page 225, entry [102]Open original source
٣ - الحلم والأناة: هاتان خصلتان يحبهما الله، كما صح ذلك عن رسول الله ﷺ (¬١)، وقد كان معاوية ﵁ مضرب المثل في الحلم والأناة. قال السيوطي: «وكان يضرب بحلمه المثل، وقد أفرد ابن أبي الدنيا وأبو بكر بن أبي عاصم تصنيفًا في حلم معاوية» (¬٢). قال قبيصة بن جابر: «صحبت معاوية، فما رأيت أحدا أنبل حلما، ولا أبعد أناة منه» (¬٣). وقال الشعبي: «دهاة العرب أربعة: معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد، فأما معاوية: فللحلم والأناة، وأما عمرو: فللمعضلات، وأما مغيرة بن شعبة: فللمبادهة، وأما زياد: فللصغير والكبير» (¬٤). وقال عنه الذهبي: «ورضي الناس بسخائه وحلمه، وإن كان بعضهم تألم مرة منه، وكذلك فليكن الملك. وإن كان غيره من أصحاب رسول الله ﷺ خيرا منه بكثير، وأفضل، وأصلح، فهذا الرجل ساد وساس العالم بكمال عقله، وفرط حلمه، وسعة نفسه، وقوة دهائه ورأيه» (¬٥). ومما أُثر عنه ﵁ من أقواله في الحلم ما يلي: - عن عروة بن الزبير قال: «كنت جالسا عند معاوية، فحدَّث نفسه، ثم انتبه؛ فقال: لا حلم إلا بتجربة. يعيدها ثلاثاً» (¬٦).- وعن أبي سفيان بن العلاء -أخي أبي عمرو بن العلاء- قال: «قال معاوية: إني لأرفع نفسي أن يكون ذنب أوزن من حلمي» (¬١). - وذكر أبو عبيدة معمر بن المثنَّى أنَّ معاوية ﵁ كان يتمثل بهذه الأبيات كثيرا: فَمَا قَتَلَ السَّفَاهَةَ مِثْلُ حِلْمٍ ... يَعُودُ بِهِ عَلَى الْجَهْلِ الْحَلِيمُ فَلَا تَسْفَهْ وَإِنْ مُلِّئْتَ غَيْظًا ... عَلَى أَحَدٍ فَإِنَّ الْفُحْشَ لَوْمُ وَلَا تَقْطَعْ أَخًا لَكَ عِنْدَ ذَنْبٍ ... فَإِنَّ الذَّنْبَ يَغْفِرُهُ الْكَرِيمُ (¬٢) ومن مواقفه التي تدل على حلمه ما يلي: - عن عروة بن الزبير: «أن المسور بن مخرمة أخبره أنه قدم وافدا على معاوية بن أبي سفيان، فقضى حاجته، ثم دعاه فأخلاه فقال: يا مسور! ما فعل طعنك على الأئمة؟ فقال المسور: دعنا من هذا، وأحسن فيما قدمنا له، قال معاوية: والله لتكلمن بذات نفسك، والذي تعيب علي، قال المسور: فلم أترك شيئا أعيبه عليه إلا بينته له. قال معاوية: لا برئ من الذنب، فهل تعد يا مسور مالي من الإصلاح في أمر العامة، فإن الحسنة بعشر أمثالها، أم تعد الذنوب وتترك الحسنات؟ قال المسور: لا والله ما نذكر إلا ما ترى من هذه الذنوب. قال معاوية: فإنا نعترف لله بكل ذنب أذنبناه، فهل لك يا مسور ذنوب في خاصتك تخشى أن تهلكك إن لم يغفرها الله؟ قال مسور: نعم.قال معاوية: فما يجعلك أحق أن ترجو المغفرة مني؟ فو الله لما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي، ولكن والله لا أخير بين أمرين، بين الله وبين غيره إلا اخترت الله تعالى على ما سواه، وإنا على دين يقبل الله فيه العمل، ويجزي فيه بالحسنات، ويجزي فيه بالذنوب، إلا أن يعفو عمن يشاء، فأنا أحتسب كل حسنة عملتها بأضعافها، وأوازي أمورا عظاما لا أحصيها ولا تحصيها، من عمل الله في إقامة صلوات المسلمين، والجهاد في سبيل الله ﷿، والحكم بما أنزل الله تعالى، والأمور التي لست تحصيها وإن عددتها لك، فتفكر في ذلك. قال المسور: فعرفت أن معاوية قد خصمني حين ذكر لي ما ذكر. قال عروة: فلم يسمع المسور بعد ذلك يذكر معاوية إلا استغفر له» (¬١). والشاهد هنا: هو حلم معاوية على من يطعنون فيه، وصبره على سماع قدحهم، ومناقشته لهم، وتبيينه لما يغفلون عنه من فضائله. - وعن أبي الحسن المدائني قال: «نظر معاوية إلى ابنه وهو يضرب غلاما له، فقال له: أتفسد أدبك بأدبه؟! فلم ير ضاربا غلاما له بعد ذلك» (¬٢).