page 586, entry [809]Open original source
٦٢٤ - محمد بن أحمد بن إسماعيل بن عيسى بن إسماعيل، أبو الحسين المعروف بابن سمعون. كان واحد دهره، وفريد عصره، فى الكلام على علم الخواطر والإشارات دوّن الناس حكمه، وجمعوا كلامه. قرأ مختصر أبى القاسم الخرقى عليه، وسمعه منه جماعة، أحدهم: الشيخ الزاهدأبو الحسين القزوينى: وحدث به القزوينى جماعة. أحدهم: المبارك بن عبد الجبار؛ وحدث به. وسمع ابن سمعون من عبد الله بن أبى داود السجستانى، ومحمد بن مخلد الدورى، وأبى محمد بن صاعد، ومحمد بن جعفر المطيرى، وابن زياد الدمشقى، فى آخرين. حدث عنه القاضى أبو على بن أبى موسى، وأبو محمد الخلال، وعبد العزيز الأرجى وحدثنا عنه أحمد بن محمد المقرئ - يعرف بابن حمدويه - قال: حدثنا أبو الحسين بن سمعون - إملاء، يوم الثلاثاء، لخمس خلون من رجب سنة سبع وثمانين وثلاثمائة - قال: حدثنا أحمد بن محمد بن أبى حمد بن أبى سليمان قال: حدثنا محمد بن سنان قال: حدثنا يعقوب بن محمد قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد قال: حدثنى الزهرى عن محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك - وكان قد شهد بدرا - قال: قال رسول الله ﷺ «حرم الله على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغى بها وجه الله ﷿». أخبرنا ابن ثابت حدثنى الحسن بن أبى طالب، قال سمعت أبا الحسين ابن سمعون يقول: ولدت فى سنة ثلاثمائة. قال: وأخبرنا البرقانى قال: قلت لأبى الحسين بن سمعون: أيها الشيخ: تدعو الناس إلى الزهد فى الدنيا والترك لها، وتلبس أحسن الثياب، وتأكل أطيب الطعام. فكيف هذا؟ فقال: كل ما يصلحك لله فافعله، إذا صلح حالك مع الله، بلبس لين الثياب، وأكل طيب الطعام: فلا يضرك. قال: وحدثنا أبو محمد الخلال، قال: قال لى أبو الحسين بن سمعون: ما اسمك؟ فقلت: حسن. فقال: قد أعطاك الله الاسم، فسله أن يعطيك المعنى. قال: وحدثنا عبد الواحد بن عمر قال: وسمعت ابن سمعون يقول: رأيت المعاصى نذالة؛ فتركتها مروءة؛ فاستحالت ديانة.قال: وحدثنا محمد الطاهرى، قال سمعت أبا الحسين بن سمعون يذكر أنه خرج من مدينة الرسول ﷺ، قاصدا بيت المقدس، وحمل فى صحبته تمرا صيحانيا، فلما وصل إلى بيت المقدس ترك التمر مع غيره من الطعام فى الموضع الذى كان يأوى إليه. ثم طالبته نفسه بأكل الرطب، فأقبل عليها بالملامة وقال: من أين لنا فى هذا الموضع رطب؟ فلما كان وقت الإفطار عمد إلى التمر ليأكل منه، فوجده رطبا صيحانيا، فلم يأكل منه شيئا، ثم عاد إليه من غد عشية، فوجده تمرا على حالته الأولى، فأكل منه، أو كما قال. قال: وسمعت أبا الحسن بن البادا يقول: سمعت أبا الفتح القواس يقول: لحقنى إضاقة وقتا من الزمان، فنظرت فلم أجد فى البيت غير قوس وخفين كنت ألبسهما، فأصبحت وقد عزمت على بيعهما، وكان يوم مجلس ابن سمعون. فقلت فى نفسى: أحضر المجلس، ثم أنصرف فأبيع الخفين والقوس، فحضرت المجلس. فلما أردت الانصراف، نادانى أبو الحسن: يا أبا الفتح، لا تبع الخفين ولا تبع القوس، فإن الله سيأتيك برزق من عنده؛ أو كما قال. وبه قال: حدثني على بن الحسن حدثنى أبو طاهر بن العلاف قال: حضرت أبا الحسين بن سمعون يوما فى مجلس الوعظ. وهو جالس على كرسيه يتكلم، وكان أبو الفتح القواس جالسا إلى جنب الكرسى، فغشيه النعاس فنام، فأمسك أبو الحسين عن الكلام ساعة، حتى استيقظ أبو الفتح ورفع رأسه. فقال له أبو الحسين: رأيت رسول الله ﷺ فى نومك؟ فقال: نعم، فقال أبو الحسين: لذلك أمسكت عن الكلام، خوفا أن تنزعج وتنقطع عما كنت فيه. أو كما قال. وبه أخبرنا على بن الحسن الوزير قال: حكى أبو على بن أبى موسى الهاشمى قال: حكى لى وحى، مولى الطائع لله قال: أمرنى الطائع أن أوجه إلى ابن سمعون فأحضره إلى دار الخلافة. ورأيت الطائع على صفة من الغضب. وكان يتقى فىتلك الحال، لأنه كان ذا حدّة. فبعثت إلى ابن سمعون، وأنا مشغول القلب لأجله. فلما حضر أعلمت الطائع حضوره. فجلس مجلسه، وأذن له فى الدخول. فدخل، وسلم عليه بالخلافة. ثم أخذ فى وعظه. فأول ما بدأ به أن قال: روى عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب كرم الله وجهه - وذكر عنه خبرا - ولم يزل يجرى فى ميدان الوعظ حتى بكى الطائع لله، وسمع شهيقه، وابتل منديل بين يديه بدموعه. فأمسك ابن سمعون حينئذ. ودفع إلىّ الطائع درجا فيه طيب وغيره. فدفعته إليه، وانصرف وعدت إلى حضرة الطائع. فقلت: يا مولاى، رأيتك على صفة من شدة الغضب على ابن سمعون، ثم انتقلت إلى تلك الصفة عند حضوره. فما السبب؟ فقال: رفع إلى عنه: أنه ينتقص على بن أبى طالب، فأحببت أن أتيقن ذلك، لأقابله عليه إن صح ذلك عنه. فلما حضر بين يدى: افتتح كلامه بذكر على بن أبى طالب والصلاة عليه، وأعاد وأبدى فى ذلك. وقد كان له مندوحة فى الرواية عن غيره، وترك الابتداء به. فعلمت أنه وفّق لما تزول به عنه الظنة وتبرأ ساحته. ولعله كوشف بذلك أو كما قال. وقرأت بخط أخى أبى القاسم قال: قال شكر العضدى: لما دخل عضد الدولة إلى بغداد، وقد هلك أهلها قتلا، ونهبا وحرقا، وخوفا للفتن التى اتصلت بين السنة والشيعة: فقال: الآفة القصاص هم. فنادى فى البلد: أن لا يقص أحد فى جامع ولا طريق. فرفع إليه أن أبا الحسين بن سمعون جلس على كرسيه فى يوم الجمعة بجامع المنصور، وتكلم على الناس. فأمرنى بأن أنفذ إليه من يحصله عندى ففعلت. فدخل علي رجل له هيبة، وعلى وجهه نور. فلم أملك أن قمت إليه، وأجلسته إلى جانبى. فلم ينكر ذلك. وجلس غير مكترث. وأشفقت والله أن يجرى عليه مكروه على يدى. فقلت: أيها الشيخ، إن هذا الملك جبار عظيم وما كنت أوتر لك مخالفة أمره. والآن فأنا موصلك إليه، وكما تقع عينك عليه فقبل التراب، وتلطف فى الجواب إذا سألك، واستعن بالله. فعساه أن يخلصكمنه. فقال: الخلق والأمر لله ﷿. فمضيت به إلى حجرة فى آخر الدار، قد جلس الملك فيها منفردا، خيفة أن يجرى من أبى الحسين بادرة بكلام فيه غلظ، فتسير به الركبان. فلما دنوت من باب الحجرة وقفته: وقلت له: إياك أن تبرح من مكانك حتى أعود فأدخلك، وإذا سلمت فليكن بخشوع وخضوع. فدخلت لأستأذن له. فالتفت فإذا هو واقف إلى جانبى، قد حول وجهه نحو دار بختيار. وقرأ (١٠٢:١١ ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ. إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)﴾ ثم حول وجهه نحو الملك، وقرأ (١٤:١٠ ﴿ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)﴾ وأخذ فى وعظه. فأتى بالعجب. فدمعت عين الملك. وما رأيت ذلك منه قط. وترك كمه على وجهه، فتراجع أبو الحسين فخرج، ومضى إلى حجرتى، فقال الملك: امض إلى بيت المال، وخذ ثلاثة آلاف درهم، وإلى خزانة الكسوة وخذ منها عشرة أثواب، وادفع الجميع إليه. فإن امتنع فقل: فرقها فى فقراء أصحابك. فإن قبلها فجئنى برأسه. فاشتد جزعى، وخشيت أن يكون هلاكه على يدى. ففعلت، وجئته بما أمر، وقلت له: قال لك: استعن بهذه الدراهم فى نفقتك، والبس هذه الثياب. فأبى. فقلت: فرقها فى أصحابك. فقال: أصحابه إلى هذا أفقر من أصحابى، فعدت فأخبرته. فقال: الحمد لله الذى سلمنا منه، وسلمه منا، أو كما قال فلنذكر الآن شذرة من كلامه: ألا مصف لإخلاصه من شخصيته؟ ألا مصف لعقده من قصده؟ ألا غيور على صيانته من شهوته؟ ألا مستشعر لمراقبته فى خلوته؟ ألا لابس حلة ذلته؟ ألا فهم عنه ما أراد فى مخاطبته؟ ألا تائب من حوبته؟ ألا غيور على وده من بذلته؟ ألا باك على سآمته وفترته؟ ألا معتذر إلى ربه من تقصيره عن موافقته؟ ألا هارب إلى أمنه من مخافته؟ ألا باك من قلبه العليل؟ ألا نادب قبل الرحيل؟ ألا كاتم ضره والغليل؟ ألا ساع على أثر الدليل؟ألا باك من مرض الخلل؟ ألا فرغ من الزلل؟ ألا حذر من الملل؟ ألا تائب من الخلل؟ ألا مجتهد فى العمل؟ ألا منتظر لقدوم الأجل؟ ألا باك فى الخلوات؟ ألا هاجر للشهوات؟ ألا تارك للعادات؟ ألا ناظر لما هو آت؟ ألا حاذر من الريب؟ ألا فار من العيب؟ ألا مسلم للغيب بلا عيب؟ ألا مستذكر لما ستر عن الملا؟ ألا ذاكر لما سبق له من سيده من الهدى؟ ألا حذر من تحكم المنايا فى الأعضاء؟ ألا راث لجسده من البلا؟ ألا آسف على ما فات من أوقات المنى؟ ألا زاهد فى الأولى؟ ألا ساع فى طلب الأخرى؟ ألا غيور على الصفا من الهوى؟ ألا مناج لربه فى حفظ عقد الولا؟ ألا معتنق للتقوى؟ ألا تارك أذكار الورى؟ ألا مستهتر بذكر ربه؟ ألا طالب لقربه؟ ألا فهم عن ربه حكم ربه؟ ألا ناظر فى صحيفته؟ ألا طالب دواء لعلته؟ ألا معد زادا لسفرته؟ ألا طالب فضلا لمعرفته؟ ألا متعلق بأذيال أيمته؟ ألا باك على غربته؟ ألا منفرد بمعاملته؟ ألا طالب سراجا لظلمته؟ ألا طالب أنسا لوحشته؟ ألا طالب ضياء لحفرته؟ ألا طالب أنسا لوحشته؟ ألا طالب خليلا لوحدته؟ ألا عبد يلبس لربه لبسة الذليل؟ ألا ذاكر لنزعه حين الرحيل؟ ألا كاتم لضره والغليل؟ ألا متذكر خشونة المقيل؟ ألا باك على مضى أيامه، وانقضاء مدته؟ ألا محدث إلى ربه توبة من غفلته؟ ألا مقتد بالنبى ﷺ وصحابته؟ ألا خائف من الدخول بين صحابة النبى ﷺ وقرابته؟ ألا مجمع على طهارة زوجته؟ ألا هارب من المعاصى راج لشفاعته؟ ألا متزود من حياته لمنيته؟ وكلام كثير. وفيما ذكرناه فائدة ومات يوم النصف من ذى القعدة سنة سبع وثمانين وثلاثمائة. ودفن بدارهبشارع العنانيين. فلم يزل هناك حتى نقل فى يوم الخميس الحادى عشر من رجب سنة ست وعشرين وأربعمائة. فدفن بمقبرة إمامنا أحمد وقيل إن أكفانه لم تكن بليت بعد وقال أبو الحسن البردانى: لما حضرت ابن سمعون الوفاة، قال لهم: إنّي أدفن ثم أنبش. فلما فرغ من غسله ظن الناس أنهم يحملونه إلى الجامع يصلون عليه. فاجتمع الخلق فى الجامع، فصلوا عليه فى باب الشام، ودفنوه. فمضى الخبر إلى أهل الجامع: أنه قد دفن. وكان متقدمهم: أبو الفضل التميمى. فقال: من دفنه؟ قوموا معى. فقام والخلق معه، حتى أتى الدار التى قد دفن فيها فنبشه، وحمله إلى الجامع، فصلى عليه. ثم رده ودفنوه وكان يحضر مجلسه أبو حامد الأسفرائيني، وأبو إسحاق بن شاقلا، وأبو حفص البرمكى. وعلق من كلامه. وكان يملى كل يوم ثلاثاء. فإذا فرغ من الإملاء: صعد الكرسى وتكلم قال العشارى: سأله أبو حامد الأسفرائيني يوما: أن يجيز له شيئا قد فاته. فقال له: يا أبا حامد، لو قنعنا بالإجازة ما سافرنا الأسفار البعيدة. وقال أبو على الغضائرى: سئل ابن سمعون عن قوله تعالى (٩٩:٦ ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ)﴾ فقال: مشتبه الأوراق مختلف المذاق، هذا جلاء للظلام، وهذا شفاء للسقام. وكان يوما جالسا على الكرسى يتكلم. فعرق فرمى إليه بمروحة، فأخذها. وأنشأ يقول: ما فيك من دفع كرب … لهائم القلب صب فهبك روحت جسمى … فمن يروح قلبى؟ وقال أبو طالب بن حمامة: مات ابن سمعون يوم الخميس لأربع عشرة خلت من ذى القعدة سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، ودفن يوم الجمعة، وغسله أبو نصرصاحب ابن مرحب، وأبو عبد الله بن حامد الفقيه الحنبلى. وصلّى عليه بباب داره، صلّى عليه الصلاة الأولة أخوه الحسن، ثم صلّى عليه أبو الفضل التميمى. ودفن فى بيت منها. ثم هاج الناس. وقيل: لم يصلى عليه فى باب داره، كما يفعل بأهل البدع، وهو رجل إمام؟ فأخرج من القبر بعد ما استقر فيه، وحمل إلى الجامع. وتبع الجنازة خلق عظيم. وصلّى عليه فى الجامع. صلّى عليه: أبو إسحاق الطبرى المقرى المعدل، ثم رد إلى داره. فدفن فى ذلك الموضع. وقال القاضى الشريف أبو على بن أبى موسى: رأيت أبا الحسين بن سمعون - حين دفن - ورأيته حين أخرج، وأكفانه كما هى، جدد بحالتها ما تغيرت. وكان إخراجه من داره الدفعة الثانية: فى سنة سبع وعشرين وأربعمائة. ودفن بمقبرة أحمد. وسمعه جماعة يقول: إنّي أموت وأدفن، ثم أخرج بعد دفنى.