page 186, entry [82]Open original source
الخطوة السادسة: لقاء معاوية مع المعترضين على بيعة يزيد: لما وصل معاوية ﵁ مكة، وأدَّى عمرته: بدأ اللقاء مع هؤلاء الصحابة المعترضين على البيعة. يقول القاسم بن محمد بن أبي بكر: «لما قدم معاوية مكة تلقَّاه عبد الله بن الزبير بالتنعيم، فضاحكه معاوية وسأله عن الأموال، ولم يعرض بشيء من الأمر الذي بلغه، ثم لقي عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر؛ فتفاوضا معه في أمر يزيد، ثم دعا معاوية ابن الزبير فقال له: هذا صنيعك أنت، استزللت هذين الرجلين، وسننت هذا الأمر، وإنما أنت ثعلب رواغ لا تخرج من جحر إلا دخلت في آخر، فقال ابن الزبير: ليس بي شقاق، ولكن أكره أن أبايع رجلين، أيكما أُطِيع بعد أن أعطيكما العهود والمواثيق؟ فإن كنت مللت الإمارة فبايع ليزيد، فنحن نبايعه معك» (¬١). وثمَّ رواياتٌ أخرى ذكرت ما دار من حوار بين معاوية وابن عمر، وعبد الرحمن ﵃. فعن ذكوان مولى عائشة قال: «قدم معاوية مكة فقضى طوافه ودخل منزله، فبعث إلى ابن عمر، فتشهَّد وقال: أما بعد يا بن عمر، فإنك قد كنت تحدثني أنك لا تحب أن تبيت ليلة سوداء ليس عليك أمير، وإني أحذرك أن تشق عصا المسلمين، وأن تسعى في فساد ذات بينهم، فلما سكت تكلم ابن عمر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإنه قد كانت قبلك خلفاء لهم أبناء ليس ابنك بخير من أبنائهم، فلم يروا في أبنائهم ما رأيت أنت في ابنك، ولكنهم اختاروا للمسلمين حيث علموا الخيار، وإنك تحذرني أن أشق عصا المسلمين وأن أسعى في فساد ذات بينهم، ولم أكن لأفعل، إنما أنا رجل من المسلمين، فإذا اجتمعوا على أمر فإنما أنا رجل منهم، فقال: يرحمك الله، فخرج ابن عمر. وأرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر، فتشهَّد وأخذ في الكلام فقطع عليه كلامه، فقال: إنك والله لوددت أنا وكلناك في أمر ابنك إلى الله، وإنا والله لانفعل، والله لتردن هذا الأمر شورى في المسلمين، أو لنعيدنها عليك جذعة، ثم وثب فقام.فقال معاوية: اللهم اكفنيه بم شئت، ثم قال: على رسلك أيها الرجل، لا تشرفن بأهل الشام، فإني أخاف أن يسبقوني بنفسك حتى أخبر العشية أنك قد بايعت، ثم كن بعد ذلك على ما بدا لك من أمرك. ثم أرسل إلى ابن الزبير فقال: يا ابن الزبير، إنما أنت ثعلب رواغ كلما خرج من جحر دخل آخر، وإنك عمدت إلى هذين الرجلين فنفخت في مناخرهما، وحملتهما على غير رأيهما، فتكلم ابن الزبير فقال: إن كنت قد مللت الإمارة فاعتزلها، وهلم ابنك فلنبايعه، أرأيت إذا بايعنا ابنك معك لأيكما نسمع؟ لأيكما نطيع؟ لا نجمع البيعة لكما والله أبدا، ثم قام. فراح معاوية فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنا وجدنا أحاديث الناس ذوات عوار، زعموا أن ابن عمر وابن الزبير وابن أبي بكر الصديق لم يبايعوا يزيد، قد سمعوا وأطاعوا وبايعوا له، فقال أهل الشام: لا والله لا نرضى حتى يبايعوا على رؤوس الناس وإلا ضربنا أعناقهم، فقال: مه، سبحان الله، ما أسرع الناس إلى قريش بالسوء، لا أسمع هذه المقالة من أحد بعد اليوم، ثم نزل، فقال الناس: بايع ابن عمر وابن الزبير وابن أبي بكر، ويقولون: لا والله ما بايعنا، ويقول الناس: بلى لقد بايعتم، وارتحل معاوية فلحق بالشام» (¬١). وفي رواية: «فقام معاوية حين أبوا عليه؛ فقال: ألا إن حديث الناس ذات غور، وقد كان بلغني عن هؤلاء الرهط أحاديث وجدتها كذبا، وقد سمعوا وأطاعوا ودخلوا في صلح ما دخلت فيه الأمة» (¬٢).هؤلاء من ذكرَتْ الروايات اعتراضهم على معاوية في أمر بيعة يزيد، وأما الحسين بن علي ﵁ فلم نقف على رواية صحيحة تفيد ما وقع بينه وبين معاوية بخصوص هذه البيعة (¬١)،باستثناء رواية ليس فيها كبير تفصيل؛ وهي: عن مسافع بن شيبة قال: «لقي الحسين معاوية بمكة عند الردم، فأخذ بخطام راحلته فأناخ به، ثم سارَّه حسين طويلا وانصرف، فزجر معاوية راحلته، فقال له يزيد: لا يزال رجل قد عرض لك فأناخ بك، قال: دعه، فلعله يطلبها من غيري فلا يسوغه فيقتله» (¬١). فهذه الرواية -مع صغر ما فيها- تبين أن ثمَّة حوار دار بين الحسين ومعاوية حول الخلافة من بعده، وأن معاوية علم أن هناك من يُمني الحسين بالخلافة بعد معاوية، لكنَّ معاوية يعلم أن هؤلاء لن ينصروا حسينا، بل قد يكونون سببا لقتله (¬٢)، وقد وقع بالفعل للحسين ﵁ بعد ذلك ما توقَّعه معاوية.