page 5878, entry [2109]Open original source
[ذكر خبر أسر يحيى بن محمد البحرانيّ ثم قتله] (١) وفيها أسِر يحيى بن محمد البحرانيّ صاحب قائد الزّنج، وفيها قُتِل. * ذكر الخبر عن أسره وقتله وكيف كان ذلك: ذكِر عن محمد بن سمعان الكاتب أنه قال: لمّا وافَى يحيى بن محمد نهر العباس، لقيه بفُوّهة النهر ثلثمئة وسبعون فارسًا من أصحاب أصغجون العامل - كان عامل الأهواز في ذلك الوقت، كانوا مرتّبين في تلك الناحية - فلما بصر بهم يحيى استقلّهم، ورأى كثرة مَنْ معه من الجمع مما لا خوف عليه معهم، فلقيتهم أصحابه غير مستجنّين بشيء يردّ عنهم عاديتهم، ورشقتهم أصحابُ أصغجون بالسهام، فأكثروا الجراح فيهم، فلمّا رأى ذلك يحيى عبّر إليهم عشرون ومئة فارس كانت معه، وضمّ إليهم من الرّجال جمعًا كثيرًا، وانحاز أصحاب أصغجون عنهم، وولج البحرانيّ ومَنْ معه نهر العباس؛ وذلك وقت قلّة الماء في النهر، وسفنُ القَيْروانات جانحة على الطين. فلما أبصر أصحابُ تلك السفن بالزَّنج تركوا سفنَهم، وحازها الزَّنج، وغنموا ما كان فيها غنائم عظيمة جليلة، ومضوْا بها متوجّهين نحو البطيحة المعروفة ببطيحة الصحناة، وتركوا الطريق النّهج، وذلك للتحاسد الذي كان بين البحرانيّ وعليّ بن أبي المهلبيّ، وإن أصحاب يحيى أشاروا عليه ألا يسلك الطريق الذي يمرّ فيها بعسكر عليّ، فأصغى إلى مشورتهم، فشرعوا له الطريق المؤدي إلى البطيحة التي ذكرنا، فسلكها حتى ولج البطيحة، وسرّح الخيل التي كانت معه، وجعل معها أبا الليث الأصبهانيّ، وأمره بالمصير بها إلى عسكر قائد الزَّنج، وكان الخبيث وجّه إلى يحيى البحرانيّ يعلمه ورودَ الجيش الذي ورد عليه، ويأمره بالتحرّز في منصرفه من أن يلقاه أحدٌ منهم، فوجّه البحرانيّ الطلائع إلى دِجْلة فانصرفت طلائعه وجيش أبي أحمد منصرف من الأبُلّة إلى نهر أبي الأسد، وكان السبب في رجوع الجيش إلى نهر أبي الأسد: أنّ رافع بن بِسطام وغيره من مجاوري نهر العباس وبطيحة الصّحْناة كتبوا إلى أبي أحمديعرّفونه خبر البحرانّي وكثرة جمعه، وأنه يقدّر أن يخرج من نهر العباس إلى دِجْلة فيسبق إلى نهر أبي الأسد ويعسكر به، ويمنعه المِيرة، ويحولُ بينه وبين من يأتيه أو يصدر عنه، فرجعت إليه طلائعهُ بخبره، وعظم أمر الجيش عنده، وهيبته منه؛ فرجع في الطريق الذي كان سلكه بمشقة شديدة نالتْه ونالت أصحابه، وأصابهم وباء من تردّدهم في تلك البطيحة، فكثر المرض فيهم، فلما قربوا من نهر العباس جعل يحيى بن محمد سليمان بن جامع على مقدّمته، فمضى يقود أوائل الزَّنْج، وهم يجرّون سفنهم، يريدون الخروج من نهر العباس، وفي النهر للسلطان شذوات وسميريات تحمي فوّهته من قبل أصغجون، ومعها جَمْعٌ من الفُرْسان والرّجالة، فراعه وأصحابه ذلك، فخلَّوْا سفنهم، وألقَوْا أنفسَهم في غربيّ نهر العباس، وأخذوا على طريق الزّيدان ماضين نحو عسكر الخبيث، ويحيى غارّ بما أصابهم، لم يأتِه علم شي من خبرِهم، وهو متوسِّط عسكره، قد وقف على قنطرة قُورَج العباس في موضع ضيّق تشتدّ فيه جرية الماء، فهو مشرف على أصحابه الزَّنْج وهم في جرّ تلك السفن التي كانت معهم، فمنها ما يغرق، ومنها ما يسلم. قال محمد بن سمعان: وأنا في تلك الحال معه واقف، فأقبل عليّ متعجّبًا من شدّة جرية الماء وشدّة ما يلقى أصحابه من تلقّيه بالسفن، فقال لي: أرأيتَ لو هجم علينا عدوّنا في هذه الحال، مَنْ كان أسوأ حالًا منا! فما انقضى كلامُه حتى وافاه طاشتمر التركيّ في الجيش الذي أنفذه إليهم أبو أحمد عند رجوعه من الأبُلّة إلى نهر أبي الأسد، ووقعت الضّجّة في عسكره. قال محمد: فنهضت مُتشوقًا للنظر؛ فإذا الأعلام الحمر قد أقبلتْ في الجانب الغربيّ من نهر العباس ويحيى به، ولما رآها الزَّنْج ألقَوْا أنفسهم في الماء جملة، فعبروا إلى الجانب الشرقيّ، وعرِيَ الموضع الذي كان فيه يحيى، فلم يبق معه إلا بضعة عشر رجلًا، فنهض يحيى عند ذلك، فأخذ درقتَه وسيفه، واحتزم بمنديل، وتلقَّى القوم الذين أتوْه في النفر الذين معه، فرشقهم أصحاب طاشتمر بالسهام، وأسرع فيهم الجراح، وجرح البحرانيّ بأسهم ثلاثة في عَضُدْيه وساقه اليسرى، فلما رآه أصحابه جريحًا تفرّقوا عنه، فلم يعرَف فيقصد له، فرجع حتى دخل بعض تلك السفن، وعَبَر به إلى الجانب الشرقيّ من النهر؛ وذلك وقتالضحى من ذلك اليوم، وأثقَلت يحيى الجراحات التي أصابتْه، فلما رأى الزّنج ما نزل به اشتدّ جزعهم، وضعفت قلوبهم، فتركوا القتال، وكانت همّتهم النجاة بأنفسهم، وحاز أصحاب السلطان الغنائم التي كانت في السفن بالجانب الغربى من النهر؛ فلما حَوَوْها أقعدوا في بعض تلك السفن النّفاطين وعبّروهم إلى شرقيّ النهر، فأحرقوا ما كان هناك من السفن التي كانت في أيدي الزّنج، وانفضّ الزَّنج عن يحعى، فجعلوا يتسللون بقية نهارهم بعد قتل فيهم ذريع، وأسر كثير؛ فلمّا أمسوا وأسدف الليل طارُوا على وجوههم، فلما رأى يحيى تفرّق أصحابه، ركب سُمَيريّة كانت لرجل من المقاتلة البِيضان، وأقعَد معه فيها متطبِّبًا يقال له عبّاد يعرف بأبي جيش؛ وذلك لِمَا كان به من الجراح، وطمع في التخلّص إلى عسكر الخبيث، فسار حتى قرب من فُوّهة النهر، فبصُر ملاحو السميريّة بالشذا والسميريّات واعتراضها في النهر، فجزعوا من المرور بهم، وأيقنوا أنهم مدرَكون، فعبروا إلى الجانب الغربيّ، فألقَوْه ومَنْ معه على الأرض في زرع كان هناك، فخرج يمشي وهو مثقَل؛ حتى ألقى نفسه؛ فأقام بموضعه ليلَته تلك، فلما أصبح بموضعه ذلك نهض عبّاد المتطبّب الذي كان معه، فجعل يمشي متشوقًا لأن يرى إنسانًا فرأى بعض أصحاب السلطان، فأشار إليهم فأخبرهم بمكان يحيى، وأتاه بهم حتى سلّمه إليهم. وقد زعم قوم: أن قومًا مرُّوا به، فرأوه فدلّوا عليه، فأخِذ، فانتهى خبره إلى الخبيث صاحب الزَّنْج فاشتدّ لذلك جزعه، وعظم عليه توجّعه. ثم حمِل يحيى بن محمد الأزرق البحرانيّ إلى أبي أحمد، فحمله أبو أحمد إلى المعتمد بسامُرّا، فأمر ببناء دكة بالحَيْر، بحضرة مجرى الحلبة فبُنيت، ثم رفع للناس حتى أبصروه، فضرب بالسياط. وذُكر: أنه دخل سامرّا يوم الأربعاء لتسع خلوْن من رجب على جمل، وجلس المعتمد من غدِ ذلك اليوم - وذلك يوم الخميس - فضُرب بين - يديه مئتي سوط بثمارها، ثم قُطعت يداه ورجلاه من خلاف، ثم خُبط بالسيوف، ثم ذُبح ثم أحرق. قال محمد بن الحسن: لمّا قُتِل يحيى البحرانيّ، وانتهى خبره إلى صاحب الزّنج؛ قال: عَظُم عليّ قتله، واشتدّ اهتمامي به، فخوطبتُ فقيل لي: قتلُه خيرلك، إنه كان شرهًا، ثم أقبل على جماعة كنت أنا فيهم، قال: ومنْ شرهه أنا غنمنا غنيمة من بعض ما كنَّا نصيبه؛ فكان فيه عقدان، فوقعا في يد يحيى، فأخفى عني أعظمهما خطرًا، وعرض عليّ أخسهما، واستوهبنيه فوهبته له، فرُفع لي العقد الذي أخفاه، فدعوته فقلت: أحضرْني العقد الذي أخفيتَه، فأتاني بالعقد الذي وهبتُه له، وجحد أن يكون أخذ غيره، فرُفِع لي العقد، فجعلت أصفه وأنا أراه، فبُهت، وذهب فأتاني به، واستوهبنيه فوهبتُه له، وأمرته بالاستغفار. وذكر عن محمد بن الحسن: أن محمد بن سمعان حدّثه: أنّ قائد الزنج قال لي في بعض أيامه: لقد عُرِضَتْ عليّ النبوّة فأبيتُها، فقلتُ: ولمَ ذاك؟ قال: لأنّ لها أعباء خِفت ألا أطيق حملها! * * *