page 5831, entry [2090]Open original source
[ذكر الخبر عن خروج العامة على المهتدي] (١) فلما كان يوم السبت انتشر الخبر في العامهّ أنّ القوم على أن يخلعوا المهتدي، ويفتكوا به، وأنهم أرادوه على ذلك، وأرهقوه، وكتبوا الرقاع وألقوْها في المسجد الجامع والطرقات؛ فذكر بعض من زعم أنه قرأ رقعة منها فيها: ﷽ يا معشرَ المسلمين، ادعوا الله لخليفتكم العدْل الرضيّ المضاهي لعمر بن الخطاب أن ينصرَه على عدّوه، ويكفيه مؤنة ظالمِه، ويتمّ النعمة عليه وعلى هذه الأمة ببقائه؛ فإن المواليَ قد أخذوه بأن يخلع نفسه وهو يعذَّب منذ أيام، والمدبّر لذلك أحمد بن محمد بن ثوابة والحسن بن مَخْلَد، رحِم الله من أخلص النّية ودعا وصلى على محمد ﷺ! فلما كان يوم الأربعاء لأربع خلْون من صفر من هذه السنة، تحرّك الموالي بالكرْخ والدّور، ووجّهوا إلى المهتدي على لسان رجل منهم يقال له عيسى: إنّا نحتاج أن نلقي إلى أمير المؤمنين شيئًا، وسألوا أن يوجّه أمير المؤمنين إليهم أحد إخوته، فوجّه إليهم أخاه عبد الله أبا القاسم، وهو أكبر إخوته، ووجّه معه محمد بن مباشر المعروف بالكرخيّ، فمضيا إليهم، فسألاهم عن شأنهم، فذكروا أنهم سامعون مطيعون لأمير المؤمنين، وأنه بلغهم أن موسى بن بغا وبايكباك وجماعة من قوّادهم يريدونه على الخلع، وأنهم يبذلون دماءهم دون ذلك، وأنهم قد قرؤوا يذلك رقاعًا ألْقِيَتْ في المسجد والطرقات، وشكوا مع ذلك سوء حالهم، وتأخُّر أرزاقهم، وما صار من الإقطاعات إلى قوّادهم التي قد أجحفت بالضياع والخراج، وما صار لكبرائهم من المعاون والزّيادات من الرسوم القديمة مع أرزاق النساء والدّخلاء الذين قد استغرقوا أكثر أموالالخراج، وكثر كلامهم في ذلك، فقال لهم أبو القاسم عبد الله بن الواثق: اكتبوا هذا في كتاب إلى أمير المؤمنين، أتولَّى إيصاله لكم؛ فكتبوا ذلك، وكاتبهم في الذي يكتبون محمد بن ثقيف الأسود؛ وكان يكتب لعيسى صاحب الكرخ أحيانًا، وانْصرف أبو القاسم ومحمد بن مباشر، فأوصلا الكتاب إلى المهتدي، فكتب جوابَه بخطّه، وختمه بخاتمه، وغدا أبو القاسم إلى الكَرْخ، فوافاهم فصاروا به إلى دار أشناس وقد صيروها مسجدًا جامعًا لهم، فوقف ووقفوا له في الرَّحبَة، واجتمع منهم زهاء مئة وخمسين فارسًا ونحو من خمسمئة راجل، فأقرأهم من المهتدي السلام، وقال: يقول لكم أمير المؤمنين: هذا كتابي إليكم بخطِّي وخاتمي، فاسمعوه وتدبّروه، ثم دفع الكتاب إلى كاتبهم فقرأه، فإذا فيه: ﷽ والحمد لله، وصلى الله على محمد النبيّ وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، أرشدنا الله وإياكم، وكان لنا ولكم وليًّا وحافظًا، فهمت كتابكُم، وسرّني ما ذكرتم من طاعتكم وما أنتم عليه؛ فأحسن الله جزاءكم، وتولّى حياطتكم؛ فأما ما ذكرتم من خَلّتكم وحاجتكم، فعزيز عليّ ذلك فيكم، ولوددت والله أنّ صلاحكم يهيّأ بألا آكل ولا أطعم ولدي وأهلي إلّا القوت الذي لا شبع دونه، ولا ألبس أحدًا من ولدي إلا ما ستر العورة، ولا والله - حاطكم الله - ما صار إليّ منذ تقلدت أمرَكم لنفسي وأهلي وولدي ومتقدمي غلمانيّ وحشمي إلا خمسة عشر ألف دينار، وأنتم تقِفون على ما ورد ويَرد، كلّ ذلك مصروف إليكم، غير مدّخر عنكم، وأما ما ذكرتم مما بلغكم، وقرأتم به الرّقاع التي ألقبت في المساجد والطرق، وما بذلتم من أنفسكم؛ فأنتم أهل ذلك، وأين تعتذرون مما ذكرتم ونحن وأنتم نفس واحدة! فجزاكم الله عن أنفسكم وعهودكم وأمانَتكم خيرًا، وليس الأمر كما بلغكم، فعلى ذلك فليكن عملكم إن شاء الله، وأما ما ذكرتم من الإقطاعات والمعاون وغيرها، فأنا أنظر في ذلك وأصير منه إلى محبّتكم إن شاء الله والسلام عليكم، أرشدنا الله وإياكم، وكان لنا ولكم حافظًا، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليمًا كثيرًا. فلما بلغ القارئ من الكتاب إلى الموضع الذي قال: "ولم يصل إليّ إلا قدر خمسة عشر ألف دينار"، أشار أبو القاسم إلى القارئ، فسكت ثم قال: وهذاما قدِّر، هذا قد كان أمير المؤمنين في أيام إمارته يستحق في أقلّ من هذه المدة ما هو أكثر منه بأرزاقه وإنزاله ومعونته، وقد تعلمون ما كان مَنْ تقدّمه يصرفه في صِلات المخنّثين والمغنين وأصحاب الملاهي وبناء القصور وغير ذلك، فادعوا الله لأمير المؤمنين، ثم قرأ الكتاب حتى أتى على الكتاب. فلما فرغ كثُر الكلام وقالوا قولًا، فقال لهم أبو القاسم: اكتبوا بذلك كتابًا صدّروه على مجاري الكتاب إلى الخلفاء، واكتبوه عن القوّاد وخلفائهم والعُرفاء بالكرخ والدّور وسامرّا فكتبوا - بعد أن دعوا الله فيه لأمير المؤمنين: إن الذي يسألون أن تردّ الأمور إلى أمير المؤمنين في الخاصّ والعام، ولا يعترض عليه معترض، وأن تردَّ رسومهم إلى ما كانت عليه أيام المستعين بالله؛ وهو أن يكون على كلّ تسعة منهم عريف، وعلى كل خمسين خليفة، وعلى كل مئة قائد، وأن تسقط النساء والزيادات والمعاون، ولا يدخل مولّىً في قبَالة ولا غيرها، وأن يوضع لهم العطاء في كلّ شهرين على ما لم يزل، وأن تبطل الإقطاعات، وأن يكون أمير المؤمنين يزيد مَنْ شاء ويرفع مَنْ شاء، وذكروا أنهم صائرون في أثر كتابهم إلى باب أمير المؤمنين، ومقيمون هناك إلى أن تقضَى حوائجُهم، وإنه إن بلغهم أنّ أحدًا اعترض أمير المؤمنين في شيء من الأمور أخذوا رأسه، وإن سقط من رأس أمير المؤمنين شعرة قتلوا به موسى بن بغا وبايكباك ومفلحًا وياجور وبكالبا وغيرها. ودعوا الله لأمير المؤمنين ودفعوا الكتاب إلى أبي القاسم، فانصرف به حتى أوصله، وتحرّك الموالي بسامرّا، واضطرب القوّاد جدًّا، وقد كان المهتدي قعد للمظالم وأدخل الفقهاء والقضاة، وأخذوا مجالسهم، وقام القوّاد في مراتبهم، وسبق دخول أبي القاسم دخول المتظلّمين. فقرأ المهتدي الكتاب قراءة ظاهرة، وخلا بموسى بن بغا، ثم أمر سليمان بن وهب أن يوقّع في رقعتهم بإجابتهم إلى ما سألوا، فلما فعل ذلك في فصل من الكتاب أو فصلين، قال أبو القاسم: يا أمير المؤمنين، لا يقنعهم إلا خطّ أمير المؤمنين وتوقيعه، فأخذ المهتدي كتابهم فضرب على ما كان سليمان وقع في ذلك، ووقع قي كل باب بإجابتهم إلى ما سألوا، وبأن يفعل ذلك، ثم كتب كتابًا مفردًا بخطّه وختمه بخاتمه، ودفعه إلى أبي القاسم، فقال أبو القاسم لموسىوبايكباك ومحمد بن بغا: وجّهوا إليهم معي رسلًا يعتذرون إليهم مما بلغهم عنكم، فوجّه كل واحد منهم رجلًا، وصار أبو القاسم إليهم وهم في مواضعهم، وقد صاروا زهاء ألف فارس وثلاثة آلاف راجل؛ وذلك في وقت الظهر من يوم الخميس لخمس ليال خلوْن من صفر من هذه السنة، فأقرأهم من أمير المؤمنين السلام، وقال لهم: إن أمير المؤمنين، قد أجابكم إلى كلّ ما سألتم، فادعوا الله لأمير المؤمنين، ثم دفع كتابهم إلى كاتبهم، فقرأه عليهم بما فيه من التوقيعات؛ ثم قرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين؛ فإذا فيه: ﷽ الحمد لله وحده، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم؛ أرشدكم الله وحاطكم، وأمتع بكم، وأصلح أموركم وأمور المسلمين بكم؛ وعلى أيديكم. فهمتُ كتابكم، وقرأته على رؤسائكم، فذكروا مثل الذي ذكرتم، وسألوا مثل الذي سألتم، وقد أجبتكم إلى جميع ما سألتم محبّةً لصلاحكم وألفتكم واجتماع كلمتكم، وقد أمرت بتقرير أرزاقكم، وأن تصير دارَّة عليكم، فليست لكم حاجة إلى حركة، فطيبُوا نفسًا، والسلام. أرشدكم الله وحاطكم وأمتع بكم، وأصلح أموركم وأمور المسلمين بكم، وعلى أيديكم! فلما فرغ القارئ من الكتاب، قال لهم أبو القاسم: وهؤلاء رسل رؤسائكم يعتذرون إليكم من شيء إن كان بلغكم عنهم، وهم يقولون: إنما أنتم إخوة؛ وأنتم منّا وإلينا. وتكلم الرسل بمثل ذلك، فتكلّموا أيضًا كلامًا كثيرًا، ثم كتبوا كتابًا يعتذرون فيه بمثل العذر الأوّل إلى أمير المؤمنين، وذكروا فيه خصالًا مما ذكروه في الكتاب الذي قبله، ووصفوا أنه لا يقنعهم إلا أن ينفذ إليهم خمس توقيعات، توقيعًا بحط الزيادات، وتوقيعًا بردّ الإقطاعات، وتوقيعًا بإخراج الموالي البوابين من الخاصّة إلى عداد البرانيّين، وتوقيعًا بردّ الرسوم إلى ما كانت عليه أيام المستعين، وتوقيعًا بردّ التلاجئ حتى يدفعوها إلى رجل يضمُّون إليه خمسين رجلًا من أهل الدور، وخمسين رجلًا من أهل سامُرّا ينتجزون من الدواوين، ثم يصير أمير المؤمنين الجيش إلى أحد إخوته أو غيرهم، ممن يرى ليسفر بينهوبينهم بأمورهم، ولا يكون رجلًا من الموالي، وأن يؤمر صالح بن وصيفِ فيحاسب هو وموسى بن بغا على ما عندهم من الأموال، وأنه لا يرضيهم دونَ ما سألوا في كتبهم كلها مع تعجيل العطاء، وإدرار أرزاقهم عليهم في كلّ شهرين، وأنهم قد كتبوا إلى أهل سامُرّا والمغاربة في موافاتهم، وأنهم صائرون إلى باب أمير المؤمنين لينجز ذلك لهم، ودفعوا الكتاب إلى أبي القاسم أخي أمير المؤمنين، وكتبوا كتابًا آخر إلى موسى بن بغا وبايكباك ومحمد بن بغا ومفلح وياجور وبكالبا وغيرهم من القوّاد الذين ذكروا أنهم كتبوا كتابًا، ذكروا فيه أنهم قد كتبوا إلى أمير المؤمنين بما كتبوا، وأن أمير المؤمنين لا يمنعهم ما سألوا إلا أن يعترضوا عليه، وأنهم إن فعلوا ذلك وخالفوهم لم يوافقوهم على شيء، وأنّ أمير المؤمنين إن شاكتْه شوكة أو أخذ من رأسه شعرة، أخذوا رؤوسهم جميعًا، وأنه ليس يقنعهم إلا أن يظهر صالح بن وصيف حتى يجمع بينه وبين موسى بن بُغا، حتى ينظر أين موضع الأموال؛ فإن صالحًا قد كان وعدهم قبل استتاره أن يعطيهم أرزاق ستة أشهر. ثم دفعوا هذا الكتاب إلى رسول موسى، ووجّهوا مع أبي القاسم عدّة نفر منهم؛ ليوصلوا إلى أمير المؤمنين كتابهم، وليستمعوا كلامه فلما رجع أبو القاسم وجّه موسى زهاء خمسمئة فارس، فوقفوا على باب الحيْر بين الجوسق والكَرْخ، فمال إليهم أبو القاسم ورسل القوم ورسل أنفسهم، فدفع رسول موسى إلى موسى كتاب القوم إليه وإلى أصحابه - وفي الجماعة سليمان بن وهب وولده وأحمد ين محمد بن ثَوَابة وغيرهم من الكتاب - فلما قرأ الكتاب عليهم أعلمهم أبو القاسم أنَّ معه كتابًا من القوم إلى أمير المؤمنين، ولم يدفعه إليهم، فركبوا جميعًا وانصرفوا إلى المهتدي، فوجدوه في الشمس قاعدًا على لِبد، قد صلَّى المكتوبة؛ وكسر جميع ما كان في القصر من الملاهي وآلاتها وآلات اللعب والهَزْل، فدخلو افأوصلوا إليه الكتب، وخلوا مليًّا، ثم أمر المهتدي سليمان بن وهب بإنشاء الكتب على ما سألوا في خمس رقاع، فأنفذها المهتدي في دَرج كتاب منه بخطّه، ودفعه إلى أخيه، وكتب القُوّاد إليهم جواب كتابهم، ودفعوه إلى صاحب موسى، فصار إليهم أبو القاسم في وقت المغرب، فأقرأهم من المهتدي السلام، وقرأ عليهم كتابه، فإذا فيه:﷽ وفّقنا الله وإياكم لطاعته وما يرضيه، فهمت كتابكم، حاطكم الله، وقد أنفذت إليكم التوقيعات الخمس على ما سألتم، فوكّلوا منْ يتنجّزها من الدواوين إن شاء الله، وأما ما سألتم من تصيير أمركم إلى أحد إخوتي ليوصل إليّ أخباركم، ويؤدي إليّ حوائجكم؛ فوالله إني لأحبّ أن أتفقد ذلك بنفسي، وأن أَطَّلع على كلّ أمركم وما فيه مصلحتكم، وأنا مختار لكم الرجل الذي سألتم، من إخوتي أو غيرهم إن شاء الله، فاكتبوا إليّ بحوائجكم وما تعلمون أن فيه صلاحكم؛ فإني صائر من ذلك إلى ما تحبّون إن شاء الله، وفّقنا الله وإياكم لطاعته وما يرضيه. وأوصل إليهم رسول موسى كتاب موسى وأصحابه؛ فإذا فيه: ﷽ أبقاكم الله وحفظكم، وأتمّ نعمته عليكم، فهمنا كتابكم؛ وإنما أنتم إخواننا وبنو عمنا، ونحن صائرون إلى ما تحبّون، وقد أمر أمير المؤمنين أعزه الله في كل ما سألتم بما تحبون وأنفذ التوقيعات به إليكم، وأما ذكرتم من أمر صالح مولى أمير المؤمنين وتغيّرنا له فهو الأخ وابن العم، وما أردنا من ذلك ما تكرهون؛ فإن وعدكم أن يعطيَكم أرزاق ستة أشهر فقد رفعنا إلى أمير المؤمنين رقاعًا، نسأله مثل الذي سألتم، وأما ما قلتم من ترك الاعتراض على أمير المؤمنين وتفويض الأمر إليه، فنحن سامعون مطيعون لأمير المؤمنين، والأمور مفوَّضة إلى الله وهو مولانا ونحن عبيده، وما نعترض عليه في شيء من الأمور أصلًا، وأما ما ذكرتم أنا نريد بأمير المؤمنين سوءًا، فمَنْ أراد ذلك فجعل الله دائرة السوْء عليه، وأخزاه في دنياه وآخرته، أبقاكم الله وحفظكم، وأتمّ نعمتَه عليكم! فلما قرأ الكتابات عليهم، قالوا لأبي القاسم: هذا المساء قد أقبل، ننظر في أمرنا الليلة، ونعود بالغداة لنعرّفك رأينا، فافترقوا وانصرف أبو القاسم إلى أمير المؤمنين. ثم أصبح القوم من غداة يوم الجمعة، فلما كان في آخر الساعة الأولى،ركب موسى بن بغا من دار أمير المؤمنين، وركب الناس معه وهم قدر ألف وخمسمئة رجل؛ حتى خرج من باب الحيْر الذي يَلِي القطائع من الجوْسق والكَرْخ، فعسكر هناك، وخرج أبو القاسم أخو المهتدي، ومعه الكرخيّ، حتى صار إلى القوم، وهم زهاء خمسمئة فارس وثلائة آلاف راجل؛ وقد كان أبو القاسم انصرف في الليل ومعه التوقيعات؛ فلما صار بينهم أخرج كتابًا من المهتدي نسخته شبيه بالكتاب الذي في درجه التوقيعات، فلما قرأ الكتاب ضجّوا، واختلفتْ أقاويلهم، وكَثُر مَنْ يلحقُ بهم من رجّالة الموالي من ناحية سامرّا في الحيْر؛ فلم يزل أبو القاسم ينتظر أن ينصرف من عندهم بجواب يحصّله يؤديه إلى أمير المؤمنين، فلم يتهيأ ذلك إلى الساعة الرابعة، وانصرفوا، فطائفة يقولون: نريد أن يعزّ الله أمير المؤمنين، ويوفِّر علينا أرزاقنا؛ فإنا قد هلكنا بتأخيرِها عنا، وطائفة يقولون: لا نرضى حتى يوَلِّيَ علينا أمير المؤمنين إخوَته، فيكون واحدٌ بالكرْخ، وآخر بالدّور، وآخر بسامُرّا، ولا نريد أحدًا من الموالي يكون علينا رأسًا، وطائفة تقول: نريد أن يظهر صالح بن وصيف - وهي الأقل. فلما طال الكلام بهذا مخهم، انصرف أبو القاسم إلى المهتدي بجملة من الخبر، وبدأ بموسى في الموضع الذي هو معسكر فيه، فانصرف بانصرافه، فلما صلّى المهتدي الجمعة صيّر الجيش إلى محمد بن بغا، وأمره بالمصير إلى القوم مع أخيه أبي القاسم، فركب معه محمد بن بُغا في زهاء خمسمئة فارس، ورجع موسى إلى الموضع الذي كان فيه بالغَداة، ومضى أبو القاسم ومحمد بن بغا حتى خالطا القوم، وأحاط الجميع بهم، فقال أبو القاسم لهم: إنّ أمير المؤمنين يقول: قد أخرجت التوقيعات لكم بجميع ما سألتم، ولم يبق لكم مما تحبّون شيء إلا وأمير المؤمنين يبلغ فيه الغاية، وهذا أمان لصالح بن وصيف بالظهور، وقرأ عليهم أمانًا لصالح، بأنّ موسى وبايكباك سألا أمير المؤمنين أعزّه الله ذلك، فأجابهما إليه، وأكده بغاية التأكيد، ثم قال: فعلامَ اجتماعكم! فأكثروا الكلام؛ فكان الذي حصّله عند انصرافه أن قالوا: نريد أن يكون موسى في مرتبة بُغا الكبير، وصالح في مرتبة وصيف أيام بُغا، وبايكباك في مرتبته الأولى، ويكون الجيش في يد مَن هو في يده؛ إلى أن يظهر صالح بن وصيف، فيوضع لهم العطاء، وتتنجّز لهم الأرزاق بما في التوقيعات، فقال: نعم.فانصرف القوم، فلما صاروا على قدر خمسمئة ذراع اختلفوا، فقال قوم: قد رضينا، وقال قوم: لم نرض، وانصرف رسل المهتدِي إليه: إنّ القومَ قد تفرّقوا؛ وهم على أن ينصرفوا، فانصرف موسى عند ذلك، وتفرّق الناس إلى مواضعهم من الكَرْخ والدّور وسامرّا، فلما كان غداة يوم السبت، ركب ولد وصيف وجماعة من مواليهم وغلمانهم، وتنادى الناس: السلاح! وانتهب دوابّ العامة الرّجالة؛ رجّالة أصحاب صالح بن وصيف ومضوا فعسكروا بسامرّا في طرف وادي إسحاق بن إبراهيم، عند مسجد لُجَين أمّ ولد المتوكل، وركب أبو القاسم عند ذلك يريد دار المهتدي، فمرّ بهم في طريقه، فتعلّقوا به وبمن كان معه من حشمه وغلمانه، فقالوا له: تؤدي إلى أمير المؤمنين عنا رسالة؟ فقال لهم: قولوا، فخلطوا ولم يتحصل من قولهم شيئًا إلا: إنا نريد صالحًا، فمضى حتى أدى إلى أمير المؤمنين ذلك وإلى موسى، وجماعة القواد حضور. فذُكر عمّن حضر المجلس أنّ موسى بن بغا، قال: يطلبون صالحًا مني؛ كأني أنا أخفيتُه وهو عندي! فإن كان عندهم فينبغي لهم أن يظهروه، وتأكد عندهم الخبر باجتماع القوم، وتحلُّب الناس إليهم، وتهايجوا من دار أمير المؤمنين؛ فركبوا في السلاح، وأخذوا في الحيْر حتى اجتمعوا ما بين الدكة وظهر المسجد الجامع؛ فاتّصل الخبر بالأتراك ومَن كان ضَوَى إليهم، فانصرفوا ركضًا وعدْوًا لا يلوي فارس على راجل، ولا كبير على صغير حتى دخلوا الدروب والأزقة، ولحقوا بمنازلهم، وزحف موسى وأصحابه جميعًا، فلم يبق بسامُرّا قائد يركب إلى دار أمير المؤمنين إلا ركب معه، ولزموا الحيْر حتى خرجوا مما يلي الحائطين، ثم خرجوا؛ فأما مفلح وواجن ومن انضم إليهما فسلكوا شارع بغداد حتى بلغوا سوق الغنم، ثم عطفوا إلى شارع أبي أحمد، حتى لحقوا بجيش موسى، وأما موسى وجماعة القواد الذين كانوا معه مثل ياجور وساتكين ويارْجُوخ وعيسى الكرخيّ، فإنهم سلكوا على سَمْت شارع أبي أحمد، حتى صاروا إلى الوادي، وانصرفوا إلى الجوْسق؛ فكان تقدير الجيش الذين كانوا مع موسى في هذا اليوم - وهو يوم السبت - أربعة آلاف فارس في السلاح والقِسيّ الموترة والدّروع والجَواشن والرّماح والطبرزينات، وكان أكثرُ القوّاد الذين كانوا بالكرْخ يطلبون صالحًا مع موسى في هذا الجيش يريدون محاربة مَنْ يطلب صالحًا.وقد ذكر عن بعض من تخيّر أمرهم؛ أنّ أكثر مَنْ كان راكبًا مع موسى كان هواه مع صالح، ولم يكن للكرخيين والدّوريِّين في هذا اليوم حركة؛ فلمّا وصل القوم إلى الجوسق كان أوّل ما ظهر منهم النداء بأن مَنْ لم يحضر دار أمير المؤمنين في غداة يوم الأحد من قُوّاد صالح وأهله وغلمانه وأصحابه أسقِط اسمه، وخُرّب منزله، وضرب وقُيِّد وحُذّر إلى المطبَق؛ ومن وُجد بعد ثالثة من هذه الطبقة ظاهرًا بعد استتار، فقد حلّ به مثل ذلك، ومن أخذ دابّة لعاميّ أو تعرّض له في طريق؛ فقد حلّت به العقوبة المُوجعة. وبات الناس ليلة الأحد لثمان خلون من صَفَر على ذلك؛ فلما كان غداة يوم الإثنين انتهى إلى المهتدي أن مساورًا الشاري صار إلى بَلَد، فقتل بها وحرّق، فنادى في مجلسه بالنفير، وأمر موسى ومفلحًا وبايكباك بالخروج، وأخرج موسى مضاربه؛ فلمّا كان يوم الأربعاء لإحدى عشرة مَضت من صَفر بطل أمر موسى ومحمد بن بغا ومُفْلح في الخروج، وقالوا: لا يبرح أحدٌ منا حتى ينقطع أمرنا وأمر صالح؛ وهم مجمعون على ذلك، يخافون من صالح أن يخلفهم بمكروه. وذكر عن بعض الموالي أنه قال: رأيت بعض بني وصيف - وهو الذي كان جمع تلك الجموع - يلعب مع موسى وبايكباك بالصوالجة في ميدان بغا الصغير يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة خلت من صفر، ثم جدّ هؤلاء في طلب صالح بن وصيف، فهُجم بسببه على جماعة ممن كان متصلًا به قبل ذلك، وممّن اتهموه أنه آواه، منهم إبراهيم بن سعدان النحويّ وإبراهيم الطالبيّ وهارون بن عبد الرحمن بن الأزهر الشيعي وأبو الأحوص بن أحمد بن سعيد بن سلْم بن قُتيبة وأبو بكر خَتَن أبي حَرْملة الحجّام وشارية المغنية والسرخسيّ صاحب شُرطة الخاصة وجماعة غيرهم. فذُكر عن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مصعب بن زريق، قال: حدّثني صاحب رُبع القبّة - وهو ربع تلقاء دار صالح بن وصيف - قال: بينا نحن قعود يوم الأحد، إذا غلام قد خرج من زُقاق، وأراه مذعورًا، فأنكرناه، فأردنا مسألتَه عن شأنه؛ ففاتنا؛ فلم نلبث أن أقبل عَيَّار من موالي صالح بن وصيف يعرف بروزبة، ومعه ثلاثة نفر أو أربعة، فدخلوا الزّقاق، فأنكرناهم، فلم يلبثوا أنخرجوا وأخرجوا صالح بن وصيف، فسألنا عن الخبر، فإذا الغلام قد دخل دارا في الزّقاق يطلب ماءً ليشربه، قال: فسمع قائلًا يقول بالفارسية: أيها الأمير تنحّ، فإن غلامًا قد جاء يطلب ماء؛ فسمع الغلام ذلك، وكان بينه وبين هذا العيّار معرفة، فجاء فأخبره فجمع العيّار ثلاثة أناسيّ، وهجم عليه فأخرجه. وذكر عن العيّار الذي هجم عليه، أنه قال: قال لي الغلام ما قال، فأقبلت ومعي ثلاثة نفر، فإذا بصالح بن وصيف بيده مرآة ومُشط، وهو يسرّح لحيته، فلما رآني بادر فدخل بيتًا، فخفت أن يكون قصد لأخذ سيف أو سلاح، فتلوّمت ثم نظرت إليه؛ فإذا هو قد لجأ إلى زاوية، فدخلت إليه فاستخرجتُه فلم يزدني على التضرّع شيئًا، قال: فلما تضرّع إليّ قلت: ليس إلى تركك سبيل؛ ولكني أمرّ بك على أبواب إخوتك وأصحابك وقوّادك وصنائعك؛ فإن اعترض في منهم اثنان أطلقتُك في أيديهم، قال: فأخرجته فما لقيت إلا مَنْ هو عوني على مكروهه. فذكر أنه لما أخذ مضى به نحو ميلين، ليس معه إلا أقلّ من خمسة نفر من أصحاب السلطان، وذكر أنه أخذ حين أخِذ، وعليه قميص ومبطّنة ملحم وسراويل، وليس على رأسه شيء وهو حاف. وقيل إنه حمل على بِرْذون صِنابيّ والعامة تعدو خلفَه وخمسة من الخاصّة يمنعون منه؛ حتى انتهوْا به إلى دار موسى بن بُغا؛ فلما صاروا به إلى دار موسى بن بغا أتاه بايكباك ومُفْلح وياجور وساتكين وغيرهم من القوّاد، ثمّ أخرجوه من باب الحيْر الذي يلي قِبْلة المسجد الجامع؛ ليذهبوا به إلى الجوسق، وهو على بغل بإكاف، فلمّا صاروا به إلى حدّ المنارة، ضربه رجل من أصحاب مفلح ضربة من ورائه على عاتقه كاد يقِذهُ منها، ثم احتزُّوا رأسه وتركوا جيفته هناك، وصاروا به إلى المهتدي؛ فوافوْا به قبيل المغرب وهو في بِرْكة قباء رجل من غلمان مفلح يقطر دمًا، فوصلوا به إليه، وقد قام لصلاة المغرب، فلم يره، فأخرجوه ليُصلَح، فلما قضى المهتدي صلاته، وخبّروه أنهم قتلوا صالحًا، وجاؤوا برأسه لم يزدهم على أن قال: وارُوه؛ وأخذ في تسبيحه، ووصل الخبر إلى منزله، فارتفعت الواعية وباتوا ليلتهم. فلما كان يوم الإثنين لسبع بقين من صفر حُمل رأس صالح بن وصيف على قناة، وطِيف به، ونودي عليه: هذا جزاء مَنْ قتَل مولاه، ونصِب بباب العامةساعة ثم نُحّي، وفُعِل به ذلك ثلاثة أيام تتابعًا، وأخرِج رأس بغا الصغير في وقت صلب رأس صالح يوم الإثنين، فدُفع إلى أهله ليدفنوه. فذكر عن بعض الموالي أنه قال: رأيت مفلحًا وقد نظر إلى رأس بغا، فبكى وقال: قتلني الله إن لم أقتل قاتلَك؛ فلمّا كان يوم الخميس لأربع بَقين من صفر، وجّه موسى بالرأس إلى أمّ الفضل ابنة وَصيف، وهي امرأة النوشريّ، وكانت قبله عند سَلمة بن خاقان. فذُكِر عن بعض بني هاشم أنه قال: هَنَّأتُ موسى بن بغا بقتل صالح فقال: كان عدوّ أمير المؤمنين استحقّ القتل، قال: وهنّأتُ بايكباك بذلك؛ فقال: مالي أنا وهذا! إنما كان صالح أخِي، فقال السَّلوليّ لموسى إذ قتل صالح بن وصيف: وَنِلْتَ وترَكَ من فرعون حينَ طَغَى ... وجئتَ إذْ جئتَ يا مُوسى على قَدرِ ثلاثةٌ كُلُّهُم باغٍ أَخو حَسَدٍ ... يَرمِيكَ بالظّلم والعُدْوانِ عن وَتَرِ وصيفُ بالكرْخِ ممثُولٌ به وبُغا ... بالجسْرِ محتَرِقٌ بالجمر والشَّررِ وصالحْ بن وصيفٍ بَعدُ مُنعَفِرٌ ... في الحيْرِ جيفَتُه والرُّوحُ في سقَرِ * * * وفي مستهلّ جُمادى الأولى من هذه السنة رحل موسى بن بغا وبايكباك إلى مساور، وشيّعهم محمد بن الواثق. وفي جمادى الأولى أيضًا منها التقى مُساور بن عبد الحميد وعُبيدة العُمروسيّ الشاري بالكُحَيل، وكانا مختلفي الآراء، فظفر مساور بعبيدة فقتله. وفي هذا الشهر من هذه السنة التقَى مساور الشاري ومفلح، فحُدّثت عن مساور، أنه انصرف من الكُحَيل بعد قتله العمروسيّ، وقد كُلِم كثير من أصحابه فلم تندمل كُلُومهم، ولغِبوا من الحرب التي كانت جرت بين الفريقين إلى عسكر موسى ومن ضمّه ذلك العسكر وهم حامون، فأوقع بهم؛ فلما لم يصل إلى ما أراد منهم من الظفر بهم، وكان التقاؤهم بجبل زيني تعلق هو وأصحابه بالجبل فصاروا إلى ذِرْوته، ثم أوقدوا النيران، وركزوا رماحهم، وعسكر موسى بسفح الجبل ثم هبط مساور وأصحابه من الجبل، من غير الوجه الذي عسكر به موسى، فمضى موسى وأصحابه يحسبون أنهم فوق الجبل ففاتوهم.