page 5974, entry [2148]Open original source
[ذكر خبر عبور الموفَّق إلى مدينة الزنج] (١) ولأربع عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر منها عبر أبو أحمد الموفق إلى مدينة الفاجر، بعد أن أَوْهَى قوّته في مُقامه بمدينة الموفّقية، بالتضييق عليه والحصار، ومنعه وصول المِيَر إليه؛ حتى استأمن إليه خلق كثير من أصحابه؛ فلما أراد العبور إليها أمر - فيما ذكر - ابنه أبا العباس بالقَصْد للموضع الذي كان قصده من ركن مدينة الخبيث الذي يحوطه بابنه وجِلّة أصحابه وقوّاده، وقصد أبو أحمد موضعًا من السور فيما بين النهر المعروف بمنكى والنهر المعروف بابن سمْعان، وأمر صاعدًا وزيرَه بالقصد لفوّهة النهر المعروف بجرى كور، وتقدَّم إلى زِيرك في مكانفته، وأمر مسرورًا البلخي بالقَصْد لنهر الغربيّ، وضمّ إلى كلّ واحد منهم من الفَعَلة جماعة لهدم ما يليهم من السُّور، وتقدّم إلى جميعهم ألّا يزيدوا على هدم السور، وألا يدخلوا مدينة الخبيث. ووكّل بكلّ ناحية من النواحي التي وجه إِليها القوّاد شَذوات فيها الرّماة، وأمرهم أن يحموا بالسهام مَنْ يهدم السور من الفعَلة والرجّالة الذين يخرجون للمدافعة عنهم، فثُلم في السور ثلم كثيرة، ودخل أصحابُ أبي أحمد مدينة الفاجر من جميع تلك الثُّلَم، وجاء أصحاب الخبيث يحاربونهم، فهزمهم أصحابُ أبي أحمد، واتبعوهم حتى وغلوا في طلبهم، واختلفت بهم طرق المدينة، وفرّقت بينهم السكك والفِجاج، فانتهوْا إلى أبعد من الموضع الذي كانوا وصلوا إليه في المرّة التي قبلها، وحرّقوا وقتَلوا.ثم تراجع أصحاب الخبيث، فشدّوا على أصحاب أبي أحمد، وخرج كمناؤهم من نواحٍ يهتدون لها ولا يعرفها الآخرون، فتحيّر مَنْ كان داخل المدينة من أصحاب أبي أحمد، ودافعوا عن أنفسهم، وتراجعوا نحو دِجْلة حتى وافاها أكثرُهم؛ فمنهم مَنْ دخل السفينة، ومنهم مَنْ قذف نفسه في الماء، فأخذه أصحاب الشَّذَا، ومنهم مَنْ قتِل، وأصاب أصحاب الخبيث أسلحةً وأسلابًا، وثبت جماعة من غلمان أبي أحمد بحضرة دار ابن سمعان، ومعهم راشد وموسى بن أخت مفلِح، في جماعة من قُوّاد الغلمان كانوا آخر مَنْ ثبت من الناس، ثم أحاط بهم الزَّنج وكثَرُوهم، وحالوا بينهم وبين الشَّذَا، فدافعوا عن أنفسهم وأصحابهم، حتى وصلوا إلى الشَّذَا فركبوها، وأقام نحو من ثلاثين غلامًا من الديالمة في وجوه الزَّنْج وغيرهم، يحمون الناس، ويدفعون عنهم حتى سلِموا، وقتِل الثلاثون من الدّيالمة عن آخرهم، بعد ما نالوا من الفجَّار ما أحبوا، وعظم على الناس ما نالهم في هذه الوَقْعة، وانصرف أبو أحمد بمَنْ معه إلى مدينته الموفقيّة، وأمر بجمعهم وعَذْلِهم على ما كان منهم من مخالفة أمره، والافتيات عليه في رأيه وتدبيره، وتوعدهم بأغلظ العقوبة إن عادوا لخلاف أمره بعد ذلك، وأمر بإحصاء المفقودين من أصحابه فأحْصُوا له، فأتِيَ بأسمائهم، وأقرَّ ما كان جاريًا لهم على أولادهم، وأهاليهم، فحسُن موقع ذلك منهم، وزاد في صحة نياتهم لِمَا رأوْا من حياطته خلْف مَنْ أصيب في طاعته. * * *