page 5796, entry [2083]Open original source
[ذكر خبر استيلاء مفلح على طبرستان ثمّ انصرافه عنها] وفيها شخص موسى بن بغا ومَنْ معه من الموالي وجند السلطان من الرّيّ وانصرف مُفلح عن طبرستان بعد أن دخلها، وهزم الحسن بن زيد، وأخرجه عنها إلى أرض الديلم. * ذكر الخبر عن شخوصه عنها: ذُكر: أنّ السبب في ذلك أن قبيحة أمّ المعتزّ، لمّا رأت من الأتراك اضطرابًا، وأنكرت أمرَهم، كتبت إلى موسى بن بغا تسأله القدومَ إلى ما قِبَلها، وأمّلت وروده عليها قبل حدوث ما حدث عليها وعلى ابنها المعتزّ، فعزم موسى على الانصراف إليها، وكان ورودُ كتابها عليه ومُفلح بطبرستان.فكتب موسى إلى مفلح يأمره بالانصراف إليها وهو بالرّيّ، فحدّثني بعض أصحابنا من أهل طَبرستان، أنّ كتاب موسى ورد على مُفلح بذلك، وقد توجّه نحو أرض الدّيْلم في طلب الحسن بن زيد الطالبيّ، فلما ورد عليه الكتابُ انصرف راجعًا إلى حيث توجه منه، فعظم ذلك على قوم كانوا معه من رؤساء أهل طَبَرِستان ممن كان هاربًا قبل مقدم مُفلح عليهم من الحسن بن زيد، لِمَا كانوا قد رجوْا من مقدمه عليهم وكفايتهم أمرَ الحسن بن زيد والرجوع إلى منازلهم وأوطانهم، وذلك أنّ مفلحًا كان يعدُهم اتّباع الحسن بن زيد حيث توجّه حتى يظفر به أو يُخترَم دونه، ويقول لهم - فيما ذكر لي -: لو رميتُ قلنسوتي في أرض الدّيلم ما اجترأ أحد منهم أن يدنُوَ منها، فلما رأى القوم انصرافهَ عن الوجه الذي توجّه له من غير عسكر للحسن بن زيد ولا أحد من الديلم صدّه، سألوه - فيما ذكر لي - عن السبب الذي صَرَفه عما كان يعدُهم به من اتّباع ابن زيد، وجعلوا يكلمونه - فيما أخبرت - وهو كالمسبوت لا يجيبهم بشيء؛ فلما أكثروا عليه قال لهم: ورد عليّ كتاب الأمير موسى بعزمة منه ألّا أضع كتابه من يدي بعد ما يصل إلي حتى أقبِلَ إليه. وأنا مغموم بأمركم؛ ولكن لا سبيل إلى مخالفة الأمير، فلم يتهيّأ الموسى الشخوص من الرّيّ إلى سامرّا حتى وافاه الكتاب بهلاك المعتزّ وقيام المهتدي بعده بالأمر، ففثأه ذلك عمّا كان عزم عليه من الشخوص، لفوته ما قدَّر إدراكه من أمر المعتزّ. ولمّا وردتْ عليه بيعة المهتدي، امتنع أصحابه عليه من بيعته، ثم بايعوا فورد خبر بيعتهم سامُرّا لثلاث عشرة خلت من شهر رمضان من هذه السنة. ثم إنّ المواليَ الذين في عسكر موسى بلغهم ما استخرج صالح بن وصيف من أموال الكتّاب وأسباب المعتزّ والمتوكل، فشحُّوا بذلك على المقيمين بسامُرّا؛ فدعوا موسى إلى الانصراف بهم إلى سامُرّا. وقدم مفلح على موسى بالرّيّ تاركًا طبرستان على الحسن بن زيد، فذكر عن القاشانيّ أنه قال: كتب إليّ ابن أخي من الرّيّ يذكر أنه لقي مفلحًا بالرّيّ، فسأله عن سبب انصرافه فذكر أن الموالي قد أبوا أن يقيموا، وأنهم إذا انصرفوا لم يُغنِ مقامه شيئًا.ثم إن موسى افتتح خراج سنة ست وخمسين ومئتين يوم الأحد مستهلّ شهر رمضان سنة ستٍّ وخمسين ومئتين، فاجتنى - فيما ذكر - في يوم الأحد قدر خمسمئة ألف درهم، فاجتمع أهل الرّي، فقالوا، أعزّ الله الأمير! إنك تزعم أنّ الموالي يرجعون إلى سامُرّا لما يقدّرونه من كثرة العطاء هناك، وأنت وأصحابُك في أكثر وأوسع مما القوم هناك فيه؛ فإن رأيتَ أن تسدّ هذا الثغر، وتحتسب في أهله الأجر والثواب، وتلزمنا من خراجنا في خاصِّ أموالنا لمن معك ما ترى أن نحتمله فعلت، فلم يُجبهم إلى ما سألوا فقالوا: أصلح الله الأمير! فإذا كان الأمير عزم على تركنا، والانصراف عنا، فما معنى أخذنا بالخراج لسنة لم نبتدئ بعمارتها؛ وأكثر غلة سنة خمس وخمسين ومئتين؛ التي قد أخذ الأمير خراجها في الصحارى لا يمكننا الوصول إليها إن رحل الأمير عنا! فلم يلتفت إلى شيء مما وصفوه له، وسألوه إياه. واتصل خبرُ انصرافه بالمهتدي، فكتب إليه في ذلك كتبًا كثيرة، لم تؤثر أثرًا، فلما انتهى إليه قفول موسى من الرّيّ، ولم تغن الكتب شيئًا وجَّه رجلين من بني هاشم، يقال لأحدهما: عبد الصمد بن موسى، ويعرف الآخر بأبي عيسى يحيى بن إسحاق بن موسى بن عيسى بن عليّ بن عبد الله بن عباس، وحُمّلا رسالة إلى موسى وإلى من ضمّ عسكره من الموالي، يصدقهم فيها عن الحال بالحضْرة وضيق الأموال بها، وما يُحاذر من ذهاب ما يخلفونه وراء ظهورهم، وغلبة المطالبين عليه واتساع آثارهم إلى ناحية الجبل، فشخص بذلك الهاشميان في جماعة من الموالي [وأتباعهم من الديلم] وأقبل موسى ومن معه، وصالح بن وصيف في ذلك يعظم على المهتدي انصرافه، وينسبه إلى المعصية والخلاف، ويبتهل عليه في أكثر ذلك، ويبرأ إلى الله من فعله. فذكر: أن كتاب صاحب البريد بهَمذَان لمّا ورد على المهتدي بفصُول موسى عنها، رفع المهتدي يديه إلى السماء، ثم قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: اللهمّ إني أبرأ إليك من فعل موسى بن بُغا وإخلاله بالثّغر وإباحته العدوّ؛ فإني قد أعذرت إليه فيما بيني وبينه، اللهم تولّ كيد مَنْ كايد المسلمين، اللهم انصر جيوش المسلمين حيث كانوا، اللهم إني شاخص بنيّتي واختياري إلى حيث نكبالمسلمون فيه، ناصرًا لهم ودافعًا عنهم، فآجرْني بنيتي إذ عدمتُ صالِحَ الأعوان! ثم انحدرتْ دموعه يبكي. وذكر عن بعض من حضر المهتدي في بعض مجالسه التي يقول فيها هذا القول، وحضره سليمان بن وهب، فقال: أيأمرني أميرُ المؤمنين أن أكتب إلى موسى بما أسمع منه؟ فقال له: نعم، اكتب بما تسمعُ مني؛ وإن أمكنك أن تنقشه في الصخر فافعل. فلقيه الهاشميان في الطريق ولم يُغنيا شيئًا، وضجّ الموالي، وكادوا يثبون بالرّسل، ورد موسى في جواب الرّسالة، يعتذر بتخلّف من معه عن الرجوع إلى قوله دون ورود باب أمير المؤمنين، وأنه إن رام التخلف عنهم لم يأمنهم على نفسه، ويحتجّ بما عاين الرّسل الموجهون إليه. فورد الرسل بذلك، وأوفد مع الرسل موسى وفدًا من عسكره، فوافوا سامرّا لأربع خلوْن من المحرّم سنة ست وخمسين ومئتين. * * *