page 38, entry [23]Open original source
ثالثاً: كتابتُه الوحي بين يدي النبي ﷺ -: لا يكاد يخلو مصدرٌ من مصادر ترجمته ﵁ من ذكر هذه المنقبة له، وهي: أنه كان كاتباً بين يدي النبي ﷺ، بل عدَّ بعضهم هذا من الأمور المتواترة عن معاوية ﵁. يقول شيخُ الإسلام ابن تيْميَّة: «فإنَّ معاويةَ ثبت بالتواتر أنه أَمَره النبي ﷺ كما أمر غيره، وجاهد معه، وكان أميناً عنده- يكتب له الوحي، وما اتَّهمه النبيُّ ﷺ في كتابة الوحي» (¬٤). وفيما يلي بعضُ نصوص العلماء -على اختلاف أزمانهم وأماكنهم- في هذه المسألة:قال المعافى بن عمران (¬١): «معاوية ﵁ كاتبه، وصاحبه، وصهره، وأمينه على وحي الله ﷿» (¬٢). وقال خليفةُ بن خيَّاط: «تسمية من كَتَبَ له ﷺ: زيد بن ثابت كاتب الوحي، وقد كتب له معاوية بن أبي سفيان» (¬٣). وقال الإمامُ مُسلمٌ: «أبو عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان، كاتب رسول الله ﷺ» (¬٤). وقال الطبريُّ: «ذِكْرُ من كان يكتب لرسول الله ﷺ: وكَتَبَ له معاوية بن أبي سفيان» (¬٥). وقال أبو نعيمٍ: «كان من الكَتَبَة الحَسَبَة الفَصَحَة» (¬٦). وقال ابنُ حزمٍ -وهو يتحدَّثُ عن كُتَّابه ﷺ: «وكان زيد بن ثابت من ألزم النَّاس لذلك، ثُمَّ تلاه مُعاويةُ بعد الفتح، فكانا مُلازِمَيْن للكتابة بين يديه ﷺ في الوحي وغير ذلك، لا عمل لهما غير ذلك» (¬٧). وقال ابنُ عبد البرِّ: «وهو أحد الذين كتبوا لرسول الله ﷺ» (¬٨). وقال الخطيبُ البغداديُّ: «واستكتبه النبيُّ ﷺ» (¬٩). وقال ابنُ عساكرٍ: «كاتبُ وحي ربِّ العالمين» (¬١٠).وقال الشيخ عبدُ الله السعد: «وكون معاوية ﵁ كاتباً لرسول الله ﷺ أمرٌ مشهورٌ عند أهل العلم, واتِّخاذ سيد الخلق له كاتباً لوحي الله ﷿ منقبةٌ عظيمةٌ لمعاوية ﵁» (¬١). إلا أنه قد رُوي أن كتابته للنبي ﷺ كانت خاصة بالمراسلات بينه وبينه العرب، وقد ورد ما يردُّ هذا القول. قال الذهبيُّ: «وذكر المفضَّل الغلابي: أنَّ زيد بن ثابت كان كاتب وحي رسول الله ﷺ، وكان معاوية كاتبه فيما بينه وبين العرب. كذا قال! وقد صحَّ عن ابن عباس قال: كنت ألعب، فدعاني رسول الله ﷺ وقال: ادع لي معاوية، وكان يكتب الوحي (¬٢)» (¬٣). ولما نقل ابن تيْميَّة قولَ ابن المطهِّر عن أهل السنة: «وسمُّوه: كاتب الوحي، ولم يكتب له كلمةً من الوحي»؛ أجاب عن ذلك فقال: «فهذا قولٌ بلا حجةٍ, فما الدليلُ على أنه لم يكتب له كلمة واحدة من الوحي, وإنما كان يكتب له الرسائل؟» (¬٤).وقال عنه في موطنٍ آخر: «وكان يكتب الوحي، فهو ممن ائتمنه النبيُّ ﷺ على كتابة الوحي، كما ائتمن غيره من الصحابة» (¬١). وتذكر إحدى الروايات أن الذي طلب من النبي ﷺ استكتاب معاوية هو: والده أبا سفيان. فعن ابن عباس، قال: «كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنبي ﷺ: يا نبيَّ الله! ثلاثٌ أعطنيهن، قال: نعم، قال: عندي أحسن العرب وأجمله، أم حبيبة بنت أبي سفيان، أزوجكها، قال: نعم، قال: ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك، قال: نعم، قال: وتؤمِّرني حتى أقاتلَ الكفار كما كنتُ أقاتل المسلمين، قال: نعم» (¬٢).وهذه الرواية -على مافيها من كلام- أصحُّ بكثيرٍ من هذه الروايات الواهية التي ساقها ابن عساكر في ترجمة معاوية ﵁ (¬١)، والتي في بعضها أنَّ تكليفه بالكتابة جاء بوحيٍ من السماء (¬٢)!