page 6010, entry [2161]Open original source
[ذكر طلب رؤساء صاحب الزنج الأمان] وفيها وجه أيضًا سليمان بن موسى الشعرانيّ - وهو أحد رؤساء أصحاب الفاسق - من يطلب الأمان له من أبي أحمد، فمنعه أبو أحمد ذلك، لِمَا كان سلف منه من العبث وسفك الدماء، ثم اتصل به أنّ جماعة من أصحاب الخبيث قد استوحشوا لمنعة ذلك الشعرانيّ، فأجابه أبو أحمد إلى إعطائه الأمان؛ استصلاحًا بذلك غيرَه من أصحاب الفاسق، وأمر بتوجيه الشَّذَا إلى الموضع الذي واعدهم الشعرانيّ، ففعل ذلك، فخرج الشعرانيّ وأخوه وجماعة من قوّاده، فحملهم في الشذا، وقد كان الخبيث حرسَ به مؤخّر نهر أبي الخصيب، فحمله أبو العباس إلى الموفّق، فمن عليه، ووفّى له بأمانه، وأمر به فوُصل ووُصل أصحابه، وخلع عليهم، وحمل على عدّة أفراس بسروجها وآلتها، ونزَّله وأصحابه أنزالًا سنية، وضمه وإياهم إلى أبي العباس، وجعله في جملة أصحابه، وأمره بإظهاره في الشَّذَا لأصحاب الخائن ليزدادوا ثقة بأمانه؛ فلم يبرحالشَّذَا من موضعها من نهر أبي الخصيب، حتّى استأمن جمع كثير من قوّاد الزَّنج وغيرهم، فحمِلوا إلى أبي أحمد، فوصلهم وألحقهم في الخلع والجوائز بمن تقدّمهم. ولما استأمن الشعرانيّ اختلّ ما كان الخبيث يضبط به من مؤخر عسكره، ووَهى أمرُه وضعف؛ فقلَّد الخبيث ما كان إلى الشعرانيّ من حفظ ذلك شِبل بن سالم، وأنزله مؤخّر نهر أبي الخصيب، فلم يُمسِ الموفّق من اليوم الذي أظهر فيه الشعرانيّ لأصحاب الخبيث حتى وافاه رسولُ شبْل بن سالم يطلب الأمان، ويسأل أن يوقف شَذَوات عند دار ابن سمعان؛ ليكون قصدُه فيمن يصحبه من قوّاده ورجاله في الليل إليها. فأعطِيَ الأمانَ، ورُدّ إليه رسوله، ووُقِفَت له الشَّذَا في الموضع الذي سأل أن توقَف له؛ فوافاها في آخر الليل ومعه عياله وولده وجماعة من قوّاده ورجاله، وشهَر أصحابه سلاحَهم؛ وتلقّاهم قوم من الزَّنج قد كان الخبيث وجّههم لمنعه من المصير إلى الشَّذَا. وقد كان خبره انتهى إليه، فحاربهم شبل وأصحابُه، وقتلوا منهم نفرًا؛ فصاروا إلى الشَّذَا سالمين، فصِير بهم إلى قصر الموفّق بالموفقية، فوافاه وقد ابتلج الصبح؛ فأمر الموفّق أن يوصَل شبل بصلة جزيلة، وخلع عليه خلعًا كثيرة، وحمله على عدّة أفراس بسروجها ولجُمها. وكان شبل هذا من عُدد الخبيث وقدماء أصحابه وذوي الغَناء والبلاء في نُصرته، ووصل أصحاب شبل، وخلع عليهم، وأسنِيت له ولهم الأرزاق والأنزال، وضُموا جميعًا إلى قائد من قوّاد غلمان الموفّق، ووُجّه به وبأصحابه في الشَّذَا، فوقفوا بحيث يراهم الخبيث وأشياعه، فعظم ذلك على الفاسق وأوليائه، لِمَا رأوْا من رغبة رؤسائهم في اغتنام الأمان، وتبين الموفّق من مناصحة شبل وجودة فهمه ما دعاه إلى أن يستكفِيَه بعض الأمور التي يكيد بها الخبيث؛ فأمره بتبييت عسكر الخبيث في جمع أمر بضمِّهم إليه من أبطال الزَّنْج المستأمنة، وأفرده وإيّاهم بما أمرهم به من البيات، لعلمهم بالمسالك في عسكر الخبيث. فنفذ شبل لمَا أمِر به، فقصد موضعًا كان عرفه، فكبسه في السَّحَر، فوافَى به جمعًا كثيفًا من الزَّنْج في عدّة من قُوّادهم وحماتهم، قد كان الخبيث رتَّبهم فيالدفع عن الدار المعروفة بأبي عيسى، وهي منزل الخبيث حينئذ، فأوقع بهم وهم غارّون، فقَتل منهم مقتلةً عظيمة، وأسر جمعًا من قوّاد الزَّنج، وأخذ لهم سلاحًا كثيرًا، وانصرف ومَنْ كان معه سالمين، فأتى بهم الموفّق، فأحسن جائزتهم، وخلع عليهم، وسوَّر جماعة منهم. ولما أوقع أصحاب شبل بأصحاب الخائن هذه الوقعة ذعرهم ذلك شديدًا، وأخافهم ومنعهم النوم؛ فكانوا يتحارسون في كلّ ليلة، ولا تزال النَّفرة تقع في عسكرهم لمَا استشعروا من الخوف، ووصل إلى قلوبهم من الوَحشة؛ حتى لقد كان ضجيجهم وتحارسهم يُسمَع بالموفقيَّة. ثم أقام الموفق بعد ذلك ينفذ السرايا إلى الخبثة ليلًا ونهارًا من جانبي نهر أبي الخصيب، ويكدّهم بالحرب، ويُسْهر ليلهم، ويحول بينهم وبين طلب أقواتهم، وأصحابه في ذلك يتعرّفون المسالك، ويتدرَّبون بالوغول في مدينة الخبيث وتقحّمها، ويصرُّون من ذلك على ما كانت الهيبة تحولُ بينهم وبينه؛ حتى إذا ظنّ الموفّق أن قد بلغ أصحابه ما كانوا يحتاجون إليه، صحّ عزمه على العبور إلى محاربة الفاسق في الجانب الشرقي من نهر أبي الخصيب، فجلس مجلسًا عامًّا وأمر بإحضار قوّاد المستأمنة ووجوه فرسانهم ورجَّالتهم من الزنَّج والبِيضان، فأدخِلُوا إليه، ووقفوا بحيث يسمعون كلامه، ثم خاطبهم فعرّفهم ما كانوا عليه من الضلالة والجهل وانتهاك المحارم، وما كان الفاسق ديَّن لهم من معاصي الله؛ وأن ذلك قد كان أباح له دماءهم، وأنه قد غفر الزَّلَّة، وعفا عن الهفوة، وبذل الأمان، وعاد على مَنْ لجأ إليه بفضله، فأجزل الصّلات، وأسنى الأرزاق، وألحقهم بالأولياء وأهل الطاعة؛ وأن ما كان منه من ذلك يُوجب عليهم حقه وطاعته؛ وأنهم لن يأتوا شيئًا يتعرّضون به لطاعة ربهم والاستدعاء لرضا سلطانهم؛ أوْلى بهم من الجدّ والاجتهاد في مجاهدة عدوّ الله الخائن وأصحابه، وأنهم من الخبرة بمسالك عسكر الخبيث ومضايق طرق مدينته والمعاقل التي أعدّها للهرب إليها على ما ليس عليه غيرهم؛ فهم أحرياء أن يُمْحضُوه نصيحتهم، ويجتهدوا في الوُلوج على الخبيث، والتوغُّل إليه في حصونه، حتى يمكنهم الله منه ومن أشياعه، فإذا فعلوا ذلك فلهم الإحسان والمزيد، وإن مَنْ قصّر منهم استدعى من سلطانه إسقاطَ حاله وتصغير منزلته،ووضع مرتبته، فارتفعت أصواتُهم جميعًا بالدّعاء للموفق والإقرار بإحسانه، وبما هم عليه من صحة الضمائر في السمع والطاعة والجدّ في مجاهدة عدوّه، وبذل دمائهم ومُهجهم في كلّ ما يقرِّبهم منه، وأن ما دعاهم إليه قد قوَّى نيَّتَهم، ودلهم على ثقته بهم وإحلاله إياهم محلَّ أوليائه، وسألوه أن يُفردهم بناحية يحاربون فيها، فيظهر من حسن نيَّاتهم ونكايتهم في العدوّ ما يعرف به إخلاصَهم وتورّعهم عما كانوا عليه من جهلهم، فأجابهم الموفّق إلى ما سألوا، وعرّفهم حُسن موقع ما ظهر له من طاعتهم، وخرجوا من عنده مبتهجين بما أجيبوا به من حسن القول وجميل الوعد. * * *