page 148, entry [52]Open original source
فصل في اعتقاده: ذكر الغزنوي (¬٢) عن يحيى بن نصر، والديلمي عن نوح بن أبي مريم الجامع قالا: سألناه عن السنة والجماعة، قال: تفضيل الشيخين، ومحبة الختنين، والإيمان بالقدر خيره وشره، والمسح على الخفين، وتحليل النبيذ للتقوى على طاعة الله لا للسكر، وعدم التكفير لأحد بذنب-وعدم التكلم في الله بشيء. قال سعد بن معاذ (¬٣): جمع الإمام في هذه الأحرف السبعة مذهب أهل السنة والجماعة. فاعلم أنه روى (¬٤) عبد الرحمن بن المثنى: إن الإمام كان يفضل الشيخين ثم يقول: علي وعثمان، ثم من كان له سابقة وهو أتقى فهو أفضل، وكان لا يقول في الصحابة إلا خيرا، وكان يقول: مقام أحدهم مع النبي ﷺ ساعة أفضل من عبادتنا طول عمرنا. ثم اعلم إن بعض المتكلمين قالوا: نمسك عن تفضيل الصحابة بعضهم على بعض، والجمهور على خلافه، ولكن اختلفوا فقال أكثرهم: الصديق أفضلهم، وقال الخطابية (¬١): الفاروق أفضلهم، وقال الراوندية (¬٢): العباس أفضلهم، وقال الرافضية: علي أفضلهم، واتفق أهل السنة، على تقديم الشيخين ووافقهم فيه أيضا المعتزلة، ثم اختلفوا، فقال أقلهم وهو الرواية عن الإمام ثم علي ثم عثمان، وبه قال الصحابة، وقال أكثرهم: ثم عثمان ثم علي وهو الأصح من مذهب الإمام كما يعرف من كتاب «الفقه الأكبر» ونصائحه، ثم تمام العشرة (¬٣) المبشرة بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أهل أحد، ثم أصحاب بيعة الرضوان … ، وزعم طائفة منهم ابن عبد البر أن من توفي من الصحابة الكرام حال حياته أفضل ممن بقي بعد مماته ﷺ. وهذا الإطلاق غير مرضي عند العلماء. ثم اختلف العلماء في التفضيل المذكور: أقطعي أو ظني؟ فذكر الأشعري (¬١) أنه قطعي، وذكر الباقلاني (¬٢): أنه ظني. ثم اختلفوا أن التفضيل بحسب الظاهر فقط أم بحسب الظاهر والباطن؟ كذا ذكره الكردري (¬٣). والقول بكونه قطعي بعيد جدا، اللهم إلا أن يقال في حق الصديق، فإنه إلى التحقيق حقيق، وأما القول بأنه بحسب الظاهر والباطن فأبعد والله ولي التوفيق، ثم من قوله، ومحبة الختنين إشارة إلى محبتهما كافية في كون صاحبهما من أهل السنة لما سبق من الكلام في اختلاف تفضيلهما، وإلا فبإجماع أهل السنة هما أفضل الأمة بعد الشيخين وإنما أراد الإمام التنبيه على أن باغضهما خارجي خارج من أهل السنة والجماعة. وكذا باغض عثمان وهم الشيعة سواء يقولون لا نحب الثلاثة ولا نسبهم ولا نلعنهم، وفي تكفير لاعنهم خلاف مشهور، وتفضيله في محله مسطور، وقد بسطت هذه المسألة في رسالة مستقلة (¬٤). ثم في قوله: نؤمن بالقدر خيره وشره: إخراج المعتزلة. وسائر المشرعة من القدرية. والمراد بالإيمان بالقدر اعتقاد أن جميع الأمور بقضاء الله وقدره وفق ما أراد أن يظهر بكسب العباد، فيخرج الجبرية على أنهم أقرب إلى الحق من سائر المبتدعة. ثم في قوله: والمسح على الخفين رد على طائفة من الشيعة، وقد نقل (¬١) ابن المبارك عن الإمام: ما قلت بالمسح عليهما حتى جائني مثل ضوء النهار. يعني الأدلة الساطعة من الكتاب والسنة، فإن/٥ ب/آية الوضوء مبهمة مجملة باعتبار القراءتين، وقد بينها النبي ﷺ بغسل الرجلين حال كشفهما، وبمسحهما وقت لبسهما. وكادت الآثار في المسح أن يتواتر بل قد تواتر معنى لكثرة طرقه ورواته. ثم في قوله: وتحليل النبيذ. الخ. اشعار بأن من قال به لا يخرج عن كونه من أهل السنة، لا أنهم اتفقوا على تحليله، فإن المسألة خلافية، وهي من الفروع الفقهية التي فيها خلاف الشافعية والمالكية والحنبلية فمذهبهم أن ما يسكر كثيره فقليله حرام. وقد بينت الأدلة من الجانبين من «شرح مسند الإمام». وفي قوله: لا للسكر، إيماء إلى أن شربه إذا أنجر إلى السكر فهو حرام وكذا إذا قصد السكر به في أول قعوده. وقد ذكر علماؤنا في بحث المثلث (¬٢) أنه إذا قعد للسكر فالقدح الأول حرام. وكذا القعود عليه حرام، وصرحوا بأن السكر من البنج (¬٣) ولبن الرماك (¬٤) حرام إلا أنه لا يحد. وذكر في (يتيمة الدهر) أن حادثة أكل البنج وقعت في زمان الطحاوي (¬١) من أئمتنا وخاله المزني (¬٢) من الشافعية فأفتيا بالحرمة، ووافقهما في ذلك أئمة عصرهما، والمكتوب في حاشية (القنية) عن العلامة مولانا سيف الدين الفقيه: أن من يعتاد أكل البنج يعاقب بالقتل. وهذا محمول على أنه يأكله لتحصيل السكر ويزعمه حلالا. وأما ما ذكره الأئمة الثلاثة من الآثار الحسان والأحاديث الصحاح من تعليق الحكم وهو الحرمة بالمسكر قل المشروب أو كثر فقد تكلم فيه رئيس المحدثين يحيى بن معين (¬٣)، وعلى التنزل فمأول بأن المراد من المسكر هو المسكر بالفعل والمنع من شرب قليله إنما هو في حق من يشرب لقصد السكر والتلهي، لا للنشاط على الطاعة والتقوى، أو لئلا ينجر قليله إلى كثيره كالراعي حول الحمى. وقد ذكر الطحاوي وغيره: إن عند محمد كل ما يسكر كثيره وقليله حرام. وأما فتوى المشايخ فعلى رأي بي حنيفة وأبي يوسف ومع هذا ففي فتاوى قاضي خان (¬٤) أنه سئل الإمام أبو حفص الكبير (¬٥) عن هذا فقال: لا يحل شربه، فقيل له: خالفت الشيخين، فقال لا لأنهما كانا يحلان للاستمراء والتّقوىّ، والناس في زماننا يشربونه للفجور والتلهي وشربه للهو لا يحل إجماعا. ثم في قوله: وعدم التكفير بذنب أي بكبيرة رد على الخوارج وقوله: عدم التكلم في الله بشيء يعني في صفات الله، كذا ذكره الكردري (¬١)، وفيه بحث إذ تكلم الإمام على الصفات في"الفقه الأكبر" (¬٢)، وغيره، والمسألة تنازع فيها أهل السنة والمعتزلة حيث أثبتها الأولون قائلين بأنها قديمة لا عين الذات ولا غيرها. والآخرون نفوها تحرزا من تعدد القدماء فينبغي حمل كلام الإمام على نفي الكلام في كنه ذاته وصفاته، أو على نفيه فيهما مطلقا بمجرد دلالة العقلية، ففيه رد على الحكماء … وبعض الجهلة من المتصوفين القائلين بوحدة الوجود. والاتحاد والحلول وسائر مقالات أهل الفساد والله رؤوف بالعباد. وروى الإمام أبو حامد محمد بن أبي الربيع المازني والشيخ الإمام النسفي بإسنادهما إلى أبي مقاتل السمرقندي: أن الإمام قال في كتاب (¬٣) «العالم والمتعلم». العمل تبع للعلم، والعمل القليل بالعلم خير من العمل الكثير بالجهل؛ كما أن الزاد القليل الذي لا بد منه في المفازة مع الهداية أفضل من الزاد الكثير مع الجهالة، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (¬٤). وقد صرح الإمام في ذلك الكتاب بأكثر قواعد أهل السنة فهو بريء من كونه معتزليا أو مرجئيا أو جبريا، كما توهم بعضهم إذ أسندوا مذهبهم إليه ترويجا بما شاهدوا من الفضل لديه، واعتماد أكثر المسلمين في باب الاعتقاد والأعمال عليه، فله ولأصحابه الحنفية مشاركة في حقيقة الملة الحنيفية حيث ادعى كل أرباب ملة بأن الخليل منهم، وقد نفى الله عنهم بقوله: ﴿ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (¬١). والحمد لله رب العالمين. هذا وكان الإمام إذا وردت مسألة فيها حديث صحيح تبعه ولو عن الصحابة والتابعين، وإلا قاس فأحسن القياس (¬٢). وروي (¬٣) أنه وضع ستين ألف مسألة، وقيل وضع خمس مئة ألف مسألة، وذكر الخطيب الخوارزمي في أنه وضع ثلاثة آلاف وثمانين ألف مسألة. منها ثمانية وثلاثين ألفا في العبادة والباقي في المعاملة، ولولا هذا لبقي الناس في تيه الضلالة وبيداء الجهالة. وذكر (¬٤) أبو المعالي الحلبي: عن الحسن بن زياد عنه أنه قال: قولنا هذا رأي حسن وهو أحسن ما قدرنا عليه فمن جاء بأحسن مما قلنا فهو أولى بالصواب منا. وذكر (¬٥) الديلمي عن زهير (¬٦) بن معاوية قال: كنت عنده، و [الأبيض] (¬١) بن الأغر يقايسه إذ صاح رجل وقال: أول من قاس إبليس: فقال: يا هذا وضعت الكلام في غير موضعه: قاس اللعين لرد أمر الله تعالى/٦ أ/حيث قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾ (¬٢) ونحن نقيس المسألة على أخرى لنردها إلى أصل من الأصول: الكتاب والسنة، أو اتفاق الأمة فنجتهد وندور حول الإتباع. فأين هذا من ذاك؟ فصاح الرجل وقال: تبت من مقالتي إلى ربي، نور الله قلبك كما نورت قلبي. وعن علي (¬٣) بن عثام قال: إن [أبا حنيفة] (¬٤) قال (¬٥): حدثنا الشعبي أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى أبي موسى الأشعري وهو عامله بالبصرة: أن قس الشيء بالشيء، واضرب الأمثال يتبين لك الحق. وعن الحسن بن زياد: أنه كان يقول (¬٦): ليس لأحد أن يقول برأيه مع نص من كتاب الله أو سنة عن رسول الله أو إجماع عن الأمة، فإذا اختلف الصحابة على أقوال نختار ما هو أقرب من الكتب والسنة ونجتهد ما جاوز ذلك، فالاجتهاد موسع على الفقهاء لمن عرف الاختلاف، وقاس فأحسن القياس، وعلى هذا كانوا. وروي عنه (¬١): ما جاءنا عن الله ورسوله لا نتجاوز عنه، وما اختلف فيه الصحابة اخترناه، وما جاءنا عن غيرهم أخذنا وتركنا. وروى (¬٢) أنه كان كثيرا يقرأهذه الآية في خلال كلامه: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ (¬٣) ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (¬٤) وفيه دليل على أنه لم يبدع اللفظ الاستحسان (¬٥) فإنه موجود في الكتاب وكذا في السنة فقد ورد: (ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن) (¬٦). وعن أبي يوسف (¬٧): أنه إذا وردت حادثة قال الإمام هل عندكم أثر؟ فإن كان عنده أو عندنا أثر أخذ به، وإن اختلفت الآثار أخذ بالأكثر وإلا أخذ بالقياس إلا أن يتعسر القياس فتركه إلى الاستحسان. وعن محمد بن سماعة (¬٨): أن الإمام ذكر في تصانيفه نيفا وسبعين ألف حديث وانتخب الآثار من أربعين ألف حديث، والمسائل التي رجع عنها من القياس إلى الأثر كثيرة لشدة إتباعه، (منها): كان يقسم الدية على منافع الأصابع ويوجب الأرش (¬٩) في الإبهام أكثر مما يوجبه في سائر الأصابع، فلما بلغه قوله (عليه السلام): «الأصابع كلها سواء» (¬١) رجع عن ذلك، كالصديق كان يقول: الدين في الأنف أكثر من الأذنين؛ لأنه تسترهما العمامة، والأنف مكشوف ففوات الزينة فيه أكثر، فلما بلغه أنه ﵇ أوجب في الأذنين الدية رجع عن ذلك. (ومنها): أن الإمام كان يقول: أكثر الحيض خمسة عشر يوما، فلما بلغه عن أنس أنه ﵇ قال: «الحيض ثلاثة أيام إلى العشرة والزائد استحاضة» (¬٢) رجع عن ذلك. (ومنها) ما ذكره خلف الأحمر (¬٣): أن الإمام كان لا يصلي قبل العيد ولا بعده ثم رأيته يصلي بعد العيد، فسألته عن ذلك، فقال: بلغني عن علي ﵁ أنه كان يصلي بعده أربعا فاقتديت به. انتهى. ولعله كان يصلي في بيته، كما رواه ابن ماجة أنه ﵊: (كان يصلي بعده في بيته ركعتين» (¬٤) والله ﷾ أعلم.