page 140, entry [51]Open original source
فصل في مقام علمه: ذكر الغزنوي (¬٣) عن زفر (¬٤) عن الإمام أنه قال: بلغت الغاية في الكلام حتى صرت مشارا إليه للأنام، وكنت أجلس بقرب حلقة حماد، فسئلت عن من له زوجة أمة كيف يطلقها للسنة (¬٥)؟ فلم أهتد إلى جواب المسألة؛ فقلت: لا حاجة لي في علم علم الكلام، فتحولت إلى حلقة حماد، وكان إذا ذكر المسألة أحفظ قوله، فإذا كرر كنت أحفظ أنا الجواب ويخطئ أصحابه، فقال: لا يجلس في الحلقة قبالي غيره، فلزمته عشر سنين، ثم أردت أن أنفرد في حلقته فلما دخلت المسجد على ذلك العزم لم أملك الخلاف فجلست عنده، فأخبر بموت حميم له بالبصرة فخرج إليه، وأجلسني مكانه، فوردت علي ستون مسألة لم أحفظ جوابها فأجبت وكتبت جوابي فلما جاء بعد شهرين عرضت عليه جوابي، فخالفني في عشرين فحلفت أن لا أفارقه إلى الموت، فلازمته ثماني عشرة سنة أخرى. وذكر تاج الإسلام السمعاني عنه قال (¬١): خدعتني امرأة، وفقهتني امرأة، وزهدتني امرأة، أما الأولى: كنت مجتازا فأشارت إلى امرأة إلى شيء مطروح في الطريق، فتوهمت أنها (خرساء) (¬٢)، وأن الشيء لها فلما رفعته إليها قالت: احفظه حتى تسلم صاحبه، والثانية سألتني امرأة عن مسألة في الحيض فلم أعرفها، فقالت قولا تعلمت الفقه من [أجله] (¬٣)، والثالثة: مررت ببعض الطريق فقالت امرأة: هذا الذي يصلي الفجر بوضوء العشاء، فتعمدت ذلك حتى صار عادة. وذكر عنه أنه قال (¬٤): كنت أنازع الناس في علم الدين فسئلت عن فريضة فلم أعرفها، فقيل لي تتكلم في الدين وهو أدق من الشعر ولا تحسن فريضة، فخجلت، فأتيت الشعبي، فإذا هو مخضوب الرأس واللحية يلعب بالشطرنج مع أصحابه، فسألته عن مسألة، فقال: ما يقول فيه الحكم (¬٥) بن عتبة وحماد؟ وسمعته يقول: لا نذر في معصية الله، ولا كفارة فيه، فقلت: الله تعالى يقول: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً﴾ (¬١) ومع ذلك أوجب فيه الكفارة، فقال: أقياس أنت؟ قم فأخرج عني. فدخلت على قتادة (¬٢)، فإذا هو يتكلم في القدر، فدخلت على أبي الزبير (¬٣) صاحب جابر (¬٤) بن عبد الله فرأيته رجلا لا يحفظ لسانه، فأتيت نافعا مولى ابن عمر، فإذا هو يروي عن مولاه: أنه كان يرخص من إتيان النساء غير مأتهن، ويتلو قوله تعالى: ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ .. ﴾. (¬٥) الآية، فقلت: هذا أحمق الناس أو أكذب الناس، فإذا كان سمع منه كان عليه أن يكتمه، فلزمت حمادا. فإذا قلت قد أنكر الإمام علي الشعبي لعبه بالشطرنج، وهو مختلف بين العلماء المتأخرين، فإن مالكا والشافعي جوزاه، والنكير في المجتهدات ساقط. قال التمرتاشي (¬٦): ليس لك أن تنكر على من قلد/٤ ب/مجتهدا أو أجتهد دليلا، فإنا نقول: لا نكير إلا أن الأفضل أخذ العلم ممن هو الأتقى والأكمل، ولذا أنكر على فعله لا على قوله، فإن التقوى، فوق الفتوى، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ﴾ (¬١)، وورد: «استفت قلبك، وإن أفتاك المفتون» (¬٢) ومن المعلوم أن الخروج من موضع الخلاف مستحب بالإجماع، وفسر بعضهم الأنصاب بالنرد، والشطرنج كما ذكره القرطبي (¬٣). وأغرب بعض الشافعية حيث بالغ في لعبه حتى بلغه إلى حد الندب، وإذا عيي عن القراءة لعب به في المسجد، وأسنده إلى قوم من الصحابة والتابعين أنهم لعبوه، قال ابن العربي (¬٤): ما مسها يد تقي قط، والأصح أن مالكا معنا في المنع. وقد ثبت قوله ﵇: «ملعون من لعب بالشطرنج، والناظر إليه كآكل لحم الخنزير» (¬٥). فلهذا المنقول الظاهر أنكر الإمام الباهر على المخالف المجاهر والله أعلم بحقائق السرائر. قال الكردري (¬١): فإن قلت: فما وجه الإنكار على نافع فيما يرويه عن مولاه مع أن ظاهر القرآن يوافقه، وهو قوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ﴾ (¬٢) ﴿وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ .. ﴾. (¬٣)، وقد ثبت القول به عن نافع عن ابن عمر ﵄، فإن فرقة فسروا: «أنى» في قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ﴾ (¬٤) بمعنى أين. وقالوا: قال به سعيد بن المسيب (¬٥) ونافع وابن عمر، ومحمد (¬٦) بن كعب القزطي، وعبد الملك (¬٧) بن الماجشون من المالكية. وذكر ابن العربي (¬٨) أن ابن سفيان ذكر في كتاب: «جماع النسوان وأحكام القرآن»، جوازه عن كثير من الصحابة والتابعين. وقال أيضا بوجود اللواطة في الجنة كثير من المحققين من علماء الحنفية، فدل أنه لا إنكار على نافع. قلت: كان العلامة يقول: لا يهولنكم أسماء الرجال عند قوة الدلائل، وكشف المقال، فإن كتاب الله جاءكم ببطلان هذا القول، فإن قوله تعالى: ﴿فَإِذا تَطَهَّرْنَ﴾ (¬١) وقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ (¬٢) كله دليل قاطع على حرمة محل اللوث اللازم، وكذا الأحاديث الحسان الكثيرة الصحاح الشهيرة ناطقة صريحة في التحريم، رواها الإمام أحمد (¬٣) بن حنبل في «مسنده» وأبو داود (¬٤)، والترمذي (¬٥)، والنسائي. وقد جمعها أبو الفرج [عبد الرحمن] (¬٦) بن الجوزي في جزء [وسماه "تحريم المحل المكروه" (¬٧)] ثم حرمة اللواطة عقلية ولذا سماه الله تعالى فاحشة فلا وجود لها في الجنة. وقيل: سمعية، فلها وجود فيها وقيل: يخلق الله تعالى طائفة يكون نصفه الأعلى على صفة ذكور، والأسفل على صفة الإناث، والصحيح الأول، انتهى، ولا يخفى بعد الاستدلال بأمثال هذه الأقاويل المجهولة المجعولة في تجويز اللواطة التي هي فاحشة في جميع الأمم المتقدمة والمتأخرة، والقبيحة في العقول السليمة وأما نقلهم عن المحققين من علماء الحنفية وجودها (¬٨) في الدار النعيم العظيمة، حاشا المحققين من هذه المقالة السقيمة، على أن الطائفة المنصفة لا يلزم في جماعها اللواطة، وأيضا لا يفرق بين الذكر والأنثى ألا بالنصف الثاني فعليك بالكلام الثاني، إذ من المعلوم أن أهل الجنة جرد (¬١) مرد (¬٢)، وعلى التنزل أن لتلك الطائفة لحية، فإن الطباع الخبيثة لا تميل إليها باللواطة في الدار الكثيفة، وأيضا كيف يحكم المحققون بوجود اللواطة في الجنة، مع أنه من العلوم الغيبية التي لا يثبت إلا بالأدلة القطعية، وأقلها الظنية، لا بالأمور الوهمية الصادرة عن العقول الردية، فنسأل الله العافية عن الخطأ من الأمور الدينية والأخروية. وأما نقلهم عن نافع فإن النسائي روى عن ابي النضر قيل لنافع: قد أكثر بك القول أنك تقول به عن مولاك، قال: كذبوا علي الحديث. وذكر الدارمي (¬٣) في مسنده عن سعيد بن يسار قال: قلت لابن عمر: ما تقول في الجواري أحمض بهن؟، قال: وما التحميض؟ فذكرت له الدبر، فقال: هل يفعل ذلك أحد من المسلمين؟ وقد ذكر بعض اصحابنا فيما أجاب به المعدل الذي هجا الإمام وزفر أن سالما [روى] (¬٤) عن ابن عمر خلافه فقال: شعر (¬٥) إن كنت ذا كذب على أشياخنا … متنقصا لأبي حنيفة أو زفر فعليك إثم الشيخ أعني مالكا … في قوله وطئ الحلائل في الدبر هذا مقال قد ورد عن سالم … تكذيب ناقله وتزوير الخبر وقال مالك لابن وهب، وعلي بن زياد لما أخبراه أن ناسا بمصر يتحدثون ذلك عنه، فنفر عن ذلك وبادر إلى تكذيب الناقل، وقال: كذبوا علي ألستم قوما عربا أو يكون الحرث إلا موضع النبت. أقول: ولا يبعد الجمع بين نفي القول المذكور وإثباته، أن محل الثاني إذا كانت المرأة حائضا كما نقل شيخ مشايخنا السيوطي في «الدر المنثور» (¬١) روايات كثيرة عن بعض السلف، والله ﷾ أعلم. وذكر (¬٢) الديلمي (¬٣) بإسناده إلى القاسم بن عدن العجلي: قيل للإمام: كيف اخترت حمادا؟ قال بتوفيق الله تعالى، تأملت في العلوم، فقلت: «الكلام» عاقبته سوء ونفعه قليل إن تبحر فيه لا يقدر على الكلام جهارا ويرمي بالهوى، وعاقبة الأدب مجالسه/٥ أ/الصبيان، وعاقبة الشعر التكدي بالمدح، وقول الجفاء والخناء وتمزيق الدين، وعلم القراءة بعد جمع الكثير منه في العمر الطويل مجالسة الأحداث، وربما يرمي بسوء الحفظ فيلزمه ذلك، وعلم الفقه أولى به لمجالسة المشايخ والتخلق بأخلاقهم. ولا يستقيم أداء التكاليف إلا به، وحصول نجاح الدارين متعلق بكسبه، ولو نزلت نازلة في الحي احتاجوك بسببه، وإن تخليت للعبادة لم يقدر أحد أن يقول: تعبد بلا علم. وبه إلى يحيى بن شيبان قال (¬٤): قال الإمام: كنت أعطيت جدلا في الكلام. وأصحاب الأهواء في البصرة كثيرة، فدخلتها نيفا وعشرين مرة، وربما أقمت بها سنة ظنا أن علم الكلام أجل العلوم، فلما مضى مدة من عمري تفكرت وقلت: السلف كانوا أعلم بالحقائق ولم ينتصبوا مجادلين بل أمسكوا عنه، وخاضوا في علم الشرائع، ورغبوا فيه، وتعلموا وعلموا وتناظروا عليه، فتركت الكلام، واشتغلت بالفقه، ورأيت المشتغلين بالكلام ليس سيماهم سيماء الصالحين، قاسية قلوبهم، غليظة افئدتهم، لا يبالون بمخالفة الكتاب والسنة، ولو كان خيرا لاشتغل به السلف الصالحون. وهذا وحكاية (¬١) رؤياه مشهورة: أنه نبش قبر النبي ﷺ، ويؤلف العظام الكرام بوضع بعضها في موضع مناسب للمقام، وتعبير ابن سيرين لها: إن صاحبها رجل يحي به الله سننا أميتت.