page 43, entry [24]Open original source
رابعاً: روايتُه الحديث عن النبي ﷺ -: لم يكن معاوية ﵁ من المكثرين في رواية الحديث، فعن أبي إدريس الخولاني قال: «سمعت معاوية على المنبر يخطب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول، وكان قليل الحديث عنه» (¬١). وربما يرجع ذلك لتأخُّر إسلامه، ولِقِصَرِ الفترة التي صاحب فيها النبيَّ ﷺ، فقد ظهر إسلامه في عام الفتح -كما تقدَّم-. وربما رجع ذلك أيضاً لاحتياطه في الرواية عنه ﵊، فقد كان بعض الصحابة يتهيَّبون الحديث عن رسول الله ﷺ، خاصة من بلغه حديثُ إثم الكاذب عليه ﷺ. فعن عبد الله بن الزبير، قال: «قلتُ للزبير: إني لا أسمعك تحدِّثُ عن رسول الله ﷺ كما يحدِّث فلانٌ وفلان؟ قال: أمَا إني لم أفارقه، ولكن سمعتُه يقول: من كذَبَ عليَّ فليتبوأ مقعده من النار» (¬٢). قال أبو الحسن القابسيُّ -مُعلِّقا على هذا الحديث-: «فمن أجل هذا هَابَ بعض من سمع الحديث أن يُحدِّث الناس بما سمع، وهو بيِّنٌ في اعتذار الزبير» (¬٣). فلا مانع أن يكون معاوية من هؤلاء الذين كانوا يحتاطون لأنفسهم، خاصَّةً وقد ثبت عنه أنه كان يحذِّر من التهاون في أحاديث النبي ﷺ. فعن عبد الله بن عامر اليحصبي، قال: سمعت معاوية يقول: «إياكم وأحاديث رسول الله ﷺ؛ إلا حديثاً كان في عهد عمر، فإنَّ عمر كان يُخيف الناسَ في الله ﷿» (¬٤).ثم وجدتُ عثمان الدارميَّ قد رجَّح هذا الاحتمال الأخير؛ فقال: «كان معاويةُ معروفاً بقلَّة الرواية عن رسول الله ﷺ , ولو شاء لأكثر، إلا أنه كان يتقي ذلك, ويتقدَّم إلى الناس ينهاهم عن الإكثار على رسول الله ﷺ , حتى إنه كان ليقول: اتقوا من الروايات عن رسول الله ﷺ إلا ما كان يُذكر منها في زمن عمر , فإنَّ عمر كان يُخوِّف الناس في الله تعالى» (¬١). فالحمد لله على توفيقه. ومع ذا: فقد روى معاويةُ ﵁ قدراً لا بأس به من الأحاديث. قال النوويُّ: «رُوي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وثلاثة وستون حديثا (¬٢)، اتفق البخاري ومسلم على أربعة منها، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة. رَوَى عنه من الصحابة: ابن عباس، وأبو الدرداء، وجرير بن عبد الله، والنعمان بن بشير، وابن عمر، وابن الزبير، وأبو سعيد الخدري، والسائب بن يزيد، وأبو أمامة بن سهل. ومن التابعين: ابن المسيب، وحميد بن عبد الرحمن، وغيرهما» (¬٣). ولذا قال ابنُ كثيرٍ: «ورَوَى عن رسول الله ﷺ أحاديثَ كثيرة، في الصحيحين، وغيرهما من السنن، والمسانيد، ورَوَى عنه جماعة من الصحابة والتابعين» (¬٤). وأمَّا ابنُ الوزير اليماني فله إحصاءٌ آخر لأحاديثَ معاوية ﵁، من خلال الكتب الستة، ومسند أحمد؛ فقال: «وبعد هذه القواعد أذكرُ لك ما يصدِّقها من بيان أحاديث معاوية التي في الكتب الستة لتعرف ثلاثة أشياء: عدم انفراده فيما رَوَى، وقِلَّةَ ذلك، وعَدَمَ نكارته.فأقول: جملة ما في الجامعين (البخاري، ومسلم) من حديثه: ثلاثة عشر حديثاً، اتفقا منها على أربعة، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة، وجملة ما روي فيهما وفي السنن الأربع من حديثه خمسة أقسام: ... » (¬١). ثم ذكر أحاديث معاوية ﵁، وبيَّن من تابعه من الصحابة على روايتها، ثم قال: «فهذا جميع ما لمعاوية في الكتب الستة، ومسند أحمد، حسب معرفتي، وجملتها ستون حديثاً، ما صح عنه وما لم يصح، المتفق على صحته عنه أربعة، ..... ، وأرجو أن لا يكون فاتني من ذلك شيء إن شاء الله تعالى»، إلى أن قال: «وهو مُقِلٌّ جداً بالنظر إلى طول مدته، وكثرة مخالطته، وليس فيما صحَّ عنه بوفاق شيء يوجب الريبة والتهمة» (¬٢). وقال في مصنَّفٍ آخر له: «المرويُّ في الكتب السّتّة من طريق معاوية في الأحكام ثلاثون حديثاً» (¬٣)، ثم بيَّنها، وبيَّن من تابعه من الصحابة على روايتها، ثم أتبعها بذكر أحاديث أُخر خارج الأحكام، وبعض الآثار الموقوفة، ثم قال: «فهذا جملة ما له في جميع دواوين الإسلام السّتّة, لا يشذّ عنّي من ذلك شيء, إلا ما لا يُعصم عنه البشر من السّهو، وليس في حديثه ما ينكر قطّ, على أنّ فيها ما لم يصحّ عنه، أو ما في صحّته عنه خلاف, وجملة ما اتّفق على صحّته عنه منها كلّها في الفضائل والأحكام: ثلاثة عشر حديثاً؛ اتفق البخاري ومسلم منها على أربعة، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة.وهذا دليل صدق أهل ذلك العصر, وعدم انحطاطهم إلى مرتبة الكذّابين -خذلهم الله تعالى-, ولو لم يدلّ على ذلك إلا أنّ معاوية لم يرو شيئاً قطّ في ذمّ عليّ ﵁ , ولا في استحلال حربه, ولا في فضائل عثمان, ولا في ذمّ القائمين عليه, مع تصديق جنده له, وحاجته إلى تنشيطهم بذلك فلم يكن منه في ذلك شيء على طول المدّة, لا في حياة عليّ ولا بعد وفاته, ولا تفرّد برواية ما يخالف الإسلام ويهدم القواعد, ولهذا روى عن معاوية غير واحد من أعيان الصحابة والتابعين» (¬١).