page 438, entry [150]Open original source
ذكر قضائه وسعة علمه وحلمه وكيفيته وصفته كان ربعة من الرجال يميل إلى الطول في قامته جسيمًا بعيد ما بين المنكبين، عريض الصدر، له عينان حسنتان وله هيبة عظيمة وشجاعة، وكان عاقلًا رصينًا بليغًا فصيحًا، وله سمت عظيم يخاطب الملوك ويصدع بالحق ولا تأخذه في الله لومة لائم. وكان في صفة قضائه أنه يجلس للخصمين على الأرض وما تحته وسائد ولا فرش، فإذا سمع كلام الخصمين واستورد ما لديهما من البينات، قضى قضاءجالس بين الجنة والنار لا يراعي ولا يداهن، ولا يطمع الغنى في ميله، ولا يخاف الفقر من حيفه وجوره، وكان يتحلم على الجاهل ويتغافل عن سقطات اللئام، كما كان يمشي ذات مرة فأسمعه بعض الجهال كلامًا سيئًا، فقال له ابنه الشيخ عبد الله: لو ردعت هذا الجاهل فإنك قادر على حبسه وتعزيره، فالتفت إليه قائلًا: يا بني إذًا نتعب لو نعامل كل جاهل بما يستحق ولكن نعامل الناس على قدر ما نستحق، يا عبد الله: سدّ أذنيك وأغمض عينيك فهذا زمن السكوت ولزوم البيوت، ومن يتكلم بالحق فإنه ممقوت، ودعاه صديق مرة وكان لا يحب الإجابة، فلما جلس لديه في بيته سأله عن أبيه فقال: إنه في أقاصي البيت وسيأتي بعدنا ويلقي خيرًا، فقال له: يا بني أخطأت في هذه المعاملة لوالدك إذ الحق أن يكون مقدمًا في المجلس ومتصدرًا فيه، والآن فلا يحلو لنا طعامك، فأخذ بيد خادمه الريّس راشد الفرج، وكان مصاحبًا له في هذه الدعوة، فقال له: يا شيخ بل يذهب إلى أبيه فيدعوه فقال: لا بل المرة الثانية نجده حاضرًا، فطلب منه الريّس أن يرجع لأن صاحب الدعوة قد أحضر الغداء والإكرام، فخرج وذهب به إلى بيته وأمر أهله أن يأتوا بغدائه، وكان خبيصًا طيبًا فقدمه وقال له: تفضل يا ريّس من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، وقضى مرةً على شخص فقال: إلى الله أشكو، فلو كنت مثل فلان يقدم لك رقاب الضان لم تقضي علي، فضحك منه ولم يعاتبه، غير أن قال: جرّب بنفسك حتى نقضي لك إذا أصلحك الله، وكان فقيهًا أصوليًا متمسكًا بالتوحيد، وله ثبات عظيم أعظم من ثبات الجبال الرواسي التي جعلت للأرض أوتادًا، وإذا قضى في المسألة فقد يمضي ويوقع عليها بختمه، ولا يحب تزويق الكلام وتنميقه وتكلف الفصاحة، لكنه يوجد له بعض الرسائل في الفقه ولا تزال الرسائل تترى بينه وبين الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن وغيره من أئمة هذه الدعوة.