍ، ومنَع منه قريشًا؛ لأنَّهم أرَادوا قتلَه؛ لِمَا دَعَاهُمْ إِليه مِن تَرْكِ ما كانوا عليه هُم وآباؤُهُم، ومُفارَقتِه لهم في دِينِهم، وتَسفِيهِ أحلامِهم في عبادةِ أصنامٍ (¬٣) لا تُبْصِرُ ولا تَسْمَعُ، ولا تَضُرُّ ولا تَنفَعُ، فَلَم يَزَلْ في جِوَارِ عمِّهِ أبي طالبٍ إلى أنْ تُوفِّيَ (¬٤)، وذلك في النَّصفِ مِن شَوالٍ في السَّنةِ الثَّامِنَةِ، وقيل: العاشِرةِ مِن مَبْعَثِ النَّبيِّ ﷺ. وحَصَرَتْ قُرَيشٌ النَّبيَّ ﷺ وأهلَ بيتِه بني (¬٥) هاشمٍ، ومعهم بنو المُطَّلِبِ في الشِّعْبِ بعدَ المَبْعَثِ بسِتِّ سِنِينَ، فَمَكَثوا في ذلك الحِصَارِ ثلاثَ سنِينَ، وخرَجوا منه في أَوَّلِ سنةِ خمسينَ مِن عامِ الفيلِ، وتُوفِّيَ أبو طالبٍ بعدَ ذلك بسِتَّةِ أشهُرٍ، وتُوفِّيتْ خديجةُ بعدَه بثلاثةِ أيامٍ، وقد قيل غيرُ ذلك، ووُلِد عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ ﵁ في الشِّعْبِ قبلَ خُرُوجِ بني هاشمٍ منه، وقيل: إِنَّه وُلِدَ قبلَ الهِجْرةِ بثَلاثِ سنينَ، وكان ابنَ ثلاثَ عَشْرَةَ سنةً يومَ ماتَ رسولُ اللهِ ﷺ، وكان أبو طالبٍ قد أسلَم ابنَه عَليًّاإلى رسولِ اللهِ ﷺ؛ وذلك أنَّ قُرَيشًا أَصابَتْهم أَزمَةٌ شديدةٌ، وكان أبو طالبٍ ذا عِيَالٍ كثيرٍ (¬١)، فقال رسولُ اللهِ ﷺ للعبَّاسِ عمِّهِ، وكان مِن أَيسَرِ بني هاشمٍ: "يا عَبَّاسُ، إنَّ أخاكَ أبا طالبٍ كثيرُ العِيَالِ، فَانطَلِقُ بِنا فلنُخَفِّفْ (¬٢) عنه مِن عِيالِه"، فقال: نَعَمْ، فَانطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا أبا طالبٍ، فقالا له: إِنَّا نُرِيدُ أن نُخَفِّفَ عنك مِن عِيالك حتى يَكشِفَ اللهُ عن النَّاسِ ما هُم فيه، فقال لهما أبو طالبٍ: إذا تَرَكْتُما لى عَقِيلًا فاصْنَعَا ما شِئْتُما، فأخَذ رسولُ اللهِ ﷺ عَلِيًّا فَضَمَّه إليه، وأخَذَ العَبَّاسُ جعفرًا فضَمَّه إليه، فلَم يَزَلْ عَليٌّ ﵁ مع رسولِ اللهِ ﷺ حتَّى ابتَعَثَه اللهُ نَبِيًّا، وحتَّى أزَوجَه (¬٣) منِ ابنتِه فاطمةَ ﵄ (¬٤). وتزَوَّجَ رسولُ اللهِ ﷺ خديجةَ وهو ابنُ خمسٍ وعشرينَ سنةً، على اختلافٍ في ذلك قد ذكَرْناه (¬٥). وكان مَوتُها بعدَ موتِ عمِّهِ أبي طالبٍ بأيَّامٍ يَسيرةٍ، قيل: ثلاثةِ أيَّامٍ (¬٦)، وقيل: سبعةٍ (¬٧)، وقيل: كان بينَ مَوتِ أبي طالبٍ ومَوتِخديجةَ شهرٌ وخمسةُ أَيَّامٍ. وتُوفِّيَ أبو طالبٍ وهو ابنُ بِضْعٍ وثمانينَ سنةً، وتُوفِّيتْ خديجةُ وهي ابنةُ خمسٍ وستينَ سنةً، فكانَتْ مُصِيبَتَانِ تَوَالَتَا على رسولِ اللهِ ﷺ بوَفاةِ عمِّهِ أبي طالبٍ ووفاةِ خديجةَ ﵂، وقيل: بل تُوفِّيتْ خديجةُ بعدَما تَزَوَّجَها رسولُ اللهِ ﷺ بأربعٍ وعشرينَ سنةً وستةِ أشهُرٍ وأربعةِ أيَّامٍ قبلَ الهجرةِ بثلاثِ سنينَ وثلاثةِ أَشهُرٍ ونصفِ شهرٍ. وفى عامِ وفاةِ خديجةَ تَزَوَّجَ رسولُ اللهِ ﷺ[سَوْدةَ وعائشةَ] (¬١)، ولم يَتَزَوَّجُ على خديجةَ حتَّى ماتَتْ ﵂. وكانَتْ وفاةُ أبي طالبٍ وخديجةَ قبلَ الهجرةِ بثلاثِ سنينَ، وقيل: بِسَنَةٍ، وقيل: كانَتْ وفاتُهما سنةَ عَشْرٍ مِن المَبْعَثِ في أَوَّلِها، واللهُ أعلمُ. حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضلِ، حدَّثنا محمدُ (¬٢) بنُ جريرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى الصَّنعانِيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وأخبَرنا خلفُ بنُ قاسمٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ القاسمِ بنِ معروفٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عليِّ بنِ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا يحيى بنُ مَعِينٍ، قال: حدَّثنا هشام بنُ يُوسُفَ، عن مَعْمَرٍ، عَن الزُّهْرِيِّ، عنسعيدِ بن المُسَيَّبِ، عن أبيه - ولَفظُهما والمعنى سَواءٌ - قال: لمَّا حَضَرَتْ أبا طالبٍ الوفاةُ، دخَل عليه رسولُ اللهِ ﷺ وعندَه أبو جهلِ بنُ هشامٍ وعبدُ اللهِ بنُ أَبِي أُمَيَّةَ، فقال: "يا عَمِّ، قُلْ: لا إلهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أَحَاجُّ لك بها عندَ اللهِ"، فقال له أبو جهلٍ وعبدُ اللهِ بنُ أبي أُمَيَّةَ: يا أبا طالبٍ، أتَرْغَبُ عن مِلَّةِ عبدِ المُطَّلِبِ؟ فلَم يَزَالا به حتَّى كان آخِرَ شَيءٍ تَكَلَّمَ به: أنا على مِلَّةِ عبدِ المُطَّلِبِ، فقال النَّبِيُّ ﷺ: "لأَسْتَغفِرَنَّ لَكَ ما لم أُنْهَ عنك"، فَنَزَلَتْ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ إلى آخِرِ الآيةِ [التوبة: ١١٣]. ونَزَلَتْ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (¬١) [القصص: ٥٦]. قال ابنُ شِهَابٍ: قال عُرُوةُ بنُ الزُّبَيرِ: ما زَالوا - يعني قُرَيشًا - كافِّينَ عن رسولِ اللهِ ﷺ حتَّى ماتَ أبو طالبٍ (¬٢).ولم تَمُتْ خديجةُ، فيما ذكَر ابنُ إسحاقَ وغيرُه، إلَّا بعدَ الإسراءِ، وبعد أنْ صَلَّتِ الفريضة مع رسولِ اللهِ ﷺ (¬١). قال ابنُ إسحاقَ وغيرُه: لمَّا تُوفِّيَ أبو طالبٍ وتُوفِّيَتْ بعدَه خديجةُ بأيَّامٍ يَسيرةٍ خرَج رسولُ اللهِ ﷺ إلى الطَّائفِ، ومعه زيدُ بنُ حارثةَ، وطلَب منهم المَنَعةَ، فأقامَ عندَهم شهرًا ولم يَجِدْ فيهم خيرًا، ثمَّ رجَع إلى مَكَّةَ في جِوَارِ المُطْعِمِ بنِ عَدِيٍّ (¬٢). قيل: كان ذلك سنةَ إحدَى وخمسينَ مِن الفيلِ، وفيها قَدِمَ عليه جِنُّ نَصِيبِينَ (¬٣) بعد ثلاثةِ أَشْهُرٍ فأسلَموا. وأُسرِي به إلى بيتِ المَقْدِسِ بعدَ سنةٍ ونصفٍ مِن حينِ رُجُوعِه إلى مَكَّةَ مِن الطَّائِفِ سنةَ اثْنَتَيْنِ وخمسينَ (¬٤). وقد ذكَرنا الاختِلَاف في تاريخِ الإسراءِ في كتابِ "التمهيد" عندَ ذكرِ فرضِ الصَّلاةِ (¬٥)، والحمدُ للهِ.قال ابنُ شِهَابٍ، عن ابنِ المُسَيَّبِ: عُرِجَ به ﷺ إلى بيتِ المَقْدِسِ وإلى السَّماءِ قَبلَ خُرُوجِه إلى المدينةِ بسنةٍ (¬١). وقال غيرُه: كان بينَ الإسراءِ إلى اليومِ الذي هاجَر فيه رسولُ اللهِ ﷺ سَنَةٌ وشَهْرَانِ، وذلك سنةَ ثلاثٍ وخمسينَ مِن الفيلِ. قال أبو عمرَ ﵁: قال ابنُ إسحاقَ وغيرُه: مَكَثَ رسولُ اللهِ ﷺ بعدَ مَبْعَثِهِ بمَكَّةَ إلى أنْ أذِنَ اللهُ تعالى له بالهجرةِ دَاعِيًا إلى اللهِ صابِرًا على أَذَى قُرَيْشٍ وتَكْذِيبِهم له إلَّا مَن دخَل في دينِ اللهِ منهم، واتَّبَعَه على ما جاء به مِمَّن هاجَر إلى أرضِ الحبشةِ فَارًّا بدِينِه، ومَن بَقِيَ معه بمَكَّةَ فِي مَنَعَةٍ مِن قومِه، حتَّى أَذِنَ اللهُ له بالهجرةِ إلى المدينةِ، وذلك بعدَ أنْ بايَعَه وُجُوهُ الأوسِ والخَزْرَجِ بالعقبةِ على أنْ يُؤْووه ويَنْصُرُوه حتَّى يُبَلِّغَ عن اللهِ رسالتَهُ، ويُقاتِلَ مَن عانَده وخالَفه، فهاجَر إلى المدينةِ، وكان رَفِيقَه إليها (¬٢) أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ لم يُرَافِقُ غيرَه مِن أصحابِه، وكان يَخدِمُهما في ذلك السَّفَرِ عامِرُ بنُ فُهَيرةَ. وكان مُكْثُه بمَكَّةَ بعدَ أنْ بَعَثَه اللهُ ﷿ ثلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقيل: عَشْرَ سِنِينَ، وقيل: خمسَ عَشْرَةَ سنةً، والأَوَّلُ أكثرُ وأَشهَرُ عندَ أهلِ السِّيَرِ.ثم أُذِنَ له في الهجرةِ إلى المدينةِ يومَ الاثنَينِ، فخرجَ [مع أبي] (¬١) بكرٍ إليها، وكانَتْ هِجرتُه إلى المدينةِ في ربيعٍ الأَوَّلِ، وهو ابنُ ثلاثٍ وخمسينَ سنةً، وقَدِمَ المدينةَ يومَ الاثنَينِ قريبًا مِن نصفِ النَّهارِ فِي الضُّحَى الأعلى لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ ليلةً خَلَتْ مِن ربيعٍ الأَوَّلِ. هذا قولُ ابنِ إسحاقَ (¬٢). وقال ابنُ إسحاقَ وغيرُه: كانَتْ بَيعةُ العقبةِ (¬٣) في أوسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ في ذي الحِجَّةِ، وكان مَخْرَجُ النَّبيِّ ﷺ إلى المدينة بعدَ العقبةِ بشَهَرينِ ولَيَالٍ؛ وخرَج لإهلالِ (¬٤) ربيعٍ الأَوَّلِ، وقَدِمَ المدينةَ لثِنتَي (¬٥) عَشْرةَ ليلةً مَضَتْ منه (¬٦). قال أبو عمرَ ﵁: قد رُوِيَ عن ابنِ شِهَابٍ أَنَّه قَدِمَ المدينةَ لهلالِ ربيعٍ الأولِ (¬٧).وقال عبدُ الرَّحمنِ بنُ المُغِيرةِ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المدينةَ يومَ الاثنَينِ لثَمَانٍ خَلَونَ مِن شهرِ ربيعٍ الأَوَّلِ سنةَ إحدَى، وقال الكَلبِيُّ (¬١): خرَج مِن الغارِ ليلةَ الاثنَينِ أَوَّلَ يومٍ مِن ربيعٍ الأَوَّلِ، وقَدِمَ المدينةَ يومَ الجُمعةِ لاثنَتَيْ عَشْرَةَ ليلةً خَلَتْ منه (¬٢). قال أبو عمرَ ﵁: وهو قولُ ابن إسحاقَ إِلَّا فِي تَسْمِيةِ اليوم؛ فإنَّ ابنَ إسحاقَ يقولُ: يومَ الاثنَينِ، والكلبيُّ يقولُ: يومَ الجُمعةِ، واتَّفَقَا: لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ ليلةً خَلَتْ مِن ربيعٍ الأَوَّلِ، وغيرُهما يقولُ: لِثَمَانٍ خَلَتْ منه، فالاختِلافُ أيضًا في تاريخِ قُدومِه المدينةَ كما تَرَى. قال ابنُ إسحاقَ (¬٣): فنزَل على أبي قَيسٍ كلثومِ بنِ الهَدْمِ بن امرِيءِ القَيسِ أحدِ بني عمرِو بنِ عوفٍ، فأقامَ عندَه أربعةَ أيَّامٍ، وقيل: بل كان نُزُولُه في بني عمرِو بنِ عوفٍ على سعدِ (¬٤) خَيثمةَ، والأَوَّلُ أكثرُ. فأقامَ رسولُ اللهِ ﷺ في بَنِي عمرِو بنِ عوفٍ يومَ الاثنَينِ والثُّلاثَاءِ والأربعاءِ والخميسِ، وأَسَّسَ، مسجدَهم، وخرَج مِن بني عمرِو بنِ عوفٍ مُنتَقِلًا إلى المدينةِ، فَأَدْرَكَتْه الجُمُعةُ في بني سالمٍ فَصَلَّاها فيبطنِ الوادي، ثمَّ احْتَلَّ (¬١) المدينةَ، فنَزَلَ على أبي أيوبَ الأنصارِيِّ، فلَمْ يَزَلْ عندَه حَتَّى بَنَى مَسجِدَه في تلكَ السَّنَةِ، وبَنَى مَساكِنَه ثُمَّ انتَقَلَ، وذلك في السَّنَةِ الأُولى مِن هِجَرَتِه. وقال غيرُ ابنِ إسحاقَ: نَزَلَ في بني عمرِو بن عوفٍ مِن يومِ الاثنَينِ إلى الجُمُعَةِ، ثمَّ خرَج مِن عندِهم غَداةَ يومِ الجُمُعةِ على رَاحِلَتِه معه النَّاسُ، حتَّى مَرَّ ببَنِي سالمٍ لوَقتِ الجُمُعةِ، فَجَمَّعَ بهم، وهي أَوَّلُ جُمُعةٍ جَمَّعَها رسول اللهِ ﷺ بالمدينةِ، ثمَّ رَكِبَ لا يُحَرِّكُ رَاحِلتَه، ويقولُ (¬٢): "دَعُوها فإنَّها مَأْمُورَةٌ"، فَمَشَتْ حَتَّى بَرَكَتْ في مَوضِعِ مَسجِدِه الذي أنزَله اللهُ به في بَنِي النَّجَّارِ، فنزَل عَشِيَّةَ الجُمُعةِ سنةَ ثلاثٍ وخمسينَ مِن عامِ الفيلِ (¬٣). ومِن مَقْدَمِهِ المدينةَ أُرِّخَ التَّارِيخُ في زمنِ عمرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁، ولَمْ يَغْزُ رسولُ اللهِ ﷺ بنفسِه تلكَ السَّنَةَ، وآخَى بينِ المهاجِرينَ والأنصارِ بعدَ ذلك بخَمْسَةِ أَشْهُرٍ، وبعَث حمزةَ عَمَّه في جُمادَى الأُولَى، فكان أَوَّلَ مَن غَزَا في سبيلِ اللهِ، وأَوَّلَ مَن عُقِدَتْ له رايةٌ في الإسلامِ، خرَج في ثلاثينَ راكبًا إلى سِيفِ البحرِ (¬٤)، فلَقُوا أبا جَهلِابنَ هشامٍ في ثلاثِمائةٍ مِن قُرَيْشٍ، فَحَجَزَ بينَهم رجلٌ مِن جُهَينَةَ، فافتَرَقوا مِن غيرِ قتالٍ، ثمَّ بَعَثَ عُبَيدةَ بنَ الحارثِ في خمسينَ راكِبًا يُعارِضُ عِيرًا لقُرَيشٍ، فلَقُوا جمعًا كثيرًا فتَرَامَوا بالنَّبِلِ، ولم يَكُنْ بينَهم مُسايَفةٌ. وقيل: إِنَّ سَرِيَّةَ عُبَيدةَ كانَتْ قبلَ سَرِيَّةِ حمزةَ، وفيها رمَى سعدٌ، وكان أَوَّلَ سهمٍ رُمِي به في سبيلِ اللهِ، وقيل: أَوَّلُ لِوَاءٍ عقَده رسولُ اللهِ ﷺ لعبدِ اللهِ بنِ جَحشٍ، والأوَّلُ أَصَحُّ، واللهُ أعلمُ. والأكثرُ على أنَّ سَرِيَّةَ عبدِ اللهِ بن جَحْشٍ كَانَتْ في سنةِ اثْنَتَيْنِ فِي غُرَّةِ رجبٍ إلى نَخْلةَ (¬١)، وفيها قُتِلَ ابنُ الحَضرَمِيِّ لَلَيلَةٍ بَقِيَتْ مِن جُمادَى الآخرةِ، ثمَّ غَزَا رسولُ اللهِ ﷺ أهلَ الكُفْرِ مِن العربِ، وبعَث إليهم السَّرَايا، وكانَتْ غَزَواتُه بنفسِه سِتًّا وعشرينَ غَزوةً، هذا أكثرُ ما قيل في ذلك. وكانَتْ أَشرَفَ غزواتِه وأعظَمَها حُرْمةً عندَ اللهِ تعالى وعندَ رسولِه والمسلمِين غزوةُ بدرٍ الكبرى؛ حيثُ قتَل اللهُ ﷿ صَنادِيدَ قُرَيشٍ، وأظهَر دِينَه مِن يومِئذٍ، وكانَتْ بدرٌ في السَّنةِ الثَّانيةِ (¬٢) مِنالهِجرةِ لسَبعَ عَشْرَةَ مِن رمضانَ، وليس في غَزواتِهِ ما يَعْدِلُ بها في الفضلِ ويَقْرُبُ منها إلَّا غزوة الحُدَيبِيةِ، حيثُ كانَتْ بيعةُ الرِّضوانِ، وذلك سنةَ سِتٍّ مِن الهجرةِ. وكانَتْ بُعُوثُه وسَرَاياه خمسًا وثلاثينَ مِن بينِ بَعْثٍ وَسَرِيَّة. قال أحمدُ بنُ حنبلٍ وغيرُهُ (¬١): عن وكيعٍ، عن أبيه وإسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، قال: سألتُ زيدَ بن أَرقَمَ: كم غَزَا رسولُ اللهِ ﷺ؟ قال: تسعَ عَشْرةَ غزوةً، وغَزَوتُ معه سبعَ عَشْرَةَ غَزْوةً، وَسَبَقَنِي بِغَزاتَينِ. واعتَمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ ثلاثَ عُمَرٍ، وفي قولِ مَن جعَله في حَجَّتِه قارِنًا أربعًا (¬٢)، وقد بَيَّنَّا ذلك في كتابِ "التَّمهيدِ" (¬٣). وافْتُرِضَ عليه الحَجُّ بالمدينةِ، وكذلك سائِرُ الفَرائِضِ فيما أُمِر به أو حُرِّمَ عليه إلا الصَّلاةَ؛ فإنَّها افْتُرِضَتْ عليه (¬٤) حينَ أُسرِيَ به مِن المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصَى، وذلك بمَكَّةَ، ولم يَحُجَّرسولُ اللهِ ﷺ مِن المدينةِ غيرَ [حَجَّتِه الواحدةِ] (¬١) حَجَّةِ الوداعِ، وذلك في سنةِ عَشْرٍ مِن الهِجرَةِ. وتَزَوَّجَ رسولُ اللهِ ﷺ عددًا كثيرًا مِن النِّسَاءِ، خُصَّ مِن ذلك دونَ أُمَّتِه بجَمْعِ أكثرَ مِن أربعٍ، وأُحِلَّ له منهنَّ (¬٢) ما شاء، فالمُجتمَعُ عليه مِن أزواجِه إحدَى عَشرةَ امرأةً، وهُنَّ: خديجةُ (¬٣)، أَوَّلُ زوجةٍ كانَتْ له، لم يَجْمَعْ قَطُّ معها غيرَها، وسنذكُرُ [أخبارَها ونسبَها وولدَها] (¬٤) مِن النَّبيِّ ﷺ، وكثيرًا مِن فضائلِها وخبرِها في بابِها مِن كتابِ النِّساءِ مِن هذا الدِّيوانِ (¬٥)، وكذلك نَذكُرُ كلَّ واحدةٍ مِنْهُنَّ في موضعِ اسمِها مِن ذلك (¬٦) الكتابِ، إنْ شاء اللهُ (¬٧). ثُمَّ سَوْدَةُ بنتُ زَمْعَةَ بنِ قيسٍ، مِن بني عامرِ بن لُؤَيٍّ، تَزَوَّجَها في قولِ الزُّهْرِيِّ قبلَ عائشةَ ﵂ بمَكَّةَ (¬٨)، وبَنَى بها بمَكَّةَ فِي سنةِ عَشْرٍ مِن النُّبُوَّةِ. وعائشةُ بنتُ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ تَزَوَّجَهَا بِمَكَّةَ قبلَ سَوْدَةَ، وقيل:بعدَ سَوْدةَ، وأجمَعوا أنَّه لم يَبْتنِ (¬١) بها إلا بالمدينةِ، قيل: سنةَ هاجَر. وقيل: سنةَ اثنَتَينِ مِن الهجرةِ في شَوَّالٍ، وهي ابنةُ تسعِ سنينَ، وكانَتْ في حينِ عقَد عليها بنتَ سِتِّ سنينَ، وقيل: بنتَ سبعِ سنينَ. وحفصةُ بنتُ عمرَ بنِ الخَطَّابِ، تَزَوَّجَها سنةَ ثلاثٍ في شعبانَ (¬٢). وزينبُ بنتُ خُزَيمةَ، وهي مِن بنِي عامرِ بنِ صَعصَعَةَ، كان يُقالُ لها: أمُّ المساكينِ، تَزَوَّجَها سنةَ ثلاثٍ، فكانَتْ عندَه شهرَينِ أو ثلاثةً، وتُوفِّيتْ، ولم يَمُتْ (¬٣) مِن أزواجِه في حياتِه غيرُها، وغيرُ خديجةَ قبلَها. وأمُّ سَلَمَةَ بنتُ أبي أُمَيَّةَ بنِ المُغيرةِ المَخزُومِيَّةُ، واسمُها هندٌ، تَزَوَّجَها سنةَ أربعٍ في شَوَّالٍ. وزينبُ بنتُ جَحشٍ الأَسَدِيَّةُ مِن بني أَسدِ بنِ خُزَيمَةَ، تَزَوَّجَها في سنةِ خَمسٍ مِن الهِجرةِ، في قولِ قتادةَ، وخالَفه غيرُه على ما نَذكُرُه في بابِها مِن كتابِ النِّساءِ، [والحمدُ للهِ] (¬٤).وأمُّ حبيبةَ بنتُ أبي سفيانَ بنِ حربِ بنِ أُمَيَّةَ (¬١)، واسمُها رَمْلةُ، تَزَوَّجَها (¬٢) سنةَ سِتٍّ، وبنَى بها سنةَ سبعٍ، زَوَّجَه إيَّاها النَّجَاشِيُّ (¬٣)، واختُلِف فيمَن عقَد عليها على ما يأتي به الخبرُ عندَ ذكرِها في بابِها مِن كتابِ النِّساءِ، إنْ شاء اللهُ (¬٤). وجُوَيْرِيَةُ بنتُ الحارثِ بنِ أبي ضِرَارٍ مِن بني المُصْطَلِقِ، كَانَتْ قد وَقَعَتْ في سهمِ ثابتِ بنِ قيسٍ، وذلك في سنةِ سِتٍّ، وقيل: سنةِ خمسٍ، فكاتَبَها، فأَدَّى رسولُ اللهِ ﷺ كِتابَتَها وتَزَوَّجَها. ومَيْمونةُ بنتُ الحارثِ [بنِ حَزْنٍ] (¬٥) الهِلالِيَّةُ، مِن بني هلالِ بنِ (¬٦) عامرِ بن صَعْصَعَةَ، نَكَحَها سنةَ سبعٍ في عُمرَةِ القضاءِ، على حَسَبِ ما ذكَرْناه في بابِها مِن كتابِ النِّساءِ (¬٧). وصَفِيَّةُ بنتُ حُيَيِّ بنِ أَخطَبَ اليَهودِيِّ، وَقَعَتْ في سَهمِ دِحْيَةَ بنِخليفةَ الكَلْبِيِّ، فاشتَراها رسولُ اللهِ ﷺ منه بأَرْؤُسٍ اختَلَفوا في عددِها، وأعتَقَها وتَزَوَّجَها، وذلك سنةَ سبعٍ. فهؤلاءِ أزواجُه اللَّوَاتِي لم يُختَلَفُ فِيهِنَّ، وهُنَّ إحدَى عَشْرَةَ امرأةً؛ مِنْهُنَّ سِتٌّ مِن قُرَيشٍ، وواحدةٌ مِن بني إسرائيلَ مِن ولدِ هارونَ ﵇، وأربعٌ مِن سائرِ العربِ، تُوفِّي في حياتِه مِنهُنَّ اثْنَتَانِ؛ خديجةُ بنتُ خُوَيلِدِ بنِ أَسَدٍ بمَكَّةَ، وزينبُ بنتُ خُزَيمةَ بالمدينةِ، وتَخَلَّفَ (¬١) مِنْهُنَّ تِسْعًا (¬٢) بعدَه ﷺ. وأمَّا اللَّوَاتي اختُلِفَ فِيهِنَّ مِمَّن ابتَنَى بها وفارَقَها، أو عقَد عليها ولم يَدْخُل بها (¬٣)، أو خطَبها ولم يَتِمَّ له العقدُ معَها، فقد اختُلِفَ فِيهِنَّ وفي أسبابِ فِرَاقِهِنَّ اختلافًا كثيرًا، يُوجِبُ التَّوقُّفَ عن القطعِ بالصِّحَّةِ في واحدةٍ مِنْهُنَّ، وقد ذكَرْنا جميعَهُنَّ، كلَّ واحدةٍ مِنْهُنَّ في بابِها مِن كتابِ النِّساءِ مِن كتابِنا هذا، والحمدُ للهِ. [ثم بدأ برسولِ اللهِ] (¬٤) ﷺ مرضُه الذي ماتَ منه (¬٥) يومَ الأربعاءِ، للَيلَتَينِ بَقِيَتَا مِن صَفَرٍ سنةَ إحدَى عَشْرةَ في بيتِ مَيمُونةَ، ثم انتَقَلَ حِينَ اشتَدَّ وَجَعُه إلى بيتِ عائشةَ، وكان ﷺ قد وُلِدَ يومَ الاثنَينِ،ونُبِّئَ يومَ الاثنَينِ، وخرَج مِن مَكَّةَ مُهاجِرًا يومَ الاثنَينِ، وقَدِمَ المدينةَ يومَ الاثنَينِ، وقُبِضَ ﷺ يومَ الاثنَينِ ضُحًى في مثلِ الوقتِ الذي دخَل فيه المدينةِ، لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ (¬١) ليلةً خَلَتْ مِن ربيعٍ الأَوَّلِ، سنةَ إحدَى عَشْرَةَ مِن الهجرةِ، ودُفِنَ يومَ الثُّلاثاءِ حينَ زَاغَتِ الشَّمسُ، وقيل: بل دُفِنَ ليلةَ الأربعاءِ. ذكَر ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثَتْني فاطمةُ بنتُ محمدٍ، عن (¬٢) عَمْرةَ، عن عائشةَ، قالت: ما عَلِمْنا بدَفْنِ رسولِ اللهِ ﷺ حَتَّى سَمِعْنا صوتَ المَسَاحِي (¬٣) مِن جوفِ اللَّيلِ ليلةَ الأربعاءِ ﷺ (¬٤). وصلَّى عليه عليٌّ والعَبَّاسُ ﵄ وبَنو هاشمٍ، ثمَّ خرَجوا، ثم دخَل المُهاجِرُون، ثمَّ الأنصارُ، ثمَّ النَّاسُ، يُصَلُّونَ عليه أَفَذَاذًا (¬٥)، لا يَؤُمُّهُم أحدٌ، ثمَّ النِّسَاءُ والغِلمَانُ. وقد أكثَر النَّاسُ في ذكرِ مَن أدخَله في قبرِه، وفي هيئةِ كَفَنِه،وفي صفةِ خَلْقِه وخُلُقِه وشَيبِه، وغَزواتِه وسِيَرِه ﷺ بِمَّا (¬١) لا سبيلَ في كتابِنا هذا إلى ذكرِه، وإنَّما أجْرَينا مِن ذكرِه ﷺ ههُنا (¬٢) لُمَعًا يَحْسُنُ الوقوفُ عليها والمُذاكَرةُ بها؛ تَبَرُّكًا بذِكرِه في أَوَّلِ الكتابِ، واللهُ المُوَفِّقُ للصَّوَابِ. وأَصَحُّ ذلك أنَّه نزَل في قبرِه ﷺ العَبَّاسُ عَمُّه وعليٌّ معه وقُثَمُ بنُ العَبَّاسِ والفضلُ بنُ العَبَّاسِ، ويُقالُ: كان أَوسُ بنُ خَوْلِيٍّ وأُسامةُ بنُ زيدٍ معهم، وكان آخِرَهم خُرُوجًا مِن القبرِ قُثَمُ بنُ العَبَّاسِ، كان آخِرَ النَّاسِ عَهْدًا برسولِ اللهِ ﷺ، ذكر ذلك ابنُ عَبَّاسٍ وغيرُه (¬٣)، وهو الصَّحِيحُ. وقد ذُكِرَ عن المُغِيرةِ بن شُعبةَ في ذلك خبرٌ لا يَصِحُّ، أَنكَره أهلُ العلمِ ودفَعوه (¬٤).[وأُلحِدَ (¬١) له ﷺ، وبُنِيَ في قبرِه اللَّبِنُ، يُقالُ: تِسْعُ (¬٢) لَبِنَاتٍ] (¬٣). وطُرِحَ في قَبرِه سَمَلُ (¬٤) قَطِيفَةٍ كان يَلْبَسُها، فلمَّا فرَغوا مِن وَضْعِ اللَّبِنِ أخرَجوها وأَهالوا التُّرَابَ على لَحدِه، وجُعِلَ قبرُه مَسطُوحًا، ورُشَّ عليه الماءُ رَشًّا. أخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضَّاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شَيبَةَ، قال: حدَّثنا حُسَينُ بنُ عليٍّ الجُعْفِيُّ، عن زائدةَ بنِ قُدامةَ، عن المُختارِ بن فُلْفُلٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "ما صُدَّقَ نبيٌّ ما صُدِّقتُ؛ إِنَّ مِن الأنبياءِ مَن لم يُصَدِّقْه مِن أُمَّتِهِ إِلَّا رجلٌ واحدٌ" (¬٥). وأمَّا فَضائِلُه وأعلامُ نُبُوَّتِه ﷺ فقد وضَع (¬٦) فيها جماعةٌ مِن العلماءِ، وجمَع كلٌّ منها (¬٧) ما انتَهَتْ إليه رِوايَتُه ومُطالَعَتُه، وهي أكثرُ مِن أنْ تُحْصَى، [والحمدُ للهِ] (¬٨).وممَّا رُثِيَ به [رسولُ اللهِ] (¬١) ﷺ قولُ صَفِيَّةَ عَمَّتِه (¬٢)، قال الزُّبَيرُ (¬٣): حدَّثني عَمِّي (¬٤) مصعبُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: حدَّثني أبي عبدُ اللهِ بنُ مصعبٍ، قال: رَوَيْتُ من (¬٥) هشامِ بنِ عُروةَ لصَفِيَّةَ بنتِ عبدِ المُطَّلِبِ تَرْثِي رسولَ اللهِ ﷺ: أَلَا يا رسولَ اللهِ كُنتَ رجاءَنا … وكُنتَ بِنا بَرًّا ولم تَكُ جَافِيَا وكُنتَ رَحِيمًا هَادِيًا ومُعلِّمًا … لِيَبْكِ عليكَ اليومَ مَن كان بَاكِيَا لَعَمُرُكَ ما أَبكِي النَّبِيَّ لفَقْدِهِ … ولكِنْ لِما أَخْشَى مِن الهَرْج آتِيَا كأنَّ على قَلبِي لذِكرِ محمدٍ … وما خِفْتُ مِن بعدِ النَّبِيِّ المَكاوِيَاأَفَاطِمُ صَلَّى اللهُ ربُّ محمدٍ … على جَدَثٍ أَمْسَى بِيَثْرِبَ ثَاوِيَا فَدًى (¬١) لرَسولِ اللهِ أُمِّي وخَالَتِي … وعَمِّي وآبائِي ونَفْسِي وَمَالِيَا صَدَقْتَ وبَلَّغْتَ الرِّسالةَ صادِقا … ومِتَّ صَلِيبَ العُودِ أَبْلَجَ صَافِيَا فلَو أَنَّ رَبَّ النَّاسِ أَبْقَى نَبَيَّنا … سُعِدْنَا (¬٢) ولكِنْ أمْرُه كان مَاضِيَا عليكَ مِن اللهِ السَّلامُ تَحِيَّةً … وأُدخِلْتَ جَنَّاتٍ مِن العَدْنِ رَاضِيَا أَرَى حَسَنًا أَيْتَمْتَه وتَرَكْتَه … يَبْكِي ويَدْعُو جَدَّه اليومَ نَائِيَا (¬٣) وكان له ﷺ أسماءٌ وصفاتٌ جاءَتْ عنه في أحادِيثَ شَتَّى بأسانِيدَ حِسَانٍ؛ قال: "أنا محمدٌ، وأنا أحمدُ، وأنا الحاشِرُ الذي يُحشَرُ النَّاسُ على قَدَمِي، وأنا المَاحِي الذي يَمْحُو اللهُ بي الكُفْرَ، وأنا الخاتم (¬٤)، ختَم اللهُ بِيَ النُّبُوَّةَ، وأنا العاقِبُ فَلَيسَ بَعْدِي نَبِيٌّ" (¬٥)، و "أنا المُقَفِّي - يعني: بعدَ الأنبياءِ كلِّهم - ونَبِيُّ التَّوبَةِ، ونَبِيُّ الرَّحمةِ، ونَبِيُّ المَلْحَمَةِ" (¬٦)، ويُروى: "المَلاحِمِ"، جَاء هذا كلُّهُ عنه في آثارٍ شَتَّى مِن طُرُقٍ حِسَانٍ (¬٧).وكان يُكْنَى أبا القاسمِ ﷺ، لا خلافَ في ذلك. حدَّثنا يَعِيشُ بنُ سعيدٍ وسعيدُ بنُ نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا أبو الأَحوَصِ محمدُ بنُ الهَيثَمِ، قال: حدَّثنا أبو يَعقُوبَ الحُنَينِيُّ، عن داودَ بن قَيسٍ، عن موسى بنِ يَسَارٍ، عن أبي هُرَيرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "تَسَمَّوْا باسمِي، ولا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتي، فإنِّي أنا أبو القاسمِ" (¬١). وحدَّثني عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السَّلامِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا أبوعاصمٍ، قال: حدَّثنا ابنُ عَجْلانَ، عن أبيه، عن أبي هُرَيرةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ، قال: "لا تَجْمَعُوا بينَ اسْمِي وكُنْيَتي؛ فإنَّما أنا أبو القاسمِ، اللهُ يُعْطِي، وأنا أَقْسِمُ" (¬١). وأمَّا وَلَدُه ﷺ فكُلُّهُم من خديجة إلا إبراهيمَ، فإنَّه مِن مارِيَةَ القِبْطِيَّة، ووَلَدُه مِن خديجةَ أربعُ بناتٍ لا خلافَ في ذلك، أَكبَرُهُنَّ زينبُ بلا خلافٍ، وبعدَها أُمُّ كُلثومٍ، وقيل: بل رُقَيَّةُ، [وهو الأَولَى] (¬٢)؛ لأنَّ رُقَيَّةَ تَزَوَّجَها عثمانُ قبلُ، ومعها هاجرَ إلى أرضِ الحبشةِ، ثم تَزَوَّجَ بعدَها وبعدَ وقعَةِ بدرٍ أُمَّ كُلثومٍ، وسيأْتي ذكِرُ كلِّ واحدةٍ مِنهُنَّ في بابِها مِن كتابِ النِّساءِ في هذا الدِّيوانِ (¬٣) إن شاءَ اللهُ، وقد قيل: إنَّ رُقَيَّةَ أَصغَرُهُنَّ، والأكثرُ (¬٤) أَنَّ أَصْغَرَهُنَّ فاطمةُ، رضي اللهُ عن جميعِهِنَّ. واختُلِفَ في الذُّكورِ؛ فقيل: أربعةٌ؛ القاسمُ، وعبدُ اللهِ، والطَّيِّبُ، والطَّاهِرُ، وقيل: ثلاثةٌ، ومَن قال هذا قال: عبدُ اللهِ سُمِّيَ الطَّيِّبَ؛ لأنَّه وُلِدَ في الإسلامِ، ومَن قال: غُلامانِ، قال: القاسمُ، وبهكان يُكْنَى ﷺ، وعبدُ اللهِ، قيل له: الطَّاهِرُ والطَّيِّبُ؛ لأنَّه وُلِدَ بعدَ المَبْعَثِ، ووُلِدَ القاسمُ قبلَ المَبْعَثِ، ومات القاسِمُ بمَكَّةَ قبلَ المَبْعَثِ، وقد ذكَرْنا الاختلافَ في ذلك كُلِّه، وسَمَّينا القائِلِينَ به في بابِ خديجةَ مِن كتابِ النِّساءِ هذا [الدِّيوانِ، والحمدُ للهِ] (¬١). حدَّثنا أبو عمرَ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ قِراءةً مِنِّي عليه، أنَّ (¬٢) محمدَ بنَ عيسى حدَّثهم، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أيوبَ (¬٣) العَلَّافُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أبي السَّرِيِّ العَسْقَلانِيُّ، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مُسلِمٍ، عن شُعَيبِ بنِ أبي حَمْزَةَ، عن عطاءٍ الخُرَاسَانِيِّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عبدَ المُطَّلِبِ خَتَنَ النَّبِيَّ ﷺ يومَ سابعِه، وجعَل له مأدُبةً، وسَمَّاه محمدًا ﷺ، قال يحيى بنُ أيوبَ: ما وَجَدْنا هذا الحديثَ عندَ أحدٍ إِلَّا عندَ ابنِ أبي السَّرِيِّ (¬٤). وقد رُوِي أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ وُلِدَ مَخْتونًا مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ، عن أبيه العَبَّاسِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ، قال: وُلِدَ رسولُ اللهِ ﷺ مَختونًا مَسرورًا، يعني: مَقْطُوعَ السُّرَّةِ، فَأَعْجَبَ ذلك جَدَّه عبدَ المُطَّلِبِ، وقال: لَيَكُونَنَّ لابنِي هذا شأنٌ عظيمٌ (¬٥)، وليس إسنادُحديثِ العَبَّاسِ هذا بالقائمِ، وفي حديثِ ابنِ عَبَّاسٍ عن أبي سفيانَ (¬١) في قِصَّتِه مع هِرَقْلَ (¬٢)، وهو حديثٌ ثابتٌ مِن جهةِ الإسنادِ، دليل على أنَّ العربَ كانَتْ تَخْتَتِنُ، وأَظنُّ ذلك من جهةِ مُجاوَرَتِهِم في الحجازِ ليهود (¬٣)، واللهُ أعلمُ. واختُلِف في سِنِّهِ ﷺ يومَ مات؛ فقيل: سِتُّونَ سنةً، روَى ذلك ربيعةُ وأبو غالبٍ عن أنسِ بنِ مالكٍ (¬٤)، وهو قولُ عُروةَ بنِ الزُّبَيرِ ومالِك بنِ أنسٍ (¬٥)، وقد روَى حَميدٌ عن أنسٍ، قال: تُوفِّي رسولُ اللهِ وهو ابنُ خمسٍ وسِتِّينَ (¬٦)، ذكَره أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ، عن المُثَنَّى بنِ مُعاذٍ، عن بشرِ بنِ المُفَضَلِ، عن حُمَيدٍ، عن أنسٍ (¬٧)، وهو قولُ دَغْفَلِابنِ حَنْظَلَةَ السَّدُوسِيِّ (¬١) النَّسَّابةِ، ورَوَاه مُعاذٌ، عن هشامٍ، عن قتادةَ، عن أنسٍ (¬٢)، ورَوَاه الحسنُ البَصْرِيُّ، عن دَغْفَلِ [بنِ عليٍّ] (¬٣)، قال: تُوفِّي رسولُ اللهِ ﷺ وهو ابنُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ سنةً (¬٤)، ولم يُدْرِكْ دَغْفَلُ النَّبيَّ ﷺ، وقال البخاريُّ (¬٥): ولا نَعرِفُ للحسنِ سَمَاعًا مِن دَغْفَلٍ. قال البخاريُّ (¬٦): وروَى عَمَّارُ بنُ أبي عَمَّارٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: تُوفِّيَ رسولُ اللهِ ﷺ وهو ابنُ خمسٍ وسِتِّينَ. قال البخاريُّ (¬٦): ولا يُتابَعُ عليه عن ابنِ عَبَّاسٍ، إلا شيءٌ رَواه العلاءُ بنُ صالحٍ، عن المِنْهالِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ. قال البخاريُّ (¬٦): روَى عكرمةُ وأبو سَلَمةَ وأبو ظَبْيانَ وعمرُو بنُ دينارٍ عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قُبِضَ وهو ابنُ ثلاثٍوسِتِّينَ (¬١). قال أبو عمرَ ﵁: قد تابَع عَمَّارَ بنَ أبي عَمَّارٍ على روايتِه المذكورةِ عن ابنِ عَبَّاسٍ: يوسف بنُ مِهْران عن ابنِ عَبَّاسٍ في خمسٍ وسِتِّينَ (¬٢). والصَّحِيحُ عندَنا روايةُ مَن روى ثلاثًا وسِتِّين، رَواه عن ابنِ عَبَّاسٍ مَن تقدَّم ذِكرُ البخاريِّ لهم في ذلك، ورَواه كما رَواه أُولئِكَ مِمَّن لم يَذكُرُه البخاريُّ: أبو جَمرةَ (¬٣)، ومحمدُ بن سِيرِينَ، ومِقْسَمٌ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ تُوفِّي وهو ابنُ ثلاثٍ وسِتِّينَ (¬٤)، ولم يُختَلَفْ عن عائشةَ أَنَّه تُوفِّي ﷺ وهو ابنُ ثلاثٍ وسِتِّينَ (¬٥)، وهو قولُ محمدِ بنِ عليٍّ (¬٦)، وجريرِ بنِ عبدِ اللهِالبَجَلِيِّ (¬١)، وأبي إسحاقَ السَّبِيعِيِّ، ومحمدِ بنِ إسحاقَ (¬٢). أخبَرنا خلفُ بنُ قاسمِ بنِ سهلٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ جعفرِ ابنِ (¬٣) محمدِ بنِ الوَرْدِ، قال: حدَّثنا قال: حدَّثنا يحيى بنُ أَيُّوبَ بن بادِي (¬٤) وأحمدُ بنُ حَمَّادٍ، قالا: حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ اللهِ بنِ بُكَيرٍ، قال: حدَّثني اللَّيثُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني خالدُ بنُ يزيدَ، عن سعيدِ بنِ أبي هلالٍ، عن [هلالِ بنِ سَلَمةَ (¬٥)، عن عطاءِ] (¬٦) بنِ يسارٍ، عن عبدِ اللهِابنِ سَلَام، أنَّه كان يقولُ: إِنَّا لَنَجِدُ صِفَةَ رسولِ اللهِ ﷺ: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وحِرْزًا للأُمِّيِّينَ، أنتَ عَبدِي ورَسُولِي، سَمَّيتُك المُتَوَكِّل، ليس (¬١) بِفَظٌ ولا غَلِيظٍ، وَلا صَخَّابٍ (¬٢) في الأسواقِ، ولا يَجْزِي بالسَّيِّئَةِ (¬٣) مِثلَها، ولكِنْ يَعفو ويَتَجاوَزُ، ولن أقبضَه (¬٤) حَتَّى أُقِيمَ به (¬٥) المِلَّةَ العَوْجَاءَ (¬٦)، بأن يُشْهَدَ أَنْ لا إلهَ إِلَّا اللهُ، أَفْتَحُ بِه أَعيُنًا عُمْيًا، وآذَانًا صُمًّا، وقُلُوبًا غُلْفًا. قال عطاءُ بنُ يَسَارٍ: وأخبَرني أبو واقدٍ اللَّيثيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ كعبَ الأحبارِ يقولُ مثلَ ما قال عبدُ اللهِ بنُ سَلامٍ (¬٧).. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الصفدي - الوافي بالوفيات

full-text

— · 1 entry

خير الدين الزركلي - الأعلام للزركلي

full-text

— · 1 entry

  • exact linked passagemedium confidencepage 5605, entry [10847]5,816 chars
    محَّمد رسول الله ﷺ (٥٣ ق هـ - ١١ هـ = ٥٧١ - ٦٣٣ م) محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، من قريش، من عدنان، من أبناء إسماعيل بن إبراهيم الخليل:النبي العربيّ، مؤسس الجامعة الإسلامية، وواضع بناء حضارتها، جامع شمل العرب، ومجدد حياتهم السياسية والتشريعية، أبو القاسم ﵊ . ولد بمكة. ونشأ يتيما، ربته أمه …
    ▸ expand full passage (5,816 chars)
    محَّمد رسول الله ﷺ (٥٣ ق هـ - ١١ هـ = ٥٧١ - ٦٣٣ م) محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، من قريش، من عدنان، من أبناء إسماعيل بن إبراهيم الخليل:النبي العربيّ، مؤسس الجامعة الإسلامية، وواضع بناء حضارتها، جامع شمل العرب، ومجدد حياتهم السياسية والتشريعية، أبو القاسم ﵊ . ولد بمكة. ونشأ يتيما، ربته أمه آمنة بنت وهب، وماتت وعمره ست سنين، فكفله جده (عبد المطلب) ومات جده بعد سنتين، فكفله عمه (أبو طالب) ونشأ شجاعا عالي الهمة، صادقا، فاضل الأخلاق، كامل العقل، لقبه قومه بالأمين. ولما بلغ الخامسة والعشرين زوجه عمه بخديجة بنت خويلد الأسدية القرشية، وهي تكبره بنحو ١٥ سنة، وكانت غنية أرسلته قبل الزواج بتجارة إلى الشام فأفلح وربح. ولما بلغ الأربعين من عمره بدئ بالرؤيا الصادقة، وحببت اليه الخلوة، فكان يقضي شهرا من كل عام في حراء (على مقربة من مكة) يتحنث (كما كانت قريش تفعل في الجاهلية. والتحنث التعبد) فلما بلغ الثالثة والأربعين، في رمضان (١٣ ق هـ - ٦١٠ م) أوحي اليه في غار حراء بآية: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ من عَلَقٍ. وشرع يدعو من حوله سرا، فآمنت به زوجته خديجة وابن عمه علي بن أبي طالب، وصديقه أبو بكر، ومولاه زيد بن حارثة، وجماعة من قومه، فأعلن الدعوة إلى الإسلام بالتوحيد ونبذ الأوثان وخرافاتها. وهزأت به قريش وآذته، فصبر، وحماه عمه أبو طالب حتى مات. وأسلم عمه حمزة وعمر بن الخطاب، فقوي بهما. واشتد أذى قريش لأصحابه، فأذن لمن ليس له عشيرة تحميه بأن يهاجر إلى أرض (الحبشة) فهاجر ثلاثة وثمانون رجلا عدا النساء والأولاد. ثم أسلم بمكة ستة من الأوس والخزرج من أهل المدينة (وكانت تسمى يثرب) وعادوا إليها، فلم يلبث أن جاءه منها اثنا عشر رجلا فآمنوا به، فبعث معهم(مصعب بن عمير) ليعلمهم شرائع الإسلام والقرآن، فلم يمض غير قليل حتى انتشر الإسلام في المدينة، ووفد عليه جمع من أهلها فدعوه وأصحابه إلى الهجرة إليهم، وعاهدوه على الدفاع عنه، فأجاب دعوتهم، وأمر أصحابه بالخروج من مكة، ثم لحقهم. وبلغ قريشا خبر هجرته، فتبعوه ليقتلوه، فنجا. ودخل المدينة، فبنى فيها مسجده، وجهر بنشر الدعوة، وكانت قريش تحول بينه وبين ذلك، في مكة، بالقوة. وبسنة دخوله المدينة يبتدئ التاريخ الهجريّ، وكان سنة ٦٢٢ م. ولم يدعه مشركو قريش آمنا في دار هجرته، بل كانوا يقصدونه لقتاله فيها، فنزلت آيات (الإذن بالقتال) مبينة سببه، ووجه الحاجة إليه. وأولها (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) الآية. وكانت المعركة، الأولى بينه وبين قومه (قريش) في (بدر) بجوار المدينة. وفي شأنها نزلت آية: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ من قُوَّةٍ وَمن رِباطِ الْخَيْلِ) إلخ. وكانت غزوة (بدر الكبرى) هذه في رمضان من السنة الثانية للهجرة. وتلتها غزوة (بني قينقاع) وهم قبيلة من اليهود كان النبي ﷺ قد عاهدهم وأمنهم على أنفسهم وأموالهم وحرية دينهم، فنقضوا عهده. وفي السنة الثالثة كانت غزوة (أحد) في الجبل المشرف على المدينة المسمى بهذا الاسم. وفي الرابعة غزوة (ذات الرقاع) و (بدر الثانية) . وفي الخامسة غزوة (الخندق) وغزوة (بني قريظة) . وفي السادسة غزوة (ذي قرد) و (بني المصطلق) وفيها بعث النبي ﷺ الرسل إلى كسرى وقيصر والنجاشي وغيرهم من عظماء الملوك كالمقوقس بمصر والحارث الغساني بالشام، يدعوهم إلى الإسلام. وفي السنة السابعة كانت غزوة (خيبر. وفي الثامنة غزوة (مؤتة) و (حنين)وفيها، قبل حنين، فتح المسلمون (مكة) وكانت معقل المشركين، من قريش وغيرهم وفي التاسعة غزوة (تبوك) وكان النصر في أكثر هذه الوقائع للمسلمين. وفي العاشرة أقبلت وفود العرب قاطبة على النبي ﷺ وهو بالمدينة. وبعث ابن عمه (علي بن أبي طالب) إلى اليمن فأسلمت (همدان) كلها وتتابع أهل اليمن وملوك حمير على الإسلام. وحج حجة الوداع (سنة ١٠) وكانت خطبته فيها، وهو على ناقته، من أطول خطبه وأكثرهن استيعابا لأمور الدين والدنيا. وفي أواخر صفر (سنة ١١ هـ حم بالمدينة، وتوفي بها في ١٢ ربيع الأول، ودفن في مرقده الشريف. أما معجزته الخالدة التي بنيت عليها الدعوة، فالقرآن الكريم. وأما صفاته: فكان إذا خطب (في نهي أو زجر) احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، كأنه منذر جيش، وإذا خطب في الحرب اعتمد على قوس، وفي السلم على عصا. وكان طويل الصمت، قليل الضحك، وإذا ضحك وضع يده على فيه، وإذا تكلم تبسم. يجلس ويأكل على الأرض، ويجيب دعوة المملوك، على خبز الشعير. وكان إذا مشى لم يلتفت، وإذا التفت التفت جميعا، يتكفأ في مشيه كأنما ينحط من صبب. وإذا اهتم لأمر أكثر من مسّ لحيته. وإذا أراد غزوة ورى بغيرها. فيه دعابة قليلة، وإذا مزح غض بصره. في كلامه ترتيل وترسيل. شديد الحياء. ضخم الرأس واليدين والقدمين. ليس بالطويل ولا القصير. سبط الشعر. لونه أسمر، وخلقته تامة، وعيناه سوداوان، وفي خديه حمرة. متواضع في غير مذلة. يمسح رأسه ولحيته بالمسك، ويرسل شعره إلى أنصاف أذنيه، ويلبس قلنسوة بيضاء. وما صافحه أحد فترك يده حتى يكون ذلك هو الّذي يترك يده. وكان يخيط ثوبه، ويخصفنعله، ويجالس المساكين. خطيبا أوتي جوامع الكلم، شجاعا بطلا - قال علي ابن أبي طالب: كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله، فكان أقربنا إلى العدو - ولكنه لم يقتل بيده إلا رجلا واحدا حاول قتله ﷺ فسبقه بطعنة في لبته. من كلامه ﵊: (خير ما أعطي الناس: خلق حسن) (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له) . (أحب الجهاد إلى الله: كلمة حق تقال لإمام جائر) . (الأرواح جنود مجنّدة: فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) . (خيركم من يرجى خيره ويؤمن شره، وشركم من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره) (لكل شئ آفة تفسده، وآفة هذا الدين ولاة السوء) . (ليس المؤمن بالطعّان ولا اللعّان ولا الفاحش ولا البذي) . (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) . (الجنة تحت أقدام الأمهات) . (ألا أدلكم على أشدكم؟ أملككم لنفسه عند الغضب) . (أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما) . وأما أسرته ﷺ فان زوجته الأولى (خديجة) استمرت معه وحدها إلى أن توفيت (سنة ٣ ق هـ وقد ولدت له (القاسم) و (عبد الله) و (زينب) و (رقية) و (أم كلثوم) و (فاطمة) . ومات القاسم وعبد الله صغيرين، فلم يبق له ولد ذكر، فتزوج بعدها أربع عشرة امرأة دخل باثنتي عشرة منهن، وتوفي وعنده تسع، ولم يولد له غير إبراهيم (من سريته مارية) ومات إبراهيم طفلا لم يبلغ سنتين. وتوفي جميع أولاده في حياته إلا ابنته فاطمة، وكان قد تزوجها ابن عمه علي بن أبي طالب، فولدت له(الحسن) و (الحسين) فانحصرت فيهما نسبة كل منتسب إلى رسول الله. وولدت ولدا ثالثا سمته محسنا، مات صغيرا. وكان للنّبيّ ﷺ كتّاب يملي عليهم، لأنه لم يتعلم الكتابة، وحراس اتخذهم، حتى أوحي إليه: (وَالله يَعْصِمُكَ من النَّاسِ) فتركهم، ومؤذنون، وسيافون، ورسل، وشعراء، وخطباء، وخدم، وخيل وبغال وإبل، وسلاح كثير من سيوف ودروع وقسي ورماح وغيرها. وكان عدد صحابته يوم توفي (٠٠٠ , ١٢٤) (١) .

عز الدين ابن الأثير - أسد الغابة في معرفة الصحابة - المطبعة الوهبية

full-text

— · 1 entry

  • exact linked passagemedium confidencepage 12, entry [23]3,747 chars
    (محمد رسول الله ﷺ * هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان أبو القاسم سيد ولد آدم ﷺ فأما ما بعد عدنان من آبائه إلى إسماعيل بن إبراهيم الخليل صلى الله…
    ▸ expand full passage (3,747 chars)
    (محمد رسول الله ﷺ * هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان أبو القاسم سيد ولد آدم ﷺ فأما ما بعد عدنان من آبائه إلى إسماعيل بن إبراهيم الخليل صلى الله عليهما وسلم ففيه اختلاف كثير في العدد والأسماء لا ينضبط ولا يحصل منه غرض فتركناه لذلك ومضر وربيعة هم صريح ولد إسماعيل باتفاق جميع أهل النسب وما سوى ذلك فقد اختلفوا فيه اختلافا كثيرا وأم رسول الله صلى عليه وسلم آمنة بنت وهب بن عبد مناف ابن زهرة بن كلاب بن مرة القرشية الزهرية تجتمع هي وعبد الله في كلاب خرج عبد المطلب بابنه عبد الله إلى وهب بن عبد مناف فزوجه ابنته آمنة وقيل كانت آمنة في حجر عمها وهيب بن عبد مناف فأتاه عبد المطلب فخطب إليه ابنته هالة بنت وهيب لنفسه وخطب على ابنه عبد الله ابنة أخيه آمنة بنت وهب فتزوجا في مجلس واحد فولدت هالة لعبد المطلب حمزة أخبرنا عبيد الله بن أحمد بن علي بن جعفر بإسناده عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال وكانت آمنة بنت وهب تحدث أنها أتيت حين حملت برسول الله ﷺ فقيل لها إنك حملت بسيد هذه الأمة فسميه محمدا فلما وضعته أرسلت إلى جده عبد المطلب تقول قد ولد لك الليلة ولد فانظر إليه فلما جاءها أخبرته بالذي رأت وكان أبوه عبد الله قد توفي وأمه حامل به وقيل توفي وللنبي ﷺ ثمانية وعشرون شهرا وقيل كان له سبعة أشهر والأول أثبت وكانت وفاته بالمدينة عند أخواله بني عدي بن النجار وكان أبوه عبد المطلب بعثه إلى المدينة يمتار تمرا فمات وقيل بل أرسله إلى الشام في تجارة فعاد من غزة مريضا فتوفي بالمدينة وكان عمره خمسا وعشرين سنة ويقال كان عمره ثمانيا وعشرين سنة وإنما قيل لبني عدي أخواله لأن أم عبد المطلب سلمى بنت زيد وقيل بنت عمرو بنزيد من بني عدي بن النجار وكان عبد المطلب قد أرسل ابنه الزبير بن عبد المطلب إلى أخيه عبد الله بالمدينة فشهد وفاته ودفن في دار النابغة وكان عبد الله والزبير وأبو طالب إخوة لأب وأم أمهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم وورث النبي ﷺ من أبيه أم أيمن وخمسة أجمال وقطيع غنم وسيفا مأثورا وورقا وكانت أم أيمن تحضنه قال أخبرنا ابن إسحاق قال حدثني المطلب بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن جده قيس بن مخرمة قال ولدت أنا ورسول الله ﷺ عام الفيل كنا لدتين قيل وكان مولد رسول الله ﷺ يوم الاثنين لعشر ليال خلون من ربيع الأول ويقال لليلتين خلتا منه وقيل لثمان خلون منه عام الفيل وذلك لأربعين سنة مضت من ملك كسرى أنوشروان بن قباذ وكان ملك أنوشروان سبعا وأربعين سنة وثمانية أشهر ولما ولد ختنه جده عبد المطلب اليوم السابع وقيل ولد مختونا مسرورا وقد استقصينا ذكر آبائه وأسمائهم وأحوالهم في الكامل في التاريخ فلا نطول بذكره ههنا فإننا نقصد ذكر الجمل لا التفصيل ولما ولد رسول الله ﷺ التمسوا له الرضعاء فاسترضع له امرأة من بني سعد بن بكر بن هوازن بن منصور يقال لها حليمة بنت أبي ذؤيب واسمه الحارث فليطلب خبرها من ترجمتها ومن ترجمة أخته من الرضاعة الشيماء فقد ذكرناهما * قال ابن إسحاق قالت حليمة فلم نزل يرينا الله البركة ونتعرفها تعني برسول الله ﷺ حتى بلغ سنتين فقد منا به على أمه ونحن أضن شئ به مما رأينا فيه من البركة فلما رأته قلنا لها دعينا نرجع به هذه السنة الأخرى فإنا نخشى عليه وباء مكة فسرحته معنا فأقمنا به شهرين أو ثلاثة فبينا هو خلف بيوتنا مع أخ له إذ جاء أخوه يشتد فقال أخي القرشي قد جاءه رجلان فأضجعاه وشقا بطنه فخرجت أنا وأبوه نشتد نحوه فنجده قائما ممتقعا لونه فاعتنقه أبوه وقال أي بني ما شأنك فقال جاءني رجلان عليهما ثياب بياض فشقا بطني فاستخرجا منه شيئا ثم رداه فقال أبوه لقد خشيت أن يكون قد أصيب فلنرده إلى أهله قبل أن يظهر به ما نتخوف قالت فاحتملناه فقالت أمه مارد كما به فقد كنتما عليه حريصين فقلنا إن الله قد أدى عنا وقضينا الذي علينا وإنا نخشى عليه الأحداث فقالت أصدقاني شأنكما فأخبرناها خبره فقالت أخشيتما عليه الشيطان كلا والله إني رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاءت له قصور الشام فدعاه عنكما وأرضعته أيضا ثويبة مولاة أبي لهب أياماقبل حليمة بلبن ابن لها يقال له مسروح وأرضعت قبله حمزة عمه وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسد ولما هاجر رسول الله ﷺ كان يبعث إلى ثويبة بصلة وكسوة حتى توفيت منصرفه من خيبر سنة سبع فسأل عن ابنها مسروح فقيل توفي قبلها فقال هل ترك من قرابة فقيل لم يبق له أحد

عز الدين ابن الأثير - أسد الغابة في معرفة الصحابة - ط الشعب

full-text

— · 1 entry

  • exact linked passagemedium confidencepage 18, entry [25]3,951 chars
    محمد رسول اللَّه ﷺ هو محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب ابن لُؤَيِّ بن غَالب بن فِهْر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار ابن معد بن عدنان أبو القاسم، سيد ولد آدم ﷺ. فأما ما بعد عدنان من آبائه إلى إسماعيل بن إبراهيم الخل…
    ▸ expand full passage (3,951 chars)
    محمد رسول اللَّه ﷺ هو محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب ابن لُؤَيِّ بن غَالب بن فِهْر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار ابن معد بن عدنان أبو القاسم، سيد ولد آدم ﷺ. فأما ما بعد عدنان من آبائه إلى إسماعيل بن إبراهيم الخليل صلى اللَّه عليهما وسلم، ففيه اختلاف كثير في العدد والأسماء، لا ينضبط ولا يحصل منه غرض فتركناه لذلك، ومصر وربيعة هم صريح ولد إسماعيل باتفاق جميع أهل النسب، وما سوى ذلك فقد اختلفوا فيه اختلافاً كثيراً، وأُم رسول اللَّه ﷺ آمنة بنت وهْب بن عبد مَنَاف بن زُهْرة بن كلاب بن مرة القرشية الزهرية، تجتمع هي وعبد اللَّه اللَّه في كلاب. خرج عبد المطلب بابنه عبد اللَّه إلى وهب بن عبد مناف، فزوجه ابنته آمنة، وقيل كانت آمنة في حجر عمها وهيب بن عبد مناف، فأتاه عبد المطلب، فخطب إليه ابنته هالة بنت وهيب لنفسه، وخطب على ابنه عبد اللَّه ابنة أخيه آمنة بنت وهب، فتزوجا في مجلس واحد فولدت هالة لعبد المطلب حمزة. أخبرنا عبيد اللَّه بن أحمد بن علي بن جعفر بإسناده عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: وكانت آمنة بنت وهب تحدث أنها أتيت حين حملت برسول اللَّه ﷺ فقيل لها: إنك حملت بسيد هذه الأمة (¬١) فسميه محمداً .. فلما وضعته أرسلت إلى جده عبد المطلب تقول: قد ولد لك الليلة ولد فانظر إليه، فلما جاءها أخبرته بالذي رأت. وكان أبوه عبد اللَّه قد توفي وأمه حامل به، وقيل: توفي وللنبي ﷺ ثمانية وعشرون شهراً وقيل: كان له سبعة أشهر، والأول أثبت، وكانت وفاته بالمدينة عند أخواله بني عدي بن النجار، وكان أبوه عبد المطلب بعثه إلى المدينة يمتار (¬٢) تمراً، فمات، وقيل: بل أرسله إلى الشام في تجاره فعاد من غزة مريضاً فتوفي بالمدينة، وكان عمره خمساً وعشرين سنة ويقال: كان عمره ثمانياً وعشرين سنة. وإنما قيل لبني عدي أخواله لأن أم عبد المطلب سلمى بنت زيد، وقيل بنت عمرو بن زيد، من بني عدي بن النجار. وكان عبد المطلب قد أرسل ابنه الزبير بن عبد المطلب إلى أخيه عبد اللَّه بالمدينة فشهد وفاته، ودفن في دار النابغة.وكان عبد اللَّه والزبير وأبو طالب إخوة لأب وأم؛ أمهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم. وورث النبي ﷺ من أبيه أم أيمن وخمسة أجمال وقطيع غنم، وسيفاً مأثوراً وورقاً، وكانت أم أيمن تحضنه. قال: أخبرنا ابن إسحاق قال: حدثني المطلب بن عبد اللَّه بن قيس عن أَبيه عن جده قيس بن مَخْرَمَة قال: ولدت أَنا ورسول اللَّه ﷺ عام الفيل كنا لدتين قيل: وكان مولد رسول اللَّه ﷺ يوم الاثنين لعشر ليال خلون من ربيع الأول، ويقال لليلتين خلتا منه، وقيل لثمان خلون منه عام الفيل، وذلك لأربعين سنة مضت من ملك كسرى أنوشروان بن قباذ، وكان ملك أنوشروان سبعاً وأربعين سنة وثمانية أشهر. ولما ولد ختنه جده عبد المطلب في اليوم السابع، وقيل ولد مختوناً مسروراً، وقد استقصينا ذكر آبائه وأسمائهم وأحوالهم في الكامل في التاريخ فلا نطول بذكره هنا؛ فإننا نقصد ذكر الجمل لا التفصيل، ولما ولد رسول اللَّه ﷺ التمسوا له الرضعاء، فاسترضع له امرأة من بنى سعد بن بكر ابن هوازن بن منصور، يقال لها: حليمة بنت أبي ذؤيب واسمه الحارث، فليطلب خبرها من ترجمتها، ومن ترجمة أخته من الرضاعة: الشيماء، فقد ذكرناهما. قال ابن إسحاق: قالت حليمة: «فلم نزل يرينا اللَّه البركة ونتعرفها تعني برسول اللَّه ﷺ حتى بلغ سنتين، فقدمنا به على أمه ونحن أضن شيء به مما رأينا فيه من البركة؛ فلما رأته قلنا لها: دعينا نرجع به هذه السنة الأخرى فإنا نخشى عليه وباء مكة، فسرحته معنا، فأقمنا به شهرين أو ثلاثة؛ فبينا هو خلف بيوتنا مع أخ له إذ جاء أخوه يشتد (¬١)، فقال: أخي القرشي قد جاء رجلان فأضجعاه وشقا بطنه، فخرجت أنا وأبوه نشتد نحوه، فنجده قائماً ممتقعاً لونه، فاعتنقه أبوه وقال: أي بني، ما شأنك؟ فقال: جاءني رجلان عليهما ثياب بياض فشقا بطني فاستخرجا منه شيئاً ثم رداه فقال أبوه: لقد خشيت أن يكون قد أصيب، فلنرده إلى أهله قبل أن يظهر به ما نتخوف، قالت: فاحتملناه؛ فقالت أمه: ما ردكما به فقد كنتما عليه حريصين؟ فقلنا: إن اللَّه قد أدى عنا وقضينا الذي علينا، وإنا نخشى عليه الأحداث، فقالت: أصدقاني شأنكما، فأخبرناها خبره، فقالت: أخشيتما عليه الشيطان؟ كلا، واللَّه إني رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاءت له قصور الشام، فدعاه عنكما». وأرضعته أيضاً ثويبة مولاة أبي لهب أياماً قبل حليمة بلبن ابن لها يقال له مسروح، وأرضعت قبله حمزة عمه، وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسد، ولما هاجر رسول اللَّه ﷺ كان يبعث إلى ثوبية بصلة وكسوة حتى توفيت منصرفه من خيبر سنة سبع، فسأل عن ابنها مسروح فقيل: توفي قبلها، فقال: هل ترك من قرابة؟ فقيل: لم يبق له أحد.

محمود بن سليمان الكفوي - كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار

full-text

— · 2 entries

  • legacy full passagepage 75, entry [43]20,826 chars
    ٢٤ - محمَّد رسول الله ﷺ - ثم بعثَ الله تعالى بعد ستِّمئة وعشرين سنةً نبيَّنا ورسولَنا، أفضل الكائنات، وأشرف المخلوقات، محمَّدًا رسول الله عليه أفضل الصَّلوات، وأكمل التحيَّات من الله ﷿ خالقِ المخلوقات، عليه أنزل الكتاب والبيِّنات، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِ…
    ▸ expand full passage (20,826 chars)
    ٢٤ - محمَّد رسول الله ﷺ - ثم بعثَ الله تعالى بعد ستِّمئة وعشرين سنةً نبيَّنا ورسولَنا، أفضل الكائنات، وأشرف المخلوقات، محمَّدًا رسول الله عليه أفضل الصَّلوات، وأكمل التحيَّات من الله ﷿ خالقِ المخلوقات، عليه أنزل الكتاب والبيِّنات، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٨، ٢٩]؛ ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [سورة المائدة: ٤٨].وعن ابن عباس ﵄ قال: أوَّل المرسلين آدم، وآخرهم محمَّد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (¬١). وكانت الأنبياء (¬٢) مئة ألف وأربعة وعشرين ألفَ نبيٍّ، الرُّسل منهم ثلاثمئة وخمسة عشر نبيًا، خمسة عبرانيُّون، وهم: آدم وشِيْث وإدريس ونُوح وإبراهيم، وخمسة من العرب: هُود وصَالح وشُعَيب وإسماعيل ومحمَّد ﷺ، وأوَّل أنبياء بني إسرائيل مُوسَى، وآخرهم عِيْسى. والكُتب التي أُنزلت على الأنبياء مئة وأربعة، منها على شِيْث خمسون صحيفة، وعلى إدْرِيس ثلاثون صحيفة، وعلى إبراهيم عشرون صحيفة، وعلى موسى التَّوراة، وعلى داود الزَّبور، وعلى عيسى الإنجيل، وعلى محمَّد ﷺ الفرقان. وفي تاريخ "الكامل" الَّذي ألَّفه ابن الأثير: عاشَ آدم ألف سنة. وأمَّا في التَّوراة أنَّه ألف سنة إلا سبعين (¬٣) سنة، لعلَّ التَّوراة لم يعدُّوا من سنِّه ما وهبه لداود ﵇. وكان بين موتِ آدم والطُّوفان ألفا سنة ومئتا سنة وأربعون سنة، وبين الطُّوفان وبين موت نوح ثلاثمئة وخمسون سنة، وبين نوح وإبراهيم ألفا (¬٤) سنة ومئتا سنة وأربعون سنة، وبين إبراهيم وموسى سبعمئة عام، وبين موسى وداود خمسمئة عام، وبين داود وعيسى ألف ومئتا عام، وبين عيسى ومحمَّد صلوات الله عليه وسائر الأنبياء والمرسلين ستمئة وعشرون سنة.وكان بين نوحٍ وآدم عشرة آباء، وبين إبراهيم ونوح عشرة آباء، قال (عِكْرِمة: كان) (¬١) بين آدم ونُوح عشرة قرون، كلُّهم على الإسلام. وقرأْتُ في الإنجيل أنَّ عدد القبائل من إبراهيم إلى داود أربعة عشر قرنًا، ومن داود إلى جَالِية بابل أربعة عشر قرنًا، وبين جَالِية بابل إلى المسيح أربعة عشر قرنًا، نقله ابن قُتيبة في "المعارف". قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣]؛ متَّفِقين على الحقِّ فيما بين آدم وإدْرِيس. وعن عطاء والحسن: كان النَّاس بعد وفاة آدم إلى مبعث نوح أُمَّة واحدة على ملَّة واحدة، كانوا كُفارًا مثال (¬٢) البهائم في فترة إدريس، فبعث الله نوحًا وإبراهيم وغيرهما (¬٣)، فاختلفوا: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣]. عن كعب: الذي علمته من عدد الأنبياء مئة وأربعة وعشرون ألفًا، والمرسل منهم ثلاثمئة وثلاثة عشر، والمذكور في القرآن ثمانية وعشرون (¬٤) (باسم العَلم) (¬٥): ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣]، ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾ [مريم: ٥٦]، ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥؛ هود، ١١/ ٥٠]، ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣؛ هود: ٦١]، ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌعَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٣ - ٨٦]، ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٧٦ - ١٧٨]، ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٨]، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]. ذكر أبو اللَّيث في "بستانه": اختلفوا في ذي القَرْنَين ولُقْمان، قال عِكْرِمة: كانَا نبيَّين، وأكثر أهل العلم (¬١) قالوا: إنَّ لُقْمان كان حكيمًا ولم يكن نبيًّا، وذا القَرْنَين ملِكًا صالحًا ولم يكن نبيًّا (¬٢). وقد فضَّل اللهُ تعالى نبيَّنا محمدًا ﷺ بأن أعطاه مثلَ ما أعطى كلَّ (واحد من النبيِّين) (¬٣) والمرسلِين صلوات الله عليهم، وأكملَ الشَّرائع به، وختمَ به، وجعله خاتم النبيِّين. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٥]؛ فيقولوا: لولا أرسلْتَ إلينا رسولًا فينبِّهنا ويعلِّمنا ما لم نعلم.وفيه دلالة على أن بعثة الأنبياء على النَّاس ضرورةٌ لقصور الكلِّ عن إدراك جزئيات المصالح، والأكثر عن إدراك كليَّاتها. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ [النساء: ١٦٥] غالبًا على أمره لا يُغلَب فيما يريده، ﴿حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥] فيما دبَّر من أمر النبوَّة. وخصَّ كلَّ نبيٍّ بنوع من الوحي والإعجاز، ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦]. [لما وقع الجواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسولَ الله ﷺ أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، والاحتجاج عليهم بأنه ليس بدعًا من الرُّسل، وإنما شأنه في حقيقة الإرسال وأصل الوحي كشأن سائر مشاهير الأنبياء الَّذين لا ريبَ لأحدٍ في نبوَّتهم. وتعدُّد الرُّسل والكتب واختلافها في كيفية النُّزول، وتغايرها في بعض الشرائع والأحكام إنما هو لتفاوت طبقات الأمم في الأحوال الَّتي عليها يدور ذلك التَّكليف، ولاقتضاء (¬١) أحوالهم المتخالفة، واستعداداتهم المتغايرة من الشرائع والأحكام، حَسْبَما تقتضيه الحكمة التَّكوينية وتستدعيه الحكمة التَّشريعية، فسؤال تنزيل الكتاب جُمْلة اقتراحٌ فاسدٌ، كأنهم تعنَّتوا بما سبق من السؤال، وقالوا: ما نشهد لك بهذا فنزل: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٦] من القرآن المعجِز الدَّال على نُبوَّتك، أنزله متلبِّسًا بعلمه الخاص به، وهو العلم بتأليفه على نَظْم يعجَز عنه كلُّ بليغ، أو بحال من يستعدَّ للنبوَّة ويستأهل نزول الكتاب عليه، أو بعلمه الذي يحتاج إليه الناس في معاشهم ومعادهم، ويشهد الملائكة بنبوَّتك أيضًا.إذا تقرَّر هذا وتمهَّد ظهر أنَّ الأنبياء والرُّسل ﵈ كلُّهم كانوا يقرُّون الحنيفيَّة، وأنَّ الفِطْرة هي الحنيفيَّة، وأنَّ الطَّهارة فيها، وأنَّ الشَّهادة بالتَّوحيد مقصورة عليها، وأنَّ النَّجاة والخلاصَ متعلِّقة بها، وأنَّ الشَّرائع والأحكام مَشارع ومناهج إليها، وأنَّ الأنبياء والرُّسل ﵈ مبعوثةٌ بتقريرها وتقديرها، وأنَّ الفاتحة والخاتمة، والمبدأ والكمال، مَنُوطةٌ بتحلِّيها (¬١) وتحريرها، ذلك الدِّين القيِّم، والصِّراط المستقيم، والمنهج الواضح، والمسلك اللائح، وبالخصوص صاحب شريعتنا ﷺ كان في تقريرِها قد بلغ النِّهاية القُصْوى، وأصاب المرمى] (¬٢)، قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [سورة الروم: ٣٠]. قال الشَّيخ الإمام يحيى بن علي الزَّنْدَوْيَسْتِيُّ في الباب الثاني والتسعين من "روضته": إنّ الأمَّة اجتمعَتْ على أنَّ الأنبياء ﵈ أفضل الخليقة، ونبيُّنا محمَّد ﷺ أفضلهم، واتفقوا أن أفضل الخلق بعد الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين: جِبْرائيل، وإسْرافِيل ومِيكائِيل، وعِزْرائيل، وحمَلَة العرش، والكَرُوبِيُّون، والرُّوحانيُّون، ورِضْوان، ومالِك، صلوات الله عليهم أجمعين، وأنَّ الصَّحابة والتَّابعين، والشُّهداء والصَّالحين أفضلُ من سائر الملائكة. قال أبو حنيفة ﵀: سائر النَّاس من المسلمين أفضلُ من سائر الملائكة، قال أبو يوسف ومحمَّد - رحمهما الله -: سائر الملائكة أفضل، له قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤]، أخبر اللهتعالى أنَّ الملائكة زوَّار أهل الجنَّة من المسلمين والمسلمات، والمَزُور أفضلُ من الزوَّار، فلذلك قال أبو حنيفة: إنَّهم أفضل من سائر الملائكة. وقال أبو منصور البغدادي في "كتاب التواريخ": قد اختلفوا في التَّفضيل بين الملائكة وبين الأنبياء والمؤمنين؛ قال جمهور أصحابنا بتفضيل كلِّ واحد من الأنبياء على الملائكة، وأجازوا بأن يكون في المؤمنين مَنْ هو أفضلُ مِنَ الملائكة، ولم يشيروا إلى واحد منهم بهذا الحكم فيه (¬١) بعينه، ولم يقلْ أحدٌ من أهل الحديث بتفضيل الملائكة على الأنبياء إلَّا الحُسَيْن بن الفَضْل البَجَلِي. واختلف المعتزلةُ في ذلك؛ فمذهب جمهورهم أنَّ الملائكة أفضلُ من الأنبياء (¬٢) على التَّفصيل، وهؤلاء يلزمُهم تفضيل زبانية النَّار (¬٣) على الأنبياء وأتباعهم، وزعم آخرون منهم أنَّ الملائكة الذين ليس لهم معصية أفضل من الأنبياء، فأمَّا من عصى منهم بأدنى معصية، كهاروت وماروت فإنَّ الأنبياء أفضل منهم، وهذا قول (¬٤) الأصم منهم. وزعمت الإمامية أنّ الأئمة أفضل من الملائكة. وزعمت الغلاة منهم أنّ فيهم من هو أفضل من الملائكة، ويعنون أنفسهم. وقد روى أصحابُنا عن ابن عباس وأعلام الصَّحابة تفضيلَ قوم من المؤمنين على الملائكة، ولا اعتبار بخلاف المعتزلة، [قال جار الله العلَّامة الزَّمَخْشَرِي في "الكشَّاف" في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾[الأعراف: ٢٠]: فيه دليل على أن الملائكة بالمنظر الأعلى، وأنَّ البشريَّة تلمح مرتبتها، كَلَا، ولَا. أي: لمحًا كَلَا لمحٍ، أو نظرًا كَلَا نظرٍ. قال صاحب "الكشَّاف": إذا أرادوا تقليل مدَّة فعل، أو ظهور شيء خفي، قالوا: كان فعله كَلَا، وربَّما كَّرروا فقالوا: كَلَا ولَا. ولَعَمري أنَّ الاستدلالَ بقول الملعون (¬١) غيرُ ناهض، كيف ومَنْ له أدنى مُسْكَة، يستقلُّ بدراية فساد مُدَّعاه، فلو سُلِّم أنَّ البشر جاز أن يصير ملكًا، إلا أنَّ تسبب الأكل لذلك - وهم معصومون عنه - غيرُ معقول، وكذلك التَّسبب في نفسه، فإِنَّ آدم ﵇ كان من أعرف النَّاس بالله تعالى وبصفاته، وأنّه فاعل مختار. كيف وقد رتَّب الله إليه بالإقسام على النُّصح، لا على تصديق آدم ﵇. ومن العجبِ أنَّ البَيْضاويَّ مع كونه من أشراف (¬٢) أهل السنَّة والجماعة فسَّر قوله تعالى: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبأ: ٣٧، ٣٨] على قاعدة أهل الاعتزال، وقال فيها: فإنَّ هؤلاء الذين أفضل الخلائق وأقربهم من الله إذا لم يقدروا أن يتكلَّموا بما يكون صوابًا، كالشَّفاعة لمن ارتضى إلا بإذنه فكيف يملكه غيرهم؟ والمعنى: أنَّ ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾: تفصيل بالأول؛ أي: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾، فلا يتكلَّمون بالشفاعة إلا من أذن له الرَّحمن منهم بالشفاعة. كذا فسَّره النَّسَفِي في "التَّيسير". والتَّوجيهُ بأنَّ المراد بالأفضليَّة أكثريَّة المناسبة مع الله في قلَّة الوسائط، بدلالةعطف أقربهم، كما هو بحسب العادة، فإنَّ الأقربين من الملوك من خدمهم يكون تبسُّطهم أكثر (¬١) من البعداء عنهم، وإن كانت وظائف البعداء أكثر، وعوائدهم أوفر = توجيهٌ بعيدٌ. ونبيُّنا ﷺ مخصوصٌ بالشَّفاعة العُظمى في الموقف يوم الجزاء الأوفى، وأصل الشفاعة ثابتٌ بالنصِّ والإجماع، وليست حقيقةً لطلب المنافع، بل لإسقاط المضارِّ، وتفصيل ردِّ تمسُّكات المعتزلة موضعُه في المطولات، وعليك بـ "المواقف" فإنها كفاية لك. وفي "جواهر الفتاوى" تصنيف الصَّدر السَّعيد أبي المفاخر، محمَّد بن عبد الرَّشِيد الكَرْماني في الباب السادس من كتاب أصول الفقه: قالوا: الحقُّ عند الله واحدٌ، فإذا كان الحقُّ واحدًا يكون الباقي باطلًا، أم لا؟ قال فخر الدِّين محمَّد بن محمود في باب أصول الدين: كلُّ ما يكون على خلاف مذهب أهل السنَّة والجماعة فهو كُفْرٌ وضلال، أما في باب الشَّرائع فأئمَّة المسلمين في طلب الاجتهاد كانوا مُصيبين، أما الحق يكون عند الله واحدًا، لكنَّ العباد مأمورون بالنَّظر في الدَّليل مع أن الحقَّ عند الله واحد. قيل له: إذا كان عند الله واحدًا، وأبو حنيفة يقول في مسألة بالحِلِّ، والشَّافعي بالحرمة، كيف يكون؟ قال: الحقُّ واحد، والاجتهاد فيه مسوغ، فإنَّ الاجتهاد طلبُ الحقِّ في الدَّلائل المحتملة بالنَّظر والاستدلال، وفي باب أصول الدين: الدلائل قطعية فلا شبهة فيه، فالحقُّ فيه عند الله وعندنا واحد، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟! أما قولنا: كلُّ مجتهد مُصيب في باب الشَّرائع، كما قال أبو حنيفة بالحِلِّ والشَّافعيبالحرمة، أو على العكس، فالاجتهاد طلبُ الحقِّ، وهما كانا في طلب الحقِّ. وفي "جواهر الفتاوى" قبيل (¬١) هذا: رجل أخذ مذهب أبي حنيفة، واعتقد أنّ ما قاله الحق، والحق عند الله واحد، فكيف يعتقد فيما قاله الآخرون أنَّه لغوٌ وباطل أو خطأ؟ وهل يجوز أنْ يقاتلَه كما يقاتل الملاحدة والكفرة؟ قال: اعلم أنَّ الثابت بالرأي والاجتهاد ليس كالثابت بالكتاب والسنَّة فيوجب العلم والعمل، وما يثبت بالاجتهاد يثبت بدليلٍ لا يخلو عن شبهة، ولهذا يوجب العمل دون العلم، وما كان ثابتًا بهذا الطَّريق لا تجوز المقاتلة فيه؛ إذ كل فريق في اجتهاده متمسِّك بأنَّ الشَّرع غير خارج عن أمره ولا رادَّ له، وقد اجتمعت الأمَّة أنَّه إنما يُقتَل من أنكر التَّنزيل، ولا تجوز المقاتلة مع من يقول بتأويل التَّنزيل، وإذا لم تجزِ المقاتلة لم يكفر صاحب المقالة الأخرى، لكن يعتقد أنَّ ما قاله صاحبُ مذهبه هو الحق في الاجتهاد، وإنما قاله الخصم بقوله عن اجتهاد وخطأ لم يكفر بذلك؛ لأنَّه طالبٌ للحقِّ، باجتهاده، إلَّا أنه أخطأ في اجتهاده، ولهذا إذا أخطأ مجتهد في مسألة ثمَّ أدَّى اجتهادُه إلى خلاف ما رآه أوَّلًا كان عليه أن يرجع إلى هذا القول الثاني. قال محمَّد الشَّهْرَسْتاني (¬٢): الأصولُ معرفةُ الباري بوحدانيته وصفاته، ومعرفةُ الرُّسل بآياتهم وبيِّناتهم، وبالجملة كلُّ مسألة يتعيَّن الحقُّ فيها بين المتحاجِّين (¬٣) فهي من الأصول، ومن المعلوم أنَّ الدِّين إذا كان منقسمًا إلى معرفة وطاعة، فالمعرفة أصل، والطَّاعة فرع، فمن تكلَّم في المعرفة والتَّوحيد كان أصوليًّا،ومن تكلَّم في الطَّاعة والشَّريعة كان فروعيًّا. فالأصولُ هو موضوع علم الكلام، والفروعُ موضوع علم الفقه. وقال بعض العقلاء (¬١): كلُّ ما هو معقول ويوصل إليه بالنَّظر والاستدلال فهو من الأصول، وكلُّ ما هو مظنون ويتوصَّل إليه بالقياس والاجتهاد فهو من الفروع. وفي "الملل والنِّحل" لمحمَّد الشَّهْرَسْتاني: الخارجون عن الملَّة الإسلاميَّة والشَّريعة الحنيفيَّة ممَّن يقول بشريعة وأحكام وحدود وأعلام قد انقسموا إلى من له كتاب محقَّق مثل: التَّوراة والإنجيل، وعن هذا يخاطبهم في التَّنزيل: يا أهل الكتاب، وإلى من له شِبه كتاب، مثل: المجوس والمانوية، فإن الصُّحف الَّتي أُنزلت على إبراهيم ﵇ قد رُفِعَت إلى السَّماء لأحداث أحدثها المجوس، ولهذا يجوز عَقْدُ العهد، وأخذ الجزية منهم نحو اليهود والنصارى؛ إذ هم من أهل الكتاب، ولكن لا تجوز مناكحتهم، ولا أكل ذبائحهم؛ فإن الكتاب قد رفع عنهم. ثم قال فيه: الفريقان المتقابلان قبل المبعث هم أهل الكتاب، وإلا يقول: والأمِّيُّ من لا يعرف الكتاب، فكانت اليهود والنصارى بالمدينة، والأمِّيُّون بمكَّة، وأهل الكتاب كانوا ينصرون دين الأسباط، ويذهبون مذهب بني إسرائيل، والأمِّيُّون كانوا ينصرون دين القبائل، ويذهبون مذهب بني إسماعيل. ولما انشعبَ النُّور الوارد من آدم ﵇ إلى إبراهيم ﵇، ثم أيضًا ذريته على شِعْبين؛ شِعْب في بني إسرائيل، وشِعْب في بني إسماعيل، وكان النُّور المنحدر منه إلى بني إسرائيل ظاهرًا، والنُّور المنحدر إلى بني إسماعيل مخفيًّا، كان يستدل على النُّور الظاهر بظهور الأشخاص وإظهار النُّبوة في شخص، ويستدلُّعلى النُّور المخفي بإبانة المناسك والعلامات، وستر الحال في الأشخاص. وقِبْلة الفِرْقة الأولى بيت المقدس، وقِبْلة الفِرْقة الثَّانية بيت الله الحرام، وشريعة الأولى ظواهر الأحكام، وشريعة الثَّانية رعاية المشاعر، وخصماء الفريق الأول الكافرون، مثل فرعون، وهامان، وخصماء الفريق الثاني المشركون من عَبدة الأوثان. وهاتان الأمَّتان - أعني اليهود والنَّصارى - من كبار أمم (¬١) أهل الكتاب، والأمَّة اليهوديَّة أكبر (¬٢)؛ لأنَّ الشَّريعة كانت لموسى ﵇، وجميع بني إسرائيل كانوا متعبدين في ذلك مكلَّفين بالتزام أحكام التَّوراة. والإنجيل النَّازل على المسيح ﵇ لم يبيِّن أحكامًا، ولا استنبط (¬٣) حلالًا ولا (¬٤) حرامًا، ولكنها رموز وأمثال ومواعظ ومَزَاجر، وما سواها من الشرائع والأحكام فمُحالة على التَّوراة كما سنبيِّن. فكانت اليهود لهذه القضية لم ينقادوا لعيسى ﵇، وادّعَوا أنه كان مأمورًا بمتابعة موسى وموافقة التَّوراة، فغيَّروا وعَدوا عليه تلك التغييرات منها تغيير السَّبت إلى الأحد، ومنها تغيير أكل الخنزير فكان حرامًا في التوراة، ومنها الختان والغُسل وغير ذلك. والمسلمون قد بيَّنوا أنّ الأمَّتَيْن قد بدَّلوا وحرَّفوا، وإلا فعيسى ﵇ كان مُقرِّرًا لما جاء به موسى ﵇، وكلاهما مبشران بمَقدَم نبيِّنا نبيّ الرحمة ﷺ، قد أمرهم أئمتُهم وأنبياؤُهم وكتابهم بذلك، وإنما بنى أسلافهم الحصون والقِلاع بقرب المدينة لنصرة رسول آخر الزَّمان، وأمروهم بمهاجرة أوطانهم من الشَّام إلىتلك البقاع، حتى إذا ظهر وأعلن بفَارَان - يعني: جبال مكة - وهاجر إلى دار هجرته يثرب نصروه وعاونوه، وذلك قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩، ٩٠]. وإنما الخلاف بين اليهود والنصارى ما كان (¬١) يرتفع إلا بحكمة إذ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١١٣]. وكان النبيّ ﷺ يقول: ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨]. وما كان يمكن إقامتها إلا بإقامة القرآن وتحكيم نبيِّ الرَّحمة ورسول آخر الزَّمان، فلمَّا أبَوا ذلك ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١] قال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٥] مما يحتاجون إليه من أمر الدين، إشارة إلى تمام القسم العمليِّ ﴿وَتَفْصِيلًا﴾ إشارة إلى تمام القسم العلميِّ. واليهود تدّعي أنّ الشَّريعة لا تكون إلا واحدة، وهي ابتدأت بموسى ﵇ وتمَّت، ولم يكن قبله شريعة إلا حدود عقليَّة، وأحكام مصلحيَّة، ولم يجوِّزوا النَّسخ أصلًا، قالوا: ولا يكون بعدَه شريعة أخرى. ومن العجب أنَّ في التَّوراة أنّ الأسباط من بني إسرائيل كانوا يراجعون إلىالقبائل من بني إسماعيل، ويعلمون أنّ في ذلك الشعب عِلمًا لَدُنِّيا لم تشتمل التَّوراة عليه، وورد في التواريخ أنّ أولاد إسماعيل ﵇ كان يسمُّونهم: آل الله، وأهل الله، وأولاد إسرائيل: آل يعقوب آل موسى، آل هارون، وذلك كثير عظيم. (وقد ورد في) (¬١) التَّوراة أنّ الله تعالى جاء من طُوْرِ سَيْناء، وظهر بسَاعير، وعلن بفَاران. وساعير: جبال بيت المقدس الَّذي كان مظهر عيسى، وفَاران: جبال مكَّة التي كانت مظهرَ المصطفى ﷺ. ولما كانت الأسرار الإلهيَّة، والأنوار الربانيَّة في الوحي، والتنزيل، والمناجاة، والتأويل على ثلاث مراتب: مبدأ، ووسط، وكمال، والمجيء أشبه بالمبدأ، والظُّهور بالوسط، والإعلان بالكمال، عبَّر التوراة عن طلوع صبح الشَّريعة والتَّنزيل بالمجيئ على طُور سَيْناء، وعنْ طلوع الشَّمس بالظُّهور على سَاعير، و [عن] البلوغ إلى درجة الكمال بالاستواء والإعلان على فاران. وفي هذه الكلمة إثبات نبوَّة المسيح ﵇ وصاحب شريعتنا المصطفى ﷺ. وقد قال المسيح في الإنجيل: ما جئت لأُبْطل التَّوراة، بل جئْتُ لأكملها. قال صاحب التَّوراة: إن النَّفس بالنَّفس، والعينَ بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسِّن بالسِّن، والجروح قصاص. ويقول: إذا لطمك أخوك على خدِّك الأيمن فضع له خدَّك الأيسر. والشَّريعة الأخيرة وردَتْ بالأمْرَين: أمَّا القِصاص ففي قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْالْقِصَاصُ﴾ [سورة البقرة: ١٧٨]، وأمَّا العفو ففي قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]. ففي التَّوراة أحكام السِّياسة العامَّة الظَّاهرة، وفي الإنجيل أحكام السِّياسة الباطنة، وفي القرآن أحكام السِّياسَتين جميعًا؛ ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] إشارةٌ إلى تحقيق السِّياسة الظاهرة، ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] إشارةٌ إلى تحقيق السِّياسة الباطنة. والنَّسخ في الحقيقة ليس بإبطالٍ، بل هو تكميلٌ، وأحكام الكتب السَّالفة وشرائعها باقية بالكليَّة، وحقَّة ثابتة إلى ورود كتاب آخر ناسخ له، وإنَّ ما لم يُنسخ منها إلى الآن من الشرائع والأحكام ثابتة من حيث إنها من أحكام هذا الكتاب المصون عن النَّسخ إلى يوم القيامة، وهذه مسألة شرائع من قبلنا ثابتة ما لم تُنسخ. واعلم أنَّ القرآن هو المنزَّل على صاحب شريعتنا رسولِ الله ﷺ، المكتوبِ في المصاحف، المنقولِ عنه نقلًا متواترًا بلا شبهة، وهو النَّظم والمعنى جميعًا في قول عامَّة العلماء، وهو الصَّحيح من قول أبي حنيفة عندنا، إلَّا أنَّه لم يجعل النَّظم ركنًا لازمًا في حقِّ جواز الصَّلاة خاصَّة على ما يُعرف في موضعه، أي في المبسوط. هذا ما ذكره فخر الإسلام البَزْدَوي في "أصوله". وفي شرحه "كشف الأسرار": قوله (خاصة): تأكيد الصلاة، حتى لا يجوز الكتابة (¬١) بالفارسية، ولا يجوز الإصرار على القراءة بالفارسيَّة، حتى لو فعل ذلك يُلام ويُعزَّر.قال المولى عليُّ بن محمَّد (الشَّاهرُودي) (¬١) الشَّهير بالمولى مُصَنَّفَك في حاشيته "ديباجة الكشَّاف": إنَّ القرآن عند أبي حنيفة ﵀ هو النَّظم والمعنى جميعًا، إلَّا أنَّ النَّظم ركنٌ يحتمل السُّقوط دون المعاني، كالإقرار باللِّسان، والتَّصديق بالجنان، بل الصَّحيح من مذهبه على ما تقرَّر في موضعه أنَّ الكلام فيما جرى على لسانه من غير تعمُّد، أمَّا من تعمَّد فهو مجنون، أو زنديق، والمجنون يُدَاوى، والزِّنديق يُقتَل، وكيف لا، ولو كان كذلك لزم أن يكون كل كلام (¬٢) في بيان معاني القرآن كالأشعار والأبيات والتركيَّات والهنديَّات وغيرها قرآنًا، وهذا الأمر لا يقبله شرع ولا عقل، صرَّح بذلك الإمام أبو بكر محمَّد بن الفضل، وهو من أكابر الحنفيَّة) (¬٣). وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" في فصل قراءة القرآن في الصلاة: قال القاضي الإمام البَرْدَعي: إنما جوَّز أبو حنيفة ﵀ القراءةَ بالفارسيَّة لا بغيرها من الألسنة لقرب الفارسيَّة من العربيَّة، على ما جاء في الحديث: "لسان أهل الجنَّة العربيَّة والفارسيَّة" (¬٤).ولقد سبق زمام الكلام في بيداء هذا المقام، بعد تحرير البرهان وتهذيب العنوان، إلى تهذيب باب السُّلطان، وما نُجري إن شاء الله به عنان القلم، في موقف هذا الجناب المعظَّم (¬١) إلَّا إلى ما يطلق له الشرع، ويجيزه علماء الفرع، والله تعالى موفِّقٌ للصَّواب، ومعينٌ على اكتساب الجزيل من الثَّواب. * * *
  • legacy full passagepage 75, entry [43]20,826 chars
    ٢٤ - محمَّد رسول الله ﷺ - ثم بعثَ الله تعالى بعد ستِّمئة وعشرين سنةً نبيَّنا ورسولَنا، أفضل الكائنات، وأشرف المخلوقات، محمَّدًا رسول الله عليه أفضل الصَّلوات، وأكمل التحيَّات من الله ﷿ خالقِ المخلوقات، عليه أنزل الكتاب والبيِّنات، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِ…
    ▸ expand full passage (20,826 chars)
    ٢٤ - محمَّد رسول الله ﷺ - ثم بعثَ الله تعالى بعد ستِّمئة وعشرين سنةً نبيَّنا ورسولَنا، أفضل الكائنات، وأشرف المخلوقات، محمَّدًا رسول الله عليه أفضل الصَّلوات، وأكمل التحيَّات من الله ﷿ خالقِ المخلوقات، عليه أنزل الكتاب والبيِّنات، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٨، ٢٩]؛ ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [سورة المائدة: ٤٨].وعن ابن عباس ﵄ قال: أوَّل المرسلين آدم، وآخرهم محمَّد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (¬١). وكانت الأنبياء (¬٢) مئة ألف وأربعة وعشرين ألفَ نبيٍّ، الرُّسل منهم ثلاثمئة وخمسة عشر نبيًا، خمسة عبرانيُّون، وهم: آدم وشِيْث وإدريس ونُوح وإبراهيم، وخمسة من العرب: هُود وصَالح وشُعَيب وإسماعيل ومحمَّد ﷺ، وأوَّل أنبياء بني إسرائيل مُوسَى، وآخرهم عِيْسى. والكُتب التي أُنزلت على الأنبياء مئة وأربعة، منها على شِيْث خمسون صحيفة، وعلى إدْرِيس ثلاثون صحيفة، وعلى إبراهيم عشرون صحيفة، وعلى موسى التَّوراة، وعلى داود الزَّبور، وعلى عيسى الإنجيل، وعلى محمَّد ﷺ الفرقان. وفي تاريخ "الكامل" الَّذي ألَّفه ابن الأثير: عاشَ آدم ألف سنة. وأمَّا في التَّوراة أنَّه ألف سنة إلا سبعين (¬٣) سنة، لعلَّ التَّوراة لم يعدُّوا من سنِّه ما وهبه لداود ﵇. وكان بين موتِ آدم والطُّوفان ألفا سنة ومئتا سنة وأربعون سنة، وبين الطُّوفان وبين موت نوح ثلاثمئة وخمسون سنة، وبين نوح وإبراهيم ألفا (¬٤) سنة ومئتا سنة وأربعون سنة، وبين إبراهيم وموسى سبعمئة عام، وبين موسى وداود خمسمئة عام، وبين داود وعيسى ألف ومئتا عام، وبين عيسى ومحمَّد صلوات الله عليه وسائر الأنبياء والمرسلين ستمئة وعشرون سنة.وكان بين نوحٍ وآدم عشرة آباء، وبين إبراهيم ونوح عشرة آباء، قال (عِكْرِمة: كان) (¬١) بين آدم ونُوح عشرة قرون، كلُّهم على الإسلام. وقرأْتُ في الإنجيل أنَّ عدد القبائل من إبراهيم إلى داود أربعة عشر قرنًا، ومن داود إلى جَالِية بابل أربعة عشر قرنًا، وبين جَالِية بابل إلى المسيح أربعة عشر قرنًا، نقله ابن قُتيبة في "المعارف". قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣]؛ متَّفِقين على الحقِّ فيما بين آدم وإدْرِيس. وعن عطاء والحسن: كان النَّاس بعد وفاة آدم إلى مبعث نوح أُمَّة واحدة على ملَّة واحدة، كانوا كُفارًا مثال (¬٢) البهائم في فترة إدريس، فبعث الله نوحًا وإبراهيم وغيرهما (¬٣)، فاختلفوا: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣]. عن كعب: الذي علمته من عدد الأنبياء مئة وأربعة وعشرون ألفًا، والمرسل منهم ثلاثمئة وثلاثة عشر، والمذكور في القرآن ثمانية وعشرون (¬٤) (باسم العَلم) (¬٥): ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣]، ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾ [مريم: ٥٦]، ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥؛ هود، ١١/ ٥٠]، ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣؛ هود: ٦١]، ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌعَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٣ - ٨٦]، ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٧٦ - ١٧٨]، ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٨]، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]. ذكر أبو اللَّيث في "بستانه": اختلفوا في ذي القَرْنَين ولُقْمان، قال عِكْرِمة: كانَا نبيَّين، وأكثر أهل العلم (¬١) قالوا: إنَّ لُقْمان كان حكيمًا ولم يكن نبيًّا، وذا القَرْنَين ملِكًا صالحًا ولم يكن نبيًّا (¬٢). وقد فضَّل اللهُ تعالى نبيَّنا محمدًا ﷺ بأن أعطاه مثلَ ما أعطى كلَّ (واحد من النبيِّين) (¬٣) والمرسلِين صلوات الله عليهم، وأكملَ الشَّرائع به، وختمَ به، وجعله خاتم النبيِّين. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٥]؛ فيقولوا: لولا أرسلْتَ إلينا رسولًا فينبِّهنا ويعلِّمنا ما لم نعلم.وفيه دلالة على أن بعثة الأنبياء على النَّاس ضرورةٌ لقصور الكلِّ عن إدراك جزئيات المصالح، والأكثر عن إدراك كليَّاتها. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ [النساء: ١٦٥] غالبًا على أمره لا يُغلَب فيما يريده، ﴿حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥] فيما دبَّر من أمر النبوَّة. وخصَّ كلَّ نبيٍّ بنوع من الوحي والإعجاز، ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦]. [لما وقع الجواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسولَ الله ﷺ أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، والاحتجاج عليهم بأنه ليس بدعًا من الرُّسل، وإنما شأنه في حقيقة الإرسال وأصل الوحي كشأن سائر مشاهير الأنبياء الَّذين لا ريبَ لأحدٍ في نبوَّتهم. وتعدُّد الرُّسل والكتب واختلافها في كيفية النُّزول، وتغايرها في بعض الشرائع والأحكام إنما هو لتفاوت طبقات الأمم في الأحوال الَّتي عليها يدور ذلك التَّكليف، ولاقتضاء (¬١) أحوالهم المتخالفة، واستعداداتهم المتغايرة من الشرائع والأحكام، حَسْبَما تقتضيه الحكمة التَّكوينية وتستدعيه الحكمة التَّشريعية، فسؤال تنزيل الكتاب جُمْلة اقتراحٌ فاسدٌ، كأنهم تعنَّتوا بما سبق من السؤال، وقالوا: ما نشهد لك بهذا فنزل: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٦] من القرآن المعجِز الدَّال على نُبوَّتك، أنزله متلبِّسًا بعلمه الخاص به، وهو العلم بتأليفه على نَظْم يعجَز عنه كلُّ بليغ، أو بحال من يستعدَّ للنبوَّة ويستأهل نزول الكتاب عليه، أو بعلمه الذي يحتاج إليه الناس في معاشهم ومعادهم، ويشهد الملائكة بنبوَّتك أيضًا.إذا تقرَّر هذا وتمهَّد ظهر أنَّ الأنبياء والرُّسل ﵈ كلُّهم كانوا يقرُّون الحنيفيَّة، وأنَّ الفِطْرة هي الحنيفيَّة، وأنَّ الطَّهارة فيها، وأنَّ الشَّهادة بالتَّوحيد مقصورة عليها، وأنَّ النَّجاة والخلاصَ متعلِّقة بها، وأنَّ الشَّرائع والأحكام مَشارع ومناهج إليها، وأنَّ الأنبياء والرُّسل ﵈ مبعوثةٌ بتقريرها وتقديرها، وأنَّ الفاتحة والخاتمة، والمبدأ والكمال، مَنُوطةٌ بتحلِّيها (¬١) وتحريرها، ذلك الدِّين القيِّم، والصِّراط المستقيم، والمنهج الواضح، والمسلك اللائح، وبالخصوص صاحب شريعتنا ﷺ كان في تقريرِها قد بلغ النِّهاية القُصْوى، وأصاب المرمى] (¬٢)، قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [سورة الروم: ٣٠]. قال الشَّيخ الإمام يحيى بن علي الزَّنْدَوْيَسْتِيُّ في الباب الثاني والتسعين من "روضته": إنّ الأمَّة اجتمعَتْ على أنَّ الأنبياء ﵈ أفضل الخليقة، ونبيُّنا محمَّد ﷺ أفضلهم، واتفقوا أن أفضل الخلق بعد الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين: جِبْرائيل، وإسْرافِيل ومِيكائِيل، وعِزْرائيل، وحمَلَة العرش، والكَرُوبِيُّون، والرُّوحانيُّون، ورِضْوان، ومالِك، صلوات الله عليهم أجمعين، وأنَّ الصَّحابة والتَّابعين، والشُّهداء والصَّالحين أفضلُ من سائر الملائكة. قال أبو حنيفة ﵀: سائر النَّاس من المسلمين أفضلُ من سائر الملائكة، قال أبو يوسف ومحمَّد - رحمهما الله -: سائر الملائكة أفضل، له قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤]، أخبر اللهتعالى أنَّ الملائكة زوَّار أهل الجنَّة من المسلمين والمسلمات، والمَزُور أفضلُ من الزوَّار، فلذلك قال أبو حنيفة: إنَّهم أفضل من سائر الملائكة. وقال أبو منصور البغدادي في "كتاب التواريخ": قد اختلفوا في التَّفضيل بين الملائكة وبين الأنبياء والمؤمنين؛ قال جمهور أصحابنا بتفضيل كلِّ واحد من الأنبياء على الملائكة، وأجازوا بأن يكون في المؤمنين مَنْ هو أفضلُ مِنَ الملائكة، ولم يشيروا إلى واحد منهم بهذا الحكم فيه (¬١) بعينه، ولم يقلْ أحدٌ من أهل الحديث بتفضيل الملائكة على الأنبياء إلَّا الحُسَيْن بن الفَضْل البَجَلِي. واختلف المعتزلةُ في ذلك؛ فمذهب جمهورهم أنَّ الملائكة أفضلُ من الأنبياء (¬٢) على التَّفصيل، وهؤلاء يلزمُهم تفضيل زبانية النَّار (¬٣) على الأنبياء وأتباعهم، وزعم آخرون منهم أنَّ الملائكة الذين ليس لهم معصية أفضل من الأنبياء، فأمَّا من عصى منهم بأدنى معصية، كهاروت وماروت فإنَّ الأنبياء أفضل منهم، وهذا قول (¬٤) الأصم منهم. وزعمت الإمامية أنّ الأئمة أفضل من الملائكة. وزعمت الغلاة منهم أنّ فيهم من هو أفضل من الملائكة، ويعنون أنفسهم. وقد روى أصحابُنا عن ابن عباس وأعلام الصَّحابة تفضيلَ قوم من المؤمنين على الملائكة، ولا اعتبار بخلاف المعتزلة، [قال جار الله العلَّامة الزَّمَخْشَرِي في "الكشَّاف" في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾[الأعراف: ٢٠]: فيه دليل على أن الملائكة بالمنظر الأعلى، وأنَّ البشريَّة تلمح مرتبتها، كَلَا، ولَا. أي: لمحًا كَلَا لمحٍ، أو نظرًا كَلَا نظرٍ. قال صاحب "الكشَّاف": إذا أرادوا تقليل مدَّة فعل، أو ظهور شيء خفي، قالوا: كان فعله كَلَا، وربَّما كَّرروا فقالوا: كَلَا ولَا. ولَعَمري أنَّ الاستدلالَ بقول الملعون (¬١) غيرُ ناهض، كيف ومَنْ له أدنى مُسْكَة، يستقلُّ بدراية فساد مُدَّعاه، فلو سُلِّم أنَّ البشر جاز أن يصير ملكًا، إلا أنَّ تسبب الأكل لذلك - وهم معصومون عنه - غيرُ معقول، وكذلك التَّسبب في نفسه، فإِنَّ آدم ﵇ كان من أعرف النَّاس بالله تعالى وبصفاته، وأنّه فاعل مختار. كيف وقد رتَّب الله إليه بالإقسام على النُّصح، لا على تصديق آدم ﵇. ومن العجبِ أنَّ البَيْضاويَّ مع كونه من أشراف (¬٢) أهل السنَّة والجماعة فسَّر قوله تعالى: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبأ: ٣٧، ٣٨] على قاعدة أهل الاعتزال، وقال فيها: فإنَّ هؤلاء الذين أفضل الخلائق وأقربهم من الله إذا لم يقدروا أن يتكلَّموا بما يكون صوابًا، كالشَّفاعة لمن ارتضى إلا بإذنه فكيف يملكه غيرهم؟ والمعنى: أنَّ ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾: تفصيل بالأول؛ أي: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾، فلا يتكلَّمون بالشفاعة إلا من أذن له الرَّحمن منهم بالشفاعة. كذا فسَّره النَّسَفِي في "التَّيسير". والتَّوجيهُ بأنَّ المراد بالأفضليَّة أكثريَّة المناسبة مع الله في قلَّة الوسائط، بدلالةعطف أقربهم، كما هو بحسب العادة، فإنَّ الأقربين من الملوك من خدمهم يكون تبسُّطهم أكثر (¬١) من البعداء عنهم، وإن كانت وظائف البعداء أكثر، وعوائدهم أوفر = توجيهٌ بعيدٌ. ونبيُّنا ﷺ مخصوصٌ بالشَّفاعة العُظمى في الموقف يوم الجزاء الأوفى، وأصل الشفاعة ثابتٌ بالنصِّ والإجماع، وليست حقيقةً لطلب المنافع، بل لإسقاط المضارِّ، وتفصيل ردِّ تمسُّكات المعتزلة موضعُه في المطولات، وعليك بـ "المواقف" فإنها كفاية لك. وفي "جواهر الفتاوى" تصنيف الصَّدر السَّعيد أبي المفاخر، محمَّد بن عبد الرَّشِيد الكَرْماني في الباب السادس من كتاب أصول الفقه: قالوا: الحقُّ عند الله واحدٌ، فإذا كان الحقُّ واحدًا يكون الباقي باطلًا، أم لا؟ قال فخر الدِّين محمَّد بن محمود في باب أصول الدين: كلُّ ما يكون على خلاف مذهب أهل السنَّة والجماعة فهو كُفْرٌ وضلال، أما في باب الشَّرائع فأئمَّة المسلمين في طلب الاجتهاد كانوا مُصيبين، أما الحق يكون عند الله واحدًا، لكنَّ العباد مأمورون بالنَّظر في الدَّليل مع أن الحقَّ عند الله واحد. قيل له: إذا كان عند الله واحدًا، وأبو حنيفة يقول في مسألة بالحِلِّ، والشَّافعي بالحرمة، كيف يكون؟ قال: الحقُّ واحد، والاجتهاد فيه مسوغ، فإنَّ الاجتهاد طلبُ الحقِّ في الدَّلائل المحتملة بالنَّظر والاستدلال، وفي باب أصول الدين: الدلائل قطعية فلا شبهة فيه، فالحقُّ فيه عند الله وعندنا واحد، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟! أما قولنا: كلُّ مجتهد مُصيب في باب الشَّرائع، كما قال أبو حنيفة بالحِلِّ والشَّافعيبالحرمة، أو على العكس، فالاجتهاد طلبُ الحقِّ، وهما كانا في طلب الحقِّ. وفي "جواهر الفتاوى" قبيل (¬١) هذا: رجل أخذ مذهب أبي حنيفة، واعتقد أنّ ما قاله الحق، والحق عند الله واحد، فكيف يعتقد فيما قاله الآخرون أنَّه لغوٌ وباطل أو خطأ؟ وهل يجوز أنْ يقاتلَه كما يقاتل الملاحدة والكفرة؟ قال: اعلم أنَّ الثابت بالرأي والاجتهاد ليس كالثابت بالكتاب والسنَّة فيوجب العلم والعمل، وما يثبت بالاجتهاد يثبت بدليلٍ لا يخلو عن شبهة، ولهذا يوجب العمل دون العلم، وما كان ثابتًا بهذا الطَّريق لا تجوز المقاتلة فيه؛ إذ كل فريق في اجتهاده متمسِّك بأنَّ الشَّرع غير خارج عن أمره ولا رادَّ له، وقد اجتمعت الأمَّة أنَّه إنما يُقتَل من أنكر التَّنزيل، ولا تجوز المقاتلة مع من يقول بتأويل التَّنزيل، وإذا لم تجزِ المقاتلة لم يكفر صاحب المقالة الأخرى، لكن يعتقد أنَّ ما قاله صاحبُ مذهبه هو الحق في الاجتهاد، وإنما قاله الخصم بقوله عن اجتهاد وخطأ لم يكفر بذلك؛ لأنَّه طالبٌ للحقِّ، باجتهاده، إلَّا أنه أخطأ في اجتهاده، ولهذا إذا أخطأ مجتهد في مسألة ثمَّ أدَّى اجتهادُه إلى خلاف ما رآه أوَّلًا كان عليه أن يرجع إلى هذا القول الثاني. قال محمَّد الشَّهْرَسْتاني (¬٢): الأصولُ معرفةُ الباري بوحدانيته وصفاته، ومعرفةُ الرُّسل بآياتهم وبيِّناتهم، وبالجملة كلُّ مسألة يتعيَّن الحقُّ فيها بين المتحاجِّين (¬٣) فهي من الأصول، ومن المعلوم أنَّ الدِّين إذا كان منقسمًا إلى معرفة وطاعة، فالمعرفة أصل، والطَّاعة فرع، فمن تكلَّم في المعرفة والتَّوحيد كان أصوليًّا،ومن تكلَّم في الطَّاعة والشَّريعة كان فروعيًّا. فالأصولُ هو موضوع علم الكلام، والفروعُ موضوع علم الفقه. وقال بعض العقلاء (¬١): كلُّ ما هو معقول ويوصل إليه بالنَّظر والاستدلال فهو من الأصول، وكلُّ ما هو مظنون ويتوصَّل إليه بالقياس والاجتهاد فهو من الفروع. وفي "الملل والنِّحل" لمحمَّد الشَّهْرَسْتاني: الخارجون عن الملَّة الإسلاميَّة والشَّريعة الحنيفيَّة ممَّن يقول بشريعة وأحكام وحدود وأعلام قد انقسموا إلى من له كتاب محقَّق مثل: التَّوراة والإنجيل، وعن هذا يخاطبهم في التَّنزيل: يا أهل الكتاب، وإلى من له شِبه كتاب، مثل: المجوس والمانوية، فإن الصُّحف الَّتي أُنزلت على إبراهيم ﵇ قد رُفِعَت إلى السَّماء لأحداث أحدثها المجوس، ولهذا يجوز عَقْدُ العهد، وأخذ الجزية منهم نحو اليهود والنصارى؛ إذ هم من أهل الكتاب، ولكن لا تجوز مناكحتهم، ولا أكل ذبائحهم؛ فإن الكتاب قد رفع عنهم. ثم قال فيه: الفريقان المتقابلان قبل المبعث هم أهل الكتاب، وإلا يقول: والأمِّيُّ من لا يعرف الكتاب، فكانت اليهود والنصارى بالمدينة، والأمِّيُّون بمكَّة، وأهل الكتاب كانوا ينصرون دين الأسباط، ويذهبون مذهب بني إسرائيل، والأمِّيُّون كانوا ينصرون دين القبائل، ويذهبون مذهب بني إسماعيل. ولما انشعبَ النُّور الوارد من آدم ﵇ إلى إبراهيم ﵇، ثم أيضًا ذريته على شِعْبين؛ شِعْب في بني إسرائيل، وشِعْب في بني إسماعيل، وكان النُّور المنحدر منه إلى بني إسرائيل ظاهرًا، والنُّور المنحدر إلى بني إسماعيل مخفيًّا، كان يستدل على النُّور الظاهر بظهور الأشخاص وإظهار النُّبوة في شخص، ويستدلُّعلى النُّور المخفي بإبانة المناسك والعلامات، وستر الحال في الأشخاص. وقِبْلة الفِرْقة الأولى بيت المقدس، وقِبْلة الفِرْقة الثَّانية بيت الله الحرام، وشريعة الأولى ظواهر الأحكام، وشريعة الثَّانية رعاية المشاعر، وخصماء الفريق الأول الكافرون، مثل فرعون، وهامان، وخصماء الفريق الثاني المشركون من عَبدة الأوثان. وهاتان الأمَّتان - أعني اليهود والنَّصارى - من كبار أمم (¬١) أهل الكتاب، والأمَّة اليهوديَّة أكبر (¬٢)؛ لأنَّ الشَّريعة كانت لموسى ﵇، وجميع بني إسرائيل كانوا متعبدين في ذلك مكلَّفين بالتزام أحكام التَّوراة. والإنجيل النَّازل على المسيح ﵇ لم يبيِّن أحكامًا، ولا استنبط (¬٣) حلالًا ولا (¬٤) حرامًا، ولكنها رموز وأمثال ومواعظ ومَزَاجر، وما سواها من الشرائع والأحكام فمُحالة على التَّوراة كما سنبيِّن. فكانت اليهود لهذه القضية لم ينقادوا لعيسى ﵇، وادّعَوا أنه كان مأمورًا بمتابعة موسى وموافقة التَّوراة، فغيَّروا وعَدوا عليه تلك التغييرات منها تغيير السَّبت إلى الأحد، ومنها تغيير أكل الخنزير فكان حرامًا في التوراة، ومنها الختان والغُسل وغير ذلك. والمسلمون قد بيَّنوا أنّ الأمَّتَيْن قد بدَّلوا وحرَّفوا، وإلا فعيسى ﵇ كان مُقرِّرًا لما جاء به موسى ﵇، وكلاهما مبشران بمَقدَم نبيِّنا نبيّ الرحمة ﷺ، قد أمرهم أئمتُهم وأنبياؤُهم وكتابهم بذلك، وإنما بنى أسلافهم الحصون والقِلاع بقرب المدينة لنصرة رسول آخر الزَّمان، وأمروهم بمهاجرة أوطانهم من الشَّام إلىتلك البقاع، حتى إذا ظهر وأعلن بفَارَان - يعني: جبال مكة - وهاجر إلى دار هجرته يثرب نصروه وعاونوه، وذلك قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩، ٩٠]. وإنما الخلاف بين اليهود والنصارى ما كان (¬١) يرتفع إلا بحكمة إذ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١١٣]. وكان النبيّ ﷺ يقول: ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨]. وما كان يمكن إقامتها إلا بإقامة القرآن وتحكيم نبيِّ الرَّحمة ورسول آخر الزَّمان، فلمَّا أبَوا ذلك ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١] قال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٥] مما يحتاجون إليه من أمر الدين، إشارة إلى تمام القسم العمليِّ ﴿وَتَفْصِيلًا﴾ إشارة إلى تمام القسم العلميِّ. واليهود تدّعي أنّ الشَّريعة لا تكون إلا واحدة، وهي ابتدأت بموسى ﵇ وتمَّت، ولم يكن قبله شريعة إلا حدود عقليَّة، وأحكام مصلحيَّة، ولم يجوِّزوا النَّسخ أصلًا، قالوا: ولا يكون بعدَه شريعة أخرى. ومن العجب أنَّ في التَّوراة أنّ الأسباط من بني إسرائيل كانوا يراجعون إلىالقبائل من بني إسماعيل، ويعلمون أنّ في ذلك الشعب عِلمًا لَدُنِّيا لم تشتمل التَّوراة عليه، وورد في التواريخ أنّ أولاد إسماعيل ﵇ كان يسمُّونهم: آل الله، وأهل الله، وأولاد إسرائيل: آل يعقوب آل موسى، آل هارون، وذلك كثير عظيم. (وقد ورد في) (¬١) التَّوراة أنّ الله تعالى جاء من طُوْرِ سَيْناء، وظهر بسَاعير، وعلن بفَاران. وساعير: جبال بيت المقدس الَّذي كان مظهر عيسى، وفَاران: جبال مكَّة التي كانت مظهرَ المصطفى ﷺ. ولما كانت الأسرار الإلهيَّة، والأنوار الربانيَّة في الوحي، والتنزيل، والمناجاة، والتأويل على ثلاث مراتب: مبدأ، ووسط، وكمال، والمجيء أشبه بالمبدأ، والظُّهور بالوسط، والإعلان بالكمال، عبَّر التوراة عن طلوع صبح الشَّريعة والتَّنزيل بالمجيئ على طُور سَيْناء، وعنْ طلوع الشَّمس بالظُّهور على سَاعير، و [عن] البلوغ إلى درجة الكمال بالاستواء والإعلان على فاران. وفي هذه الكلمة إثبات نبوَّة المسيح ﵇ وصاحب شريعتنا المصطفى ﷺ. وقد قال المسيح في الإنجيل: ما جئت لأُبْطل التَّوراة، بل جئْتُ لأكملها. قال صاحب التَّوراة: إن النَّفس بالنَّفس، والعينَ بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسِّن بالسِّن، والجروح قصاص. ويقول: إذا لطمك أخوك على خدِّك الأيمن فضع له خدَّك الأيسر. والشَّريعة الأخيرة وردَتْ بالأمْرَين: أمَّا القِصاص ففي قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْالْقِصَاصُ﴾ [سورة البقرة: ١٧٨]، وأمَّا العفو ففي قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]. ففي التَّوراة أحكام السِّياسة العامَّة الظَّاهرة، وفي الإنجيل أحكام السِّياسة الباطنة، وفي القرآن أحكام السِّياسَتين جميعًا؛ ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] إشارةٌ إلى تحقيق السِّياسة الظاهرة، ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] إشارةٌ إلى تحقيق السِّياسة الباطنة. والنَّسخ في الحقيقة ليس بإبطالٍ، بل هو تكميلٌ، وأحكام الكتب السَّالفة وشرائعها باقية بالكليَّة، وحقَّة ثابتة إلى ورود كتاب آخر ناسخ له، وإنَّ ما لم يُنسخ منها إلى الآن من الشرائع والأحكام ثابتة من حيث إنها من أحكام هذا الكتاب المصون عن النَّسخ إلى يوم القيامة، وهذه مسألة شرائع من قبلنا ثابتة ما لم تُنسخ. واعلم أنَّ القرآن هو المنزَّل على صاحب شريعتنا رسولِ الله ﷺ، المكتوبِ في المصاحف، المنقولِ عنه نقلًا متواترًا بلا شبهة، وهو النَّظم والمعنى جميعًا في قول عامَّة العلماء، وهو الصَّحيح من قول أبي حنيفة عندنا، إلَّا أنَّه لم يجعل النَّظم ركنًا لازمًا في حقِّ جواز الصَّلاة خاصَّة على ما يُعرف في موضعه، أي في المبسوط. هذا ما ذكره فخر الإسلام البَزْدَوي في "أصوله". وفي شرحه "كشف الأسرار": قوله (خاصة): تأكيد الصلاة، حتى لا يجوز الكتابة (¬١) بالفارسية، ولا يجوز الإصرار على القراءة بالفارسيَّة، حتى لو فعل ذلك يُلام ويُعزَّر.قال المولى عليُّ بن محمَّد (الشَّاهرُودي) (¬١) الشَّهير بالمولى مُصَنَّفَك في حاشيته "ديباجة الكشَّاف": إنَّ القرآن عند أبي حنيفة ﵀ هو النَّظم والمعنى جميعًا، إلَّا أنَّ النَّظم ركنٌ يحتمل السُّقوط دون المعاني، كالإقرار باللِّسان، والتَّصديق بالجنان، بل الصَّحيح من مذهبه على ما تقرَّر في موضعه أنَّ الكلام فيما جرى على لسانه من غير تعمُّد، أمَّا من تعمَّد فهو مجنون، أو زنديق، والمجنون يُدَاوى، والزِّنديق يُقتَل، وكيف لا، ولو كان كذلك لزم أن يكون كل كلام (¬٢) في بيان معاني القرآن كالأشعار والأبيات والتركيَّات والهنديَّات وغيرها قرآنًا، وهذا الأمر لا يقبله شرع ولا عقل، صرَّح بذلك الإمام أبو بكر محمَّد بن الفضل، وهو من أكابر الحنفيَّة) (¬٣). وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" في فصل قراءة القرآن في الصلاة: قال القاضي الإمام البَرْدَعي: إنما جوَّز أبو حنيفة ﵀ القراءةَ بالفارسيَّة لا بغيرها من الألسنة لقرب الفارسيَّة من العربيَّة، على ما جاء في الحديث: "لسان أهل الجنَّة العربيَّة والفارسيَّة" (¬٤).ولقد سبق زمام الكلام في بيداء هذا المقام، بعد تحرير البرهان وتهذيب العنوان، إلى تهذيب باب السُّلطان، وما نُجري إن شاء الله به عنان القلم، في موقف هذا الجناب المعظَّم (¬١) إلَّا إلى ما يطلق له الشرع، ويجيزه علماء الفرع، والله تعالى موفِّقٌ للصَّواب، ومعينٌ على اكتساب الجزيل من الثَّواب. * * *