page 6013, entry [2162]Open original source
[خبر دخول الموفّق مدينة صاحب الزنج وتخريب داره] وفي ذي القعدة من هذه السنة دخل الموفّق مدينة الفاسق بالجانب الشرقيّ من نهر أبي الخصيب، فخرّب داره، وانتهب ما كان فيها. * ذكر الخبر عن هذه الوقعة: ذكر أن أبا أحمد لما عزم على الهجوم على الفاسق في مدينته بالجانب الشرقيّ من نهر أبي الخصيب، أمر بجمع السفن والمعابر من دِجْلة والبَطيحة ونواحيها ليضيفها إلى ما في عسكره؛ إذ كان ما في عسكره مقصّرًا عن الجيش لكثرته، وأحصى ما في الشَّذَا والسُّميريات والرّقيَّات التي كانت تعبر فيها الخيل، فكانوا زهاء عشرة آلاف ملّاح، ممن يجري عليه الرزق من بيت المال مشاهرة، سوى سفن أهل العسكر التي يحمل فيها المِيرة، ويركبها الناس في حوائجهم، وسوى ما كان لكلّ قائد ومن يحضر من أصحابه من السمَيريات والجريبيات والزّواريق التي فيها الملاحون الراتبة، فلمَّا تكاملت له السفن والمعابر، ورضى عددَها، تقدّم إلى أبي العباس وإلى قوّاد مواليه وغلمانه في التأهب والاستعداد للقاء عدوّهم، وأمر بتفرقة السفن والمعابر إلى حمل الخيل والرّجالة، وتقدّم إلى أبي العباس في أن يكون خروجه في جيشه في الجانب الغربيّ من نهر أبي الخصيب، وضمّ إليه قوّادًا من قُوّاد غلمانه في زُهاء ثمانية آلاف من أصحابهم، وأمره أن يعمد مؤخّر عسكر الفاسق حتى يتجاوز دار المعروفبالمهلبيّ، وقد كان الخبيث حصَّنها وأسكن بقربها خَلْقًا كثيرًا من أصحابه؛ ليأمن على مؤخّر عسكره، وليصعب على من يقصده المسلك إلى هذا الموضع. فأمر أبو أحمد أبا العباس بالعبور بأصحابه إلى الجانب الغربيّ من نهر أبي الخصيب، وأن يأتيَ هذه الناحية من ورائها، وأمر راشدًا مولاه بالخروج في الجانب الشرقيّ من نهر أبي الخصيب في عدد كثير من الفرسان والرّجّالة زُهاء عشرين ألفًا، وأمر بعَضهم بالخروج في ركن دار المعروف بالكرنبائيّ كاتب المهلبيّ، وهي على قرنة نهر أبي الخصيب في الجانب الشرقيّ منه، وأمرهم أن يجعلوا مسيرهم على شاطئ النهر حتى يوافوا الدار التي نزلها الخبيث؛ وهي الدار المعروفة بأبي عيسى، وأمر فريقًا من غلمانه بالخروج على فُوّهة النهر المعروف بأبي شاكر، وهو أسفل من نهر أبي الخصيب، وأمر آخرين منهم بالخروج في أصحابهم على فُوّهة النهر المعروف بجوى كور، وأوعز إلى الجميع في تقديم الرّجّالة أمام الفرسان، وأن يزحفوا بجميعهم نحو دار الخائن؛ فإن أظفرهم الله به وبمَنْ فيها من أهله وولده وإلّا قصدوا دار المهلبيّ ليلقاهم هناك من أمر بالعبور مع أبي العباس؛ فتكون أيديهم يدًا واحدة على الفسقة. فعمل أبو العباس وراشد وسائر قوّاد الموالي والغلمان بما أمِرُوا، فظهروا جميعًا، وأبرزوا سفنهم في عشيّة يوم الإثنين لسبع ليال خلوْن من ذي القعدة سنة تسع وستين ومئتين، وسار الفرسان يتلُو بعضهم بعضًا، ومشت الرّجالة وسارت السفن في دجلة منذ صلاة الظهر من يوم الإثنين إلى آخر وقت عشاء الآخرة من ليلة الثلاثاء، فانتهوْا إلى موضع من أسفل العسكر؛ وكان الموفّق أمر بإصلاحه وتنظيفه وتنقية ما فيه من خراب ودَغل، وطم سواقيه وأنهاره حتى استوى واتّسع، وبعدت أقطارُه، واتخذ فيه قصرًا وميدانًا لعرض الرجال والخيل بإزاء قصر الفاسق، وكان غرضه في ذلك إبطال ما كان الخبيث يَعِد به أصحابه من سرعة انتقاله عن موضعه؛ فأراد أن يُعلم الفريقين أنه غير راحل حتى يَحكم الله بينه وبين عدُوّه؛ فبات الجيش ليلة الثلاثاء في هذا الموضع بإزاء عسكر الفاسق؛ وكان الجميع زُهاء خمسين ألف رجل من الفرسان والرّجالة في أحسن زِيٍّ وأكمل هيئة، وجعلوا يكبّرون ويهللون، ويقرؤون القرآن ويصلّون، ويوقدون النار. فرأى الخبيث من كثرة الجمع والعُدّة والعدد ما بهر عقله وعقول أصحابه؛وركب الموفّق في عشية يوم الإثنين الشَّذَا؛ وهي يومئذ مئة وخمسون شَذاة قد شحنها بأنجاد غلمانه ومواليه الناشبة والرّامحة، ونظمها من أوّل عسكر الخائن إلى آخره؛ لتكون حصنًا للجيش من ورائه، وطُرِحت أناجرها بحيث تقرب من الشطّ، وأفرِد منها شذوات اختارها لنفسه، ورتب فيها من خاصّة قوّاد غلمانه ليكونوا معه عند تقحّمه نهر أبي الخصيب، وانتخب من الفرسان والرّجّالة عشرة آلاف، وأمرهم أن يسيروا على جانبي نهر أبي الخصيب بمسيره، ويقفوا بوقوفه، ويتصرّفوا فيما رأى أن يصرّفهم فيه في وقت الحرب. وغدا الموفّق يوم الثلاثاء لقتال الفاسق صاحب الزَّنْج، وتوجّه كلّ رئيس من رؤساء قوّاده نحو الموضع الذي أمِر بقصده، وزحف الجيش نحو الفاسق وأصحابه، فتلقّاهم الخبيث في جيشه واشتبكت الحرب، وكثر القتل والجراح بين الفريقين، وحامى الفسقة عما كانوا اقتصروا عليه من مدينتهم أشدّ محاماة، واستماتوا، وصبر أصحاب الموفّق، وصدقوا القتال؛ فمنّ الله عليهم بالنصر، وهزم الفسقة، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأسروا من مقاتلتهم وأنجادهم جمعًا كثيرًا. وأتِي الموفّق بالأسارى، فأمر بهم فضرِبت أعناقهم في المعركة، وقصد بجمعه لدار الفاجر فوافاها، وقد لجأ الخبيث إليها، وجمع أنجاد أصحابه للمدافعة عنها؛ فلمّا لم يغنُوا عنها شيئًا أسلمها، وتفرّق أصحابه عنها، ودخلها غلمان الموفّق، وفيها بقايا ما كان سلم للخبيث من ماله وأثاثه؛ فانتهبوا ذلك كلَّه، وأخذوا حرمه وولده الذكور والإناث؛ وكانوا أكثر من مئة بين امرأة وصبيّ، وتخلّص الفاسق ومضى هاربًا نحو دار المهلبِيّ، لا يلوي على أهل ولا مال، وأحرقت داره وما بقي فيها من متاع وأثاث، وأُتِيَ الموفّق بنساء الخبيث وأولاده، فأمر بحملهم إلى الموفقية والتوكيل بهم، والإحسان إليهم. وكان جماعة من قواد أبي العباس عبروا نهر أبي الخصيب، وقصدوا الموضع الذي أمِرُوا بقصْده من دار المهلبيّ، ولم ينتظروا إلحاق أصحابهم بهم، فوافوْا دار المهلبيّ، وقد لجأ إليها أكثرُ الزَّنج بعد انكشافهم عن دار الخبيث؛ فدخل أصحاب أبي العباس الدّار، وتشاغلوا بالنهب وأخذِ ما كان غلب عليه المهلبيّمن حرم المسلمين وأولاده منهنّ، وجعل كلّ مَنْ ظفر بشيء انصرف به إلى سفينته في نهر أبي الخصيب. وتبين الزَّنج قلة مَنْ بَقيَ منهم وتشاغلهم بالنهب، فخرجوا عليهم من عدَّة مواضع قد كانوا كمنوا فيها، فأزالوهم عن مواضعهم؛ فانكشفوا، وأتبعهم الزَّنْج حتى وافوْا نهر أبي الخصيب وقَتلوا مِنْ فرسانهم ورجَّالتهم جماعةً يسيرة، وارتجعوا بعض ما كانوا أخذوا من النساء والمتاع. وكان فريق من غلمان الموفّق وأصحابه الذين قصدوا دار الخبيث في شرقيّ نهر أبي الخصيب تشاغلوا بالنَّهب وحمْل الغنائم إلى سفنهم؛ فأطمع ذلك الزَّنج فيهم، فأكبُّوا عليهم، فكشفوهم واتَّبعوا آثارهم إلى الموضع المعروف بسوق الغنم من عسكر الزَّنْج، فثبتت جماعة من قُوَّاد الغلمان في أنجاد أصحابهم وشجعانهم، فردّوا وجوه الزَّنج حتى ثاب الناس، وتراجعوا إلى مواقفهم، ودامت الحرب بينهم إلى وقت صلاة العصر فأمر أبو أحمد عند ذلك غلمانه أن يحملوا على الفسقة بأجمعهم حملةً صادقة، ففعلوا ذلك، فانهزم الزَّنْج وأخذتهم السيوف حتى انتهوْا إلى دار الخبيث؛ فرأى الموفّق عند ذلك أن يصرف غلمانه وأصحابه على إحسانهم، فأمرهم بالرجوع، فانصرفوا على هدوء وسكون؛ فأقام الموفّق في النهر ومَنْ معه في الشَّذَا يحميهم؛ حتى دخلوا سفنهم، وأدخلوها خيلهم، وأحجم الزَّنْج عن اتّباعهم لما نالهم في آخر الوقعة. وانصرف الموفّق ومعه أبو العباس وسائر قوّاده وجميع جيشه قد غنموا أموال الفاسق، واستنقذوا جمعًا من النساء اللَّواتي كان غلب عليهنّ من حرم المسلمين كثيرًا، جعلهن يخرجن في ذلك اليوم أرسالًا إلى فوّهة نهر أبي الخصيب، فيحمَلن في السفن إلى الموفقيّة إلى انقضاء الحرب. وكان الموفّق تقدّم إلى أبي العباس في هذا اليوم أن ينفذ قائدًا من دوّاده في خمس شَذَوات إلى مؤخر عسكر الخبيث بنهر أبي الخصيب، لإحراق بيادرَ ثمّ جليل قدرها، كان الخبيث يقوت أصحابه منها من الزَّنْج وغيرهم، ففعل ذلك وأحرق أكثرَه، وكان إحراق ذلك من أقوى الأشياء على إدخال الضعف على الفاسق وأصحابه، إذ لم يكن لهم معوّل في قوتهم غيره؛ فأمر أبو أحمد بالكتاب بما تهيأ له على الخبيث وأصحابه في هذا اليوم إلى الآفاق ليُقرأ على الناس، ففعل ذلك.وفي يوم الأربعاء لليلتين خلَتا من ذي الحجة من هذه السنة وافى عسكر أبي أحمد صاعد بن مخلد كاتبه منصرفًا إليه من سامرّا، ووافَى معه بجيش كثيف قيل: إنّ عدد الفرسان والرّجَّالة الذين قدموا كان زُهاء عشرة آلاف، فأمر الموفّق بإراحة أصحابه وتجديد أسلحتهم وإصلاح أمورهم، وأمرَهم بالتأهب لمحاربة الخبيث، فأقام أيامًا بعد قدومه لما أمِر به. فهم في ذلك من أمرهم، إذْ ورد كتاب لؤلؤ صاحب ابن طولون مع بعض قوّاده، يسأله فيه الإذن له في القُدوم عليه؛ ليشهد عليه حرب الفاسق، فأجابه إلى ذلك، فأذن له في القدوم عليه، وأخَرَ ما كان عزم عليه من مناجزة الفاجر انتظارًا منه قدوم لؤلؤ؛ وكان لؤلؤ مقيمًا بالرّقة في جيش عظيم من الفراغنة والأتراك والرّوم والبربر والسودان وغيرهم، من نخبة أصحاب ابن طولون؛ فلما ورد على لؤلؤ كتاب أبي أحمد بالإذن له في القدوم عليه، شخص من ديار مضر حتى ورد مدينة السلام في جميع أصحابه، وأقام بها مدّة، ثم شخص إلى أبي أحمد فوافاه بعسكره يوم الخميس لليلتين خلتا من المحرم سنة سبعين ومئتين، فجلس له أبو أحمد، وحضر ابنه أبو العباس وصاعد والقوّاد على مراتبهم؛ فأدخِل عليه لؤلؤ في زيّ حسن، فأمر أبو العباس أن ينزل معسكرًا كان أعدّ له بإزاء نهر أبي الخصيب، فنزله في أصحابه، وتقدّم إليه في مباكرة المصيز إلى دار الموفّق، ومعه قوّاده وأصحابه للسلام عليه، فغدا لؤلؤ يوم الجمعة لثلاث خلوْن من المحرّم، وأصحابُه معه في السواد، فوصل إلى الموفّق وسلَّم عليه فقرّبه وأدناه، ووعده وأصحابه خيرًا، وأمر أن يخلع عليه وعلى خمسين ومئة قائد من قُوّاده، وحمله على خيل كثيرة بالسُّروج واللجُم المحلّاة بالذهب والفضّة، وحمِل بين يديه من أصناف الكسي والأموال في البدُور ما يحمله مئة غلام، وأمر لقوّاده من الصلات والحُملان والكُسى على قدر محلّ كلّ إنسان منهم عنده، وأقطعه ضياعًا جليلة القدر، وصرفه إلى عسكره بإزاء نهر أبي الخصيب بأجمل حال، وأعِدّت له ولأصحابه الأنزال والعَلُوفات، وأمره برفع جرائد لأصحابه بمبلغ أرزاقهم على مراتبهم؛ فرفع ذلك؛ فأمر لكلّ إنسان منهم بالضِّعف مما كان يجري له، وأمر لهم بالعطاء عند رفع الجرائد، ووفوْا ما رسم لهم.ثم تقدّم إلى لؤلؤ في التأهب والاستعداد للعبور إلى غربيّ دِجْلة لمحاربة الفاسق وأصحابه؛ وكان الخبيث لما غُلِب على نهر أبي الخصيب، وقُطعت القناطر والجسور التي كانت عليه أحدث سَكرًا في النهر من جانبيه، وجعل في وسط السَّكْر بابًا ضيّقًا ليحتدّ فيه جرية الماء، فيمتنع الشَّذَا من دخوله في الجزْر، ويتعذر خروجها منه في المدّ، فرأى أبو أحمد أنّ حربه لا تتهيأ له إلا بقلع هذا السَّكر، فحاول ذلك، فاشتدّت محاماة الفَسَقة عنه، وجعلوا يزيدون فيه في كلّ يوم وليلة، وهو متوسط دورهم، والمؤونة لذلك تسهل عليهم وتغلظ على مَنْ حاول قلعه. فرأى أبو أحمد أن يحارب بفريق بعد فريق من أصحاب لؤلؤ، لِيَضْرَوا لمحاربة الزَّنْج، ويقفوا على المسالك والطرق في مدينتهم، فأمر لؤلِؤًا أن يحضر في جماعة من أصحابه للحرب على هذا السَّكْر، وأمر بإحضار الفعَلة لقلعه، ففعل، فرأى الموفّق من نجدة لؤلؤ وإقدامه وشجاعة أصحابه وصبرهم على ألم الجراح وثبات العدّة اليسيرة منهم، في وجوه الجمع الكثير من الزَّنْج ما سرّه، فأمر لؤلؤًا بصرْف أصحابه إشفاقًا عليهم، وضنًّا بهم، فوصلهم الموفّق، وأحسن إليهم، وردّهم إلى معسكرهم، وألحّ الموفَّق على هذا السَّكْر؛ فكان يحارب المحامين عنه من أصحاب الخبيث بأصحاب لؤلؤ وغيرهم، والفَعلة يعملون في قَلْعه، ويحارب الفاجرَ وأشياعه من عدّة وجوه، فيحرق مساكنهم، ويقتل مقاتلتَهم، ويستأمن إليه الجماعة من رؤسائهم. وكانت قد بَقيتْ للخبيث وأصحابه أرَضُون من ناحية نهر الغربيّ، كان لهم فيها مزارع وخُضَر وقنطرتان على نهر الغربيّ، يعبرون عليها إلى هذه الأرَضين، فوقف أبو العباس على ذلك فقصد لتلك الناحية، واستأذن الموفّق في ذلك، فأذن له، وأمره باختيار الرجال، وأن يجعلهم شجعاء أصحابه وغلمانه؛ ففعل أبو العباس ذلك، وتوجه نحو نهر الغربيّ، وجعل زِيرك كمينًا في جمع من أصحابه في غربيّ النهر، وأمر رشيقًا غلامه أن يقصدَ في جمع كثير من أنجاد رجاله ومختاريهم للنهر المعروف بنهر العمَيْسيين؛ ليخرج في ظهور الزَّنْج وهم غارّون، فيوقع بهم في هذه الأرضين، وأمر زِيرك أن يخرج في وجوههم إذا أحسَّ بانهزامهم من رشيق.وأقام أبو العباس في عدة شذوات قد انتخب مقاتلتها، واختارهم في فوّهة نهرِ الغربيّ، ومعه من غلمانه البِيضان والسودان عدد قد رضيَه؛ فلما ظهر رشيق للفجرة في شرقيّ نهر الغربيّ، راعهم فأقبلوا يريدون العبور إلى غربيه ليهربوا إلى عسكرهم؛ فلما عاينهم أبو العباس اقتحم النَّهر بالشَّذَوات، وبث الرَّجّالة على حافتَيْه، فأدركوهم، ووضعوا السيف فيهم، فقتل منهم في النهر وعلى ضفّتيه خَلْق كثير، وأسِر منهم أسرى، وأفلت آخرون، فتلقاهم زيرك في أصحابه فقتلوهم، ولم يُفلت منهم إلّا الشريد، وأخذ أصحاب أبي العباس من أسلحتهم ما ثقل عليهم حمله؛ حتى ألقوا أكثره، وقطع أبو العباس القنطرتيْن، وأمر بإخراج ما كان فيهما من البُدود والخشب إلى دِجْلة وانصرف إلى الموفّق بالأسارى والرؤوس، فطِيف بها في العسكر، وانقطع عن الفسقة ما كانوا يرتفِقُون به من المزارع التي كانت بنهر الغربيّ. * * * وفي ذي الحجة من هذه السنة، أعني سنة تسع وستين ومئتين - أدخِل عيال صاحب الزّنج وولده بغداد. وفيها سُمّيَ صاعد ذا الوزارتين. * * * وفي ذي الحجة منها كانت وقعة بين قائدين وجيش معهما لابن طولون كان أحدهما يسمّى محمد بن السراج والآخر منهما يعرف بالغَنويّ، كان ابن طولون وجَّههما، فوافيا مكة يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي القعدة في أربعمئة وسبعين فارسًا وألفَيْ راجل، فأعطوا الجزّارين والحنّاطين دينارين دينارين، والرؤساء سبعة سبعة، وهارون بن محمد عامل مكة إذْ ذاك ببستان ابن عامر، فوافى مكة جعفر بن الباغمرديّ لثلاث خَلَوْن من ذي الحجة في نحو من مئتي فارس، وتلقّاه هارون في مئة وعشرين فارسًا ومئتي أسود وثلاثين فارسًا من أصحاب عمرو بن الليث ومئتي راجل ممّن قدم من العراق، فقويَ بهم جعفر، فالتقوْا هم وأصحاب ابن طولون، وأعان جعفرًا حاجُّ أهل خراسان، فقتِل من أصحاب ابن طولون ببطن مكة نحو من مئتي رجل، وانهزم الباقون في الجبال، وسلبوادوابّهم وأموالهم، ورفع جعفر السيف، وحوى جعفر مضرب الغَنَوِيّ، وقيل: إنه كان فيه مئتا ألف دينار، وآمن المصريّين والحنّاطين والجزارين، وقُرئ كتاب في المسجد الحرام بلعْن ابن طولون، وسلِم الناس وأموال التجار (١). * * * وحجّ بالناس في هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق الهاشميّ، ولم يبرح إسحاق بن كنداج - وقد وُلِّيَ المغرب كله في هذه السنة - سامرّا حتى انقضت السنة (٢). * * *