الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ مُحَمَّداً وَأَصْحَابَهُ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ مِنَ الْهُزَالِ، وَكَانُوا يَحْسُدُونَهُ. قَالَ: فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- أَنُ يَرْمُلُوا ثَلاثاً، وَيَمْشُوا أَرْبَعاً. وأمَّا الثَّلاثة أطواف بتعريف الأوَّل وتنكير الثَّاني كما وقع في معظم النُّسخ فمنعه جمهور النَّحويِّين، وهذا الحديث يدلُّ لمن جوَّزه، وقد سبق مثله في رواية سهل بن سعد في صفة منبر النَّبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- قال: فعمل هذه الثَّلاث درجات وقد رواه مسلم هكذا في كتاب الصَّلاة وقد سبق التَّنبيه عليه. قوله: (قُلْتُ لاِبْنَ عَبَّاسٍ: أَرَأَيْتَ هَذَا الرَّمَلَ بِالْبَيْتِ ثَلاَثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشْيَ أَرْبَعَةِ أَطْوَافٍ، أَسُنَّةٌ هُوَ؟ فَإِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ. قَالَ: فَقَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا ... ) إلى آخره. يعني: صدقوا في أنَّ النَّبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- فعله، وكذبوا في قولهم: أنَّه سنَّة مقصودة متأكّدة لأنَّ النَّبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- لم يجعله سنَّة مطلوبة دائماً على تكرُّر السِّنين، وإنَّما أمر به تلك السَّنة لإظهار القوَّة عند الكفَّار وقد زال ذلك المعنى، هذا معنى كلام ابن عبَّاس، وهذا الَّذي قاله من كون الرَّمل ليس سنَّة مقصودة هو مذهبه. وخالفه جميع العلماء من الصَّحابة والتَّابعين وأتباعهم ومن بعدهم فقالوا: هو سنَّة في الطَّوفات الثَّلاث من السَّبع، فإن تركه فقد ترك سنَّة، وفاتته فضيلة، ويصحُّ طوافه ولا دم عليه. وقال عبد الله بن الزُّبير: يسنُّ في الطَّوفات السَّبع. وقال الحسن البصريُّ والثوريُّ وعبد الملك بن الماجشون المالكيُّ: إذا ترك الرَّمل لزمه دم، وكان مالك يقول به ثمَّ رجع عنه. دليل الجمهور أنَّ النَّبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- رمل في حجَّة الوداع في الطَّوفات الثَّلاث الأول ومشى في الأربع ثمَّ قال -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- بعد ذلك: "لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ عَنِّي" واللَّه أعلم. (ج/ص: ٩/ ١١) قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنِ الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رَاكِباً، أَسُنَّةٌ هُوَ؟ فَإِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ. قَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا. قَالَ: قُلْتُ: وَمَا قَوْلُكَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ يَقُولُونَ: هَذَا مُحَمَّدٌ، هَذَا مُحَمَّدٌ، حَتَّىَ خَرَجَ الْعَوَاتِقُ مِنَ الْبُيُوتِ. قَالَ: وَ كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- لاَ يُضْرَبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا كَثُرَ عَلَيْهِ رَكِبَ، وَالْمَشْيُ وَالسَّعِيُ أَفْضَلُ.