Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

محمدٌ (¬١) رسولُ اللهِ ﷺ

ابن عبد البر - الاستيعاب في معرفة الأصحاب - ت التركي · page 189, entry [55]

الاستيعاب في معرفة الأصحاب - ت التركي — ابن عبد البر

Open narrator profile: محمدٌ (¬١) رسولُ اللهِ ﷺ
page 189, entry [55]Open original source
محمدٌ (¬١) رسولُ اللهِ ﷺ - لم يَختلف أهلُ العلمِ بالأنسابِ والأخبارِ، وسائِرُ العلماءِ بالأمصارِ، أنَّه ﷺ محمدُ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ بنِ هاشمِ بنِ عبدِ مَنافِ بن قُصَيِّ بنِ كِلابِ بن مُرَّةَ بن كعَبِ بن لُؤَيِّ بنِ غالبِ بنِ فِهْرِ بنِ مالكِ بنِ النَّضْرِ بنِ كِنانةَ بنِ خُزَيمةَ بنِ مُدْرِكةَ بنِ إِلياسَ بنِ مُضَرَ بنِ نِزارِ بنِ مَعَدِّ بنِ عدنانَ. هذا ما لم يختَلِفْ فيه أحدٌ مِن النَّاسِ، وقد رُوِي مِن أخبارِ الآحادِ عن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّه نَسَبَ نفسَه كذلك إلى نِزَارِ بن مَعَدِّ بنِ عَدنانَ (¬٢)، وما ذَكرْنا مِن إجماعِ أهلِ السِّيرِ والعِلمِ (¬٣) بالأثَرِ يُغنِي عمَّا سِوَاه (¬٤). واختَلفوا فيما بينَ عَدْنانَ وإسماعيلَ بنِ إبراهيمَ ﵉، وفيما بينَ إبراهيمَ وبينَ سامِ بنِ نوحٍ، بما (¬٥) لم أَرَ لذكرِه هاهنا وجهًا؛لكثرةِ الاضطرابِ فيه، وأنَّه لا يُوقَفُ منه على شيءٍ مُتَتابعٍ مُتَّفَقٍ عليه، وهُم مع (¬١) اختِلافِهم واضطرابِهم فيما ذَكَرْنا، مُجمِعون على أنَّ نِزَارًا بأَسرِها - وهي ربيعةُ ومُضَرُ - هي الصَّريحُ الصَّحِيحُ مِن ولدِ إِسماعِيلَ ﵇ على ما ذكَرْنا في كتابِ "القبائلِ مِن الرُّواةِ" عنه ﷺ، وهناك ذكرْنا أَصحَّ ما قيل في نَسبِه إلى آدمَ ﵇ (¬٢). وقال أبو الأسودِ محمدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، عن عُروَةَ بن الزُّبيرِ، قال: قال عمرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁: إنَّما نَنْتَسِبُ إلى مَعَدٍّ، وما بعدَ مَعَدٍّ لا نَدرِي ما هو (¬٣)؟. وقال ابنُ جُرَيجٍ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، عن عكرمةَ: أَضَلَّتْ نِزَارٌ نَسَبَها مِن عدنانَ (¬٤). وقال خليفةُ بنُ خَيَّاطٍ (¬٥)، عن ابنِ (¬٦) الكَلبِيِّ، عن أبيه، عن أبي صالحٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ: من مَعَدِّ بنِ عدنانَ إلى إسماعِيلَ ثلاثون أبًا. وليس هذا الإسنادُ ممَّا يُقْطَعُ بصِحَّتِه، ولكنَّه عمَّن عِلْمُ الأنسابِ صَنْعَتُه.وأَمَّا عَشيرتُه ﷺ ورَهْطُه وبَطْنُه الذي يَتَمَيَّزُ به مِن سائرِ بُطُونِ قُريشٍ (¬١): فهاشِمٌ، وقد ذكَرْنا بالأسانيدِ الحِسَانِ قولَه ﷺ: "إِنَّ اللهَ اصطفَى كِنانةَ مِن ولدِ إسماعيلَ، واصطفَى قُريشًا مِن كِنانةَ، واصطفَى مِن قُريشٍ بني هاشمٍ، واصطَفَانِي مِن بني هاشمٍ" (¬٢)، في كتابِ "الإنباهِ على (¬٣) القبائِلِ الرُّواةِ" عن النَّبِيِّ ﷺ (¬٤)، وهو مُضافٌ إلى هذا الكتابِ، والحمدُ للهِ. واسمُ هاشمٍ عمرٌو، وإنَّما قيل له: هاشِمٌ؛ لأنَّه أَوَّلُ مَن هَشَمَ الثَّرِيدَ لقومِه فيما زعَموا، واسمُ قُصَيٍّ زيدٌ، وهذا هو الأكثرُ، وقد قيل: يزيدُ، وإنَّما قيل له: قُصَيٌّ؛ لأنَّه تَقَصَّى مع أُمِّه، فاطمةُبنتُ سعدٍ، من بني عُذْرَةَ، ونَشَأَ مع أخوالِه مِن كلبٍ في باديتِهم، وبَعُدَ في مَغِيبِه ذلك عن مَكَّةَ، فسُمِّيَ بذلك قُصَيًّا، واللهُ أعلمُ، وكان يُدْعَى مُجَمِّعًا؛ لأنه جَمَّعَ قبائلَ قُرَيْشٍ بمَكَّةَ في حينِ انصرافِه إليها، وقد ذكَرْنا ذلك في صَدْرِ كتابِ "القبائلِ" (¬١)، وقِيل: اسمُ عبدِ مَنَافٍ المُغِيرةُ، ويُكْنَى أبا عبدِ شَمسٍ. وأمَّا عبدُ المُطَّلِبِ، فقيل: اسمُه عامِرٌ، ولا يَصِحُّ، واللهُ أعلمُ. وقيل: اسمُه شَيْبةُ، وقيل: بل اسمُه عبدُ المُطَّلِبِ، وكان يُقال له: شَيْبةُ الحمدِ؛ لشَيْبَةٍ كانَتْ في ذُؤَابَتِه ظَاهِرةٍ، ومَن قال: اسمُه شَيْبةُ، قال: إنَّما قيل له: عبدُ المُطَّلِبِ؛ لأنَّ أباه هاشِمًا قال لأخيه المُطَّلِبِ وهو بمَكَّةَ حينَ حَضَرَتْه الوَفاةُ: أدرِكْ عبدَ (¬٢) المُطَّلِبِ بِيَثْرِبَ، فمِن هناك سُمِّيَ عبدَ المُطَّلِبِ (¬٣)، ولا يَختَلِفون أنَّه يُكْنَى أبا الحارثِ بابنِه الحارثِ، وكان أكبرَ ولدِه. وأُمُّه سَلْمَى بنتُ زيدٍ، وقيل: بنتُ عمرِو بنِ زيدٍ، من بني عَدِيِّ ابنِ النَّجَّارِ، ويُقالُ: إِنَّه أَوَّلُ مَن خَضَبَ بالسَّوَادِ.أخبَرنا خلفُ بنُ قاسمٍ، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ عليُّ بنُ محمدِ بنِ إسماعيلَ الطُّوسِيُّ، قال: حدَّثنا [أبو العَبَّاسِ] (¬١) محمدُ بنُ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ السَّرَّاجُ، قال: حدَّثنا عُبَيدُ اللهِ بنُ سعدٍ الزُّهْرِيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ حنبلٍ، قال: سمِعتُ الشَّافِعِيَّ يقولُ: اسمُ عبدِ المُطَّلِبِ شَيبةُ بنُ هاشمٍ؛ وهاشمٌ اسمُه عمرُو بنُ عبدِ مَنافٍ، وعبدُ مَنافٍ اسمُه المُغِيرَةُ بنُ قُصَيٍّ، وقُصَيٌّ اسمُه زيدُ بنُ كِلابِ (¬٢) بنِ مُرَّةَ بنِ كعبِ بنِ لُؤَيٍّ، قال: وسَمِعتُ الشَّافِعِيَّ يقولُ: أبو طالبٍ اسمُه عبدُ مَنافِ بنُ عبدِ المُطَّلِبِ (¬٣). قال أبو عمرَ ﵁: وأُمُّ رسولِ اللهِ ﷺ آمِنَةُ بنتُ وهبِ بنِ عبدِ مَنافِ بنِ زُهْرةَ بن كِلابٍ، قُرَشِيَّةٌ زُهْرِيَّةٌ، تَزَوَّجَها عبدُ اللهِ بنُ عبدِ المُطَّلِبِ وهو ابنُ ثلاثينَ سنةً، وقيل: بل كان يومَئذٍ ابنَ خمسٍ وعشرينَ سنةً، خرَج به أبوه عبدُ المُطَّلِبِ إلى وهبِ بنِ عبدِ مَنافٍ فزَوَّجَه ابنَتَه، وقيل: كانَتْ آمِنةُ في حَجْرِ عَمِّها وهَيبِ بنِ عبدِ مَنافِ ابنِ زُهْرَةَ، فأَتاه عبدُ المُطَّلِبِ، فخَطَبَ إليه ابنتَه هالةَ بنتَ وُهَيبٍ لنفسِه، وخطَب على ابنِه عبدِ اللهِ [ابنةَ أخيه] (¬٤) آمِنةَ بنتَ وهبٍ، فزَوَّجَه وزَوَّجَابنَه في مَجلِسٍ واحدٍ، فَوَلَدَتْ آمِنةُ لعبدِ اللهِ رسولَ اللهِ ﷺ، ووَلَدَتْ هالةُ لعبدِ المُطَّلِبِ حمزةَ، فأَرضَعَتْ رسولَ اللهِ ﷺ وحمزةَ ثُوَيبَةُ جاريةُ أبي لَهَبٍ، وأَرضَعَتْ معهما أبا سَلَمَةَ بن عبدِ الأَسَدِ، فكان رسولُ اللهِ ﷺ يُكرِمُ ثُوَيبَةَ، وكانَتْ تَدخُلُ على النبيِّ ﷺ بعدَ أَنْ تَزوَّجَ خديجةَ، وكانَتْ خديجةُ تُكرِمُها، وأَعتَقَها أبو لَهبٍ بعدَ ما هاجَر رسولُ اللهِ ﷺ إلى المدينةِ، فكان رسولُ اللهِ ﷺ يَبْعَثُ إليها مِن المدينةِ بكِسوَةٍ وصِلَةٍ حَتَّى ماتَتْ بعدَ فتحِ خيبرَ، فَبَلَغَتْ وَفَاتُها النبيَّ ﷺ، فسأَلَ عن ابنِها مَسْروحٍ، وبلَبنِه أَرضَعَتْهم، فقيلَ له: قد مات، فسألَ عن قَرَابَتِها؛ فقيل له: لم يَبْقَ منهم أحدٌ. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أَصبَغَ، قال: حَدَّثنا محمدُ بنُ وَضَّاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شَيْبَةَ، قال: حدَّثنا عليُّ ابنُ مُسْهِرٍ، عن ابنِ أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أُرِيدَ على ابنةِ حمزةَ، فقال: "إنَّها ابنةُ أخي مِن الرَّضاعةِ، وإنَّه يَحْرُمُ مِن الرَّضاعةِ ما يَحْرُمُ مِن النَّسَبِ" (¬١). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أَصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ القَطَّانُ، عن شُعبَةَ، عن قتادةَ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ،قال: قيل للنَّبيِّ ﷺ: أَلَا تَتَزَوَّجُ ابنةَ حمزةَ؟ قال: "إنَّها ابنةُ أخي مِن الرَّضاعةِ" (¬١). وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسمٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ ابنُ أَصْبَغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا أبو النَّضرِ، قال: حدَّثنا الليثُ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عن عِرَاكِ بنِ مالكٍ، أنَّ زينبَ بنتَ أبي سَلَمةَ أخبَرتْه، أنَّ أمَّ حبيبةَ، قالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّا قد تَحَدَّثْنا أَنَّك ناكِحٌ دُرَّةَ (¬٢) بنتَ (¬٣) أَبي سَلَمَةَ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "أعلى أمِّ سَلَمَةَ؟ لو أنِّي لم أَنكِحْ أُمَّ سَلَمةَ لم تَحِلَّ لي؛ إنَّ أَباها أخي مِن الرَّضاعةِ" (¬٤). ثُمَّ (¬٥) استُرضِعَ له ﷺ في (¬٦) بني سعدِ بنِ بكرٍ حَلِيمةُ بنتُ أبي ذُؤَيبٍ السَّعْدِيةُ، ورَدَّتْه ظِئْرُه حَلِيمةُ إِلى أُمِّه آمِنةَ بنتِ وهَبٍ بعد خمسِسنينَ ويومينِ مِن مَولِده، وذلك سنةَ سِتٍّ مِن عامِ الفِيلِ، فَأَخْرَجَتْه أُمُّه آمِنةُ إلى أخوالِ أبيه بني النَّجَّارِ تَزُورُهم به بعدَ سبعِ سنينَ مِن عامِ الفيلِ، وتُوُفِّيَتْ أُمُّه آمِنةُ بعدَ ذلك بشهرٍ بالأَبْوَاءِ (¬١) ومعها النَّبِيُّ ﷺ، فَقَدِمَتْ به أُمُّ أيمنَ مَكَّةَ بعد موتِ أُمِّهِ بخَمسةِ أيَّامٍ، وسنذكُرُ خبرَ حَلِيمةَ وخبرَ أُمِّ أيمنَ في بابَيْهما مِن (¬٢) كتابِ النِّساءِ (¬٣) إنْ شاء اللهُ تعالى. قال الزُّبَيرُ (¬٤): حَمَلَتْ (¬٥) به أُمُّه ﷺ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ في شِعْبِ أبي طالبٍ عندَ الجَمْرةِ الوُسْطَى، ووُلِدَ ﷺ بمَكَّةَ فِي الدَّارِ التي كانَتْ تُدْعَى لمُحمَّدِ بن يُوسُفَ أخي الحَجَّاجِ بنِ يوسفَ، وذلك يومَ الاثنَينِ لاثنتَي عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِن شهرِ رمضانَ (¬٦)، وقيل: بل وُلِدَ يومَ الاثنَينِ في ربيعٍ الأوَّلِ لليلَتَينِ خَلَتَا منه. قال أبو عمرَ ﵁: وقد قيل: لثَمانٍ خَلَونَ منه، وقيل: إنَّه وُلِدَ (¬٧)أَوَّلَ اثْنَيْنِ مِن ربيعٍ الأوَّلِ، وقيل: لاثنَتَيْ عَشْرَةَ ليلةً خَلَتْ منه عامَ الفيلِ؛ إذْ ساقَه الحَبَشةُ إلى مَكَّةَ في جيشِهم يَغْزُونَ البيتَ، فرَدَّهم اللهُ عنه، وأرسَل عليهم طَيْرًا أبابيلَ فأَهلَكَهُم (¬١). وقيل: إنَّه وُلِد في شِعْبِ بني هاشمٍ. ولا خلافَ أنَّه وُلِد عامَ الفيلِ، فرُوِي عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: وُلِد رسولُ اللهِ ﷺ يومَ الفيلِ (¬٢). وهذا يَحتَمِلُ أنْ يكونَ أرادَ اليومَ الذي حَبَسَ اللهُ الفيلَ فيه عن وَطْءِ الحَرَمِ (¬٣)، وأهلَكَ الذينَ جاءُوا به، ويَحتَمِلُ أن يكونَ أرادَ بقولِه: يومَ الفيلِ: عامَ الفيلِ. وقيل: وُلِد رسولُ اللهِ ﷺ بعدَ قُدُومِ الفيلِ بشَهرٍ، وقيل: بأربعينَ يومًا، وقيل: بخمسينَ يومًا. فأمَّا (¬٤) الخُوَارِزمِيُّ محمدُ بنُ موسى (¬٥)، فقال: كان قُدُومُ الفِيلِمَكَّةَ وأصحابِه لثلاثَ عَشْرَةَ ليلةً بَقِيَتْ (¬١) مِن المُحَرَّمِ (¬٢)، وقد قال ذلك غيرُ الخُوَارِزمِيِّ أيضًا، وزادَ: يومَ الأحدِ، قال: وكان أَوَّلَ المُحَرَّمِ تلك السَّنةِ يومُ الجُمُعَةِ. قال الخُوَارِزمِيُّ: ووُلِدَ رسولُ اللهِ ﷺ بعدَ ذلك بخمسينَ يومًا، يومَ الاثنينِ لثَمانٍ خَلَتْ مِن ربيعٍ الأَوَّلِ، وذلك يومَ عشرينَ مِن نَيْسانَ (¬٣)، قال: وبُعِثَ نَبِيًّا يومَ الاثنَينِ لثَمانٍ أيضًا مِن ربيعٍ الأولِ، سنةً إِحدَى وأربَعِينَ مِن عامِ الفيلِ، فكانَ مِن مَولدِه ﷺ إلى أن بعَثهُ اللهُ ﷿ أربعونَ سنةً ويومٌ، ومِن مَبْعَثِهِ إِلَى أَوَّلِ المُحَرَّمِ مِن السَّنةِ التي هاجَر فيها اثنتا عَشْرَةَ سنةً وتسعةُ أَشْهُرٍ وعشرونَ يومًا، وذلك ثلاثٌ وخمسونَ سنةً تامَّةً مِن أَوَّلِ عامِ الفيلِ. أخبَرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ (¬٤)، حدَّثنا [محمدُ بنُ] (¬٥) معاويةَ، حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الفِريَابِيُّ، حدَّثنا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا ابنُ لَهِيعَةَ، عن خالدِ بنِ أبي عِمرانَ، عن حَنَشٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، قال:وُلِدَ نَبِيُّكُم ﷺ يومَ الاثنَين، وخرَج مِن مَكَّةَ يوم الاثنَينِ، ودخَل المدينةَ يومَ الاثنَينِ، وكانَتْ بدرٌ يومَ الاثنَينِ، وتُوُفِّي يومَ الاثنينِ ﷺ (¬١). قال أبو عمرَ ﵁: الأكثرُ على أن وَقعَةَ بدرٍ كانَتْ يومَ الجُمعةِ صَبِيحةَ سبعَ عَشْرَةَ مِن رمضانَ، وما رأيتُ أَحَدًا ذكَر أنَّها كانَتْ يومَ الاثنَينِ إِلَّا في هذا الخبرِ مِن روايةِ ابنِ لَهِيعةَ، عن خالدِ بنِ أبي عِمرانَ، عن حَنَشٍ، ولا حُجَّةَ في مِثلِ هذا الإسنادِ عندَ جميعِهم، إذْ خالَفه مَن هو أكثرُ منه. قال الخُوَارِزمِيُّ: وقَدِمَ رسولُ اللهِ ﷺ المدينةَ مُهاجِرًا يومَ الاثنينِ، وهو اليومُ الثَّامِنُ مِن ربيعٍ الأوَّلِ سنةَ أَرَبَعٍ وخمسينَ [مِن عامِ الفِيلِ] (¬٢)، وهي سَنَةُ إحدَى (¬٣) مِن الهجرةِ، ويومُ عشرينَ مِن أَيلُولَ (¬٤)، فكانَ مِن مَبْعَثِه إلى يومِ هاجَر ودخَل المدينةَ ثلاثَ عَشْرَةَ سنةً كاملةً، ومَكَثَ بالمدينةِ عَشْرَ سنينَ وشَهرَينِ إلى أن مات ﷺ، وذلك يومَ الاثنَينِ أَوَّلَ يومٍ مِن ربيعٍ الأَوَّلِ سنةَ أربعٍ وسِتِّينَ مِن عامِالفيلِ، ومِن الهجرةِ سنةَ إحدَى عَشْرَةَ. هذا كُلُّه قولُ الخُوَارِزمِيِّ، وهذا الذي قال الخُوارِزميُّ هو مَعْنَى قَولِ ابنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أقام بمِكَّةَ ثلاثَ عَشْرَةَ سنةً - يعني: بعدَ المَبْعَثِ - وبالمدينةِ عَشْرَ سِنِينَ (¬١)، ويشهدُ لصِحَّةِ ذلك قولُ أبي قَيْسٍ صِرْمَةَ بن قَيسٍ الأَنصارِيِّ (¬٢): ثَوَى فِي قُرَيْشٍ بِضِعَ عَشْرَةَ حِجَّةً … يُذَكِّرُ لو يَلْقَى صديقًا مُواتِيَا (¬٣) ويَعرِضُ في أهلِ المَواسِمِ نَفْسَهُ … فلَمْ يَرَ مَن يُؤوِي ولَمْ يَرَ دَاعِيَا فلمَّا أَتَانَا واستَقَرَّتْ به النَّوَى … وأَصْبَحَ مَسْرُورًا بِطَيْبَةَ رَاضِيَا وأَصْبَحَ لا يَخْشَى ظُلامَةَ ظَالِمٍ … بَعِيدٍ ولا يَخْشَى مِنَ النَّاسِ بَاغِيَا بَذَلْنا له الأموالَ مِن جُلِّ مالِنا … وأَنفُسَنا عندَ الوَغَى والتَّآسِيَا نُعَادِي الذي عَادَى مِنَ النَّاسِ كُلِّهِم … جَمِيعًا وإن كان الحَبِيبَ المُوَاتِيَا ونَعْلَمُ أَنَّ اللهَ لا شَيءَ غيرُه … وأنَّ كِتابَ اللهِ أَصْبَحَ هَادِيَا ورُوِّينا هذه الأبياتَ مِن طُرُقٍ عن سفيانَ بنِ عُيَينةَ، عن يحيى بنِ سعيدٍ الأنصارِيِّ، وهذه (¬٤) أَكمَلُ الرِّوَايَاتِ فيها: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثني أبِي، قال: حدَّثني أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا قَاسِمُ بنُ محمدٍ إملاءً،قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المُنذِرِ الحِزَامِيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَينةَ، قال: سَمِعتُ عمرَو بنَ دينارٍ، يقولُ (¬١): قلتُ لِعُرُوةَ بن الزُّبَيرِ: كَمْ لَبِثَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ؟ قال: عَشْرَ سِنِينَ، فقلتُ: إِنَّ ابنَ عَبَّاسٍ كان (¬٢) يقولُ: لَبِثَ بِمَكَّةَ بضعَ عَشْرَةَ سنةً، فقال: إِنَّما أَخَذه مِن قولِ الشَّاعِرِ. قال سفيانُ بنُ عُيَينةَ: وأخبَرنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: سَمِعْتُ عَجُوزًا مِن الأنصارِ تقولُ: رأيتُ ابنَ عَبَّاسٍ يَختَلِفُ إِلى صِرْمَةَ بنِ قَيْسٍ يَتَعَلَّمُ منه هذه الأبياتَ: ثَوَى فِي قُرَيْشٍ بِضْعَ عَشْرَةَ حِجَّةً … يُذَكِّرُ لو ألْفَى (¬٣) صَدِيقًا مُوَاتِيَا فذَكَر الأبياتَ كما ذكَرتُها سَوَاءً إلى آخِرِها (¬٤). قال أبو عمرَ ﵁: وماتَ أبوه عبدُ اللهِ بنُ عبدِ المُطَّلِبِ وأُمُّه حَامِلٌ به، وقيل: بل تُوفِّيَ أبوهُ بالمدينةِ والنَّبِيُّ ﷺ ابنُ ثمانيةٍ وعشرينَ شهرًا، وقبرُه بالمدينةِ في دارٍ مِن دُورِ بَنِي عَدِيٍّ بَنِ النَّجَّارِ، وكان خرَج إلى المدينةِ يَمتارُ تَمرًا، وقيل: بل خرَج به إلى أخوالِه زائِرًا وهو ابنُ سَبعَةِ أَشهُرٍ، وقيل (¬٥): تُوفِّيَ أبوه وهو ابنُ شهرينِ، فَكَفَلَه جَدُّه عبد المُطَّلِب.وفي خبرِ سيفِ بنِ ذِي يَزَنَ: ماتَ أبوهُ وأُمُّه، فكَفَلَه جَدُّه وعَمُّه (¬١)، وقد قيل: إِنَّ عبدَ اللهِ بن عَبدِ المُطَّلِبِ تُوفِّي وَالنَّبِيُّ ﷺ ابنُ ثَمَانِيةٍ وعشرينَ شهرًا. وروى ابنُ وَهْبٍ، عن يُونسَ، عن ابنِ شِهَابٍ، قال: بعَث عبدُ المُطَّلِبِ ابنَه عبدَ اللهِ يَمْتَارُ له تَمْرًا مِن يَثْرِبَ فماتَ بها (¬٢). وكانت وفاتُه وهو شابٌّ عندَ أخوالِه بني النَّجَّارِ بالمدينةِ، ولم يَكُنْ له ولدٌ غيرُ رسولِ اللهِ ﷺ. وتُوفِّيتْ أُمُّه آمِنَةُ بالأَبْوَاءِ بينَ مَكَّةَ والمدينةِ، وهو ابنُ سِتِّ سِنينَ، وقيل: ابنُ سبعِ سنينَ، وقال محمدُ بنُ حبِيبٍ (¬٣) في كتابِه "المُحَبَّرِ" (¬٤): تُوفِّيتْ أمُّه ﷺ وهو ابنُ ثَمَانِ سِنينَ، قال (¬٥): وتُوفِّي جَدُّه عبد المُطَّلِبِ بعدَ ذلك بسنةٍ وأحدَ عَشَرَ شَهرًا، سنةَ تِسعٍ (¬٦) مِن أوَّلِ عام الفِيلِ.وقيل: إنَّه تُوفِّيَ جَدُّه عبدُ المُطَّلِبِ وهو ابنُ ثَمانِ سِنينَ، وقيل: بل تُوفِّيَ جَدُّه وهو ابنُ ثلاثِ سِنِينَ، فأَوصَى به إلى أبي طالبٍ، فصَارَ في حَجْرِ عَمِّه أبي طالبٍ حتى بَلَغَ خمسَ عَشْرَةَ سنةً، وكان أبو طالِبٍ يُحِبُّه، ثمَّ انفرد بنفسِه، وكان مائلًا إلى عمِّه أبي طالبٍ؛ لوَجاهَتِهِ في بني هاشمٍ وسِنِّه، وكان مع ذلك شَقِيقَ أبيه. وخرَج النَّبِيُّ ﷺ مع عمِّهِ في تجارةٍ إلى الشَّامِ سنةَ ثلاثَ عَشْرَةَ مِن الفيلِ، فرَآه بَحِيرَا الرَّاهِبُ، فقال: احتَفِظوا به فإِنَّه نَبِيٌّ. وشَهِدَ بعدَ ذلك بثَمانِ سِنينَ يومَ الفِجارِ سَنَةَ إحدى وعِشْرِينَ، وخرَج إلى الشَّامِ في تِجارةٍ لخديجةَ بنتِ خُوَيلِدٍ، فرَآه نُسْطُورُ الرَّاهِبُ وقد أَظَلَّتْه غَمَامةٌ، فقال: هذا نَبِيٌّ، وذلك سنةَ خَمسٍ وعشرينَ، وتزَوَّج رسولُ اللهِ ﷺ خديجةَ بنتَ خُوَيلدِ بنِ أَسَدٍ بعدَ ذلك بشَهرَينِ وخمسةٍ وعشرينَ يومًا، في عَقِبِ صفرٍ سنةَ سِتٍّ وعشرينَ، وذلك بعدَ خمسٍ وعشرينَ سنةً وشهرينِ وعَشَرَةِ أَيَّامٍ مِن يومِ الفيلِ، وقال الزُّهْرِيُّ: كانَتْ سِنُّ رسولِ اللهِ ﷺ يومَ تَزَوَّجَ خديجةَ إحدَى وعشرينَ سنةً (¬١)، وقال أبو بكرِ بنُ عثمانَ وغيرُه: كان يومَئذٍ ابنَ ثلاثينَ سنةً (¬٢)، قالوا: وخديجةُ يومَئذٍ بنتُ أربعينَ سنةً، وُلِدَت قبلَ الفيلِ بخَمْسَ عَشْرَةَ سنةً. وشَهِدَ رسولُ اللهِ ﷺ بُنيانَ الكَعبةِ، وتَرَاضَتْ قُرَيشٌ بحُكمِه فيوَضعِ الحَجَرِ (¬١) بعدَ ذلك بعَشْرِ سنينَ، وذلك سنةَ ثلاثٍ وثلاثينَ (¬٢). قال أبو عمرَ ﵁: لو صَحَّ هذا لكانَتْ سِنُّ خديجةَ يومَ تَزَوَّجَها خمسًا وأربعينَ سنةً. وقال محمدُ بنُ جُبَيرِ بنِ مُطْعِمٍ: بُنَيَتِ الكعبةُ على رأسِ خمسٍ وعشرينَ سنةً من عامِ الفيلِ (¬٣)، وقيل: بل كان بينَ بُنيانِ الكعبةِ وبينَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ خمسُ سنينَ. ثُمَّ تَنبَّأَه اللهُ تعالى وهو ابنُ أربعين سنةً، وكان أولَ يومٍ [أَوْحَى اللهُ إليه فيه] (¬٤) يومَ الاثنَينِ، فَأَسَرَّ رسولُ اللهِ ﷺ أمرَه ثلاثَ سنينَ أو نحوَها، ثمَّ أمَره اللهُ ﷿ بإظهارِ دِينِه والدُّعاءِ إليه، فأظهَره بعدَ ثلاثِ سنينَ (¬٥) مِن مَبْعَثِه. وقال الشعبيُّ: أُخبِرْتُ أنَّ إسرافيلَ تَرَاءَى له ثلاثَ سنينَ (¬٦). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أَصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ، قال حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثناحَمَّادُ بنُ سَلَمةَ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن الشعبيِّ، قال: بُعِثَ رسولُ اللهِ ﷺ لأربعين، وُكِّلَ به إسرافيلُ ﵇ ثلاثَ سنينَ، ثمَّ وُكِّلَ به جِبْرِيلُ ﵇ (¬١). قال: وأخبَرنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: حدَّثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن الشَّعبيِّ، قال: نُبِّئَ رسولُ اللهِ ﷺ، فذكَر مثلَه. قال: ثُمَّ بُعِثَ إليه جبريلُ ﵇ بالرِّسالةِ. قال: وأخبَرنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أَبي عَدِيٍّ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن عامرٍ الشَّعبيِّ، قال: أُنزِلَتْ عليه النُّبُوَّةُ وهو ابنُ أربعينَ سنةً، فقُرِنَ بِنُبُوَّتِه إسرافيلُ ﵇ ثلاثَ سنينَ، فكان يُعَلِّمُه الكلمةَ والشَّيءَ، ولم يَنْزِلْ عليه القرآنُ على لسانِه، فلمَّا مَضَتْ ثلاثُ سنينَ قُرِنَ بِنُبُوَّتِهِ جبريلُ ﵇، فَنَزَلَ القرآنُ على لسانِه عشرينَ سنةً (¬٢). وقيل: كان مَبْعَثُه ﷺ وهو ابنُ أربعينَ سنةً وشهرينِ وعَشَرَةِ أَيَّامٍ، وقيل: بل كان مَبْعَثُه ﷺ لتَمامِ أربعينَ سنةً مِن مَولِده يومَ الاثنينِ للَيلتَينِ خَلَتَا مِن ربيعٍ الأوَّلِ سنةَ أربعينَ، وممِّن قال: إِنَّه نُبِّئَ وهو ابنُ أربعينَ: عبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ، ومحمدُ بنُ جُبَيرِ بن مُطْعِمٍ، وَقَبَاثُ بنُأَشْيَمَ، وعطاءٌ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وأنسُ بنُ مالكٍ (¬١)، وهو الصَّحِيحُ عند أهلِ السِّيَرِ وأهل العلمِ بالأَثَرِ. فلمَّا دَعا قومَه إلى دِينِ اللهِ تعالى نابَذوه (¬٢)، فَأَجَارَهُ عمُّه أبو طالبٍ، ومنَع منه قريشًا؛ لأنَّهم أرَادوا قتلَه؛ لِمَا دَعَاهُمْ إِليه مِن تَرْكِ ما كانوا عليه هُم وآباؤُهُم، ومُفارَقتِه لهم في دِينِهم، وتَسفِيهِ أحلامِهم في عبادةِ أصنامٍ (¬٣) لا تُبْصِرُ ولا تَسْمَعُ، ولا تَضُرُّ ولا تَنفَعُ، فَلَم يَزَلْ في جِوَارِ عمِّهِ أبي طالبٍ إلى أنْ تُوفِّيَ (¬٤)، وذلك في النَّصفِ مِن شَوالٍ في السَّنةِ الثَّامِنَةِ، وقيل: العاشِرةِ مِن مَبْعَثِ النَّبيِّ ﷺ. وحَصَرَتْ قُرَيشٌ النَّبيَّ ﷺ وأهلَ بيتِه بني (¬٥) هاشمٍ، ومعهم بنو المُطَّلِبِ في الشِّعْبِ بعدَ المَبْعَثِ بسِتِّ سِنِينَ، فَمَكَثوا في ذلك الحِصَارِ ثلاثَ سنِينَ، وخرَجوا منه في أَوَّلِ سنةِ خمسينَ مِن عامِ الفيلِ، وتُوفِّيَ أبو طالبٍ بعدَ ذلك بسِتَّةِ أشهُرٍ، وتُوفِّيتْ خديجةُ بعدَه بثلاثةِ أيامٍ، وقد قيل غيرُ ذلك، ووُلِد عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ ﵁ في الشِّعْبِ قبلَ خُرُوجِ بني هاشمٍ منه، وقيل: إِنَّه وُلِدَ قبلَ الهِجْرةِ بثَلاثِ سنينَ، وكان ابنَ ثلاثَ عَشْرَةَ سنةً يومَ ماتَ رسولُ اللهِ ﷺ، وكان أبو طالبٍ قد أسلَم ابنَه عَليًّاإلى رسولِ اللهِ ﷺ؛ وذلك أنَّ قُرَيشًا أَصابَتْهم أَزمَةٌ شديدةٌ، وكان أبو طالبٍ ذا عِيَالٍ كثيرٍ (¬١)، فقال رسولُ اللهِ ﷺ للعبَّاسِ عمِّهِ، وكان مِن أَيسَرِ بني هاشمٍ: "يا عَبَّاسُ، إنَّ أخاكَ أبا طالبٍ كثيرُ العِيَالِ، فَانطَلِقُ بِنا فلنُخَفِّفْ (¬٢) عنه مِن عِيالِه"، فقال: نَعَمْ، فَانطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا أبا طالبٍ، فقالا له: إِنَّا نُرِيدُ أن نُخَفِّفَ عنك مِن عِيالك حتى يَكشِفَ اللهُ عن النَّاسِ ما هُم فيه، فقال لهما أبو طالبٍ: إذا تَرَكْتُما لى عَقِيلًا فاصْنَعَا ما شِئْتُما، فأخَذ رسولُ اللهِ ﷺ عَلِيًّا فَضَمَّه إليه، وأخَذَ العَبَّاسُ جعفرًا فضَمَّه إليه، فلَم يَزَلْ عَليٌّ ﵁ مع رسولِ اللهِ ﷺ حتَّى ابتَعَثَه اللهُ نَبِيًّا، وحتَّى أزَوجَه (¬٣) منِ ابنتِه فاطمةَ ﵄ (¬٤). وتزَوَّجَ رسولُ اللهِ ﷺ خديجةَ وهو ابنُ خمسٍ وعشرينَ سنةً، على اختلافٍ في ذلك قد ذكَرْناه (¬٥). وكان مَوتُها بعدَ موتِ عمِّهِ أبي طالبٍ بأيَّامٍ يَسيرةٍ، قيل: ثلاثةِ أيَّامٍ (¬٦)، وقيل: سبعةٍ (¬٧)، وقيل: كان بينَ مَوتِ أبي طالبٍ ومَوتِخديجةَ شهرٌ وخمسةُ أَيَّامٍ. وتُوفِّيَ أبو طالبٍ وهو ابنُ بِضْعٍ وثمانينَ سنةً، وتُوفِّيتْ خديجةُ وهي ابنةُ خمسٍ وستينَ سنةً، فكانَتْ مُصِيبَتَانِ تَوَالَتَا على رسولِ اللهِ ﷺ بوَفاةِ عمِّهِ أبي طالبٍ ووفاةِ خديجةَ ﵂، وقيل: بل تُوفِّيتْ خديجةُ بعدَما تَزَوَّجَها رسولُ اللهِ ﷺ بأربعٍ وعشرينَ سنةً وستةِ أشهُرٍ وأربعةِ أيَّامٍ قبلَ الهجرةِ بثلاثِ سنينَ وثلاثةِ أَشهُرٍ ونصفِ شهرٍ. وفى عامِ وفاةِ خديجةَ تَزَوَّجَ رسولُ اللهِ ﷺ[سَوْدةَ وعائشةَ] (¬١)، ولم يَتَزَوَّجُ على خديجةَ حتَّى ماتَتْ ﵂. وكانَتْ وفاةُ أبي طالبٍ وخديجةَ قبلَ الهجرةِ بثلاثِ سنينَ، وقيل: بِسَنَةٍ، وقيل: كانَتْ وفاتُهما سنةَ عَشْرٍ مِن المَبْعَثِ في أَوَّلِها، واللهُ أعلمُ. حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضلِ، حدَّثنا محمدُ (¬٢) بنُ جريرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى الصَّنعانِيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وأخبَرنا خلفُ بنُ قاسمٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ القاسمِ بنِ معروفٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عليِّ بنِ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا يحيى بنُ مَعِينٍ، قال: حدَّثنا هشام بنُ يُوسُفَ، عن مَعْمَرٍ، عَن الزُّهْرِيِّ، عنسعيدِ بن المُسَيَّبِ، عن أبيه - ولَفظُهما والمعنى سَواءٌ - قال: لمَّا حَضَرَتْ أبا طالبٍ الوفاةُ، دخَل عليه رسولُ اللهِ ﷺ وعندَه أبو جهلِ بنُ هشامٍ وعبدُ اللهِ بنُ أَبِي أُمَيَّةَ، فقال: "يا عَمِّ، قُلْ: لا إلهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أَحَاجُّ لك بها عندَ اللهِ"، فقال له أبو جهلٍ وعبدُ اللهِ بنُ أبي أُمَيَّةَ: يا أبا طالبٍ، أتَرْغَبُ عن مِلَّةِ عبدِ المُطَّلِبِ؟ فلَم يَزَالا به حتَّى كان آخِرَ شَيءٍ تَكَلَّمَ به: أنا على مِلَّةِ عبدِ المُطَّلِبِ، فقال النَّبِيُّ ﷺ: "لأَسْتَغفِرَنَّ لَكَ ما لم أُنْهَ عنك"، فَنَزَلَتْ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ إلى آخِرِ الآيةِ [التوبة: ١١٣]. ونَزَلَتْ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (¬١) [القصص: ٥٦]. قال ابنُ شِهَابٍ: قال عُرُوةُ بنُ الزُّبَيرِ: ما زَالوا - يعني قُرَيشًا - كافِّينَ عن رسولِ اللهِ ﷺ حتَّى ماتَ أبو طالبٍ (¬٢).ولم تَمُتْ خديجةُ، فيما ذكَر ابنُ إسحاقَ وغيرُه، إلَّا بعدَ الإسراءِ، وبعد أنْ صَلَّتِ الفريضة مع رسولِ اللهِ ﷺ (¬١). قال ابنُ إسحاقَ وغيرُه: لمَّا تُوفِّيَ أبو طالبٍ وتُوفِّيَتْ بعدَه خديجةُ بأيَّامٍ يَسيرةٍ خرَج رسولُ اللهِ ﷺ إلى الطَّائفِ، ومعه زيدُ بنُ حارثةَ، وطلَب منهم المَنَعةَ، فأقامَ عندَهم شهرًا ولم يَجِدْ فيهم خيرًا، ثمَّ رجَع إلى مَكَّةَ في جِوَارِ المُطْعِمِ بنِ عَدِيٍّ (¬٢). قيل: كان ذلك سنةَ إحدَى وخمسينَ مِن الفيلِ، وفيها قَدِمَ عليه جِنُّ نَصِيبِينَ (¬٣) بعد ثلاثةِ أَشْهُرٍ فأسلَموا. وأُسرِي به إلى بيتِ المَقْدِسِ بعدَ سنةٍ ونصفٍ مِن حينِ رُجُوعِه إلى مَكَّةَ مِن الطَّائِفِ سنةَ اثْنَتَيْنِ وخمسينَ (¬٤). وقد ذكَرنا الاختِلَاف في تاريخِ الإسراءِ في كتابِ "التمهيد" عندَ ذكرِ فرضِ الصَّلاةِ (¬٥)، والحمدُ للهِ.قال ابنُ شِهَابٍ، عن ابنِ المُسَيَّبِ: عُرِجَ به ﷺ إلى بيتِ المَقْدِسِ وإلى السَّماءِ قَبلَ خُرُوجِه إلى المدينةِ بسنةٍ (¬١). وقال غيرُه: كان بينَ الإسراءِ إلى اليومِ الذي هاجَر فيه رسولُ اللهِ ﷺ سَنَةٌ وشَهْرَانِ، وذلك سنةَ ثلاثٍ وخمسينَ مِن الفيلِ. قال أبو عمرَ ﵁: قال ابنُ إسحاقَ وغيرُه: مَكَثَ رسولُ اللهِ ﷺ بعدَ مَبْعَثِهِ بمَكَّةَ إلى أنْ أذِنَ اللهُ تعالى له بالهجرةِ دَاعِيًا إلى اللهِ صابِرًا على أَذَى قُرَيْشٍ وتَكْذِيبِهم له إلَّا مَن دخَل في دينِ اللهِ منهم، واتَّبَعَه على ما جاء به مِمَّن هاجَر إلى أرضِ الحبشةِ فَارًّا بدِينِه، ومَن بَقِيَ معه بمَكَّةَ فِي مَنَعَةٍ مِن قومِه، حتَّى أَذِنَ اللهُ له بالهجرةِ إلى المدينةِ، وذلك بعدَ أنْ بايَعَه وُجُوهُ الأوسِ والخَزْرَجِ بالعقبةِ على أنْ يُؤْووه ويَنْصُرُوه حتَّى يُبَلِّغَ عن اللهِ رسالتَهُ، ويُقاتِلَ مَن عانَده وخالَفه، فهاجَر إلى المدينةِ، وكان رَفِيقَه إليها (¬٢) أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ لم يُرَافِقُ غيرَه مِن أصحابِه، وكان يَخدِمُهما في ذلك السَّفَرِ عامِرُ بنُ فُهَيرةَ. وكان مُكْثُه بمَكَّةَ بعدَ أنْ بَعَثَه اللهُ ﷿ ثلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقيل: عَشْرَ سِنِينَ، وقيل: خمسَ عَشْرَةَ سنةً، والأَوَّلُ أكثرُ وأَشهَرُ عندَ أهلِ السِّيَرِ.ثم أُذِنَ له في الهجرةِ إلى المدينةِ يومَ الاثنَينِ، فخرجَ [مع أبي] (¬١) بكرٍ إليها، وكانَتْ هِجرتُه إلى المدينةِ في ربيعٍ الأَوَّلِ، وهو ابنُ ثلاثٍ وخمسينَ سنةً، وقَدِمَ المدينةَ يومَ الاثنَينِ قريبًا مِن نصفِ النَّهارِ فِي الضُّحَى الأعلى لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ ليلةً خَلَتْ مِن ربيعٍ الأَوَّلِ. هذا قولُ ابنِ إسحاقَ (¬٢). وقال ابنُ إسحاقَ وغيرُه: كانَتْ بَيعةُ العقبةِ (¬٣) في أوسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ في ذي الحِجَّةِ، وكان مَخْرَجُ النَّبيِّ ﷺ إلى المدينة بعدَ العقبةِ بشَهَرينِ ولَيَالٍ؛ وخرَج لإهلالِ (¬٤) ربيعٍ الأَوَّلِ، وقَدِمَ المدينةَ لثِنتَي (¬٥) عَشْرةَ ليلةً مَضَتْ منه (¬٦). قال أبو عمرَ ﵁: قد رُوِيَ عن ابنِ شِهَابٍ أَنَّه قَدِمَ المدينةَ لهلالِ ربيعٍ الأولِ (¬٧).وقال عبدُ الرَّحمنِ بنُ المُغِيرةِ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المدينةَ يومَ الاثنَينِ لثَمَانٍ خَلَونَ مِن شهرِ ربيعٍ الأَوَّلِ سنةَ إحدَى، وقال الكَلبِيُّ (¬١): خرَج مِن الغارِ ليلةَ الاثنَينِ أَوَّلَ يومٍ مِن ربيعٍ الأَوَّلِ، وقَدِمَ المدينةَ يومَ الجُمعةِ لاثنَتَيْ عَشْرَةَ ليلةً خَلَتْ منه (¬٢). قال أبو عمرَ ﵁: وهو قولُ ابن إسحاقَ إِلَّا فِي تَسْمِيةِ اليوم؛ فإنَّ ابنَ إسحاقَ يقولُ: يومَ الاثنَينِ، والكلبيُّ يقولُ: يومَ الجُمعةِ، واتَّفَقَا: لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ ليلةً خَلَتْ مِن ربيعٍ الأَوَّلِ، وغيرُهما يقولُ: لِثَمَانٍ خَلَتْ منه، فالاختِلافُ أيضًا في تاريخِ قُدومِه المدينةَ كما تَرَى. قال ابنُ إسحاقَ (¬٣): فنزَل على أبي قَيسٍ كلثومِ بنِ الهَدْمِ بن امرِيءِ القَيسِ أحدِ بني عمرِو بنِ عوفٍ، فأقامَ عندَه أربعةَ أيَّامٍ، وقيل: بل كان نُزُولُه في بني عمرِو بنِ عوفٍ على سعدِ (¬٤) خَيثمةَ، والأَوَّلُ أكثرُ. فأقامَ رسولُ اللهِ ﷺ في بَنِي عمرِو بنِ عوفٍ يومَ الاثنَينِ والثُّلاثَاءِ والأربعاءِ والخميسِ، وأَسَّسَ، مسجدَهم، وخرَج مِن بني عمرِو بنِ عوفٍ مُنتَقِلًا إلى المدينةِ، فَأَدْرَكَتْه الجُمُعةُ في بني سالمٍ فَصَلَّاها فيبطنِ الوادي، ثمَّ احْتَلَّ (¬١) المدينةَ، فنَزَلَ على أبي أيوبَ الأنصارِيِّ، فلَمْ يَزَلْ عندَه حَتَّى بَنَى مَسجِدَه في تلكَ السَّنَةِ، وبَنَى مَساكِنَه ثُمَّ انتَقَلَ، وذلك في السَّنَةِ الأُولى مِن هِجَرَتِه. وقال غيرُ ابنِ إسحاقَ: نَزَلَ في بني عمرِو بن عوفٍ مِن يومِ الاثنَينِ إلى الجُمُعَةِ، ثمَّ خرَج مِن عندِهم غَداةَ يومِ الجُمُعةِ على رَاحِلَتِه معه النَّاسُ، حتَّى مَرَّ ببَنِي سالمٍ لوَقتِ الجُمُعةِ، فَجَمَّعَ بهم، وهي أَوَّلُ جُمُعةٍ جَمَّعَها رسول اللهِ ﷺ بالمدينةِ، ثمَّ رَكِبَ لا يُحَرِّكُ رَاحِلتَه، ويقولُ (¬٢): "دَعُوها فإنَّها مَأْمُورَةٌ"، فَمَشَتْ حَتَّى بَرَكَتْ في مَوضِعِ مَسجِدِه الذي أنزَله اللهُ به في بَنِي النَّجَّارِ، فنزَل عَشِيَّةَ الجُمُعةِ سنةَ ثلاثٍ وخمسينَ مِن عامِ الفيلِ (¬٣). ومِن مَقْدَمِهِ المدينةَ أُرِّخَ التَّارِيخُ في زمنِ عمرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁، ولَمْ يَغْزُ رسولُ اللهِ ﷺ بنفسِه تلكَ السَّنَةَ، وآخَى بينِ المهاجِرينَ والأنصارِ بعدَ ذلك بخَمْسَةِ أَشْهُرٍ، وبعَث حمزةَ عَمَّه في جُمادَى الأُولَى، فكان أَوَّلَ مَن غَزَا في سبيلِ اللهِ، وأَوَّلَ مَن عُقِدَتْ له رايةٌ في الإسلامِ، خرَج في ثلاثينَ راكبًا إلى سِيفِ البحرِ (¬٤)، فلَقُوا أبا جَهلِابنَ هشامٍ في ثلاثِمائةٍ مِن قُرَيْشٍ، فَحَجَزَ بينَهم رجلٌ مِن جُهَينَةَ، فافتَرَقوا مِن غيرِ قتالٍ، ثمَّ بَعَثَ عُبَيدةَ بنَ الحارثِ في خمسينَ راكِبًا يُعارِضُ عِيرًا لقُرَيشٍ، فلَقُوا جمعًا كثيرًا فتَرَامَوا بالنَّبِلِ، ولم يَكُنْ بينَهم مُسايَفةٌ. وقيل: إِنَّ سَرِيَّةَ عُبَيدةَ كانَتْ قبلَ سَرِيَّةِ حمزةَ، وفيها رمَى سعدٌ، وكان أَوَّلَ سهمٍ رُمِي به في سبيلِ اللهِ، وقيل: أَوَّلُ لِوَاءٍ عقَده رسولُ اللهِ ﷺ لعبدِ اللهِ بنِ جَحشٍ، والأوَّلُ أَصَحُّ، واللهُ أعلمُ. والأكثرُ على أنَّ سَرِيَّةَ عبدِ اللهِ بن جَحْشٍ كَانَتْ في سنةِ اثْنَتَيْنِ فِي غُرَّةِ رجبٍ إلى نَخْلةَ (¬١)، وفيها قُتِلَ ابنُ الحَضرَمِيِّ لَلَيلَةٍ بَقِيَتْ مِن جُمادَى الآخرةِ، ثمَّ غَزَا رسولُ اللهِ ﷺ أهلَ الكُفْرِ مِن العربِ، وبعَث إليهم السَّرَايا، وكانَتْ غَزَواتُه بنفسِه سِتًّا وعشرينَ غَزوةً، هذا أكثرُ ما قيل في ذلك. وكانَتْ أَشرَفَ غزواتِه وأعظَمَها حُرْمةً عندَ اللهِ تعالى وعندَ رسولِه والمسلمِين غزوةُ بدرٍ الكبرى؛ حيثُ قتَل اللهُ ﷿ صَنادِيدَ قُرَيشٍ، وأظهَر دِينَه مِن يومِئذٍ، وكانَتْ بدرٌ في السَّنةِ الثَّانيةِ (¬٢) مِنالهِجرةِ لسَبعَ عَشْرَةَ مِن رمضانَ، وليس في غَزواتِهِ ما يَعْدِلُ بها في الفضلِ ويَقْرُبُ منها إلَّا غزوة الحُدَيبِيةِ، حيثُ كانَتْ بيعةُ الرِّضوانِ، وذلك سنةَ سِتٍّ مِن الهجرةِ. وكانَتْ بُعُوثُه وسَرَاياه خمسًا وثلاثينَ مِن بينِ بَعْثٍ وَسَرِيَّة. قال أحمدُ بنُ حنبلٍ وغيرُهُ (¬١): عن وكيعٍ، عن أبيه وإسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، قال: سألتُ زيدَ بن أَرقَمَ: كم غَزَا رسولُ اللهِ ﷺ؟ قال: تسعَ عَشْرةَ غزوةً، وغَزَوتُ معه سبعَ عَشْرَةَ غَزْوةً، وَسَبَقَنِي بِغَزاتَينِ. واعتَمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ ثلاثَ عُمَرٍ، وفي قولِ مَن جعَله في حَجَّتِه قارِنًا أربعًا (¬٢)، وقد بَيَّنَّا ذلك في كتابِ "التَّمهيدِ" (¬٣). وافْتُرِضَ عليه الحَجُّ بالمدينةِ، وكذلك سائِرُ الفَرائِضِ فيما أُمِر به أو حُرِّمَ عليه إلا الصَّلاةَ؛ فإنَّها افْتُرِضَتْ عليه (¬٤) حينَ أُسرِيَ به مِن المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصَى، وذلك بمَكَّةَ، ولم يَحُجَّرسولُ اللهِ ﷺ مِن المدينةِ غيرَ [حَجَّتِه الواحدةِ] (¬١) حَجَّةِ الوداعِ، وذلك في سنةِ عَشْرٍ مِن الهِجرَةِ. وتَزَوَّجَ رسولُ اللهِ ﷺ عددًا كثيرًا مِن النِّسَاءِ، خُصَّ مِن ذلك دونَ أُمَّتِه بجَمْعِ أكثرَ مِن أربعٍ، وأُحِلَّ له منهنَّ (¬٢) ما شاء، فالمُجتمَعُ عليه مِن أزواجِه إحدَى عَشرةَ امرأةً، وهُنَّ: خديجةُ (¬٣)، أَوَّلُ زوجةٍ كانَتْ له، لم يَجْمَعْ قَطُّ معها غيرَها، وسنذكُرُ [أخبارَها ونسبَها وولدَها] (¬٤) مِن النَّبيِّ ﷺ، وكثيرًا مِن فضائلِها وخبرِها في بابِها مِن كتابِ النِّساءِ مِن هذا الدِّيوانِ (¬٥)، وكذلك نَذكُرُ كلَّ واحدةٍ مِنْهُنَّ في موضعِ اسمِها مِن ذلك (¬٦) الكتابِ، إنْ شاء اللهُ (¬٧). ثُمَّ سَوْدَةُ بنتُ زَمْعَةَ بنِ قيسٍ، مِن بني عامرِ بن لُؤَيٍّ، تَزَوَّجَها في قولِ الزُّهْرِيِّ قبلَ عائشةَ ﵂ بمَكَّةَ (¬٨)، وبَنَى بها بمَكَّةَ فِي سنةِ عَشْرٍ مِن النُّبُوَّةِ. وعائشةُ بنتُ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ تَزَوَّجَهَا بِمَكَّةَ قبلَ سَوْدَةَ، وقيل:بعدَ سَوْدةَ، وأجمَعوا أنَّه لم يَبْتنِ (¬١) بها إلا بالمدينةِ، قيل: سنةَ هاجَر. وقيل: سنةَ اثنَتَينِ مِن الهجرةِ في شَوَّالٍ، وهي ابنةُ تسعِ سنينَ، وكانَتْ في حينِ عقَد عليها بنتَ سِتِّ سنينَ، وقيل: بنتَ سبعِ سنينَ. وحفصةُ بنتُ عمرَ بنِ الخَطَّابِ، تَزَوَّجَها سنةَ ثلاثٍ في شعبانَ (¬٢). وزينبُ بنتُ خُزَيمةَ، وهي مِن بنِي عامرِ بنِ صَعصَعَةَ، كان يُقالُ لها: أمُّ المساكينِ، تَزَوَّجَها سنةَ ثلاثٍ، فكانَتْ عندَه شهرَينِ أو ثلاثةً، وتُوفِّيتْ، ولم يَمُتْ (¬٣) مِن أزواجِه في حياتِه غيرُها، وغيرُ خديجةَ قبلَها. وأمُّ سَلَمَةَ بنتُ أبي أُمَيَّةَ بنِ المُغيرةِ المَخزُومِيَّةُ، واسمُها هندٌ، تَزَوَّجَها سنةَ أربعٍ في شَوَّالٍ. وزينبُ بنتُ جَحشٍ الأَسَدِيَّةُ مِن بني أَسدِ بنِ خُزَيمَةَ، تَزَوَّجَها في سنةِ خَمسٍ مِن الهِجرةِ، في قولِ قتادةَ، وخالَفه غيرُه على ما نَذكُرُه في بابِها مِن كتابِ النِّساءِ، [والحمدُ للهِ] (¬٤).وأمُّ حبيبةَ بنتُ أبي سفيانَ بنِ حربِ بنِ أُمَيَّةَ (¬١)، واسمُها رَمْلةُ، تَزَوَّجَها (¬٢) سنةَ سِتٍّ، وبنَى بها سنةَ سبعٍ، زَوَّجَه إيَّاها النَّجَاشِيُّ (¬٣)، واختُلِف فيمَن عقَد عليها على ما يأتي به الخبرُ عندَ ذكرِها في بابِها مِن كتابِ النِّساءِ، إنْ شاء اللهُ (¬٤). وجُوَيْرِيَةُ بنتُ الحارثِ بنِ أبي ضِرَارٍ مِن بني المُصْطَلِقِ، كَانَتْ قد وَقَعَتْ في سهمِ ثابتِ بنِ قيسٍ، وذلك في سنةِ سِتٍّ، وقيل: سنةِ خمسٍ، فكاتَبَها، فأَدَّى رسولُ اللهِ ﷺ كِتابَتَها وتَزَوَّجَها. ومَيْمونةُ بنتُ الحارثِ [بنِ حَزْنٍ] (¬٥) الهِلالِيَّةُ، مِن بني هلالِ بنِ (¬٦) عامرِ بن صَعْصَعَةَ، نَكَحَها سنةَ سبعٍ في عُمرَةِ القضاءِ، على حَسَبِ ما ذكَرْناه في بابِها مِن كتابِ النِّساءِ (¬٧). وصَفِيَّةُ بنتُ حُيَيِّ بنِ أَخطَبَ اليَهودِيِّ، وَقَعَتْ في سَهمِ دِحْيَةَ بنِخليفةَ الكَلْبِيِّ، فاشتَراها رسولُ اللهِ ﷺ منه بأَرْؤُسٍ اختَلَفوا في عددِها، وأعتَقَها وتَزَوَّجَها، وذلك سنةَ سبعٍ. فهؤلاءِ أزواجُه اللَّوَاتِي لم يُختَلَفُ فِيهِنَّ، وهُنَّ إحدَى عَشْرَةَ امرأةً؛ مِنْهُنَّ سِتٌّ مِن قُرَيشٍ، وواحدةٌ مِن بني إسرائيلَ مِن ولدِ هارونَ ﵇، وأربعٌ مِن سائرِ العربِ، تُوفِّي في حياتِه مِنهُنَّ اثْنَتَانِ؛ خديجةُ بنتُ خُوَيلِدِ بنِ أَسَدٍ بمَكَّةَ، وزينبُ بنتُ خُزَيمةَ بالمدينةِ، وتَخَلَّفَ (¬١) مِنْهُنَّ تِسْعًا (¬٢) بعدَه ﷺ. وأمَّا اللَّوَاتي اختُلِفَ فِيهِنَّ مِمَّن ابتَنَى بها وفارَقَها، أو عقَد عليها ولم يَدْخُل بها (¬٣)، أو خطَبها ولم يَتِمَّ له العقدُ معَها، فقد اختُلِفَ فِيهِنَّ وفي أسبابِ فِرَاقِهِنَّ اختلافًا كثيرًا، يُوجِبُ التَّوقُّفَ عن القطعِ بالصِّحَّةِ في واحدةٍ مِنْهُنَّ، وقد ذكَرْنا جميعَهُنَّ، كلَّ واحدةٍ مِنْهُنَّ في بابِها مِن كتابِ النِّساءِ مِن كتابِنا هذا، والحمدُ للهِ. [ثم بدأ برسولِ اللهِ] (¬٤) ﷺ مرضُه الذي ماتَ منه (¬٥) يومَ الأربعاءِ، للَيلَتَينِ بَقِيَتَا مِن صَفَرٍ سنةَ إحدَى عَشْرةَ في بيتِ مَيمُونةَ، ثم انتَقَلَ حِينَ اشتَدَّ وَجَعُه إلى بيتِ عائشةَ، وكان ﷺ قد وُلِدَ يومَ الاثنَينِ،ونُبِّئَ يومَ الاثنَينِ، وخرَج مِن مَكَّةَ مُهاجِرًا يومَ الاثنَينِ، وقَدِمَ المدينةَ يومَ الاثنَينِ، وقُبِضَ ﷺ يومَ الاثنَينِ ضُحًى في مثلِ الوقتِ الذي دخَل فيه المدينةِ، لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ (¬١) ليلةً خَلَتْ مِن ربيعٍ الأَوَّلِ، سنةَ إحدَى عَشْرَةَ مِن الهجرةِ، ودُفِنَ يومَ الثُّلاثاءِ حينَ زَاغَتِ الشَّمسُ، وقيل: بل دُفِنَ ليلةَ الأربعاءِ. ذكَر ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثَتْني فاطمةُ بنتُ محمدٍ، عن (¬٢) عَمْرةَ، عن عائشةَ، قالت: ما عَلِمْنا بدَفْنِ رسولِ اللهِ ﷺ حَتَّى سَمِعْنا صوتَ المَسَاحِي (¬٣) مِن جوفِ اللَّيلِ ليلةَ الأربعاءِ ﷺ (¬٤). وصلَّى عليه عليٌّ والعَبَّاسُ ﵄ وبَنو هاشمٍ، ثمَّ خرَجوا، ثم دخَل المُهاجِرُون، ثمَّ الأنصارُ، ثمَّ النَّاسُ، يُصَلُّونَ عليه أَفَذَاذًا (¬٥)، لا يَؤُمُّهُم أحدٌ، ثمَّ النِّسَاءُ والغِلمَانُ. وقد أكثَر النَّاسُ في ذكرِ مَن أدخَله في قبرِه، وفي هيئةِ كَفَنِه،وفي صفةِ خَلْقِه وخُلُقِه وشَيبِه، وغَزواتِه وسِيَرِه ﷺ بِمَّا (¬١) لا سبيلَ في كتابِنا هذا إلى ذكرِه، وإنَّما أجْرَينا مِن ذكرِه ﷺ ههُنا (¬٢) لُمَعًا يَحْسُنُ الوقوفُ عليها والمُذاكَرةُ بها؛ تَبَرُّكًا بذِكرِه في أَوَّلِ الكتابِ، واللهُ المُوَفِّقُ للصَّوَابِ. وأَصَحُّ ذلك أنَّه نزَل في قبرِه ﷺ العَبَّاسُ عَمُّه وعليٌّ معه وقُثَمُ بنُ العَبَّاسِ والفضلُ بنُ العَبَّاسِ، ويُقالُ: كان أَوسُ بنُ خَوْلِيٍّ وأُسامةُ بنُ زيدٍ معهم، وكان آخِرَهم خُرُوجًا مِن القبرِ قُثَمُ بنُ العَبَّاسِ، كان آخِرَ النَّاسِ عَهْدًا برسولِ اللهِ ﷺ، ذكر ذلك ابنُ عَبَّاسٍ وغيرُه (¬٣)، وهو الصَّحِيحُ. وقد ذُكِرَ عن المُغِيرةِ بن شُعبةَ في ذلك خبرٌ لا يَصِحُّ، أَنكَره أهلُ العلمِ ودفَعوه (¬٤).[وأُلحِدَ (¬١) له ﷺ، وبُنِيَ في قبرِه اللَّبِنُ، يُقالُ: تِسْعُ (¬٢) لَبِنَاتٍ] (¬٣). وطُرِحَ في قَبرِه سَمَلُ (¬٤) قَطِيفَةٍ كان يَلْبَسُها، فلمَّا فرَغوا مِن وَضْعِ اللَّبِنِ أخرَجوها وأَهالوا التُّرَابَ على لَحدِه، وجُعِلَ قبرُه مَسطُوحًا، ورُشَّ عليه الماءُ رَشًّا. أخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضَّاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شَيبَةَ، قال: حدَّثنا حُسَينُ بنُ عليٍّ الجُعْفِيُّ، عن زائدةَ بنِ قُدامةَ، عن المُختارِ بن فُلْفُلٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "ما صُدَّقَ نبيٌّ ما صُدِّقتُ؛ إِنَّ مِن الأنبياءِ مَن لم يُصَدِّقْه مِن أُمَّتِهِ إِلَّا رجلٌ واحدٌ" (¬٥). وأمَّا فَضائِلُه وأعلامُ نُبُوَّتِه ﷺ فقد وضَع (¬٦) فيها جماعةٌ مِن العلماءِ، وجمَع كلٌّ منها (¬٧) ما انتَهَتْ إليه رِوايَتُه ومُطالَعَتُه، وهي أكثرُ مِن أنْ تُحْصَى، [والحمدُ للهِ] (¬٨).وممَّا رُثِيَ به [رسولُ اللهِ] (¬١) ﷺ قولُ صَفِيَّةَ عَمَّتِه (¬٢)، قال الزُّبَيرُ (¬٣): حدَّثني عَمِّي (¬٤) مصعبُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: حدَّثني أبي عبدُ اللهِ بنُ مصعبٍ، قال: رَوَيْتُ من (¬٥) هشامِ بنِ عُروةَ لصَفِيَّةَ بنتِ عبدِ المُطَّلِبِ تَرْثِي رسولَ اللهِ ﷺ: أَلَا يا رسولَ اللهِ كُنتَ رجاءَنا … وكُنتَ بِنا بَرًّا ولم تَكُ جَافِيَا وكُنتَ رَحِيمًا هَادِيًا ومُعلِّمًا … لِيَبْكِ عليكَ اليومَ مَن كان بَاكِيَا لَعَمُرُكَ ما أَبكِي النَّبِيَّ لفَقْدِهِ … ولكِنْ لِما أَخْشَى مِن الهَرْج آتِيَا كأنَّ على قَلبِي لذِكرِ محمدٍ … وما خِفْتُ مِن بعدِ النَّبِيِّ المَكاوِيَاأَفَاطِمُ صَلَّى اللهُ ربُّ محمدٍ … على جَدَثٍ أَمْسَى بِيَثْرِبَ ثَاوِيَا فَدًى (¬١) لرَسولِ اللهِ أُمِّي وخَالَتِي … وعَمِّي وآبائِي ونَفْسِي وَمَالِيَا صَدَقْتَ وبَلَّغْتَ الرِّسالةَ صادِقا … ومِتَّ صَلِيبَ العُودِ أَبْلَجَ صَافِيَا فلَو أَنَّ رَبَّ النَّاسِ أَبْقَى نَبَيَّنا … سُعِدْنَا (¬٢) ولكِنْ أمْرُه كان مَاضِيَا عليكَ مِن اللهِ السَّلامُ تَحِيَّةً … وأُدخِلْتَ جَنَّاتٍ مِن العَدْنِ رَاضِيَا أَرَى حَسَنًا أَيْتَمْتَه وتَرَكْتَه … يَبْكِي ويَدْعُو جَدَّه اليومَ نَائِيَا (¬٣) وكان له ﷺ أسماءٌ وصفاتٌ جاءَتْ عنه في أحادِيثَ شَتَّى بأسانِيدَ حِسَانٍ؛ قال: "أنا محمدٌ، وأنا أحمدُ، وأنا الحاشِرُ الذي يُحشَرُ النَّاسُ على قَدَمِي، وأنا المَاحِي الذي يَمْحُو اللهُ بي الكُفْرَ، وأنا الخاتم (¬٤)، ختَم اللهُ بِيَ النُّبُوَّةَ، وأنا العاقِبُ فَلَيسَ بَعْدِي نَبِيٌّ" (¬٥)، و "أنا المُقَفِّي - يعني: بعدَ الأنبياءِ كلِّهم - ونَبِيُّ التَّوبَةِ، ونَبِيُّ الرَّحمةِ، ونَبِيُّ المَلْحَمَةِ" (¬٦)، ويُروى: "المَلاحِمِ"، جَاء هذا كلُّهُ عنه في آثارٍ شَتَّى مِن طُرُقٍ حِسَانٍ (¬٧).وكان يُكْنَى أبا القاسمِ ﷺ، لا خلافَ في ذلك. حدَّثنا يَعِيشُ بنُ سعيدٍ وسعيدُ بنُ نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا أبو الأَحوَصِ محمدُ بنُ الهَيثَمِ، قال: حدَّثنا أبو يَعقُوبَ الحُنَينِيُّ، عن داودَ بن قَيسٍ، عن موسى بنِ يَسَارٍ، عن أبي هُرَيرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "تَسَمَّوْا باسمِي، ولا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتي، فإنِّي أنا أبو القاسمِ" (¬١). وحدَّثني عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السَّلامِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا أبوعاصمٍ، قال: حدَّثنا ابنُ عَجْلانَ، عن أبيه، عن أبي هُرَيرةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ، قال: "لا تَجْمَعُوا بينَ اسْمِي وكُنْيَتي؛ فإنَّما أنا أبو القاسمِ، اللهُ يُعْطِي، وأنا أَقْسِمُ" (¬١). وأمَّا وَلَدُه ﷺ فكُلُّهُم من خديجة إلا إبراهيمَ، فإنَّه مِن مارِيَةَ القِبْطِيَّة، ووَلَدُه مِن خديجةَ أربعُ بناتٍ لا خلافَ في ذلك، أَكبَرُهُنَّ زينبُ بلا خلافٍ، وبعدَها أُمُّ كُلثومٍ، وقيل: بل رُقَيَّةُ، [وهو الأَولَى] (¬٢)؛ لأنَّ رُقَيَّةَ تَزَوَّجَها عثمانُ قبلُ، ومعها هاجرَ إلى أرضِ الحبشةِ، ثم تَزَوَّجَ بعدَها وبعدَ وقعَةِ بدرٍ أُمَّ كُلثومٍ، وسيأْتي ذكِرُ كلِّ واحدةٍ مِنهُنَّ في بابِها مِن كتابِ النِّساءِ في هذا الدِّيوانِ (¬٣) إن شاءَ اللهُ، وقد قيل: إنَّ رُقَيَّةَ أَصغَرُهُنَّ، والأكثرُ (¬٤) أَنَّ أَصْغَرَهُنَّ فاطمةُ، رضي اللهُ عن جميعِهِنَّ. واختُلِفَ في الذُّكورِ؛ فقيل: أربعةٌ؛ القاسمُ، وعبدُ اللهِ، والطَّيِّبُ، والطَّاهِرُ، وقيل: ثلاثةٌ، ومَن قال هذا قال: عبدُ اللهِ سُمِّيَ الطَّيِّبَ؛ لأنَّه وُلِدَ في الإسلامِ، ومَن قال: غُلامانِ، قال: القاسمُ، وبهكان يُكْنَى ﷺ، وعبدُ اللهِ، قيل له: الطَّاهِرُ والطَّيِّبُ؛ لأنَّه وُلِدَ بعدَ المَبْعَثِ، ووُلِدَ القاسمُ قبلَ المَبْعَثِ، ومات القاسِمُ بمَكَّةَ قبلَ المَبْعَثِ، وقد ذكَرْنا الاختلافَ في ذلك كُلِّه، وسَمَّينا القائِلِينَ به في بابِ خديجةَ مِن كتابِ النِّساءِ هذا [الدِّيوانِ، والحمدُ للهِ] (¬١). حدَّثنا أبو عمرَ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ قِراءةً مِنِّي عليه، أنَّ (¬٢) محمدَ بنَ عيسى حدَّثهم، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أيوبَ (¬٣) العَلَّافُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أبي السَّرِيِّ العَسْقَلانِيُّ، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مُسلِمٍ، عن شُعَيبِ بنِ أبي حَمْزَةَ، عن عطاءٍ الخُرَاسَانِيِّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عبدَ المُطَّلِبِ خَتَنَ النَّبِيَّ ﷺ يومَ سابعِه، وجعَل له مأدُبةً، وسَمَّاه محمدًا ﷺ، قال يحيى بنُ أيوبَ: ما وَجَدْنا هذا الحديثَ عندَ أحدٍ إِلَّا عندَ ابنِ أبي السَّرِيِّ (¬٤). وقد رُوِي أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ وُلِدَ مَخْتونًا مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ، عن أبيه العَبَّاسِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ، قال: وُلِدَ رسولُ اللهِ ﷺ مَختونًا مَسرورًا، يعني: مَقْطُوعَ السُّرَّةِ، فَأَعْجَبَ ذلك جَدَّه عبدَ المُطَّلِبِ، وقال: لَيَكُونَنَّ لابنِي هذا شأنٌ عظيمٌ (¬٥)، وليس إسنادُحديثِ العَبَّاسِ هذا بالقائمِ، وفي حديثِ ابنِ عَبَّاسٍ عن أبي سفيانَ (¬١) في قِصَّتِه مع هِرَقْلَ (¬٢)، وهو حديثٌ ثابتٌ مِن جهةِ الإسنادِ، دليل على أنَّ العربَ كانَتْ تَخْتَتِنُ، وأَظنُّ ذلك من جهةِ مُجاوَرَتِهِم في الحجازِ ليهود (¬٣)، واللهُ أعلمُ. واختُلِف في سِنِّهِ ﷺ يومَ مات؛ فقيل: سِتُّونَ سنةً، روَى ذلك ربيعةُ وأبو غالبٍ عن أنسِ بنِ مالكٍ (¬٤)، وهو قولُ عُروةَ بنِ الزُّبَيرِ ومالِك بنِ أنسٍ (¬٥)، وقد روَى حَميدٌ عن أنسٍ، قال: تُوفِّي رسولُ اللهِ وهو ابنُ خمسٍ وسِتِّينَ (¬٦)، ذكَره أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ، عن المُثَنَّى بنِ مُعاذٍ، عن بشرِ بنِ المُفَضَلِ، عن حُمَيدٍ، عن أنسٍ (¬٧)، وهو قولُ دَغْفَلِابنِ حَنْظَلَةَ السَّدُوسِيِّ (¬١) النَّسَّابةِ، ورَوَاه مُعاذٌ، عن هشامٍ، عن قتادةَ، عن أنسٍ (¬٢)، ورَوَاه الحسنُ البَصْرِيُّ، عن دَغْفَلِ [بنِ عليٍّ] (¬٣)، قال: تُوفِّي رسولُ اللهِ ﷺ وهو ابنُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ سنةً (¬٤)، ولم يُدْرِكْ دَغْفَلُ النَّبيَّ ﷺ، وقال البخاريُّ (¬٥): ولا نَعرِفُ للحسنِ سَمَاعًا مِن دَغْفَلٍ. قال البخاريُّ (¬٦): وروَى عَمَّارُ بنُ أبي عَمَّارٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: تُوفِّيَ رسولُ اللهِ ﷺ وهو ابنُ خمسٍ وسِتِّينَ. قال البخاريُّ (¬٦): ولا يُتابَعُ عليه عن ابنِ عَبَّاسٍ، إلا شيءٌ رَواه العلاءُ بنُ صالحٍ، عن المِنْهالِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ. قال البخاريُّ (¬٦): روَى عكرمةُ وأبو سَلَمةَ وأبو ظَبْيانَ وعمرُو بنُ دينارٍ عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قُبِضَ وهو ابنُ ثلاثٍوسِتِّينَ (¬١). قال أبو عمرَ ﵁: قد تابَع عَمَّارَ بنَ أبي عَمَّارٍ على روايتِه المذكورةِ عن ابنِ عَبَّاسٍ: يوسف بنُ مِهْران عن ابنِ عَبَّاسٍ في خمسٍ وسِتِّينَ (¬٢). والصَّحِيحُ عندَنا روايةُ مَن روى ثلاثًا وسِتِّين، رَواه عن ابنِ عَبَّاسٍ مَن تقدَّم ذِكرُ البخاريِّ لهم في ذلك، ورَواه كما رَواه أُولئِكَ مِمَّن لم يَذكُرُه البخاريُّ: أبو جَمرةَ (¬٣)، ومحمدُ بن سِيرِينَ، ومِقْسَمٌ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ تُوفِّي وهو ابنُ ثلاثٍ وسِتِّينَ (¬٤)، ولم يُختَلَفْ عن عائشةَ أَنَّه تُوفِّي ﷺ وهو ابنُ ثلاثٍ وسِتِّينَ (¬٥)، وهو قولُ محمدِ بنِ عليٍّ (¬٦)، وجريرِ بنِ عبدِ اللهِالبَجَلِيِّ (¬١)، وأبي إسحاقَ السَّبِيعِيِّ، ومحمدِ بنِ إسحاقَ (¬٢). أخبَرنا خلفُ بنُ قاسمِ بنِ سهلٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ جعفرِ ابنِ (¬٣) محمدِ بنِ الوَرْدِ، قال: حدَّثنا قال: حدَّثنا يحيى بنُ أَيُّوبَ بن بادِي (¬٤) وأحمدُ بنُ حَمَّادٍ، قالا: حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ اللهِ بنِ بُكَيرٍ، قال: حدَّثني اللَّيثُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني خالدُ بنُ يزيدَ، عن سعيدِ بنِ أبي هلالٍ، عن [هلالِ بنِ سَلَمةَ (¬٥)، عن عطاءِ] (¬٦) بنِ يسارٍ، عن عبدِ اللهِابنِ سَلَام، أنَّه كان يقولُ: إِنَّا لَنَجِدُ صِفَةَ رسولِ اللهِ ﷺ: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وحِرْزًا للأُمِّيِّينَ، أنتَ عَبدِي ورَسُولِي، سَمَّيتُك المُتَوَكِّل، ليس (¬١) بِفَظٌ ولا غَلِيظٍ، وَلا صَخَّابٍ (¬٢) في الأسواقِ، ولا يَجْزِي بالسَّيِّئَةِ (¬٣) مِثلَها، ولكِنْ يَعفو ويَتَجاوَزُ، ولن أقبضَه (¬٤) حَتَّى أُقِيمَ به (¬٥) المِلَّةَ العَوْجَاءَ (¬٦)، بأن يُشْهَدَ أَنْ لا إلهَ إِلَّا اللهُ، أَفْتَحُ بِه أَعيُنًا عُمْيًا، وآذَانًا صُمًّا، وقُلُوبًا غُلْفًا. قال عطاءُ بنُ يَسَارٍ: وأخبَرني أبو واقدٍ اللَّيثيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ كعبَ الأحبارِ يقولُ مثلَ ما قال عبدُ اللهِ بنُ سَلامٍ (¬٧).. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Chronology

  • Birth Year Ah

    4

    ٍ كانَتْ له، لم يَجْمَعْ قَطُّ معها غيرَها، وسنذكُرُ [أخبارَها ونسبَها وولدَها] (¬٤) مِن النَّبيِّ ﷺ، وكثيرًا مِن فضائلِها وخبرِها في بابِها مِن كتابِ النّ

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Death Year Ah

    2

    َث عبدُ المُطَّلِبِ ابنَه عبدَ اللهِ يَمْتَارُ له تَمْرًا مِن يَثْرِبَ فماتَ بها (¬٢). وكانت وفاتُه وهو شابٌّ عندَ أخوالِه بني النَّجَّارِ بالمدينةِ، ولم يَ

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Death Year Ah

    2

    الزُّبَيرِ: ما زَالوا - يعني قُرَيشًا - كافِّينَ عن رسولِ اللهِ ﷺ حتَّى ماتَ أبو طالبٍ (¬٢).ولم تَمُتْ خديجةُ، فيما ذكَر ابنُ إسحاقَ وغيرُه، إلَّا بعدَ الإسراءِ،

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Death Year Ah

    5

    مِن كتابِنا هذا، والحمدُ للهِ. [ثم بدأ برسولِ اللهِ] (¬٤) ﷺ مرضُه الذي ماتَ منه (¬٥) يومَ الأربعاءِ، للَيلَتَينِ بَقِيَتَا مِن صَفَرٍ سنةَ إحدَى عَشْرةَ في

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
220245
Book record
shamela-1499
Source record
183817
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate