page 431, entry [131]Open original source
باب في ذكر ما بحلب وأعمالها من العجائب والخواص والطلسمات والغرائب حدثني والدي ﵀ قال: لم يكن البق يوجد في مدينة حلب ولا يعهد منه شيء، الى أن اتفق عمارة في بعض أسوارها، ففتح فيها طاقة أفضت الى مغارة كانت مسدودة، فخرج منها بق عظيم عند فتحها، أظنها في ناحية قلعة الشريف، فحدث البق فيها من ذلك اليوم. قال: وقيل بأنه كان الانسان إذا أخرج يده من داخل السور الى خارجه سقط البق على يده، فإذا أعادها الى داخل السور ارتفع. وأخبرني الرئيس إبراهيم بن الفهم رئيس معرة النعمان قال: كان في معرة النعمان عمود فيه طلسم للبق، قال: وذكر أهل المعرة أن الرجل كان يخرج يده وهو على سور المعرة الى خارج السور فيسقط عليها البق، فإذا أعادها الى داخل السور زال عنها. قال لي وأخبرني رجل من أهل المعرة يسمى محمدا قال: رأيت أسفل عمود في الدار التي كنت بها في معرة النعمان (١٨٩ - ظ) ففتحت موضعه لأستخرجه، فانخرق الى مغارة، فأنزلت إليها إنسانا، أو قال نزل هو بنفسه، ظنا أنه مطلب، فوجدنا مغارة كبيرة، ولم نجد فيها شيئا، قال: ورأى فيها في الحائط صورة بقة، قال: فمن ذلك اليوم كثر البق بمعرة النعمان وقد قال أبو عمرو القاسم بن أبي داود الطرسوسي في قصيدة الأعلام في وصف أنطاكية وقد قدمنا ذكره. والبق لا يدخلها ويتصل … لكن بها فأر عظيم كالورل وقال في تفسير هذا البيت، ولا يدخلها البق، ومن خرج منها آذاه البق، وهي كثيرة الفأر. وسمعت والدي ﵀ وغيره من الحلبيين يقولون: لم نسمع بأن حية من الحيات التي داخل مدينة حلب لدغت أحدا فمات من لدغتها. قال لي والدي ﵀: ويقال إن بها طلسما للحيات، وقيل إنه ببرج الثعابين في الزاوية التي عند باب الفراديس المستجد. وبلغني أن جماعة في زماننا لدغتهم حيات داخل مدينة حلب، ولم تؤذهم كجاري العادة، وأن الملدوغ لا يبقى بالألم إلا أياما يسيره ويبرأ، والعجب أن حيات بانقوسا خارج المدينة لا تلدغ أحدا إلا ويموت في الحال، وحيات المدينة كما ذكرنا، وهذا لطف من الله ﷿. وسرمين (¬١) لا يوجد فيها حية أصلا، وفي وسطها عمود يقال إنه طلسم للحيات. وذكر لي أهل معرة النعمان أن حيات معرة النعمان لا تؤذي إذا لدغت (١٩٠ - و) كما يؤذي غيرها. وسمعت إبراهيم بن الفهم رئيس المعرة يقول: إن العمود القائم في مدينة المعرة هو طلسم، ذكروا أنه للحيات، وأن الحية إذا لدغت إنسانا عندنا بالمعرة لا تؤذيه. وهذا العمود قائم مستقر على قاعدة بزبرة حديد في وسطه يميله الانسان فيميل، وربما تميله الريح القوية، ويضع الناس إذا مال الجوز أو اللوز فيعود الى مستقره فيكسره. وسمعت إبراهيم بن الفهم المذكور يقول كان بالمعرّة عمود آخر كان فيه طلسم للعقارب، فكانت العقارب بالمعرة لا تؤذي، فزال ذلك العمود، فزال أثره وللعقارب اليوم بالمعرة إذا لدغت تقتل وبناحية الجزر من أعمال حلب بالقرب من معرة مصرين قرية يقال لها يحمول (¬١)، ولنا فيها ملك نتوارثه عن أجدادنا من حدود الثلاثمائه للهجرة، لا يوجد في أرضها عقرب أصلا. وحكى لي جماعة من فلاحيها أنهم يخرجون في بعض الأوقات، ويحتطبون من جبل الأعلى حطبا، ويأتون به الى يحمول هذه فربما يعلق في الحطب من الجبل عقرب، فمتى ما شمت تراب يحمول ماتت. ومن العجب أن الى جانب يحمول قريتين يقال لأحديهما الكفر وللأخرى بيت رأس، وبين جدارها وجدار كل واحدة من القريتين مقدار شوط فرس، وإذا صاح انسان في القرية سمع في القرية الأخرى، وفي كل واحدة من القريتين من (١٩٠ - ظ) العقارب شيء كثير، وهي من أشد العقارب ضررا. وفي يحمول هذه آبار كثيره ماؤها معين طول البئر مقدار عشره أذرع، وهاتان القريتان ليس فيهما بئر واحد، وإذا حفر فيهما بئر لا يجدون فيها معينا، ولهم صهاريج من ماء المطر، وربما يقل عليهم الماء، فيكون شرب أهل القريتين من يحمول هذه. وأخبرني من أثق به من الحلبيين أنه ولي عملا بشيح الحديد، وأنه لا يوجد بها عقرب أصلا وأن الرجل من أهل شيح إذا غسل ثوبه في مائها ثم خرج الى موضع آخر، فوضع على ثوبه ماء وعصر وشربه من لدغته عقرب بريء من وقته، وإن قطر منه قطرة على عقرب ماتت في الحالة الراهنة. وهذه شيح الحديد قرية كبيرة لها كورة، وفيها وال وديوان، وهي في طرف العمق من أعمال أنطاكية وهي اليوم من أعمال حلب مضافة الى حارم، وبها كان مقام يوسف بن أسباط رحمة الله عليه. وأخبرني والدي ﵀ وجماعة من مشايخ حلب، يأثره الخلف عن السلف، أن العمود الحجر المعروف بعمود العسر، بالقرب من الأسفريس بمدينة حلب، ينفع من عسر البول، وإذا أصاب الإنسان، أو الدابة عسر البول أتوا به إليه وأداروا به حوله، فيزول ما به، وذكروا أن هذا مجرب، والناس يعرفون ذلك الى زمننا هذا ويستعملونه فيفيد، والمحله التي هذا العمود (١٩١ - و) بها تعرف بعمود العسر. وفي قرى حلب في الناحية الشرقية وتعرف بالحبل خربة تعرف بجب الكلب، وهي الى جانب قبثان الحبل كان بها بئر ينفع المكلوب؛ وأخبرني والدي ﵀ فيما يأثره عن سلفه أن هذا البئر كان ينفع من عضه الكلب الكلب، فيأمن المعضوض من الكلب بالنظر في تلك البئر والشرب منها. قال والدي ﵀: وبطلت منفعة البئر بأن امرأة ألقت فيها خرقة حيض، فبطل تأثيرها، وهذا متداول عند أهل حلب، يأثره الخلف عن السلف، وإنما بطلت منفعه البئر في حدود الخمسمائه. ونقلت من خط أبي الحسن علي بن مرشد بن علي بن منقذ في تاريخه الموسوم بالبداية والنهاية قال: سنة خمس وأربعين وأربعمائه فيها كلبت الذئاب والكلاب وأتلفت أكثر الناس. قال أبي: قال لي جدّك ﵀ كان أبي أبو المتوج قد دخل الى حلب وتركني عند جدي الصوفي أتفرّج بسرمين، وكنت لا أعرف لي والدا سواه لغيبة أبي عند الأمراء والملوك، فقال: يا علي احذر أن تخرج وحدك فإن الكلاب الكلبة كثير، فاتفق أنني خرجت مع أصحابي وغلماني فقيض لي كلب فرعشني، فدخلت غير طيب النفس، وذلك بعد العصر والزمان الصفّريّ في التشارين، فمضى من خبّر جدي الحسن الصوفي العجلي، فركب فرسه، وأخذ دلوا للسموط وأخذني، ومضى يخب ويناقل وأنا معه الى أن أتى بي جب الكلب شمالي حلب فسقاني (١٩١ - ظ) منه، وغسل يدي ورجلي ووجهي، وقال: إقلع ثيابك، فقلت: الله الله إن خلعت ثيابي في هذا البرد متّ، فقال: وليت مت واسترحت يا فاعل يا صانع، فاستقى أربعين دلوا وصبها علي، وقال: تطلّع في الجبّ، وكانت آية الجب إن نفع المرعوش أبصر النجوم في الجبّ، وإن لم ينفعه سمع نبيح الكلاب، فقال: ما ترى؟ فقلت أرى النجوم في الماء، فقال: الحمد لله، وركب، وأخذني فبات في سرمين، ولكن بعد تهور الليل. قال: يقول جدك: فو الله بعد تمام الإسبوع بلت ثلاث كلاب مصورة بأذنابها ورؤوسها. قال: ولم يزل هذا الجب يتداوى به الناس الى أن ملك حلب رضوان الملك ابن تاج الدولة، فعوّل على توسيع فمه، وكان ضيقا عليه أربعة أعمدة، تمنع أن ينزل فيه، فقال: نعمله يكون الإنسان ينزل إليه، ولا يقلب عليه، فقيل له: إن هذه الطلسمات لا يجب أن تتغير عن كيفياتها، فلم يقبل ففتحه، فزال عنه ما كان يزيل الأذى، وكان يقال إن ذلك كان في سنة ست وتسعين وأربع مائه، وهو كان من العجائب الثلاث: جبّ الكلب، ونهر الذهب، وقلعة حلب، فأما النهر فهو ماء يجري الى ينتهي الى مواضع في الجبول وغيرها من القرى، فيسكبونها ويجرون إليها السواقي، فإذا دخل تلك المساكب جمد بإذن الله، وصار ملحا أبيض في بياض الثلج، فيباع منه بالأموال الخطيرة، ولذلك سمي نهر الذهب. قلت: وهذا علي بن منقذ صاحب هذه الواقعة هو الأمير سديد الملك (١٩٢ - و) أبو الحسن علي بن أبي المتوج مقلد بن مننقذ الكناني الذي فتح شيزر واشتراها من الأسقف بمال بذله له على ما ذكرناه في الباب المتقدم في ذكر شيزر، وكان من الرجال العقلاء، والأمراء العلماء، والأدباء الشعراء، وجدّه المذكور لأمه هو الحسن بن عجل المعروف بالصوفي؛ وبنو الصوفي الذين تولوا رئاسة دمشق كانوا من نسله، وكان الصوفي يسكن سرمين، وسيأتي ذكرهما في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. قرأت في كتاب الربيع تأليف غرس النعمة أبي الحسن محمد بن هلال بن المحسن ابن ابراهيم بن هلال الصابي، وأخبرنا به عبد اللطيف بن يوسف إجازة عن أبي الفتح محمد بن عبد الباقي بن البططي عن أبي عبد الله الحميدي قال: أخبرنا غرس النعمة أبو الحسن قال: وحدثني أبو عبد الله بن الأسكان كاتب البساسيري في سنة إحدى وخمسين وأربعمائه قال: احترق بحلب عاما أول برج من أبراج سورها، وحكى ذلك للمستنصر بالله صاحب مصر خادم كان له بحلب، فقال له: إن كنت صادقا ففي هذه السنة يخطب لنا بالعراق، وذاك عندنا في كتبنا دليل على ما قلناه. قال أبو عبد الله: وأتفق أن جئنا وأقمنا الخطبة في ذي القعدة من سنة خمسين (¬١). (١٩٢ - ظ) *** ﷽ وبه توفيقي وفي قرية من قرى جبل السماق من أعمال حلب يقال لها كفر نجد (¬١)، وهي قرية كبيرة كثيرة الأشجار، بئر من غربي القرية ربما ساح ماؤها في بعض السنين على وجه الأرض، من خاصية ماء البئر أنه يخرج العلق إذا نشب في حلق الانسان أو الدابة، إذا شرب ذلك الماء. وهذا أمر مستفيض لا شك فيه، فإنني جربته أنا بنفسي، فإنني سافرت في بعض السنين مع والدي ﵀ الى حماه، فشربت ماء بتمنع (¬٢)، وهي قرية في طريق حماة من عمل كفر طاب، ولها ركيّة معروفة بالعلق، فنشب في حلقي علقة في موضع لا يوصل إليه في أقصى الحلق، وعدت الى حلب، وهي على حالها، وعولجت بأنواع الأدوية التي تسسعمل لاستخراج العلق، فلم تنجع شيئا، وجعلت تكبر في حلقي، ويزداد خروج الدم بسببها، حتى أني كنت ألقي منه في كل يوم شيئا كثيرا، فاشتغل خاطر والدي ﵀ لذلك، فاتفق أن حضر مقدم قرية كفر نجد عند عمي أبي المعالي، وذكر له خاصية هذه البئر، فجاء عمي وذكر لوالدي ذلك، فقام في الحال وركب، وسار بي الى كفر نجد، فوصلناها آخر النهار قبل المغرب، وخرج بي الى البئر وشربت من مائها مرارا، وعدت الى القرية، وألقيت من الدم شيئا كثيرا، وغلبني النوم لما نالني من التعب، فأغمضت، فخرجت العلقة من حلقي الى فمي فوجدته مطبقا، فطلبت منفسي الهواء وأن (١٩٣ - و) تخرج من خيشومي، فانتهب، وفتحت فمي، فنزلت إليه، فأخرجتها من فمي وهي بمقدار الاصبع الطويلة بعد أن ألقت ما كان في جوفها من الدم. وفي أعمال حلب عدة حمّات تنفع من البلاغم والرياح وكثير من الأدواء، فمنها حمّة في السخنة من عمل المناظر من ناحية قنسرين ماؤها في غاية الحرارة، وأهلها يغتسلون فيها ويتعوضون بها عن الحمام، وذكر لي جماعة من أهلها أنهم ينتفعون بها من الريح والبلغم والحب، ونزلت إليها واغتسلت فيها. وذكر لي أن بناحية العمق حمّة أخرى يتداوى بها الناس أيضا. وذكر أحمد بن أبي يعقوب بن واضح الكاتب في كتاب البلدان، وعدّ كور قنسرين والعواصم، وقال: وكورة الجومة، وبها العيون الكبريتية التي تجري الى الحمة، والحمة بقرية يقال لها جندارس، ولها بنيان عجيب معقودة بالحجارة، يأتيها الناس من كل الآفاق فيسبحون فيها للعلل التي تصيبهم، ولا يدرى من أين يجيء ماؤها ذلك الكبريتي، ولا أين يذهب. وقرأت في كتاب أخبار البلدان تأليف أحمد بن محمد بن إسحاق الهمذاني، المعروف بابن الفقيه، قال: وعلى سبعة أميال من منبج حمّة عليها قبة تسمى المدير، وعلى شفيرها صورة رجل من حجر أسود، تزعم النساء أن كل من لا تحبل منهن إذا حكت فرجها بأنف تلك الصورة حبلت، وبها حمام يقال له حمام الصراني في وسطه صورة رجل من حجر يخرج ماء الحمام من إحليله. (١٩٣ - ظ) (¬١). أخبرني بهاء الدين أبو محمد الحسن بن ابراهيم بن الخشاب ﵀ قال: أخبرني ابن الإكليلي المنجم الحلبي قال: لما حفر بالمسجد الجامع بحلب موضع المصنع للماء، وجد فيه صورة أسد من الحجر الأسود، وهو موضوع على بلاط أسود، ووجهه الى جهة القبلة، قال: فاستخرجوه من مكانه، فجرى بعد ذلك ما جرى من خراب جامع حلب إما بالزلزلة وإما بالحريق. قلت ووقع مثل ذلك في زماننا في أيام دولة الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر غازي بن يوسف بن أيوب، وأتابكه ومدبر دولته طغرل الخادم الظاهري، فجدد طغرل دارا في القلعة ليسكنها، فلما حفر أساسها، ظهر فيما حفروه صورة أسد من حجر أسود، فأزالوه عن موضعه، فسقط بعد ذلك الجانب القبلي من أسوار قلعة حلب، وانهدم من سفح القلعة قطعة كبيرة. أخبرنا أحمد بن الأزهر بن السباك البغدادي في كتابه إلي عن أبي بكر محمد ابن عبد الباقي الأنصاري قال: أنبأنا المحسن بن علي التنوخي قال: حدثني الحسن ابن ابنة غلام أبي الفرج الببّغاء، وكتب خطه، وشهد له أبو الفرج بصحة الحكاية، قال: في أعمال حلب ضيعة تعرف بعين جارا، وبينها وبين الحوته حجر قائم قائم كالتخم بين أرض الضيعتين، فربما وقع بين أهل الضيعتين شر فيكيدهم أهل الحوتة بأن يطرحوا ذلك الحجر القائم، فكما يقع الحجر، يخرج أهل الضيعتين من النساء ظاهرات متبرجات لا يعقلن طلبا للجماع (١٩٤ - و) ولا يستقبحن في الحال ما هم عليه من غلبة الشهوة الى أن يتبادر الرجال الى الحجر، فيعيدونه الى حاله الأولى، فيتراجعن النساء الى بيوتهن وقد عاد إليهن التميز باستقباح ما كن عليه. وهذه الضيعة كان سيف الدولة أقطعها أبا علي أحمد بن نصر البازيار، وكان أبو علي يتحدث بذلك ويسمعه منه الناس وذكر هذه الحكاية بخطه في الأصل. قلت: هكذا قال: الحوتة بالحاء، وهي الآن تسمى الهوته بالهاء، وهي الى جانب عنجار (¬١) والهوتة أقطعتها، وبطل ما ذكره التنوخي، وقيل لي بأن الحجر باقي. قرأت في تاريخ أعارنيه بعض الهاشميين بحلب جمعه أبو غالب همّام بن الفضل بن جعفر المهذب المعري، ذكر فيه حوادث سنة سبع وستين وأربعمائة أنه ظهر بأنطاكية طلسم في جرن على صور الأتراك، فما حال الحول حتى فتحها الأتراك. ثم قرأت بخط محمد بن علي العظيمي الأستاذ في تاريخه، وأنبأنا به عنه المؤيد بن محمد الطوسي في حوادث سنة سبع وستين قال: وفيها فتح سليمان بن قطلمش نيقيه وأعمالها، وفيها كانت الزلزلة بأنطاكية فأخربت منها كنائس ومنازل وبعض سورها، وفيها ظهر بأنطاكية طلسم الأتراك في دير على بابها، وكان الدير عاب، فلم يجدوا له خشبا لسعة أكواره، فجددوا في وسطه أساسات للقناطر، فخرج عليهم جرن فيه خيالة أتراك من نحاس، فظهر الأتراك على أنطاكية (١٩٤ - ظ). وذكر العظيمي في تاريخه المختصر ما أخبرنا به شيخنا أبو اليمن الكندي إجازة عنه قال، في حوادث سنة سبع وستين وأربعمائة: وزلزلت أنطاكية، وفتح سليمان بن قطلمش نيقيه وأعمالها وظهر بأنطاكية طلسم الأتراك في دير الملك على باب أنطاكية سبعة أتراك من نحاس على خيل نحاس بجعابهم، فما حال الحول حتى فتحها الأتراك (¬٢). قلت: فقد تواطأ ابن المهذب والعظيمي على أن هذا كان في سنة سبع وستين وليس الأمر كذلك بل كان فتح سليمان بن قطلمش أنطاكية في سنة سبع وسبعين وأربعمائة، والظاهر أن ابن المهذب نقل ذلك وطغى القلم في سنة سبع وسبعين بستين، فكتبه على الغلط، ونقل العظيمي ذلك من تاريخه على الغلط، والصحيح ما ذكره حمدان بن عبد الرحيم الأثاربي في أخبار الفرنج، وقرأته بخط الرئيس يحيى بن المراوي الحلبي، وذكر أنه نقله من خط حمدان بن عبد الرحيم، قال: وكان من عجائب الزمان أن أنطاكية خربتها زلزلة عظيمة قبل فتحها بمدة أربع سنين، وسقط من سورها عدة أبرجة. حكى القاضي حسن بن الموج الفوعي قال: كنت قد هربت من المجنّ (¬١) ووصلت الى أنطاكية وخدمت بها الأجل مسعود وزير يغي سغان، فتركني على العمارة، قال: فعدنا الى ما قد أخربته الزلزلة من السور فعمرناه، فعاد أحد الأبرجة هبطا وعاب، فأشير علينا بنقضه، وأن يقرّر أساسه، فهدمناه، ونزلنا على آخر (١٩٥ - و) دمس في أساسه، فوجدنا جرنا قد انكسر عليه طابق عظيم، فكشفناه فوجدنا فيه سبعة أشخاص من نحاس على خيل من نحاس، على كل واحد ثوب من الزرد، معتقلا ترسا ورمحا؛ قال: فعرّفت الأجل مسعود بذلك، فنفذ ثقته، فأخرج الأشخاص وكشف ما تحت الجرن فلم يجد شيئا سواها، فحمل الأشخاص الى الوزير فأخذها وأحضرها الى مجلس الأمير يغي سغان؛ فقال بعض الحاضرين: لو أحضر الأمير من مشايخ المدينة من يكشف له حقيقة هذا الأمر، فتقدم بإحضار جماعة، وأبرزت إليهم الأشخاص وقيل لهم: تعرفون ما هذه الأشخاص؟ قالوا: ما نعرف، بل إننا نحكي للأمير ما يقارب هذا الأمر، لنا دير يعرف بدير الملك واسع الهواء، عاب علينا في سنة سبع وسبعين وأربعمائة فتكسر أكثر خشبه، فنقضناه وتطلبنا له خشبا بمقداره فلم نجد بأنطاكية وبلدها شيئا، فأشار علينا بعض الصناع بتقديم الحائط فحفرنا أساس الحائط الجديد، فلما انتهينا الى أسفله وجدنا أشخاص أتراك من نحاس في أوساطهم القسي والنشاب، فلم نحفل بذلك، وعمرنا الحائط، فما مضى لنا غير مدة قصيرة حتى سرق المدينة سليمان بن قتلمش في أول شعبان سنة سبع وسبعين وأربعمائة في أربعمائة غلام أو دون، وملكنا كما سمع الأمير، وهذه الأشخاص ربما كانت من أمة هذه أشكالهم من العرب أو غيرهم من المسلمين، وورّوا (١٩٥ - ظ) عن خبر الفرنج، وكان قد وصلهم عنهم أخبار شاذة وما يجسر أحد يفوه بها، فشتمهم يغي سغان أقبح شتم وقال: يا كفار في الأرض غير الأتراك؟! وأمر بإخراجهم، فما حال الحول حتى قيل الفرنج قد نزلوا القسطنطينية. هذا ما حكاه القاضي حسن بن الموج، والتواريخ كلها متفقة على أن سليمان بن قطلمش هجم أنطاكية في سنة سبع وسبعين وأربعمائة. وقال حمدان بن عبد الرحيم بعد هذه الحكاية، ونقلته من خط ابن المراوي،: ومثل هذا أن روجار صاحب أنطاكية احتاج الى رخام يستعمله، فذكر له: إن في الموضع الفلاني قصرا عمره الملك الذي عمر أنطاكية، وإن فيه من الرخام كل عجيبة، فأمر أن يطلب، وكان هذا في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، فلما كشف عنه وجد جرن رخام، وفيه فارس على فرس، إلا أن فيها ما ينافي الفرس، وهو ملثم لا يبين فيه غير عينيه، فأحضر ذلك الشخص إليه، وأخذ في أحاديث تلك الأشخاص التركية والفرنجية، فنظر في ذلك، فقال له بعض القسوس إضرب تلك الأشخاص التركية والفرنجية، فنظر في ذلك، فقال له بعض القسوس إضرب به الأرض ينكسر وينكسر شره، فضرب به الأرض حتى تكسر؛ وفي تلك الجمعة وصله مستصرخ بيت المقدس يخبره بنزول عسكر المصريين إليهم، فسار حتى إذا وصلهم وبرز لمقاتلة عسكرهم فجايشوا أياما، ثم رجع عسكر مصر وقد خسر، وعاد روجار الى أنطاكية، ولم يقم بها غير عشرة أيام، وخرج الى أعزاز (١٩٦ - و) وحاصرها، فأنفذ الحلبيون الى إيل غازي بن أرتق، فاستدعوه وملكوه حلب، وشد التركمان، وسار إليه فالتقوا على فرضة ليلون على موضع اسمه تل عقبرين فكسر الفرنج، وقتل روجار وأخذ رأسه، وقتل من الفرنج عدد ألوف، ولو تم عسكر إيل غازي الى أنطاكية لأخذت، ولكنه هاب الأمر ولله المشيئة (¬١). ***