page 5842, entry [2091]Open original source
[ذكر الخبر عن خلع المهتدي ثم موته] وفي رجب من هذه السنة لأربع عشرة ليلة خلت منه خُلِع المهتدي، وتوفِّيَ يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب (١). * ذكر الخبر عن سبب خلعه ووفاته: ذكر أن ساكني الكرخ بسامرّا والدور تحرّكوا ليلتين خَلَتا من رجب من هذه السنة، يطلبون أرزاقهم، فوجّه إليهم المهتدي طبايغو الرئيس عليهم وعبد الله أخا المهتدي، فكلَّمهم فلم يقبلوا منهما، وقالوا: نحن نريد أن نكلِّم أميرَ المؤمنين مشافهةً، وخرج أبو نصر بن بُغا تحت ليلتِه إلى عسكر أخيه، وهو بالسِّنّ بالقرب من الشاري، ودخل دار الجوْسق جماعة منهم؛ وذلك يوم الأربعاء، فكلّمهم المهتدي بكلام كثير، وقطع العطاء عن الناس يوم الأربعاء والخميس والناس متوقّفون حتى يعرفوا ما صنع موسى بن بُغا، وكان موسى وضع العطاء في عسكره لشهر، وكان على مناجزة الشاري إذا استوى أصحابه، فوقع الاختلاف، ومضى موسى يريد طريق خُراسان. واختُلف في سبب الاختلاف الذي جرى، فصار من أجله موسى إلى طريق خُراسان، والسبب الذي من أجله خرج المهتدي لحرب من حاربه من الأتراك، فقال بعضهم: كان السبب الذي من أجْله تنحّى موسى عن وجه الشاري وتَرَك حربه وصار إلى طريق خُراسان: أنّ المهتدي استمال بايكباك، وهو مع موسى مقيم في وجه الشاري مساور، وكتب إليه يأمره أن يضمّ العسكر الذي مع موسى إلى نفسه، وأن يكون هو الأميرَ عليهم، وأن يقتل موسى بن بغا ومُفلحًا، أو يحملَهما إليه مقيَّديْن، فلما وصل الكتاب إلى بايكباك، أخذه ومضى به إلى موسى بن بغا، فقال: إني لستُ أفرح بهذا؛ وإنما هذا تدبير علينا جميعًا، وإذا فُعِل بك اليوم شيء فُعِل بي غدًا مثلُه، فما ترى؟قال: أرى أن تصير إلى سامرّا، فتخبره أنك في طاعته، وناصره على موسى ومفلح؛ فإنه يطمئنّ إليك، ثم ندبّر في قتله. فقدم بايكباك فدخل على المهتدي، وقد مضوْا إلى منازلهم كما قدموا من عند الشاري؛ فأظهر له المهتدي الغضب، وقال: تركتَ العسكر، وقد أمرتُك أن تقتل موسى ومفلحًا، وداهنتَ في أمرهما! قال: يا أمير المؤمنين، وكيف في بهما، وكيف يتهيأ في قتلهما؟ وهما أعظم جيشًا مني، وأعزّ مني! ولقد جرى بيني وبين مفلِح شيء في بعض الأمر؛ فما انتصفتُ منه؛ ولكني قد قدمتُ بجيشي وأصحابي ومَنْ أطاعني لأنصرْك عليهما، وأقوّي أمرك؛ وقد بقي موسى في أقلّ العدد، قال: ضعْ سلاحك، وأمر بإدخاله دارًا، فقال: يا أميرَ المؤمنين، ليس هذا سبيل مثلي إذا قدم من مثل هذا الوجه؛ حتى أصير إلى منزلي، وآمر أصحابي وأهلي بأمري، قال: ليس إلى ذلك سبيل، أحتاج إلى مناظرتك، فأخذ سلاحَه، فلما أبطأ خبرُه على أصحابه سعى فيهم أحمد بن خاقان حاجب بايكباك، فقال: اطلبوا صاحبَكم قبل أن يحدُث به حدث؛ فجاشت الترك، وأحاطوا بالجوسق، فلما رأى ذلك المهتدي وعنده صالح بن عليّ بن يعقوب بن أبي جعفر المنصور شاوره، وقال: ما ترى؟ قال: يا أمير المؤمنين؛ إنه لم يبلغْ أحد من آبائك ما بلغتَه من الشجاعة والإقدام، وقد كان أبو مسلم أعظم شأنًا عند أهل خراسان من هذا التركيّ عند أصحابه؛ فما كان إلّا أن طرح رأسه إليهم حتى سكنوا، وقد كان فيهم مَنْ يعبده ويتّخذه ربًّا، فلو فعلتَ مثل ذلك سكنوا؛ فأنت أشدّ من المنصور إقدامًا، وأشجع قلبًا، فأمر المهتدي الكرخيّ - واسمه محمد بن المباشر، وكان حدّادًا بالكرخ يطرق المسامير، فانقطع إلى المهدي ببغداد فوثق به ولزمه - فأمره بضرب عنق بايكباك، فضرب عنقه، والأتراكُ مصطفون في الجوسَق في السلاح، يطلبون بايكباك؛ فأمر المهتدي عتّاب بن عتّاب القائد أن يرميَهم برأسه فأخذ عتاب الرأس؛ فرمى به إليهم، فتأخرّوا وجاشوا، ثم شدّ رجل منهم على عتّاب، فقتله، فوجّه المهتدي إلى الفراغنة والمغاربة والأوكشبّة والأشروسنيّة والأتراك الذين بايعوه على الدرهمين والسويق، فجاؤوا، فكانت بينهم قتلَى كثيرة، كثر فيها الناسُ، فقيل: قُتل من الأتراك الذين قاتلوا نحو من أربعة آلاف، وقيل ألفان وقيل ألف؛ وذلك يومَالسبت لثلاث عشرة خلتْ من رجب من هذه السنة. ثمّ تتامّ القوم يوم الأحد، فاجتمع جميع الأتراك، فصار أمرهم واحدًا، فجاء منهم زُهاء عشرة آلاف رجل، وجاء طوغيتا أخو بايكباك وأحمد بن خاقان حاجب بايكباك في نحو من خمسمئة؛ مع مَنْ جاء مع طوغيتا من الاْتراك والعجم، وخرج المهتدي ومعه صالح بن عليّ والمصحفُ في عنقه، يدعو الناس إلى أن ينصروا خليفتهم، فلما التحم الشرّ مال الأتراك الذين مع المهتدي إلى أصحابهم الذين مع أخي بايكباك، وبقي المهتدي في الفراغنة والمغاربة ومَنْ خفّ معه من العامة، فحمل عليهم طوغيتا أخو بايكباك حَمْلَة ثائر حرّان موتور، فنقض تعبيتَهم، وهزمهم وأكثر فيهم القتل وولَّوْا منهزمين، ومضى المهتدي يركضُ منهزمًا، والسيف في يده مشهور، وهو ينادي: يا معشرَ الناس، انصروا خليفَتكم، حتى صار إلى دار أبي صالح عبد الله بن محمد بن يزداد وهي بعد خشبة بابك؛ وفيها أحمد بن جُمَيل صاحب المعونة، فدخلها ووضع سلاحه، ولبس البياض ليعلوَ دارًا وينزل أخرى ويهرب، فطُلِب فلم يُوجَد، وجاء أحمد بن خاقان في ثلاثين فارسًا يسأل عنه حتى وقفءلى خبره في دار ابن جميل، فبادرهم ليصعد، فرمي بسهم وبُعِج بالسيف، ثم حمله أحمد بن خاقان على في ابة أو بغل، وأردف خلفه سائسًا حتى صار به إلى داره، فدخلوا عليه، فجعلوا يصفعونه ويبزُقون في وجهه، وسألوه عن ثمن ما باع من المتاع والخرْثيّ، فأقرّ لهم بستمئة ألف قد أودعها الكرخيّ الناسَ ببغداد، وأصابوا عنده خسفَ الواضحة مُغنّية فأخذوا رقعته بستمئة ألف دينار؛ ودفعوه إلى رجل، فوطئ على خُصيَيْه حتى قتله. وقال بعضهم: كان السببُ وأول الخلاف، أنّ اللاحقين من أولاد الأتراك اجتمعوا، وقالوا: لا نرضى أن يكون علينا رئيسٌ غير أمير المؤمنين، وكتبوا إلى موسى بن بُغا وبايكباك، وهما في وجه الشاري، فوافى موسى في رجاله حتى صار إلى قنطرة في ناحية الوزيريّة يوم الجمعة، وعسكر المهتدي في الحَيْر، وقرب منهم، ثم خرج إلى الجوْسق، وعليه السلاح؛ فلما كان يوم السبت لثلاث عشرة خلتْ من رجب، دخل بايكباك طائعًا، ومضى موسى إلى ناحية طريق خراسان في نحو من ألفي رجل، وجاء المهتدي رجلٌ من الموالي؛ فقال له: إنّبايكباك قد وعد موسى أن يفتك بك في الجوسق، فأخذ المهتدي بايكباك، وأمر بنزع سلاحه وحبسه، فحُبس يوم السبت إلى وقت العصر، ثم خرج أهل الكرخ وأهل الدّور يطلبونه، وانصرفوا وبكّروا يوم الأحد، فلم يتخلفْ منهم أحد إلا حضر راكبًا وراجلًا في السلاح، فلما صاروا إلى الجوْسق، صلّى المهتدي الظهر، وخرج إليهم في الفراغنة والمغاربة، فتطارد لهم الأتراك، فحملوا عليهم، فلمّا تَبِعوهم خرج كمين لهم، فقتل من الفراغنة والمغاربة جماعةً كبيرة، وهرب المهتدي، ومرّ على باب أبي الوزير وغلام له يصيح: يا معشرَ الناس، هذا خليفتكم؛ وتراكض الأتراكُ خلْفه، فدخل دار أحمد بن جميل، وتسلق المهتدي من دار إلى دار، وأحدق الأتراك بتلك الناحية كلها، فأخرجوه من دار غلام لعبد الله بن عمر البازيار، وحملوه وبه طعنةٌ في خاصرته على برْذون أعجف، في قميص وسراويل، وانتهبوا دار الكرخيّ ودور بني ثَوَابة وجماعة من الناس؛ فلمّا كان يوم الإثنين حمل أحمد بن المتوكل المعروف بابن فتيان إلى دار يارْجوخ، والأتراك يدورون في الشوارع، ويحمَدون العامة إذ لم يتعرّضوا لهم. وقال آخرون: بل كان السبب في ذلك؛ أنّ أهل دور سامرّا والكرخ تحرّكوا في يوم الإثنين لليلة خلتْ من رجب من هذه السنة، واجتمعوا بالكرْخ وفوقها، فوجّه المهتدي إليهم كيغلَغ وطبايغو بن صول أرتكين وعبد الله أخا نفسه، فلم يزالوا بهم حتى سكنوا ورجعوا إلى الدار، وبلغ أبا نصر محمد بن بغا الكبير أنّ المهتدي قد تكلّم فيه وفي أخيه موسى، وقال للموالي: إنّ الأموال عندهم، فتخوّفه وإياهم، فهرب في ليلة الأربعاء لثلاث خلْون من رجب، فكتب إليه المهتدي أربعة كتب يعطيه فيها الأمان على نفسه ومَنْ معه، ووصل كتابان إليه وهو بالمحمّدية مع أبرتكين بن برنمكاتكين، ووصل الآخران إليه مع فرج الصغير، فوثِق بذلك، فرجع حتى دخل الدار هو وأخوه حَبْشون وبكالبا، فحبِسوا وحُبِس معهم كَيْغَلع، فأفرد أبو نصر عنهم؛ فطلب منه المال، فقبض من وكيله خمسة عشر ألف دينار، وقتِل يوم الثلاثاء لثلاث خلوْن من رجب، ورُمِي به في بئر من آبار القناة، وأخرج من البئر يوم الإثنين للنصف من رجب، ومضى به إلى منزله وقد أراح، فاشتُرِي له ثلثمئة مثقال مسك وستمئة مثقال كافور، وصُيِّر عليه فلم تنقطع الرائحة، وصلى عليه الحسن بن المأمون،وكتب المهتدي إلى موسى بن بُغا عند حبسه أبا نصر يأمره بتسليم العسكر إلى بايكباك والإقبال إلى سامرّا في مواليه، وكتب إلى بايكباك في تسلُّم العسكر والقيام بقتال الشاري، فصار بايكباك بالكتاب إلى موسى فقرأه، فاجتمعوا على الانصراف إلى سامرّا، وبلغ المهتدي ذلك، وأنهم على خلافه، فجمع الموالي، فحضّهم على الطاعة، وأمرهم بلزومه في الدّار وترك الإخلال به، وأجرى على كل رجل من الأتراك ومَنْ يجري مجراهم في كلّ يوم درهمين، وعلى كلّ رجل من المغاربة درهمًا، فاجتمع له من الفريقين وأخدانهم زهاء خمسة عشر ألف إنسان، منهم من الأتراك المعروف بالكاملي في الجوْسق وغيره من المقاصير، وكان القيّم بأمر الدار بعد حبس كيغَلغ مسرور البلخيّ والرئيس من القوّاد طبايغو والقيّم بحبس من حُبس من هؤلاء عبد الله بن تكين. وبلغ موسى ومفلحًا وبايكباك حبسُ أبي نصر وحبشون ومَنْ حُبِس، فأخذوا حذرَهم. وجرت الرسل والكتب بينهم وبين المهتدي يوم الخميس وخرج المهتدي يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلتْ من رجب بجمعه متوقّعًا ورود القوم عليه؛ فلم يأت أحد، فلما كان يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب صحّ الخبر بأنّ موسى قد عَرَج عن طريق سامرّا إلى ناحية الجبل مع مفلح، ودخل يوم السبت بايكباك ويارجوخ وأساتكين وعليّ بن بارس وسيما الطويل وخطارمش إلى الدار، فحبس بايكباك وأحمد بن خاقان خليفته، وصُرف الباقون، فاجتمع أصحاب بايكباك وغيره من الأتراك، وقالوا: لمَ يُحبَس قائدنا؟ ولمَ قتِل أبو نصر؟ فخرج إليهم المهتدي يوم السبت - ولم يكن بينهم حرب - فرجع، وخرج يوم الأحد وقد اجتمعوا له، وجمع هو المغاربة والأتراك البرّانيين والفراغنة فصير على الميمنة مسرورًا البليخيّ، وعلى الميسرة يارجوخ، والمهتدي في القلب مع أساتكين وطبايغوا وغيرهما من القوّاد. فلما حمِيت الشمس، قرب القوم بعضهم من بعض، وهاجت الحرب، وطلبوا بايكباك، فرمى إليهم المهتدي برأسه - وكان عتّاب بن عتاب أخرجه من بركة قبائه - فلما رأوا شدّ أخوه طغوتيا في جماعة من خاصّته على جمع المهتدي وعطفت الميمنة والميسرة من عسكر المهتدي فصاروا معهم، وانهزم الباقون عن المهتدي، وقُتل جماعة من الفريقين.فذُكر عن حَبْشون بن بغا، أنه قال: قُتِل سبعمئة وثمانون إنسانًا، ولفرّق الناس، ودخل المهتدي الدار، فأغلق الباب الذي دخل فيه، وخرج من باب المصافّ حتى خرج من الباب المعروف بإيتاخ، ثم إلى سويقة مسرور، ثم درب الواثق؛ حتى خرج إلى باب العامة، وهو ينادي: يا معشرَ الناس، أنا أمير المؤمنين؛ قاتلوا عن خليفتكم، فلم تجبه العامة إلى ذلك، وهو يمرّ في الشارع وينادي، فلم يرهم ينصرونه، فصار إلى باب السجن، فأطلق مَنْ فيه، وهو يظنّ أنهم يعينونه؛ فلم يكن منهم إلا الهرب، ولم يجبه أحد، فلمّا لم يجيبوه، صار إلى دار أبي صالح عبد الله بن محمد بن يزداد، وقيها أحمد بن جميل صاحب الشُّرطة نازل، فدخل عليه، فأخرج من ناحية ديوان الضياع، ثم صيّر يه إلى الجوسق، فحبس فيه عند أحمد بن خاقان، وانتهب دار أحمد بن جُمَيل. وكان ممن قتل في المعوكة من قواد المغاربة نصر بن أحمد الزبيريّ، ومن قوّاد الشاكرية عتّاب بن عتاب حين جاء يرأس بايكباك إليهم، وقتَل المهتدي - فيما قيل - في الوقعة عدة كثيرة بيده، تم جرى بينهم وبينه بعد أن حُبس كلام شديد، وأرادوه على الخلع فأبى، واستسلم للقتل، فقالوا: إنه كان كتب رُقعة بيده لموسى بن بغا وبايكباك وجماعة من القوّاد؛ أنه لا يغدر بهم ولا يغتالهم، ولا يفتك بهم ولا يهمّ بذلك، وأنه متى فعل ذلك بهم أو بأحد منهم ووقفوا عليه فهمْ في حلٍّ من بيعته، والأمر إليهم يُقعدون من شاؤوا، فاستحلُّوا بذلك نقضَ أمره. وقد كان يارجوخ بعد انهزام الناس صار إلى الدار، فأخرج من ولد المتوكل جماعة، فصار بهم إلى داره، فبايعوا أحمد بن المتوكل المعروف بابن فِتْيان يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من رجب، وسُمِّي المعتمد على الله، وأشهِد يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب على وفاة المهتدي محمد بن الواثق، وأنه سليم ليس به إلا الجراحتان اللتان نالتاه يوم الأحد في الوقعة؛ إحداهما من سَهْم والأخرى من ضَرْبة، وصلى عليه جعفر بن عبد الواحد وعدّة من إخوة أمير المؤمنين، ودُفِن في مقبرة المنتصر، ودخل موسى بن بغا ومفلح سامرّا يوم السبت لعشر بقين من رَجب، فسلّم على المعتمد فخلَع عليه، وصار إلى منزله وسكن الناس.وقال بعضهم - وذكر أنه كان شاهدًا أمرهم: لمّا كان ليلة الإثنين لليلة خلت من رجب ثار أهل الكرْخ والدّور جميعًا، فاجتمعوا، وكان المهتدي يوجّه إليهم إذا تحرّكوا أخاه عبد الله، فوجّه إليهم في هذا اليوم عبد الله أخاه كما كان يوجّهه، فصار إليهم؛ فوجَدهم قد أقبلوا يريدون الجوْسق، فكلّمهم، وضمِن لهم القيام بحوائجهم، فأبوْا وقالوا: لا نرجع حتى نصيرَ إلى أمير المؤمنين ونشكُو إليه قصتنا، فانصرف عنهم عبد الله، وفي الدار في هذا الوقت أبو نصر محمد بن بغا وحَبْشون وكَيْغَلغ ومسرور البلخيّ وجماعة؛ فلما أدّى عبد الله إلى المهتدي ما دار بينه وبينهم، أمره بالرجوع إليهم، وأن يأتيَ بجماعة منهم فيوصلَهم إليه؛ فخرج فتلقاهم قريبًا من الجوْسَق، فأرداهم على أن يقفوا بموضعهم، ويوجّهوا معه جماعة منهم فأبوْا، فلمّا تناهَى الخبر إلى أبي نصر ومَنْ كان معه في الدّار بأنّ جمعهم قد أقبل، خرجوا جميعًا من الدار مما يلي باب النزالة، فلم يبق في الدّار إلا مسرور البلخيّ وألطون خليفة كيْغَلَغ، ومن الكتّاب عيسى بن فَرُّخانشاه، ودخل الموالي مما يلي باب القصر الأحمر، فملؤوا الدار زُهاء أربعة آلاف، فصاروا إلى المهتدي، فشكْوا إليه حالهم. وكان اعتمادهم في مسألتهم أن يعزل عنهم أمراءهم، ويضمّ أمورهم إلى إخوة أمير المؤمنين، وأن يؤخذ الأمراء والكتّاب بالخروج مما اختانوه من أموال السلطان؛ وذكروا أن قدره خمسون ومئة ألف ألف، فوعدهم النظر في أمرهم وإجابتهم إلى ما سألوا، فأقاموا يومَهم ذلك في الدّار، فوجّه المهتدي محمد بن مباشر الكرخيّ، فاشترى لهم الأسوقة، ومضى أبو نصر بن بغا من فورِه ذلك؛ حتى عسكر في الحَيْر بالقرب من موضع الحلْبة، فلحق به زهاء خمسمئة رجل، ثم تفرّقوا عنه في ليلتهم؛ فلم يبقَ إلا في أقلّ من مئة، ومضى فصار إلى المحمّدية، وأصبح الموالي في غداة يوم الأربعاء يطالبون بما كانوا يطالبون به أولًا، فقيل لهم: إن هذا الأمر الذي تريدونه أمرٌ صعب، وإخراج الأمر عن أيدي هؤلاء الأمراء ليس بسهل عليكم، فكيف إذا جمع إلى ذلك أخذهم بالأموال! فانظروا في أموركم؛ فإن كنتم تظنون أنكم تصبرون عيى هذا الأمر حتى يبلغَ منه غايته أجابكم إليه أمير المؤمنين، وإن تكن الأخرى فإنّ أميرَ المؤمنين يحسن لكم النظر، فأبوْا إلا ما سألوه أولًا، فدُعوا إلى أيمان البيعة على أن يقيموا على هذاالقول، ولا يرجعوا عنه، وأن يقاتلوا مَنْ قاتلهم فيه، وينصحوا لأمير المؤمنين ويوالُوه، فأجابوه إلى ذلك، فأخذِت عليهم أيمان البيعة، فبايع في ذلك اليوم زُهاء ألف رجل وعيسى بن فرّخا نشاه الذي تجري على يده الأمور، ومقامه مقام الوزير، ثم كتبوا إلى أبي نصر كتابًا عن أنفسهم؛ كتبه لهم عيسى بن فرّخانشاه، يذكرون فيه إنكارهم خروجَه من الدار عن غير سبب، وأنهم إنما قصدوا أميرَ المؤمنين ليشكوا إليه حاجتَهم، وأنهم لما وجدوا الدار فارغة أقاموا فيها، وأنهم إذا عاد ردّوه إلى حاله، ولم يهيّجوه، وكتب عيسى عن الخليفة بمثل ذلك إليه، فأقبل من المحمّدية بين العصر والعشاء، فدخل الدار، ومعه أخوه حَبْشون وكيغلغ وبكالبا وجماعة منهم، فقام الموالي في وجوههم معهم السلاح، وقعد المهتدي، فوصل إليه أبو نصر ومَنْ معه، فسلّم عليه، ودنا فقبل يد المهتدي ورجلَه والبساط، وتأخّر فخاطبه المهتدي بأن قال له: يا محمد، ما عندك فيما يقول الموالي؟ قال: وما يقولون؟ قال: يذكرون أنكم احتجبتم الأموال، واستبددتم بالأعمال، فما تنظرون في شيء من أمورهم، ولا فيما عاد لمصلحتهم، فقال محمد: يا أميرَ المؤمنين؛ وما أنا والأموال! ما كنتُ كاتبَ ديوان، ولا جرتْ على يدي أعمال. فقال له: فأين هي الأموال؟ وهل هي إلا عندك وعند أخيك، وكتّابكم وأصحابكم! ودنا الموالي، فتقدّم عبد الله بن تكين وجماعة منهم، فأخذوا بيد أبي نصر وقالوا: هذا عدوّ أمير المؤمنين، يقوم بين يديه بسيفٍ، فأخذوا سيفَه، ودخل غلام لأبي نصر كان حاضرًا يقال له ثيتل، فسلّ سيفه، وخطا ليمنعهم من أبي نصر، وكانت خطوته تلي الخليفة، فسبقه عبد الله بن تكين، فضرب رأسه بالسيف، فما بَقيَ في الدار أحدٌ إلا سلَّ سيفه، وقام المهتدي، فدخل بيتًا كان بقربه، وأخذ محمد بنُ بغا، فأدخِل حجرة في الدار، وحُبس أصحابه الباقون، وأراد القوم قتلَ الغلام فمنعهم المهتدي، وقال: إنّ لي في هذا نظرًا ثم أمر فأعطِيَ قميصًا من الخزانة، وأمر بغسل رأسه من الدّم، وحُبِس. فأصبح الناس يوم الأربعاء وقد كثرُوا، والبيعة تؤخذ، ثمّ أمر عبد الله بن الواثق بالخروج إلى الرفيف في ألف رجل من الشاكرية والفراغنة وغيرهم؛ وكان ممن أمر بالخروج من قوّاد خراسان محمد بن يحيى الواثقيّ وعتاب بن عتابوهارون بن عبد الرحمن بن الأزهر وإبراهيم أخو أبي عون ويحيى بن محمد بن داود وولد نصر بن شيث وعبد الرحمن بن دينار وأحمد بن فريدون وغيرهم. ثم إن عبد الله بن الواثق بلغه عن هؤلاء القوّاد أنهم يقولون: إنه ليس بصواب شخوصهم إلى تلك الناحية، فترك الخروج إليها. ثم إنهم أرادوا أن يكتبوا إلى موسى ومفلح بالانصراف وتسليم العسكر إلى مَنْ فيه من القوّاد، فأجمعوا على أن يكتبوا إليهما بذلك كتابًا، وكتبا إلى بعض القوّاد في تسلّم العسكر منهما، وكتُبا إلى الصغار بما سأل أصحابهم بسامُرّا، وما أجيبوا إليه، وأمر بنسخ الكتب التي كُتبت إلى القوّاد، وأن ينظروا؛ فإن سارع موسى ومفلح إلى ما أمِرا به من الإِقبال إلى الباب في غلمانهم وتسليم العسكر إلى مَن أمِرا بتسليمه إليه؛ وإلا شدّوهما وثاقًا، وحملوهما إلى الباب، ووجّهوا هذه الكتب مع ثلاثين رجلًا منهم، فشخصوا عن سامرّا ليلة الجمعة لخمس خلون من رجب من هذه السنة، وأجْرِي على مَنْ أخِذت عليه البيعة في الدار على كلّ رجل منهم في اليوم درهمان، فكان المتولي لتفرقة ذلك عليهم عبد الله بن تكين، وهو خال ولد كنجور. ولما تناهى الخبر إلى موسى وأصحابه اتّهم كنجور، وأمر بحبسه بعد أن ناله بالضرب، وموسى حينئذ بالسنّ، ولما انتهى الخبر إلى بايكباك وهو بالحديثة أقبل إلى السنّ، فاستخرج كنجور من الحبس، واجتمع العسكر بالسنّ، ووصل إليهم الرسل، وأوصلوا الكتب، وقرؤوا بعضها على أهل العسكر، وأخذوا عليهم البيعة بالنصرة لهم، فارتحلوا حتى نزلوا قنطرة الرفيف يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب؛ وخرج المهتدي في هذا اليوم إلى الحَير، وعرض الناس، وسار قليلًا، ثم عاد وأمر أن تخرج الخيام والمضارب فتضرب في الحَيْر، وأصبح الناس يوم الجمعة، وقد انصرف من عسكر موسى زُهاء ألف رجل؛ منهم كوتكين وحشنَج. ثم خرج المهتدي إلى الحَيْر، ثم صيّر ميمنته عليها كوتكين، وميسرته عليها حشنَج، وصار هو في القلب، ثم رجع الرسل تختلف بين العسكرين، والذي يريد موسى بن بغا أن يُولَّى ناحية ينصرف إليها، والذي يريد القوم من موسى أن يُقبل في غلمانه ليناظرهم؛ فلم يتهيّأ بينهم في ذلك اليوم شيء.فلما كان ليلة السبت، انصرف مَنْ أراد الانصراف عن موسى، ورجع موسى ومفلح يريدان طريق خُراسان في زهاء ألف رجل، ومضى بايكباك وجماعة من قوّاده في ليلتهم مع عيسى الكرخيّ، فباتوا معه، ثم أصبحوا يوم السبت، وأقبل بايكباك ومَنْ معه حتى دخلوا الدار، فأخذت سيوفهم بايكباك ويارجوخ وأساتكين وأحمد بن خاقان وخطارمش وغيرهم، فوصلوا جميعًا إلى المهتدِي فسلّموا فأمِروا بالانصراف إلا بايكباك؛ فإنّ المهتدي أمر أن يوقَف بين يديه، ثم أقبل يعدّد عليه ذنوبه، وما ركب من أمر المسلمين والإسلام. ثم إنّ الموالي اعترضوه، فأدخلوه حجرة في الدار، وأغلقوا عليه الباب، ثم لم يلبث إلا قدر خمس ساعات حتى قُتِل يوم السبت من الزّوال، واستوى الأمر، فلم تكن حركة، ولا تكلّم أحد إلا نفر يسير أنكروا أمر بايكباك، ولم يُظهروا كلّ الجزع، فلما كان يوم الأحد، أنكر الأتراك مساواة الفراغنة لهم في الدار ودخولهم معهم، ووَضح عندهم أنّ التدبير إنما جرى في قتل رؤسائهم حتى يقدم عليهم الفراغنة والمغاربة، فخرجوا من الدّار بأجمعهم، وبقيت الدّار على الفراغنة والمغاربة، وأنكر الأتراك بناحية الكَرْخ ذلك، وأضافوا إليه طلب بايكباك لاجتماع أصحاب بايكباك معهم، فأدخل المهتدي إليه جماعة من الفراغنة، وأخبرهم بما أنكره الأتراك، وقال لهم: إنْ كنتم تعلمون أنكم تقومون بهم؛ فما يكره أمير المؤمنين قربكم؛ وإن كنتم بأنفسكم تظنّون عجزًا عنهم أرضيناهم بالمصير إلى محبتهم من قَبْل تفاقم الأمر، فذكر الفراغنة أنهم يقومون بهم ويقهرونهم، إذا اجتمعت كلمتهم وكلمة المغاربة، وعدّدوا أشياء كثيرة من تقديمهم عليهم، وأرادوا المهتدي على الخروج إليهم؛ فلم يزل كذلك إلى الظهر، ثم ركب وأكثر الفرسان الفراغنة وأكثر الرجّالة المغاربة، ووجّه إليهم وهُم بين الكرخ والقطائع والأتراك زُهاء عشرة آلاف، وهم في ستة آلاف لم يكن معهم من الأتراك إلا أقل من ألف وهم أصحاب صالح بن وصيف وجماعة مع يارجوخ، فلما التقى الزّحفان، انحاز يارجوخ بمَن معه من الأتراك، وانهزم أصحاب صالح بن وصيف، فرجعوا إلى منازلهم وخرج طاشتُمُر من خلف الدكّة، وكانوا جعلوا كمينًا، وتصادم القوم، فكانت الحرب بينهم ساعة من النهار، ضربًا وطعنًا ورميًا.ثم وقعت الهزيمة على أصحاب المهتدي، فثبت وأقبل يدعوهم إلى نفسه، ويقاتل حتى يئس من رجوعهم؛ ثم انهزم وبيده سيف مشطّب، وعليه دِرْع وقَباء؛ ظاهَرَ به حرير أبيض معيّن، فمضى حتى صار إلى موضع خشبة بابك، وهو يحثّ الناس على مجاهدة القوم ونُصرته؛ فلم يتبعه أحد إلا جماعة من العيّارين؛ فلما صاروا إلى باب السجن تعلقوا بلجامه، وسألوه إطلاق من في السجن، فانصرف بوجهه عنهم، فلم يتركوه حتى أمر بإطلاقهم، فانصرفوا عنه، واشتغلوا بباب السجن، وبقيَ وحده، فمرّ حتى صار إلى موضع دار أبي صالح بن يَزْداد، وفيها أحمد بن جُمَيل، فدخل الدار وأغلِقت الأبواب، فنزع ثيابه وسلاحه؛ وكانت به طعنة في وركه، فطلب قمصيًا وسراويل، فأعطاه أحمد بن جُمَيل، وغسل الدّم عن نفسه، وشرب ماء وصلّى، فأقبل جماعة من الأتراك، مع يارْجوخ نحو من ثلاثين رجلًا؛ حتى صاروا إلى دار أبي صالح، فضربوا الباب حتى دخلوها؛ فلما أحسّ بهم أخذ السيف وسعى، فصعِد على درجة في الدار، ودخل القوم؛ وقد علا السطح، فأراد بعضُهم الصعود لأخذه، فضربه بالسيف فأخطأه، وسقط الرجل عن الدّرجة، فرمَوْه بالنشاب، فوقعت نُشّابة في صدره، فجرحته جراحة خفيفة، وعلم أنه الموت؛ فأعطى بيده، ونزل فرمى بسيفه فأخذوه، فجعلوه على دابة بين يدي أحدهم، وسلكوا الطريق الذي جاء منه، حتى صيّروه إلى دار يارْجوخ في القطائع، وأنهبوا الجوسق؛ فلم يبق فيه شيء، وأخرجوا أحمد بن المتوكل المعروف بابن فِتْيان - وكان محبوسًا في الجوْسق - وكتبوا إلى موسى بن بغا وسألوه الانصراف إليهم، فأقام المهتدي عندهم لم يُحدثوا في أمره شيئًا؛ فلما كان يوم الثلاثاء بايعوا أحمد بن المتوكل في القَطائع، وصاروا به يوم الأربعاء إلى الجوْسق فبايعه الهاشميون والخاصّة، وأرادوا المهتدي على الخلْع في هذه الأيام، فأبى ولم يجبهم، ومات يوم الأربعاء، وأظهروا يوم الخميس لجماعة الهاشمييّن والخاصّة، فكشفوا عن وجهه وغسلوه، وصلى عليه جعفر بن عبد الواحد يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ست وخمسين ومئتين. وقدم موسى بن بغا يوم السبت لعشر بقين من رجب، وركب أحمد بن فتيان إلى دار العامة يوم الإثنين لثمان بقين من رجب، فبايعوه بيعة العامة.فذكر عن محمد بن عيسى القرشيّ، أنه قال: لما صار المهتدي في أيديهم أبى أن يخلع نفسَه، فخلعوا أصابع يديْه ورجليْه من كفيه وقدميه، حتى ورمت كفاه وقدماه، وفعلوا به غير شيء حتى مات. وقد ذكر في سبب قتل أبي نصر محمد بن بغا أنه كان خرج من سامرّا يريد أخاه موسى، فوجّه إليه المهتدي أخاه عبد الله في جماعة من المغاربة والفراغنة، فلحقوه بالرّفيف، فجيء به فحبِس وكان قد دخل على المهتدي مسلِّمًا قبل خلافهم، فقال له: يا محمد، إنما قدم أخوك موسى في جيشه وعبيده حتى يقتل صالح بن وصيف وينصرف، قال: يا أميرَ المؤمنين؛ أعيذك بالله؛ موسى عبدُك وفي طاعتك؛ وهو مع هذا في وجه عدوّ كلِب، قال: قد كان صالحٌ أنفَع لنا منه، وأحسنَ سياسة للملك، وهذا العَلَويّ قد رجع إلى الرَّيّ، قال: وما حيلته يا أمير المؤمنين؟ قد هزمه وقتل أصحابه وشرّد به كلّ مشرّد، فلما انصرف عاد، وهذا فعله أبدًا؛ اللهمّ إلا أن تأمره بالمقام بالرّيّ دهرَه، قال: دع هذا عنك، فإنّ أخاك ما صنع شيئًا أكثر من أخذ الأموال واحتجانها (١) لنفسه، فأغلظ له أبو نصر، وقال: يُنظر فيما صار إليه وإلى أهل بيته منذ وليتَ الخلافة فيردّ، ويُنْظَر ما صار إليك وإلى إخوتك فيردّ فأمر به فأخِذ وضُرِب وحُبِس، وانتُهِبت داره ودار ابن ثوابة، ثم أباح دم الحسن بن مَخْلَد وابن ثوابة وسليمان بن وهب القطان كاتب مُفلح، فهربوا فانتهِبت دورهم، ثم جاء المهتدي بالفراغنة والأشروسنية والطبرية والديالمة والإشتاخنيّة ومَنْ بقي من أتراك الكرخ وولد وصيف، فسألهم النصرة على موسى ومفلح، وضرب بينهم، وقال: قد أخذوا الأموال واستأثروا بالفيء، وأنا أخاف أن يقتلوني، وإن نصرتموني أعطيتكُم جميعَ ما فاتكم، وزدتكم في أرزاقكم، فأجابوه إلى نصره والخلاف على موسى وأصحابه، ولزموا الجَوْسق وبايعوه بيعة جديدة وأمر بالسويق والسكر فاشتُرِي لهم، وأجرَى على كلّ رجل منهم في كلّ يوم درهمين، وأطعِموا في بعض أيامهم الخبز واللحم، وتولى أمرَ جيشه أحمد بن وصيف وعبد الله بن بُغا الشرابيّ والتفتْ، معهم بنو هاشم، وجعل يركب في بني هاشم، ويدور في الأسواق، ويسألالناس النصرة، ويقول: هؤلاء الفساق يقتلون الخلفاء، ويثِبون على مواليهم، وقد استأثروا بالفيء، فأعينوا أمير المؤمنين وانصروه، وتكلّم صالح بن يعقوب بن المنصور وغيره من بني هاشم، ثم كتب بعدُ إلى بايكباك يأمره أن يضمّ الجيش كله إليه، وأنه الأمير على الجيش أجمَع، ويأمره بأخذ موسى ومفلح. ولما هلك المهتدي طلبوا أبا نصر بن بغا، وهم يظنُّون أنه حَيّ، فدُلوا على موضعه، فنُبِش فوجدوه مذبوحًا، فحمِل إلى أهله، وحُمِلت جثّة بايكباك فدُفنت، وكسرت الأتراك على قبر محمد بن بغا ألف سيف، وكذلك يفعلون بالسيد منهم إذا مات، وقيل إنّ المهتدي لما أبي أن يخلعها، أمروا مَنْ عَصَر خصيته حتى مات؛ وقيل: إنّ المهتدي لما احتُضر قال: أَهُمّ بأَمْر الحزْمِ لو أَسْتطيعُهُ ... وقدْ حيلَ بينَ العيرِ والنّزوان وقيل إنّ محمد بن بغا لم يحدثوا في أمره يوم حُبِس شيئًا، وطالبوه بالأموال، فدفع إليهم نيّفًا وعشرين ألف دينار، ثم قتلوه بعد؛ بعجوا بطنَه، وعصروا حَلْقه، وألْقِيَ في بئر من القناة، فلم يزل هنالك حتى أخرجه الموالي بعد أسرهم المهتدي بيوم، فدفن. وكانت خلافة المهتدي كلها إلى أن انقضى أمره أحدَ عشر شهرًا وخمسة وعشرين يومًا، وعمره كله ثمان وثلاثون سنة، وكان رحْبَ الجبهة، أجْلَح، جهم الوجه، أشْهَلَ، عظيم البطن، عريض المنكبين، قصيرًا، طويل اللحية، وكان ولد بالقاطول (١).