page 5681, entry [2042]Open original source
[ذكر خبر قتل باغر التركيّ] فممّا كان فيها من ذلك قتل وصيف وبُغا الصغير باغر التركيّ واضطراب أمر الموالي (٢). ذكر الخبر عن سبب قتلهما باغر: ذُكر أنّ سبب ذلك كان أن باغر كان أحد قتلَة المتوكل، فزِيد لذلك في أرزاقه، وأقطع قطائع؛ فكان مما أقطِع ضياع بسواد الكوفة، فتضمّن تلك الضياع التي أقطِعها باغرُ هنالك مِن كاتب كان لباغر يهوديّ - رجل من دهاقين بارُوسما ونهر الملك - بألفيّ دينار في السنة، فعدا رجل بتلك الناحية، يقال له ابن مارِمّة على وكيل لباغر هنالك، فتناوله أو دسّ إليه مَنْ تناوله، فحُبس ابن مارمّة، وقُيِّد، ثم عمل حتى تخلص من الحبس، فصار إلى سامُرّا؛ فلقي دُلَيْل بن يعقوب النصرانيّ وهو يومئذ كاتب بغا الشرابيّ وصاحب أمره، وإليه أمر العسكر، يركبُ إليه القوَّاد والعمال؛ لمكانه من بُغا، وكان ابن مارِمّة صديقًا لدُليل، وكان باغر أحد قُوّاد بُغا، فمنع دُليل باغر من ظلم أحمد بن مارمّة؛ وانتصف له منه، فأوغر ذلك من فعله بصدر باغر، وبايَنَ كلّ واحد من دُليلوباغر صاحبَه بذلك السبب، وباغر شجاع بطل معروف القَدْر في الأتراك، يتوقّاه بُغا وغيره، ويخافون شرّه. فذكِر أنّ باغر جاء يوم الثلاثاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة خمسين ومئتين إلى بُغا، وبُغا في الحمام، وباغر سكران شديد السكر، وانتظره حتى خرج من الحمام، ثم دخل عليه، فقال له: والله مامن قتل دُليل بُدٌّ ثم سبّه، فقال له بغا: لو أردتَ قتل ابني فارسي ما منعتُك، فكيف دليل النصرانيّ! ولكنّ أمري وأمر الخلافة في يديْه فتنتظر حتى أصيِّر مكانه إنسانًا، وشأنَك به، ثم وجّه بُغا إلى دُلَيل يأمره ألَّا يركب؛ وقيل: بل تلقاه طبيب لبُغا، يقال له ابن سرجويه، فأخبره بالقصّة، فرجع إلى منزله، فاستخفى، وبعث بُغا إلى محمد بن يحيى بن فيروز، وكان ابن فيروز يكتب له قبل ذلك، فجعله مكان دُلَيل، فيوهم باغر أنه قد عزل دُليلًا؛ فسكن باغر، ثم أصلح بُغا بين دُلَيل وباغر، وباغر يتهدّدُ دليلًا بالقَتْل إذا خلا بأصحابه، ثم تلطّف باغر للمستعين، ولزم الخدمة في الدار، وكره المستعين مكانَه؛ فلمّا كان يوم نوبة بُغا في منزله قال المستعين: أيّ شيء كان إلى إيتاخ من الأعمال؟ فأخبره وصيف، فقال: ينبغي أن تصيّروا هذه الأعمال إلى أبي محمد باغر، فقال وصيف: نعم، وبلغت القصة دُليلًا، فركب إلى بُغا فقال له: أنت في بيتك؛ وهم في تدبير عزلك عن كلّ أعمالك؛ فإذا عُزلت فما بقاؤك إلَّا أن يقتلوك! فركب بُغا إلى دار الخلافة في اليوم الذي نَوْبته في منزله بالعشيّ، فقال لوصيف: أردتَ أن تُزِيلني عن مرتبتي، وتجيء بباغر فتصيّره مكاني؛ وإنما باغر عبدٌ من عبيدي ورجل من أصحابي، فقال له وصيف: ما علمتُ ما أراد الخليفة من ذلك، فتعاقد وصيف وبُغا على تنْحِية باغر من الدار والاحتيال له، وأرجفوا له أن يؤمّر ويضَمّ إليه جيش سوى جيشه؛ ويُخْلَع عليه، ويُجلَس في الدار مجلس بُغا ووصيف - وهما يسمَّيان الأميرين - ودافعوه بذلك، وإنما كان المستعين تقرّب إليه بذلك ليأمن ناحيته، فأحسَّ هو ومن في ناحيته بالشرّ، فجمع إليه الجماعة الذين كانوا بايعوه على قتل المتوكل أو بعضها مع غيرهم؛ فلمّا جمعهم ناظرهم ووكّد البيعة عليهم كما وكّدها في قتل المتوكل، فقالوا: نحن على بيعتنا، فقال: الزموا الدّار حتى نقتل المستعين وبُغا ووصيفًا، ونجيء بعليّ بن المعتصم أو بابن الواثق، فنُقعده خليفة حتى يكون الأمر لنا،كما هو لهذين اللذين قد استوليا على أمر الدنيا، وبقينا نحن في غير شيء؛ فأجابوه إلى ذلك، وانتهى الخبر إلى المستعين، فبعث إلى بُغا ووصيف؛ وذلك يوم الإثنين، فقال لهما: ما طلبتُ إليكما أن تجعلاني خليفةً، وإنما جعلتماني وأصحابكما ثم تريدان أن تقتلاني! فحلفا له أنهما ما علما بذلك، فأعلمهما الخبر. وقيل: إنّ امرأة لباغر كانت مطلّقة منه، سعت إلى أمّ المستعين وإلى بُغا بذلك، وبكّر دُليل إلى بُغا وحضر وصيف إلى منزل بُغا ومع وصيف أحمد بن صالح كاتبه؛ فاتّفق رأيهم على أخذ باغر واثنين من الأتراك معه وحبسهم حتى يروا رأيَهم فيهم، فأحضروا باغر، فأقبل في عِدّة حتى دخل الدار إلى بُغا. فذكر عن بشر بن سعيد المَرْثديّ أنه قال: كنت حاضرًا دخولَه، فمُنع من الوصول إلى بُغا ووصيف، وعُطِف به إلى حمّام لبُغا، ودعِيَ له بالقيود؛ فامتنع عليهم؛ فحبسوه في الحمّام؛ وبلغ ذلك الأتراك في الهارونيّ والكرْخ والدّور، فوثبوا على إصطبل السلطان، فأخذوا ما كان فيه من الدوات فانتهبوها وركبوها، وحضروا الجوْسق بالسلاح، فلما أمسَوْا أمر وصيف وبُغا رشيدَ بن سعاد أخت وصيف أن يقتل باغر، فأتاه في عدّة، فشدَخُوه بالطَّبرزينات حتى أسكنوه، فلما علم المستعين باجتماعهم، ركب ووصيف وبُغا حَرّاقة، وصاروا إلى دار وصيف جميعًا، وتراكض الناس يومهم - وهو يوم الثلاثاء وليلته - بالسلاح جائين وذاهبين؛ فقال لهم وصيف: ترفَّقُوا حتى تنظروا؛ فإن ثبتوا على المقاومة رمينا إليهم برأسه، فلما انتهى قتله إلى الأتراك المشغّبة، أقاموا على ما هم عليه من الشَّغَب حتى علموا أنّ المستعين وبُغا ووصيف قد انحدروا إلى بغداد، وقد كان وصيف أعطى قومًا من المغاربة فُرسانًا ورجّالة السلاح والرّماح، ووجّه بهم إلى هؤلاء المشغبة، وبعث إلى الشاكريّة أن يكونوا على عُدّة إن احتيج إليهم، وسكن الناس عند الظهر، وهدأت الأمور؛ وقد كان عِدّةٌ من قُوّاد الأتراك صاروا إلى هؤلاء المشغبين وسألوهم الانصراف، فقالوا: يُوقْ يُوقْ، أي لا لا. فذكر عن بشر بن سعيد عن جامع بن خالد - وكان أحد خلفاء وصيف من الأتراك - أنه كان المتولِّيَ مخاطبتهم مع عدّة ممن يعرف التركية، فأعلموهم أن المستعين وبُغا ووصيف قد خرجوا إلى بغداد، فأظهروا التندّم، وانصرفوامنكسرين؛ فلما انتشر الخبر بخروج المستعين صار الأتراك إلى دور دُليل ابن يعقوب ودور أهل بيته ممن قرب منه وجيرانه، فانتهبوا ما فيها حتى صاروا إلى الخشب والدّوْرَانْدات؛ وقتلوا ما قدروا عليه من البغال، وانتهبوا علَف الدوابّ الخمر التي في خزانة الشراب؛ ودفع عن دار سلمة بن سعيد النصرانيّ جماعة كان وكّلهم بها؛ من المصارعين وغيرهم من جيرانهم، ومنعوهم من دخول الدار؛ لأنهم أرادوا دار إبراهيم بن مهران النصرانيّ العسكريّ، فدفعوهم عنها، وسلِم سلمة وإبراهيم من النهب. وقال في قتل باغر والفتنة التي هاجت بسببه بعض الشعراء، ذُكر أن قائله أحمد بن الحارث اليماميّ: لعمري لئن قَتلوا باغرًا ... لقد هاج باغِرُ حربًا طَحُونَا وفَرَّ الخليفةُ والقائدَانِ ... بالليلِ يلتمسانِ السَّفِينا وصَاحُوا بِمَيْسَانَ مَلَّاحِهِمْ ... فجاءَهُمُ يَسبِقُ الناظرينَا فأَلزَمَهمْ بطنَ حَرَّاقةٍ ... وصرَّتْ مَجَاذيفهم سَائِرينَا وما كان قَدْرُ ابنِ مارمَّةٍ ... فتكسبَ فيه الحروب الزَّبونا ولكنْ دُليلٌ سَعَى سَعْيَةً ... فأخْزَى الإِلهُ بها العالمينا فحَلَّ ببغدادَ قبل الشّروقِ ... فحلَّ بها منه ما يَكرهُونا فليتَ السَّفينةَ لم تأْتِنا ... وغرَّقها اللهُ والرَّاكِبينَا وأقبلتِ التركُ والمَغربونَ ... وجاءَ الفراغِنةُ الدَّارعونا تَسيرُ كراديسُهُمْ في السِّلاحِ ... يَرُوحونَ خيلًا ورَجْلا ثبِينا فقامَ بحربِهمُ عالمٌ ... بأَمرِ الحُروب تولَّاهُ حِينَا فجدَّدَ سورًا على الجانبـ ... ـيْنِ حتَّى أحاطَهُمْ أجمعينا وأحكَمَ أبوابَها المُصمتَاتِ ... على السُّورِ يَحمِي بها المُسْتَعِينا وهيّا مَجَانيقَ خَطَّارَةً ... تُفِيتُ النفوسَ وتحْمِي العرينا وعَبَّى فَرْوضًا وجَحشِيَّة ... ألوفَ ألوفٍ إذ تحْسُبُونا وعبّى المجانيقَ منظومةً ... على السور حتى أَغار العيونا فذكر أنهم لما قدموا بغداد اعتلَّ ابن مارمّة، فعاده دُليل بن يعقوب، فقال له: ما سببُ علّتك؟ قال: عَقرُ القيد انتقض عليّ، فقال دُليل: لئن عقرك القَيْد؛لقد نقضت الخلافة، وبعثتَ فتنة، ومات ابن مارِمّة في تلك الأيام؛ فقال أبو عليّ اليمامي الحنفيّ في شخوص المستعين إلى بغداد: ما زَالَ إلَّا لزوالِ مُلكهِ ... وحتفِهِ من بعده وهُلكِهِ ومنع الأتراك الناس من الانحدار إلى بغداد، فُذكر أنهم أخذوا ملَّاحًا قد أكرى سفينته، فضربوه مئتي سوط، وصلبوه على دَقَل سفينته، فامتنع أصحاب السفن من الانحدار إلَّا سرًّا أو بمؤنة ثقيلة. * * * *