page 6005, entry [2160]Open original source
[ذكر خبر دخول الموفّق مدينة صاحب الزنج] وفيها دخل الموفّق مدينة الفاسق، وأحرق منازله من الجانب الشرقيّ من نهر أبي الخصيب. * ذكر الخبر عن سبب وصوله إلى ذلك: ذُكر أنّ أبا أحمد لما أراد ذلك بعد هدمه سورَ داره ذلك، أقام يصلح المسالك في جنبتي نهر أبي الخصيب وفي قصر الفاسق، ليتسع على المقاتلة الطريق في الدخول والخروج للحرب، وأمر بقلع باب قصر الخبيث الذي كان انتزعه من حصن أرْوَخ بالبصرة، فقُلع وحُمل إلى مدينة السلام، ثم رأى القصد لقطع الجسر الأوّل الذي كان على نهر أبي الخصيب، لما في ذلك من منع معاونة بعضهم بعضًا عند وقوع الحرب في نواحي عسكرهم، فأمر بإعداد سفينة كبيرة تُملأ قصبًا قد سُقِيَ النّفط، وأن يُنْصَب في وسط السفينة، دَقْلٌ طويل يمنعها من مجاوزة الجسر إذا لصقت به، وانتهز الفرصة في غفلة الفسقة وتفرُّقهم. فلما وجد ذلك في آخر النهار قدِّمت السفينة، فجرَّها الشذا حتى وردت النهر، وأشعِل فيها النيران، وأرسِلت وقد قوى المدّ، فوافت القنطرة، ونَذِر الزَّنج بها، وتجمعوا وكثروا حتى ستروا الجسر وما يليه، وجعلوا يقذفون السفينة بالحجارة والآجرّ، ويهيلون عليها التراب، ويصبّون الماء، وغاص بعضهم فنقبها؛ وقد كانت أحرقت من الجسر شيئًا يسيرًا فأطفأه الفسقة، وغرّقوا السفينة وحازوها؛ فصارت في أيديهم. فلما رأى أبو أحمد فعلَهم ذلك، عزم على مجاهدتهم على هذه الجسر حتى يقطعه، فسمّى لذلك قائدين من قوّاد غلمانه، وأمرهما بالعبور في جميع أصحابهما في السلاح الشاك واللأمة الحصينة والآلات المحكمة، وإعداد النفاطين والآلات التي تُقطع بها الجسور، فأمر أحد القائدين أن يقصد غربيَّ النهر، وجعل الآخر في شرقيّه، وركب الموفّق في مواليه وخدّامه وغلمانه الشَّذَوات والسُّميريّات، وقصد فُوّهَة نهر أبي الخصيب؛ وذلك في غداة يوم السبت لأربع عشرة ليلة خلت من شوّال سنة تسع وستين ومئتين، فسبق إلى الجسر القائد الذي كان أمِر بالقصد له من غربيّ نهر أبي الخصيب، فأوقع بمَنكان موكَّلًا به من أصحاب الفاسق، وقُتلت منهم جماعة، وضُرب الجسر بالنار، وطرح عليه القصب وما كان أعِدّ له من الأشياء المحرِقة، فانكشف مَن كان هناك من أعوان الخبيث، ووافى بعد ذلك مَنْ كان أمر بالقصد للجسر من الجانب الشرقيّ، ففعلوا ما أمِروا به من إحراقه. وقد كان الخبيث أمر ابنه أنكلاي وسليمان بن جامع بالمقام في جيشهما للمحاماة عن الجسر، والمنع من قطعه؛ ففعلا ذلك، فقصد إليهما مَنْ كان بإزائهما، وحاربوهم حربًا غليظًا حتى انكشفا، وتمكنوا من إحراق الجسر فأحرقوه، وتجاوزوه إلى الحظيرة التي كان يعمل فيها شَذَوات الفاسق وسُميريّاته وجميع الآلات التي كان يحارب بها، فأحرِق ذلك عن آخره إلا شيئًا يسيرًا من الشذوات والسميريّات كان في النهر، وانهزم أنكلاي وسليمان بن جامع، وانتهى غلمان الموفّق إلى سجْن كان للخبيث في غربيّ نهر أبي الخصيب، فحامى عنه الزَّنج ساعة من النهار حتى أخرجوا منه جماعة، وغلبهم عليه غلمان الموفّق، فخلّصوا مَنْ كان فيه من الرجال والنساء، وتجاوز من كان في الجانب الشرقيّ من غلمان الموفّق، بعد أن أحرقوا ما وُلُّوا من الجسر إلى الموضع المعروف بدار مصلِح؛ وهو من قدماء قوَّاد الفَاسق، فدخلوا داره وأنهبوها، وسبَوْا ولده ونساءه، وأحرقوا ما تهيأ لهم إحراقه في طريقهم، وبقيت من الجسر في وسط منه أدقال قد كان الخبيث أحكَمها، فأمر الموفّق أبا العباس بتقديم عذة من الشَّذَا إلى ذلك الموضع، ففعل ذلك؛ فكان فيمن تقدّم زيرك في عدد من أصحابه، فوافَى هذه الأدقال، وأخرجوا إليها قومًا قد كانوا أعدّوهم لها معهم الفؤوس والمناشير، فقطعوها، وجُذبت وأخرِجت عن النهر، وسقط ما بقي من القنطرة، ودخلت شذوات الموفّق النهر، وسار القائدان في جميع أصحابهما على حافتيه فهُزم أصحاب الفاجر في الجانبين، وانصرف الموّفق وجميع أصحابه سالمين، واستُنقذ خلق كثير، وأتِيَ الموفّق بعدد كثير من رؤوس الفسقة، فأثاب مَنْ أتاه بها، وأحسن إليه ووصله. وكان انصرافه في هذا اليوم على ثلاث ساعات من النهار، بعد أن انحاز الفاسِق وجميع أصحابه من الزَّنْج وغيرهم إلى الجانب الشرقيّ من نهر أبي الخصيب، وأخلوْا غربيّه، واحتوى عليه أصحاب الموفّق، فهدموا ما كانيعوق عن محاربة الفَجرة من قصور الفاسق وقصور أصحابه، ووسَّعوا مخترقات ضيّقة كانت على نهر أبي الخصيب، فكان ذلك مما زاد في رعب أصحاب الخائن، ومال جمعٌ كثير من قوّاده وأصحابه الذين كان لا يرى أنهم يفارقونه إلى طلب الأمان، فبُذل ذلك لهم، فخرجوا أرسالًا، فقُبِلوا، وأحسِن إليهم وألحقوا بنظرائهم في الأرزاف والصِّلات والخلع. ثم إن الموفّق واظب على إدخال الشذا النهر، وتقحّمه في غلمانه، وأمر بإحراق ما على حافتيه من منازل الفجرة وما في بطنه من السفن، وأحبّ تمرين أصحابه على دخول النهر وتسهيل سلوكه لهم لِمَا كان يقدّر من إحراق الجسر الثاني، والتوصّل إلى أقصى مواضع الفجرة. فبينا الموفّق في بعض أيامه - التي ألحّ فيها على حرب الخبيث وولوج نهر أبي الخصيب - واقف في موضع من النهر؛ وذلك في يوم الجمعة، إذ استأمن إليه رجل من أصحاب الفاجر، وأتاه بمنبر كان للخبيث في الجانب الغربيّ، فأمره بنقله إليه، ومعه قاض كان للخبيث في مدينته؛ فكان ذلك مما فتّ في أعضادهم؛ وكان الخبيث جمع ما كان بقيَ له من السفن البحرية وغيرها، فجعلها عند الجسر الثاني، وجمع قوّاده وأصحابه وأنجاد رجاله هنالك؛ فامر الموفّق بعض غلمانه بالدنوّ من الجسر وإحراق ما تهيأ إحراقُه من المراكب البحرية التي تليه، وأخذ ما أمكن أخذُه منها، ففعل ذلك المأمورون به من الغلمان، فزاد فعلهم في تحرّز الفاجر ومحاماته عن الجسر الثاني، فألزم نفسه وجميع أصحابه حفظه وحراسته خوفًا من أن تتهيّأ حيلة فيخرج الجانب الغربيّ عن يده، ويُوطئه أصحاب الموفّق؛ فيكون ذلك سببًا لاستئصاله، فأقام الموفّق بعد إحراق الجسر الأول أيامًا يعبرُ بجمع بعد جمع من غلمانه إلى الجانب الغربيّ من نهر أبي الخصيب، فيحرقون ما بقي من منازل الفجرة، ويقرُبون من الجسر الثاني فيحاربهم عليه الزنج. وقد كان تخلّف منهم جمعٌ في منازلهم في الجانب الغربيّ المقاربة للجسر الثاني، وكان غلمان الموفّق يأتون هذا الموضع ويقفون على الطرق والمسالك التي كانت تخفى عليهم من عسكر الخبيث؛ فلما وقف الموفّق على معرفة غلمانه وأصحابه بهذه الطريق واهتدائهم لسلوكها، عزم على القصد لإحراق الجسرالثاني ليحوز الجانب الغربيّ من عسكر الخبيث، وليتهيأ لأصحابه مساواتُهم على أرض واحدة، لا يكون بينهما فيها حائل غير نهر أبي الخصيب؛ فأمر الموفّق عند ذلك أبا العباس بقصد الجانب الغربيّ في أصحابه وغلمانه، وذلك في يوم السبت لثمان بقين من شوال سنة تسع وستين ومئتين، وتقدّم إليه أن يجعل خروجه بأصحابه في موضع البناء الذي كان الفاجر سمّاه مسجد الجامع، وأن يأخذ الشارع المؤدي إلى الموضع الذي كان الخبيث اتخذه مصلَّى يحضره في أعياده؛ فإذا انتهى إلى موضع المصلى عطف منه إلى الجبل المعروف بجبل المكتني بأبي عمرو أخي المهلبيّ، وضمّ إليه من قُوّاد غلمانه الفرسان والرّجالة زُهاء عشرة آلاف، وأمره أن يرتّب زِيَركَ صاحب مقدّمته في أصحابه في صحراء المصلى، ليأمن خروج كمين إن كان للفسقة من ذلك الموضع، وأمر جماعة من قوّاد الغلمان أن يتفرقوا في الجبال التي فيها بين الجبل المعروف بالمكتنى بأبي عمرو وبين الجبل المعروف بالمكتنى أبا مقاتل الزنجيّ، حتى توافَوْا جميعًا من هذه الجبال موضع الجسر الثاني في نهر أبي الخصيب، وتقدّم إلى جماعة من قوّاد الغلمان المضمومين إلى أبي العباس أن يخرجوا في أصحابهم بين دار الفاسق ودار ابنه أنكلاي، فيكون مسيرهم على شاطئ نهر أبي الخصيب وما قاربه؛ ليتصلوا بأوائل الغلمان الذين يأتون على الجبال، ويكون قصدُ الجميع إلى الجسر، وأمرهم بحمل الآلات من المعاول والفؤوس والمناشير مع جمع من النَّفاطين لقطع ما يتهيّأ قطعُه، وإحراق ما يتهيأ إحراقه، وأمر راشدًا مولاه بقصد الجانب الشرقيّ من نهر أبي الخصيب في مثل العِدّة التي كانت مع أبي العباس وقصد الجسر ومحاربة مَنْ يدافع عنه، ودخل أبو أحمد نهر أبي الخصيب في الشّذَا، وقد أعدّ منها شَذَوات رتّب فيها من أنجاد غلمانه الناشبة والرّامحة من ارتضاه، وأعدّ معهم من الآلات التي يقطع بها الجسر ما يحتاج إليه لذلك؛ وقدّمهم أمامه في نهر أبي الخصيب، واشتبكت الحرب في الجانبين جميعًا بين الفريقين، واشتدّ القتال. وكان في الجانب الغربيّ بإزاء أبي العباس ومَنْ معه أنكلاي ابن الفاسق في جيشه، وسليمان بن جامع في جيشه، وفي الجانب الشرقيّ بإزاء راشد ومَن معه الفاجر صاحب الزَّنْج والمهلّبيّ في باقي جيشهم، فكانت الحرب في ذلك اليومإلى مقدار ثلاث ساعات من النهار، ثم انهزمت الفسقة لا يلوُون على شيء، وأخذت السيوفُ منهم مأخَذها، وأخذ من رؤوس الفسقة ما لم يقع عليه إحصاء لكثرته؛ فكان الموفّق إذا أتى برأس من الرؤوس أمر بإلقائه في نهر أبي الخصيب، ليدع المقاتلة الشغل بالرؤوس، ويجدّوا في اتباع عدوّهم، وأمر أصحاب الشذا الذين رتبهم في نهر أبي الخصيب بالدنوّ من الجسر وإحراقه، ودفع مَنْ تحامى عنه من الزَّنْج بالسهام؛ ففعلوا ذلك وأضرموا الجسر نارًا، ووافى أنكلاي وسليمان في ذلك الوقت جريحيْن مهزوميْن، يريدان العبور إلى شرقيّ نهر أبي الخصيب، فحالت النار بينهما وبين الجسر، فألقوْا أنفسهما ومن كان معهما من حُماتِهم في نهر أبي الخصيب، فغرق منهم خلق كثير، وأفلت أنكلاي وسليمان بعد أن أشفيا على الهلاك، واجتمع على الجسر من الجانبين خلق كثير، فقطِع بعد أن ألقيت عليه سفينة مملوءة قصبًا مضرومًا بالدار، فأعانت على قطعه وإحراقه، وتفرّق الجيش في نواحي مدينة الخبيث من الجانبين جميعًا، فأحرقوا من دورهم وقصورهم وأسواقهم شيئًا كثيرًا، واستنقذوا من النساء المأسورات والأطفال ما لا يحصى عدده، وأمر الموفَّق المقاتلة بحملهم في سفنهم والعبور بهم إلى الموفقيّة. وقد كان الفاجر سكن بعد إحراق قصره ومنازله الدّار المعروفة بأحمد بن موسى القَلوص والدّار المعروفة بمحمد بن إبراهيم أبي عيسى، وأسكن ابنه أنكلاي الدار المعروفة بمالك ابن أخت القَلُوص؛ فقصد جماعة من غلمان الموفّق المواضع التي كان الخبيث يسكنها فدخلوها، وأحرقوا منها مواضع، وانتهبوا منها ما كان سَلم للفاسق من الحريق الأول، وهرب الخبيث ولم يوقف في ذلك اليوم على مواضع أمواله، واستنقذ في هذا اليوم نسوة عَلَويَّات كنّ محتبسات في موضع قريب من داره التي كان يسكنها، فأمر الموفّق بحملهنّ إلى عسكره، وأحسن إليهنّ، ووصلهنّ، وقصد جماعة من غلمان الموفّق من المستأمنة المضمومين إلى أبي العباس سجنًا كان الفاسق اتّخذه في الجانب الشرقيّ من نهر أبي الخصيب، ففتحوه وأخرجوا منه خلقًا كثيرًا ممّن كان أسِر من العساكر التي كانت تحارب الفاسق وأصحابه، ومن سائر الناس غيرهم، فأخرج جميعهم في قيودهم وأغلالهم حتى أتِيَ بهم الموفّق، فأمر بفكّ الحديد عنهموحملهم إلى الموفقيّة، وأخرج في ذلك اليوم كل ما كان بقي في نهر أبي الخصيب من شذًا ومراكب بحرية وسفن صغار وكبار وحَرّاقات وزلّالات وغير ذلك من أصناف السفن من النهر إلى دِجلْة، وأباحها الموفّق أصحابه وغلمانه مع ما فيها من السلب والنهب الذي حازوا في ذلك اليوم من عسكر الخبيث، وكان ذلك قدر جليل وخطر عظيم. * * * وفيها كان إحدار المعتمد إلى واسط، فسار إليها في ذي القعدة وأنزل دار زيرك. وفيها سأل أنكلاي ابن الفاسق أبا أحمد الموفّق الأمان، وأرسل إليه في ذلك رسولًا، وسأل أشياء فأجابه الموفّق إلى كل ما سأله، وردّ إليه رسوله، وعرض للموفّق بعقب ذلك ما شغله عن الحرب، وعلم الفاسق أبو أنكلاي بما كان من ابنه فعذَله - فيما ذكر - على ذلك، حتى ثناه عن رأيه في طلب الأمان، فعاد للجِدّ في قتال أصحاب الموفّق، ومباشرة الحرب بنفسه. * * *