page 5685, entry [2043]Open original source
[وقوع الفتنة ببغداد بين أهلها وبين جند السلطان] (١) وفي هذه السنة هاجت الفتنة ووقعت الحرب بين أهل بغداد وجند السلطان الذين كانوا بسامرّا، فبايع كلُّ من كان بسامُرّا منهم المعتزّ، وأقام من ببغداد منهم على الوفاء ببيعة المستعين. * ذكر الخبر عن سبب هيج هذه الفتنة، وسبب بيعة من كان بسامرّا من الجند المعتزَّ وخلعهم المستعين، ونصبهم الحرب لمن أقام على الوفاء ببيعته: قال أبو جعفر: قد ذكرنا قبلُ موافاةَ المستعين وشاهك الخادم ووصيف وبُغا وأحمد بن صالح بن شير زاد بغداد؛ وكانت موافاتهم إياها يوم الأربعاء لثلاث ساعات مضيْن من النهار لأربعة أيام - وقيل لخمسة أيام - خلوْن من المحرّم من هذه السنة؛ فلما وافاها، نزل المستعين على محمد بن عبد الله بن طاهر في داره، ثم وافى بغداد خليفة لوصيف على أعماله، يعرف بسلام، فاستعلم ما عنده، ثم انصرف راجعًا إلى منزله بسامرّا، فوافى القوّاد خلا جعفر الخياط وسليمان بن يحيى بن معاذ بغداد مع جِلّة الكتاب والعمال وبني هاشم، ثم وافَى بعد ذلك من قوّاد الأتراك الذين في ناحية وصيف: كلباتكين القائد وطيْغجالخليفة، تركيّ، وابن عجوز الخليفة، نَسائيّ؛ وممّن في ناحية بُغا بايكباك القائد من غلمان الخدمة مع عدّة من خلفاء بُغا. وكان - فيما ذكر - وجّه إليهم وصيف وبُغا قبل قدومهم رسولًا، يأمرانهم أن يصيرُوا إذا قدموا بغداد إلى الجزيرة التي حِذاء دار محمد بن عبد الله بن طاهر، ولا يصيروا إلى الجِسْر، فيُرعبوا العامة بدخولهم، ففعلوا وصاروا إلى الجزيرة، فنزلوا عن دوابهم، فوجِّهَتْ إليهم زواريق حتى عبروا فيها، فصعد كلباتكين وبايكباك والقوّاد من أهل الدور وأرناتجور التركيّ، فدخلوا على المستعين، فرموْا بأنفسهم بين يديه، وجعلوا مناطقهم في أعناقهم تذلُّلًا وخضوعًا، وكلموا المستعين وسألوه الصَّفْح عنهم والرِّضا، فقال لهم: أنتم أهل بَغْي وفساد واستقلال للنعم؛ ألم ترفعوا إليّ في أولادكم، فألحقتهم بكم، وهم نحو من ألفيْ غلام، وفي بناتكم فأمرت بتصييرهنّ في عداد المتزوّجات وهنّ نحو من أربعة آلاف امرأة في المدّركين والمولودين؛ وكلّ هذا قد أجبتكم إليه، وأدرَرْت لكم الأرزاق حتى سبكتُ لكم آنية الذهب والفضة، ومنعتُ نفسي لذّتها وشهوتها؛ كلُّ ذلك إرادةً لصلاحكم ورضاكم؛ وأنتم تزدادون بَغْيًا وفسادًا وتهدُّدًا وإبعادًا (١)! فتضرَّعوا، وقالوا: قد أخطأنا وأمير المؤمنين الصّادق في كلِّ قوله ونحن نسأله العفو عنا والصّفْح عن زَلّتنا؛ فقال المستعين: قد صفحت عنكُم ورضيت، فقال له بايكباك: فإن كنتَ قد رضيت عنا وصفحت، فقم فاركب معنا إلى سامُرّا؛ فإنّ الأتراك ينتظرونك؛ فأومأ محمد بن عبد الله إلى محمد بن أبي عون، فلكز في حَلْق بايكباك، وقال له محمد بن عبد الله: هكذا يقال لأمير المؤمنين؛ قُمْ فاركب معنا؛ فضحك المستعين من ذلك، وقال: هؤلاء قوم عَجَم؛ ليس لهم معرفة بحدُود الكلام، وقال لهم المستعين، تصيرون إلى سامُرّا، فإنَّ أرزاقكم دارّة عليكم، وانظر في أمري هاهنا ومقامي. فانصرفوا آيسين منه، وأغضبهم ما كان من محمد بن عبد الله، وأخبروا مَنْ وردوا عليه من الأتراك خبرهم، وخالفوا فيما ردّ عليهم تحريضًا لهم على خلعهوالاستبدال به، وأجْمع رأيهم على إخراج المعتزّ والبيعة له، وكان المعتزّ والمؤيد في حبس في الجوسق في حُجْرة صغيرة، مع كلِّ واحد منهما غلام يخدمه؛ موكّلٌ بهم رجل من الأتراك يقال له عيسى خليفة بليار ومعه عدّة من الأعوان، فأخرجوا المعتزّ من يومهم، فأخذوا من شعره، وقد كان بُويع له بالخلافة؛ وأمر للناس برزق عشرة أشهر للبيعة، فلم يتم المال، فأعطُوا شهرين لقلة المال عندهم. وكان المستعين خلّف بسامرّا في بيت المال مما كان طلمجُور وأساتكين القائدان قدما به من ناحية الموصل من مال الشأم نحوًا من خمسمئة ألف دينار؛ وفي بيت مال أمّ المستعين قيمة ألف ألف دينار، وفي بيت مال العباس ابن المستعين قيمة ستمئة ألف دينار فذكر أن نسخة البيعة التي أخذت: ﷽ تبايعونَ عبد الله الإمام المعتزّ بالله أمير المؤمنين ببيعة طَوْع واعتقاد، ورضًا ورغبة وإخلاص من سرائركم، وانشراح من صدوركم، وصدْق من نِيّاتِكم؛ لا مكرهين ولا مجبرين؛ بل مقرّين عالمين بما في هذه البيعة وتأكيدها من تقوى الله وإيثار طاعته، وإعزاز حقه ودينه، ومن عموم صلاح عباد الله واجتماع الكلمة، ولمّ الشعث، وسكون الدّهماء، وأمْن العواقب، وعزّ الأولياء، وقمع الملحدين؛ على أن أبا عبد الله المعتزّ بالله عبد الله وخليفتُه المفترض عليكم طاعته ونصيحته والوفاء بحقه وعهده، لا تشكُّون ولا تُدْهنون، ولا تَمِيلون ولا تَرْتابون، وعلى السمع والطاعة، والمشايعة والوفاء، والاستقامة والنصيحة في السرّ والعلانية، والخفوف والوقوف عند كلّ ما يأمر به عبد الله أبو عبد الله الإمام المعتزّ بالله أمير المؤمنين؛ من موالاة أوليائه؛ ومعاداة أعدائه، من خاصٍّ وَعامّ، وقريب وبعيد، متمسكين ببيعتِه بوفاء العَقْد وذمة العهد، سرائركم في ذلك كعلانيتكم، وضمائركم فيه كمثل ألسنتكم، راضين بما يرضى به أمير المؤمنين بعد بيْعتكم هذه على أنفسكم، وتأكيدكم إياها في أعناقكم صفقةً، راغبين طائعين؛ عن سلامة من قلوبكم وأهوائكم ونياتكم، وبولاية عهد المسلمين لإبراهيم المؤيد بالله أخي أمير المؤمنين، وعلى ألا تسعَوْا في نقض شيء مما أكد عليكم، وعلى ألَّا يميل بكم في ذلك مميل عن نصرة وإخلاصوموالاة؛ وعلى ألا تبدّلوا ولا تغتروا، ولا يرجع منهكم راجع عن بيعته وانطوائه على غير علانيته؛ وعلى أن تكون بيعتكم التي أعطيتموها بألسنتكم وعهودكم بيعةً يَطَّلع الله من قلوبكم على اجتبائها واعتمادها. وعلى الوفاء بذمّةِ الله فيها، وعلى إخلاصكم في نُصْرتها وموالاة أهلها؛ لا يشوب ذلك منهكم نفاق ولا إدهان ولا تأوّل؛ حتى تلقوا الله موفين بعهده، مؤدّين حقَّه عليكم، غير مستريبين ولا ناكثين؛ إذ كان الذي يبايعون منكم أمير المؤمنين بيعةَ خلافتِه وولاية العهد من بعده لإبراهيم المؤيد بالله أخي أمير المؤمنين: ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. عليكم بذلك وبما أكدت عليكم به هذه البَيْعة في أعناقكم، وأعطيتم بها من صفقة أيْمانِكم، وبما اشترط عليكم من وفاء ونُصْرة وموالاة واجتهاد، وعليكم عهد الله إنَّ عهده كان مسؤولًا وذمّة الله ﷿ وذمة محمد ﷺ، وما أخذ الله على أنبيائه ورسُله، وعلى أحد من عباده من مواكيده ومواثيقه؛ أن تسمعوا ما أخذ عليكم في هذه البيْعَة ولا تبدّلوا ولا تميلوا وأن تمسَّكوا بما عاهدتم الله عليه تمسُّك أهلِ الطاعة بطاعتهم، وذوي الوفاء والعهد بوفائهم، ولا يلفتكم عن ذلك هوىً ولا مَيْلٌ، ولا يُزيغ قلوبكم فتنة أو ضلالة عن هُدىً، باذلين في ذلك أنفسكم واجتهادكم، ومقدّمين فيه حقّ الدين والطاعة والوفاء بما جعلتم على أنفسكم؛ لا يقبل منكم في هذه البيْعَة إلَّا الوفاء بها. فمن نكث منكم ممّن بايع أمير المؤمنين وولَّي عهد المسلمين أخا أمير المؤمنين هذه البيعة على ما أخذ عليكم، مسرًّا أو معلنًا، مصرّحًا أو محتالًا أو متأوّلًا؛ وادَّهن فيما أعطى الله من نفسه، وفيما أخذ عليه من مواثيق الله وعهوده، وزاغ عن السبيل التي يعتصم بها أولو الرّأي؛ فكلّ ما يملك كلّ واحد منكم ممن ختر في ذلك منكم عهدَه، من مال أو عقار أو سائمة أو زَرْع أو ضَرْع صدقةٌ على المساكين في وجوه سبيل الله، محبوس محرّم عليه أن يُرجع شيئًا من ذلك إلى ماله؛ عن حيلة يقدمها لنفسه، أو يحتال له بها؛ وما أفاد في بقية عمره من فائدة مال يقلّ خطرها أو يجلّ؛ فذلك سبيلُها، إلى أن توافِيَه منِيّته، ويأتي عليه أجله، وكلّ مملوك يملكه اليوم وإلى ثلاثين سنة؛ ذكر أو أنثى، أحرار لوجه الله، ونساؤه يوم يلزمه فيه الحِنْث ومَنْ يتزوّج بعدهنّ إلى ثلاثين سنة طوالق طلاقالحرَج؛ لا يقبل الله منه إلَّا الوفاء بها؛ وهو بريء من الله ورسوله، والله ورسوله منه بريئان؛ ولا قَبِل الله منه صرفًا ولا عدْلًا؛ والله عليكم بذلك شهيد، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل. وأحضِر - فيما ذكر - البيعة أبو أحمد بن الرشيد وبه النّقْرس محمولًا في مَحفَّة؛ فأمر بالبيعة فامتنع؛ وقال للمعتزّ: خرجتَ إلينا خروج طائع فخلعتها، وزعمت أنك لا تقوم بها، فقال المعتزّ: أكْرِهتُ على ذلك وخفت السيف، فقال أبو أحمد: ما علينا أنك أكرِهت؛ وقد بايعنا هذا الرجل؛ فتريد أن نطلّق نساءنا، ونخرج من أموالنا، ولا ندري ما يكون! إن تركتنِي على أمري حتى يجتمع الناس؛ وإلا فهذا السيف، فقال المعتزّ: اتركوه، فُردّ إلى منزله من غير بيعة. وكان ممن بايع إبراهيم الديرج وعتّاب بن عتّاب، فهرب فصار إلى بغداد، وأما الدّيرج فخُلِع عليه، وأقِرّ على الشرْطة، وخُلِع على سليمان بن يسار الكاتب، وصُيِّر على ديوان الضياع، وأقام يومه يأمر وينهى وينفّذ الأعمال، ثم توارَى في الليل، وصار إلى بغداد. ولما بايع الأتراك المعتزّ ولّى عمالَه، فولّى سعيد بن صالح الشرْطة، وجعفر بن دينار الحرس، وجعفر بن محمود الوزارة، وأبا الحمار ديوان الخراج؛ ثم عُزِل وجُعِل مكانه محمد بن إبراهيم منقار، وولي ديوان جيش الأتراك المعروف بأبي عمر كاتب سيما الشرابيّ، وولّى مقلِّدًا كَيْد الكلب أخا أبي عمر بيوتَ الأموال وإعطاءَ الأتراك والمغاربة والشاكريّة، وولّى بريد الآفاق والخاتم سيما الساربانيّ واستكتب أبا عمر؛ فكان في حدّ الوزارة. ولما اتّصل بمحمد بن عبد الله خبرُ البيعة للمعتزّ وتوجيهه العمال، أمر بقطع الميرة عن أهل سامُرّا، وكتب إلى مالك بن طَوْق في المصير إلى بغداد هو ومَنْ معه من أهل بيته وجنده، وإلى نجوبة بن قيس وهو على الأنبار في الاحتشاد والجمع، وإلى سليمان بن عمران الموصلي في جَمْع أهل بيته ومَنْع السفن أو شيء من الميرة أن ينحدر إلى سامُرّا، ومنَع أن يصعد شيء من المِيرة من بغداد إلى سامرّا، وأخذت سفينة فيها أرزّ وسَقَطٌ، فهرب الملّاح منها وبقيت السفينة حتى غرقت، وأمر المستعين محمد بن عبد الله بن طاهر بتحصين بغداد؛ فتقدّم في ذلك؛ فأدير عليها السور من دِجْلة من باب الشّماسية إلى سوق الثلاثاء حتىأورده دِجْلة من باب قطيعة أم جعفر، حتى أورده قصر حميد بن عبد الحميد، ورتَّب على كل باب قائدًا في جماعة من أصحابه وغيرهم وأمر بحفر الخنادق حول السورين كما يدوران في الجانبين جميعًا ومظلَّات يأوي إليها الفرسان في الحرّ والأمطار؛ فبلغت النفقة - فيما ذكر - على السورين وحفر الخنادق والمظلات ثلثمئة ألف دينار وثلاثين ألف دينار؛ وجعل على باب الشماسية خمس شدّاخات بعرض الطريق؛ فيها العوارض والألواح والمسامير الطِّوال الظاهرة، وجُعل من خارج الباب الثاني باب معلّق بمقدار الباب ثخين، قد ألبِس بصفائح الحديد، وشُدّ بالحبال كي إن وافى أحدٌ ذلك البابَ أرسل عليه الباب المعقق، فقتل مَنْ تحته، وجعل على الباب الداخل عرّادة، وعلى الباب الخارج خمسة مجانيق كبار؛ وفيها واحدٌ كبير سمَّوه الغضبان، وستّ عرّادات ترمِي بها إلى ناحية رقّة الشمّاسيّة؛ وصُيّر على باب البَرَدان ثماني عَرّادات في كلّ ناحية أربع، وأربع شدّاخات وكذلك على كلّ باب من أبواب بغداد في الجانب الشرقيّ والغربيّ، [وجعل على كلّ باب من أبوابها قوادًا برجالهم] وجعل لكلّ باب من أبوابها دهليزًا بسقائف تَسَعُ مئة فارس ومئة راجل؛ ولكل منجنيق وعرّادة رجالًا مرتّبين يمدّودن بحباله، وراميًا يرمي إذا كان القتال، وفرض فروضًا ببغداد ومرّ قوم من أهل خراسان قدموا حجّاجًا، فسألوا المعونة على قتال الأتراك، فأعينوا، وأمر محمد بن عبد الله بن طاهر أن يُفْرَض من العيَّارين فرض، وأن يُجعل عليهم عريف، ويُعمل لهم تراس من البواريّ المقيَّرة، وأن يُعمل لهم مخالٍ تُملأ حجارة، ففعل ذلك وتولى - فيما ذكر - عمل البواريّ المميّرة محمد بن أبي عون، وكان الرّجل منهم يقوم خلْف الباريّة فلا يُرى منها. عُمِلت نسائجات، أنفق عليها زيادة على مئة دينار؛ وكان العريف على أصحاب البواريّ المقيرة من العتارين رجلًا يقال له ينْتَوَيْه، وكان الفراغ من عمل السور يوم الخميس لسبع بقين من المحرم. وكتب المستعين إلى عمّال الخراج بكل بلدة وموضع أن يكون حملهم ما يحملون من الأموال إلى السلطان إلى بغداد، ولا يحملون إلى سامُرّا شيئًا؛ وإلى عمّال المعاون في ردّ كتب الأتراك، وأمر بالكتاب إلى الأتراك والجند الذين بسامُرّا يأمرهم بنقض بيعة المعتزّ ومراجعة الوفاء ببيعتهم إياه، ويذكرهم أياديهعندهم، وينهاهم عن معصيتهِ، ونكْث بيعته، وكان كتابه بذلك إلى سيما الشرابيّ. ثم جرتْ بين المعتزّ ومحمد بن عبد الله بن طاهر مكاتبات ومراسلات، يدعو المعتزّ محمدًا إلى الدّخُول فيما دخل فيه مَنْ بايعه بالخلافة وخلع المستعين، ويذكّره ما كان أبوه المتوكل أخذ له عليه بعد أخيه المنتصر من العَهْد وعقد الخلافة، ودعوة محمدِ بن عبد الله المعتزَّ إلى ما عليه من الأوبة إلى طاعة المستعين، واحتجاج كلّ واحد منهما على صاحبه فيما يدعوه إليه من ذلك بما يراه حُجّة له؛ تركتُ ذكرها كراهة الإطالة. وأمر محمد بن عبد الله بكسر القناطِر وبَثق المياه بطسّوج الأنبار وما قرب منه من طسُّوج بادورَيَا، ليقطع طريق الأتراك حين تخوّف من ورودهم الأنبار. وكان الذي تولّى ذلك نجوبة بن قيس ومحمد بن حمد بن منصور السعديّ. وبلغ محمد بن عبد الله توجيه الأتراك لاستقبال الشمسة التي كانت مع البينُوق الفرغانيّ مَنْ يحميها من أصحابه، فوجّه محمد ليلة الأربعاء لعشر بقين من المحرّم خالد بن عمران وبندار الطبريّ إلى ناحية الأنبار. ثم وجّه بعدهما رشيد بن كاوس، فصادفوا البينوق ومَنْ معه من الأتراك والمغاربة، وطالبهم خالد وبندار بالشمسة، فصار البيْنُوق وأصحابه مع خالد وبندار إلى بغداد إلى المستعين. وكان محمد بن الحسن بن جياويه الكردي يتولى معونة عُكبراء؛ وكان على الراذان رجل من المغاربة قد اجتمع عنده مالٌ، فتوجّهه إليه ابن جيلويه، ودعاه إلى حَمْل مال الناحية، فامتنع عليه، ونَصَب له الحرب، فأسر ابن جيلويه المغربيّ، وحمله إلى باب محمد بن عبد الله، ومعه من مال الناحية اثنا عشر ألف دينار وثلاثون ألف درهم؛ فأمر محمد بن عبد الله لابن جيلويه بعشرة آلاف درهم، وكتب كلّ واحد من المستعين والمعتزّ إلى موسى بن بغا، وهو مقيم بأطراف الشأم قرب الجزيرة - وكان خرج إلى حِمْص لحرب أهلها - يدعوه إلى نفسه، وبعَث كلُّ واحد منهما إليه بعدّة ألوية يعقدها لمن أحبّ، ويأمره المستعين بالانصراف إلى مدينة السلام، ويستخلف على عمله من رأى،فانصرف إلى المعتزّ وصار معه، وقدم عبد الله بن بُغا الصغير بغداد على أبيه؛ وكان قد تخلّف بسامُرّا حين خرج أبوه منها مع المستعين، وصار إلى المستعين، فاعتذر اليه وقال لأبيه: إنما قدمتُ إليك لأموت تحت ركابك، وأقام ببغداد أيامًا، ثم استأذن ليخرج إلى قرية بقرب بغداد على طريق الأنبار، فأذن له؛ فأقام فيها إلى الليل، ثم هرب من تحت ليلته، فمضى في الجانب الغربيّ إلى سامُرّا مجانبًا لأبيه وممالئًا عليه؛ واعتذر إلى المعتزّ من مصيره إلى بغداد، وأخبره أنه إنما صار إليها ليعرف أخبارهم، وليصير إليه فيُعرّفه صحتها، فقبل ذلك منه، وردّه إلى خدمته. وورد الحسن بن الأفشين بغداد، فخلع عليه المستعين، وضمّ إليه من الأشروسنيّة وغيرهم جماعة كثيرة، وزاد في أرزاقه ستة عشر ألف درهم في كلّ شهر (١). ولم يزل أسد بن داودسياه مقيمًا بسامُرّا، حتى هرب منها، فذُكر أنّ الأتراك بعثوا في طلبه إلى ناحية الموصل والأنبار والجانب الغربيّ في كل ناحية خمسين فارسًا، فوافَى مدينة السلام؛ فدخل على محمد بن عبد الله، فضمّ إليه من أصحاب إبراهيم الديرج مئة فارس ومئتي راجل، ووكّله بباب الأنبار مع عبد الله بن موسى بن أبي خالد. وعقد المعتزّ لأخيه أبي أحمد بن المتوكل يوم السبت لسبع بقين من المحرّم من هذه السنة - وهي سنة إحدى وخمسين ومئتين - على حرب المستعين وابن طاهر، وولّاه ذلك، وضمّ إليه الجيش، وجعل إليه الأمرَ والنهي، وجعل التدبير إلى كلباتكين التركيّ، فعسكر بالقاطول في خمسة آلاف من الأتراك والفراغنة وألفين من المغاربة، وضمّ المغاربة إلى محمد بن راشد المغربيّ، فوافوا عُكْبراء ليلة الجمعة لليلة بقيت من المحرّم؛ فصلّى أبو أحمد، وفى عا للمعتزّ بالخلافة؛ وكتب بذلك نسخًا إلى المعتزّ؛ فذكر جماعة من أهل عكْبراء أنهم رأوا الأتراك والمغاربة وسائر أتباعهم؛ وهم على خوف شديد، يروْن أنّ محمد بن عبد الله قد خرج إليهم فسبقهم إلى حربهم، وجعلوا ينتهبون القرىما بين عُكبراء، وبغداد وأوانا وسائر القرى من الجانب الغربيّ، تخوّفًا على أنفسهم وخلّوْا عن الغَلّات والضّياع؛ فخرّبت الضياع، وانتُهبت الغَلّات والأمتعة وهدِمت المنازل، وسُلب الناس في الطريق (١). ولمّا وافى أبو أحمد عُكبراء ومَنْ معه خرج جماعة من الأتراك الذين كانوا مع بُغا الشرابيّ بمدينة السلام من مَواليه، والمضمومين إليه، فهربوا ليلًا، فاجتازوا بباب الشمّاسيّة؛ وكان على الباب عبد الرحمن بن الخطاب، ولم يعلم بخبرهم؛ وبلغ محمد بن عبد الله ذلك، فأنكره عليه وعنَّفه وتقدّم في حفظ الأبواب وحراستها والنفقة على من يتولّاها. ولما وافى الحسن بن الأفشين مدينة السلام وُكّل بباب الشّماسية. ثم وافى أبو أحمد وعسكره الشماسيّة ليلةَ الأحد لسبع خلون من صفر، ومعه كاتبه محمد بن عبد الله بن بشر بن سعد المرثديّ، وصاحب خبر العسكر من قِبَل المعتزّ الحسن بن عمرو بن قماش ومن قِبَله، صاحب خبر له يقال له جعفر بن أحمد البناتي، يعرف بابن الخبازة، فقال رجل من البصريّين كان في عسكره ويعرف بباذنجانة: يا بني طاهر أتتكمْ جنودُ الله ... والموتُ بينها منثورُ وجيوشٌ أمامَهُنّ أبو أحمد ... نعْمَ الموْلى ونِعْمَ النصيرُ ولمّا صار أبو أحمد بباب الشمّاسية ولَّى المستعين الحسين بن إسماعيل باب الشماسية، وصيَّر مَنْ هناك من القوّاد تحت يده؛ فلم يزل مقيمًا هناك مدّة الحرب إلى أن شخص إلى الأنبار؛ فولَّى مكانه إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم؛ ولثلاث عشرة مضتْ من صفر؛ صار إلى محمد بن عبد الله جاسوس له؛ فأعلمه أن أبا أحمد قد عبَّى قومًا يحرقون ظلال الأسواق من جانبيْ بغداد، فكُشطت في ذلك اليوم. وذكر أن محمد بن عبد الله وجّه محمد بن موسى المنجم والحسين بن إسماعيل، وأمرهما أن يخرجا من الجانب الغربيّ، وأن يرتفعا حتى يجاوزاعسكر أبي أحمد ويحزُرا: كَمْ في عسكره؟ فزعم محمد بن موسى أنه حَزَرهم ألفيْ إنسان، معهم ألف دابة؛ فلما كان يوم الإثنين لعشر خلوْن من صفر وافت طلائع الأتراك إلى باب الشمّاسيّة، فوقفوا بالقرب منه؛ فوجّه محمد بن عبد الله الحسينَ بن إسماعيل والشاه بن ميكال وبُندار الطبريّ فيمن معهم؛ وعزم على الركوب لمقاتلتهم، فانصرف إليه الشاه، فأعلمه أنه وافَى بمَنْ معه باب الشّماسيّة. فلمّا عاين الأتراك الأعلام والرايات وقد أقبلت نحوَهم انصرفوا إلى معسكرهم؛ فانصرف الشاه والحسين، وترك محمد الركوب يومئذ. فلمَّا كان يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من صفر عزم محمد بن عبد الله على توجيه الجيوش إلى القُفْص ليعرض جنده هنالك، ويُرهب بذلك الأتراك؛ وركب معه وصيف وبُغا في الدُّروع، وعلى محمد دِرْع، وفوق الدرْع صُدرة من درع طاهر؛ وعليه ساعد حديد؛ ومضى معه بالفقهاء والقضاة، وعزم على دعائهم إلى الرجوع عمّا هم عليه من التمادي في الطُّغيان واللجَاج والعِصْيان، وبعث يبذل لهم الأمان على أن يكون أبو عبد الله وليّ العهد بعد المستعين؛ فإنْ قبلوا الأمان وإلّا باكرهم بالقتال يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة تخلو من صفر؛ فمضى نحو باب قُطْربل، فنزل على شاطئ دجلة هو ووصيف وبغا، ولم يمكنْه التقدّم لكثرة الناس؛ وعارضهم من جانب دِجلة الشرقيّ محمد بن راشد المغربيّ. ثم انصرف محمد؛ فلما كان من الغد وافتْه رسل عبد الرحمن بن الخطاب وجه الفُلْس وعَلك القائد ومَنْ معهما من القوَّاد، يعلمونه أْنّ القوم قد دنوْا منهم، وأنهم قد رجعوا إلى عسكرهم إلى رقة الشماسيّة، فنزلوا وضربوا مضاربَهم فأرسل إليهم ألا تبدؤوهم، وإن قاتلوكم فلا تقاتلوهم؛ وادفعوهم اليوم، فوافى باب الشماسيّة اثنا عشر فارسًا من عسكر الأتراك - وكان على باب الشماسيّة باب وسَرَب وعلى السّرَب باب، فوقف الاثنا عشر الفارس بإزاء الباب، وشتموا مَنْ عليه، ورموا بالسهام، ومن بباب الشماسية سكوت عنهم؛ فلما أكثروا أمر علَك صاحب المِنجنيق أن يرميَهم؛ فرماهم فأصاب منهم رجلًا فقتله؛ فنزل أصحابه إليه، فحملوه وانصرفوا إلى عسكرهم بباب الشماسيّة. وقدم عبد الله بن سليمان خليفة وصيف التركيّ الموجّه إلى طريق مكة لضبطالطريق مع أبي الساج في ثلثمئة رجل من الشاكريّة، فدخل على محمد بن عبد الله، فخلع عليه خمس خلع، وعلى آخر ممن معه أربع خلع. ودخل أيضًا في هذا اليوم رجل من الأعراب من أهل الثعلبيّة يطلب الفَرْض معه خمسون رجلًا، وورد الشاكريّة القادمون من سامرّا من قيادات شتى؛ وهم أربعون رجلًا، فأمر بإعطائهم وإنزالهم فأعْطُوْا. ووافى الأتراك في هذا اليوم باب الشماسيّة، فرُموا بالسهام والمنجنيق والعرّادات؛ وكان بينهم قتلَى وجرحى كثير؛ وكان الأمير الحسين بن إسماعيل لمحاربتهم، ثم أمِدّ بأربعمئة رجل من الملطّيين مع رجل يعرف بأبي السنا الغنويّ [وهو ابن أخت الهيثم الغنوي] ثم أمدّهم بقوم من الأعراب نحو من ثلثمئة رجل، وحمل في هذا اليوم من الصلات لمن أبلَى في الحرب خمسة وعشرين ألف درهم، وأطوقة وأسورة من ذهب؛ فصار ذلك إلى الحسين بن إسماعيل وعبد الرحمن بن الخطاب وعلَك ويحيى بن هرثمة والحسن بن الأفشين وصاحب الحرب الحسين بن إسماعيل، فكان الجرحى من أهل بغداد أكثر من مئتي إنسان، والقتلى عدّة، وكذلك الجراحات في الأتراك والقتلَى أكثرهم بالمجانيق؛ وانهزم أكثر عامة أهل بغداد، وثبت أصحاب البوازيّ وانصرفوا جميعًا، وهم في القتلى والجرحى شبيه بالسواء؛ وجُرح من هؤلاء - فيما ذكر - مئتان، ومن هؤلاء مئتان، وقتل جماعة من الفريقين. وجاء كردوس من الفراغنة والأتراك في هذا اليوم إلى باب خُراسان من الجانب الشرقيّ ليدخلوا منه، وأتى الصريخ محمد بن عبد الله، وثبت لهم المبيّضة والغوغاء فردّوهم، وقد كان محمد أمر أن يُمخَر تلك الناحية؛ فلما أرادوا الانصراف، وحلّت عامة دوابهم، ونجا أكثرهم، أحضر الأتراك منجنيقًا، فغلبهم الغوغاء عليه والمبيّضة، وكسروا قائمة من قوائمه، وقتِل اثنان من الشاشية من الحجاج، وأمر بحمل الآجرّ من قصر الطين وتلك الناحية إلى باب الشماسيّة؛ وفتحوا باب الشماسيّة، وأخرجوا إلى الآجرّ من لقطه، وردّوه إلى هذا الجانب من السور. وكان محمد بن عبد الله اتّصل به أنّ جماعة من الأقراك قد صاروا إلى ناحية النّهروان، فوجّه قائدين منن قوّاده يقال لهما عبد الله بن محمود السرخسيّويحيى بن حفص المعروف بحبُوس في خمسمئة من الفرسان والرّجالة إلى هذه الناحية، ثم أردفهم بسبعمئة رجل أيضًا، وأمرهم بالمقام هناك، ومنع مَنْ أراده من الأتراك، فتوجّه آخرهم إلى هذه الناحية يوم الجمعة لسبع خلون من صفر. فلما كان ليلة الإثنين لثلاث عشرة بقيت من صفر، صار قوم من الأتراك إلى النَّهْروان، فخرج جماعة ممن كان مع عبد الله بن محمود، فرجعوا هُرّابًا، وأخِذت دوابّهم، وانصرف مَنْ نجا منهم إلى مدينة السلام مفلولين، وقتل زهاء خمسين رجلًا، وأخذوا سِتين دابة، وعدّة من البغال قد كانت جاءت من ناحية حُلوان عليها الثلج، فوجّهوا بها إلى سامرّا، ووجهوا برؤوس مَنْ قتلوا من الجند، فكانت أول رؤوس وافت في تلك الحرب سامرّا. وانصرف عبد الله بن محمود مفلولًا في شِرذمة، وصار طريق خراسان في أيدي الأتراك، وانقطع الطريق من بغداد إلى خراسان. وكان إسماعيل بن فراشة وُجّه إلى همذان للمقام بها، فكتب إليه بالانصراف، فانصرف، فأعطِيَ هو وأصحابه استحقاقهم. ووجَّه المعتزّ عسكرًا من الأتراك والمغاربة والفراغنة ومَنْ هو في عدادهم، وعلى الأتراك والفراغنة الدرغماني الفرغانيّ، وعلى المغاربة ربلة المغربيّ، فساروا إلى مدينة السلام من الجانب الغربيّ، فجازوا قُطربّل إلى بغداد، وضربوا عسكرهم بين قُطْربّل وقطيعة أم جعفر؛ وذلك عشيّة الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من صفر. فلما كان يوم الأربعاء من غد هذه الليلة، وجّه محمد بن عبد الله بن طاهر الشاهَ بن ميكال من باب القطيعة وبُندارًا وخالد بن عمران فيمن معهم من أصحابهم من الفرسان والرّجّالة، فصافّهم الشاه، وأصحابه، فترامَوْا بالحجارة والسهام، وألجؤوا الشاه إلى مضيق عند باب القطيعة، وكثر المبيّضة من أهل بغداد، ثم حمل الشاه والمبيّضة حملة واحدة أزالوا بها الأتراك والمغاربة ومَنْ معهم عن موضعهم، وحمل عليهم المبيّضة، وأصحروا بهم، وحمل عليهم الطبريّة فخالطوهم؛ وخرج عليهم بُندار وخالد بن عمران من الكمِين؛ وكانوا كمنوا في ناحية قُطْربّل، فوضعوا في أصحاب أبي أحمد الأتراك منهم وغيرهم السيف، فقتلوهم أبرح قتل؛ فلم يُفلت منهم إلَّا القليل، وانتهب المبيضةعسكرهم وما كان فيه من المتاع والأهل والأثقال والمضارب والحُرْثيّ، فكلّ من أفلت منهم من السيف رمى بنفسه في دِجْلة ليعبرَ إلى عسكر أبي أحمد؛ فأخذه أصحاب الشبّارات، وكانت الشبّارات قد سحنت بالمقاتلة - فقُتِلوا وأسِروا وجُعل القتلى والرؤوس من الأتراك والمغاربة وغيرهم في الزّواريق، فنصبت بعضها في الجسرين؛ وعلى باب محمد بن عبد الله؛ فأمر محمد بن عبد الله لمن أبلى في هذا اليوم بالأسورة، فسُوِّر قوم كثير من الجند وغيرهم، فطُلب المنهزمة، فبلغ بعضهم أوانًا، وبلغ بعضهم ناحية عسكر أبي أحمد عَبْرَ دجلة، وبعضهم نفذ إلى سامُرَّا. وذُكر أن عسكر الأتراك يوم هُزِموا بباب القطيعة كانوا أربعة آلاف، فقتِل منهم يوم الوقعة هنالك ألفان؛ وكان وُضع فيهم بالسيف من باب القَطيعة إلى القُفْص، فقتَلوا مَنْ قتلوا، وغرِّق مَنْ غُرِّق، وأسِر منهم جماعة، فخلَع محمد بن عبد الله على بُندار أربع خلع مُلحم، ووشْي وسواد وخزّ، وطوّقه طوقًا من ذهب، وخلع على أبي السنا أربع خِلَع، وعلى خالد بن عمران وجميع القوّاد، كلّ رجل أربع خِلع، وكان انصرافهم من الوقعة مع المغرب، وسُخرت البغال، وأخِذ لها الجواليق لتحمل فيها الرؤوس إلى بغداد. وكان كلُّ مَنْ وافى دار محمد برأس تركيّ أو مغربيّ أعطوْه خمسين درهمًا وكان أكثر ذلك العمل للمبيّضة والعيّارين، ثم وافى عيَّار وبغداد قُطْربُّلَ، فانتهبوا ما تركه الأتراك من متاع أهل قُطْربُّل وأبواب دورهم؛ فوجّه محمد في آخر هذا اليوم أخاه أبا أحمد عبيد الله بن عبد الله والمظفّر بن سيسَل في أثر المنهزمين حِياطة لأهل بغداد؛ لأنه لم يأمن رجعتهم عليه فبلغا القُفْص، وانصرفا سالمين، وزعجا مَنْ أقام من الرجّالة والعيارين بناحية قُطْربل، وأشير على محمد بن عبد الله أن يتبعهم بعسكر في اليوم الثاني وفي تلك الليلة، ليوغل في آثارهم، فأبى ذلك ولم يتبع مولِّيًا، ولم يأمر أن يُجهز على جريح، وقبِل أمان من استأمن، وأمر سعيد بن حُميد فكتب كتابًا يذكر فيه هذه الوقعة؛ فقرئ على أهل بغداد في مسجد جامعها، نسخته:﷽ أما بعد؛ فالحمد لله المنعم فلا يبلغ أحد شكرَ نعمته، والقادر فلا يعارَض في قدرته، والعزيز فلا يغالب في أمره، والحَكم العدل فلا يردّ حكمه، والناصر فلا يكون نصره إلَّا للحق وأهله، والمالك لكلّ شيء فلا يخرج أحد عن أمره، والهادي إلى الرحمة فلا يضلّ من انقاد لطاعته، والمقدّم إعذاره ليظاهر به حجته؛ الذي جعل دينه لعباده رحمة، وخلافته لدينه عصمة، وطاعة خلفائه فرضًا واجبًا على كافة الأمة؛ فهم المستحفَظون في أرضه على ما بعث به رسله، وأمناؤه على خلقه فيما دعاهم إليه من دينه، والحاملون لهم على منهاج حقه؛ لئلا يتشعّب بهم الطريق إلى المخالفة لسبيله، والهادي لهم إلى صراطه؛ ليجمعهم على الجادّة التي نَدب إليها عبادَه الذين بهم يُحمَى الدّين من الغواة والمخالفين؛ محتجّين على الأمم بكتاب الله الذي استعملهم به، ودعا الأمة بحقّ الله الذي اختارهم له؛ إن جاهدوا كانت حجة الله معهم، وإن حاربوا حكَم بالنصر لهم، وإن بغاهم عدوّ كانت كفاية الله حائلةً دونهم ومعقلًا لهم، وإن كادهم كائد فاللهُ من وراء عونهم، نَصَبهم الله لإعزاز دينه؛ فمن عاداهم فإنما عادى الدّين الذي أعزّه وحرسه بهم، ومن ناوأهم فإنما طعن على الحقّ الذي يكلؤه بحراستهم جيوشهم بالنّصر والعزّ منصورة، وكتائبهم بسلطان الله من عدوّهم محفوظة، وأيديهم عن دين الله دافعة، وأشياعهم بتناصرهم في الحقّ عالية، وأحزاب أعدائهم ببغيهم مقموعة، وحجتهم عند الله وعند خلْقه داحضة، ووسائلهم إلى النصر مردودة، تجمعهم مواطن التحاكم، وأحكام الله بخذلانهم واقعة، وأقداره بإسلامهم إلى أوليائه جارية، وعاداتهم في الأمم السالفة والقرون الخالية ماضية؛ ليكون أهلُ الحق على ثقة من إنجاز سابق الوعد، وأعداؤه محجُوبون بما قدّم إليهم من الإنذار، معجّلة لهم نقمة الله بأيدي أوليائه، معَدٌّ لهم العذاب عند ربهم، والخزي موصول بنواصيهم في دنياهم، وعذاب الآخرة من ورائهم وما الله بظلام للعبيد. وصلى الله على نبيه المصطفى، ورسوله المرتَضى، والمنقذ من الضّلالة إلى الهدَى، صلاة تامّة نامية بركاتها، دائمة اتصالها، وسلم تسليمًا.والحمد لله تواضعًا لعظمته، والحمد لله إقرارًا بربوبيته، والحمد لله اعترافًا بقصور أقصى منازل الشكر عن أدنى منزلة من منازل كرامته، والحمد لله الهادي إلى حَمْدِه والموجب به مزيده، والمحصي به عوائد إحسانه، حمدًا يرضاه ويتقبّله، ويوجب طوْله وإفضاله، والحمدُ لله الذي حكم بالخذلان على مَنْ بَغى على أهل دينه، وسبق وعده بالنصر لمن بُغي عليه من أنصار حقه. وأنزل بذلك كتابَه العزيز، موعظةً للباغين؛ فإن أقلعوا كانت التذْكِرة نافعة لهم، والحجة عند الله لمن قام بها فيهم، ثم أوجب بعد التذكرة والإصرار جهادهم، فقال فيما قدَّم من وَعْده، وأبان من برهانه: ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾، وعدَّا مَن الله حقًّا نهى به أعداءه عن معصيته، وثبَّت به أولياءه على سبيله؛ والله لا يخلف الميعاد. ولله عند أمير المؤمنين - في رئيس دعوته، وسيف دولته، والمحامي عن سلطانه، ومحلّ ثقته، والمتقدّم في طاعته، ونصيحته لأوليائه، والذابِّ عن حقه، والقائم بمجاهدة أعدائه؛ محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين - نعمةٌ يُرغب إلى الله في إتمامها، والتوفيق لشكرها، والتطوّل بمن أراد المزيد فيها؛ فإن الله قدّر لآبائه القيام بالدّعوة الأولى لآباء أمير المؤمنين، ثم جمع له آثارهم بقيامه بالدّولة الثانية؛ حين حاول أعداء الله أن يطمِسُوا معالم دينه ويعفوها؛ فقام بحقّ الله وحق خليفته، محاميًا عنها، ومراميًا من ورائها، متناولًا للبعيد برأيه ونظره، مباشرًا للقريب بإشرافه وتفقُّده، باذلًا نفسه في كلّ ما قرّبه من الله، وأوجب له الزُّلْفة عنده، وسيمتّع الله أمير المؤمنين به وليًّا، مكانفًا على الحق، وناصرًا مؤازرًا على الخير، وظهيرًا مجاهدًا لعدوّ الدين. وقد علمتم ما كان كتاب أمير المؤمنين تقدّم به إليكم فيما أحدثتْه الفرقة الضالة عن سبيل ربها، المفارقة لعصمة دينها، الكافرة لنعم الله ونعم خليفته عندها، المباينة لجماعة الأمة التي ألَّف الله بخلافته نظامَها، المحاولة لتشتيت الكلمة بعد اجتماعها، الناكثة لبيعته، الخالعة لرِبْقة الإسلام من أعناقها، الموالي الأتراكُ، وما صارت إليه من نصر الغلام المعروف بأبي عبد الله بن المتوكل لإقامتها عند مصير أمير المؤمنين إلى مدينة السلام، محلّ سلطانه،ومجتمع أنصاره وأبناء أنصار آبائه، وما قابل به أمير المؤمنين خيانَتهم وآثره من الأناة في أمرهم. ثم إنّ هؤلاء الناكثين جمعوا جمعًا من الأتراك والمغاربة، ومن ولج في سوادهم، ودخل في غُمارهم، مؤاتيًا للفتنة من ألفاف الغيّ، ورأسوا عليهم المعروف بأبي أحمد بن المتوكل، ثم ساروا نحو مدينة السلام في الجانب الشرقيّ، معلنين للبغي والاقتدار، مظهرين للغي والإصرار؛ فتأنّاهم أمير المؤمنين، وفسَّح لهم في النَّظرة لهم، وأمر بالكتاب إليهم بما فيه تبصيرُهم الرشد، وتذكيرهم بما قدّموا من البيعة، وإفهامهم ما لله عليهم وله في ذلك من الحقّ، وأنّ خروجهم مما دخلوا فيه من بيعتهم طوعًا الخروجُ من دين الله والبراءة منه ومن رسوله، وتحريمهم أموالَهم ونساءهم عليهم؛ وأن في تمسكهم به سلامة أديانهم، وبقاء نعمتهم، والاحتراس من حُلول النقَم بهم، وأن يبين لهم ما سلف من بلائه عندهم؛ من أسْنى المواهب، وأرفع الرغائب، والاختصاص بسنيّ المراتب، والتقدّم في المحافل؛ فأبوْا إلَّا تماديًا ونفارًا، وتمسكًا بالغيّ وإصرارًا. فقلّد أمير المؤمنين نصيحه المؤتمَن، ووليّه محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين تدبير أمورهم ودعائهم إلى الحقّ ما كانت الإنابة أو محاربتهم إن جنح بهم غيُّهم، وتتابعوا في ضلالهم، فلم يألهم نظرًا وإفهامًا، وتبيينًا وإرشادًا، وهم في ذلك رافعون أصواتهم بالتوعّد لأهل مدينة السلام؛ بسفك دمائهم وسَبْي نسائهم وتغنُّم أموالهم؛ وقبل ذلك ما كانوا في مسيرهم على السبيل التي يستعملها أهل الشرْك في غاراتهم، ويميلون إليها عند إمكان النّهزة لهم؛ لا يجتازون بعامر إلَّا أخربوه، ولا بحريم لمسلم ولا غيره إلَّا أباحوه، ولا بمسلم يعجز عنهم إلَّا قتلوه، ولا بماله لمسلم ولا ذميّ إلَّا أخذوه؛ حتى انتقل كثير ممن سبقت إليه أخبارهم ممن أمامهم عن أوطانهم، وفارقوا منازلهم ورباعهم، وفزعوا إلى باب أمير المؤمنين تحصّنًا من معرّتهم، لا يمرُّون بغنيّ إلَّا خلعوا عنه لباس الغنىٍ؛ ولا بمستور إلَّا هتكوا عن الذرية والنساء ستره، لا يرقبون في مؤمن إلًّا ولا ذمّة، ولا يتوقّفون عن مسلم بهتك ولا مُثْلة، ولا يرغبون عما حرم الله من دم ولا حرمة.ثم تلقّوا التذكرة بالحرب، وقابلوا الموعظة بالإصرار على الذنب، وعارضوا التبصير بالاستبصار في الباطل؛ فذلَفُوا نحو باب الشمّاسية، وقد رتب محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين بذلك الباب والأبواب التي سبيلها سبيله من أبواب مدينة السلام الجيوش في العُدّة الكاملة، والعدّة المتظاهرة؛ معاقلهم التوكّلُ على ربِّهم، وحصونهم الاعتصام بطاعته، وشعارهم التكبير والتهليل أمام عدوهم. ومحمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين، يأمرُهم بتحصين ما يليهم والإمساك عن الحرب ما كانت مندوحة لهم؛ فبادأهم الأولياء بالموعظة، وبدأهم الغواة الناكثون بحروبهم، وعادوْهم أيامًا بجموعهم وعدادهم، مُدلّين بعدّتهم مقدّرين ألا غالب لهم؛ ولا يعلمون بالله أنّ قدرته فوق قدرتهم، وأن أقداره نافذة بخلاف إرادتهم، وأحكامه عادلة ماضية لأهل الحقّ عليهم؛ حتى إذا كان يوم السبت للنصف من صفَر وافوْا باب الشماسيّة بأجمعهم قد نشروا أعلامهم، وتنادوْا بشعارهم، وتحصّنوا بأسلحتهم، وبدا الأمر منهم لمن عاينهم، ليس لهم وعيد دون سفك الدماء، وسبْي النساء، واستباحة الأموال؛ فبدأهم الأولياء بالموعظة فلم يسمعوا، وقابلوهم بالتذكرة فلم يُصغوا إليها، وبدؤوا بالحرب منابذين لها، فتسرّع الأولياء عند ذلك إليهم، واستنصروا عليهم، واستحكمت بالله ثقتهم، ونفذت به بصائرهم؛ فلم تزل الحرب بينهم إلى وقت العصر من هذا اليوم؛ فقتل الله من حُماتهم وفرسانهم ورؤسائهم وقادة باطلهم جماعة كثيرًا عَددها، ونالت الجراحة المثخنة التي تأتي مَنْ نالته أكثر عامتهم. فلما رأى أعداء الله وأعداء دينه أنْ قد أكذب ظنونَهم، وحال بينهم وبين أمانيهم، وجعل عواقبها حسرات عليهم؛ استنهضوا جيشًا من سامُرّا من الأتراك والمغاربة في العتَاد والعُدّة والجلَد والأسلحة في الجانب الغربيّ، طالبين المعرّة، ومؤمّلين أن ينالوا نيلًا من أهله باشتغال إخوانِهم في الجانب الشرقيّ بأعدائهم. وقد كان محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين شَحَن الجانبين جميعًا بالرّجال والعُدّة، ووكَّل بكلّ ناحية مَنْ يقوم بحفظها وحراستها، ويكفّ عن الرعية بوائقَ أعدائهم، ووكل بكل باب من الأبواب قائدًا في جَمْع كثيف، ورتَّب على السورمَنْ يراعيه في الليل والنهار وبث الرجال ليعرف أخبار أعداء الله في حركاتهم ونهوضهم ومقامهم وتصرّفهم، فيعامل كلَّ حال لهم بحال يفتّ الله في أعضادهم بها. فلما كان يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من صفر، وافى الجيش الذي أنهضوه من الجانب الغربي البابَ المعروف بباب قُطْربّل، فوقفوا بإزاء الناكثين المعسكرين بالجانب الشرقيّ من دجْلة في عدد لا يسعه إلَّا الفضاء ولا يحمله إلَّا المجال الفسيح، وقد تواعَدُوا أن يكون دنوّهم مِن الأبواب معًا لشغل الأولياء بحربهم من الجهات، فيضعفوا عنهم ويغلبوا حقَّهم بباطلهم؛ أملًا كاذبًا غير صادق كادهم الله فيه، وظنًا خائبًا لله فيه قضاء نافذ. وأنهض محمد بن عبد الله نحوهم محمد بن أبي عون وبُندار بن موسى الطبريّ مولى أمير المؤمنين وعبد الله بن نصر بن حمزة من باب قطربُّل، وأمرهم بتقوى الله وطاعته، والاتباع لأمره والتصرّف مع كتابه، والتوقّف عن الحرب حتى تسبق التذكرة الأسماع، وتزول الحجة بالتتابع منهم والإصرار، فنفذوا في جمعٍ يقابل جمعهم، مستبصرين في حقّ الله عليهم، مسارعين إلى لقاء عدوّهم، محتسبين خطاهم ومسيرهم، واثقين بالثواب الآجل والجزاء العاجل. فتلقاهم ومَنْ معهم أعداء الله، قد أطلقوا نحوهم أعنَّتهم، وأشرعوا لِنُحورهم أسنَتهم، لا يشكون أنهم نُهزة المختلس، وغنيمة المنتهب؛ فنادوْهم بالموعظة نداء مسْمعًا، فمجّتها أسماعهم، وعميت عنها أبصارهم، وصدَقهم أولياءُ الله في لقائهم؛ بقلوب مستجمعة لهم، وعلم بأنّ الله لا يخلِف وعده فيهم؛ فجالت الخيل بهم جَوْلة، وعاودت كَرّة بعد كرّة عليهم، طعنًا بالرماح، وضربًا بالسيوف، ورَشقًا بالسهام؛ فلما مسّهم ألم جِراحها، وكلَمتْهم الحربُ بأنيابها، ودارت عليهم رحاها، وصمم عليهم أبناؤها ظمأ إلى دمائهم؛ ولَّوا أدبارَهم، ومنح الله أكتافهم، وأوقع بأسه بهم، فقتِلت منهم جماعة لم يحترسوا من عذاب الله بتوبة، ولم يتحصّنوا من عقابه بأمانة، ثم ثابت ثانية؛ فوقفوا بإزاء الأولياء، وعبَر إليهم أشياعُهم الغاوُون من عسكرهم بباب الشمّاسية ألف رجل من أنجادهم في السفن، معاونين لهم على ضلالتهم؛ فأنهض لهم محمد بن عبد الله خالد بن عمران والشاهَ بن ميكال مولى طاهر نحوهم، فنفذوا ببصيرةٍ لا يتخوّنها فتور،ونيّة لا يلحقها تقصير؛ ومعهما العباس بن قارن مولى أمير المؤمنين. فلما وافى الشاه فيمَنْ معه أعداء الله، وكّل بالمواضع التي يتخوف منها مدخل الكُمناء، ثم حمل مَنْ توجّه معه من القواد المسمَّينِ ماضين لا يغويهم الوعيد، ولا يشكُّون من الله في النصر والتأييد، فوضعوا أسيافهم فيهم، تمضي أحكام الله عليهم؛ حتى ألحقوهم بالمعسكر الذي كانوا عسكروا فيه وجاوزوه، وسلبوهم كل ما كان من سلاح وكُراع وعتاد الحرب؛ فمن قتيل غُودرت جثّته بمصرعه، ونقلت هامته إلى مصيرٍ فيه معتبَو لغيره، ومن لاجئ من السيف إلى الغَرقَ لم يجرْه الله من حذاره، من أسير مصفود يُقاد إلى دار أولياء الله وحزبه، ومن هاربٍ بحشاشة نفسه، قد أسكن الله الخوف قلبه؛ فكانت النقمة بحمد الله واقعة بالفريقين ممن وافى الجانب الغربيّ قادمًا، ومن عبر إليهم من الجانب الشرقيّ مُنجدًا، لم ينْجُ منهم ناجٍ، ولم يعتصم منهم بالتوبة معتصم، ولا أقبل إلى الله مقبل؛ فرقًا أربعًا يجمعها النار، ويشملها عاجل النكال، عظةً ومعتبرًا لأولي الأبصار؛ فكانوا كما قال الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾. ولم تزل الحرب بين الأولياء وبين الفرقة التي كانت في الجانب الشرقيّ والقتل محتفل في أعلامهم، والجراح فاشية فيهم؛ حتى إذا عاينوا ما أنزل الله بأشياعهم من البَوار، وأحلَّ بهم من النقمة والاستئصال؛ ما لهم من الله من عاصم، ولا من أوليائه ملجأ ولا موئل؛ ولَّوْا منهزمين مفلولين منكوبين، قد أراهم الله العبَر في إخوانهم الغاوية، وطوائفهم المضلَّة؛ وضلّ ما كان في أنفسهم لما رأوْا من نصر الله لجنده، وإعزازه لأوليائه؛ والحمد لله ربّ العالمين قامع الغواة الناكبين عن دينه، والبغاة الناقضين لعهده، والمرّاق الخارجين من جملة أهل حقّه؛ حمدًا مبلغًا رضاه، وموجبًا أفضل مزيده؛ وصلى الله أولًا وآخرًا على محمد عبده ورسوله، الهادي إلى سبيله، والدّاعي إليه بإذنه، وسلم تسليمًا. وكتب سعيد بن حُميد يوم السبت لسبع خلون من صفر سنة إحدى وخمسين ومئتين. وركب محمد بن عبد الله بن طاهر يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من صفر إلى باب الشمّاسية، وأمر بهدم ما وراء سُور بغداد من الدور والحوانيتوالبَساتين وقطعْ النَّخْل والشَّجر من باب الشمّاسية إلى ثلاثة أبواب؛ لتتسع الناحية على مَنْ يحارب فيها؛ وكان وُجّه من ناحية فارس والأهواز نيّفٌ وسبعون حمارًا بمال إلى بغداد، قدم به - فيما ذكر - منكجور بن قارن الأشروسنيّ القائد، فوجَّه الأتراك وأبو أحمد بن بابك إلى طرارستان في ثلثمئة فارس وراجل؛ ليتلفى ذلك المال إذا صار إليها. فوجّه محمد بن عبد الله قائدًا له يقال له: يحيى بن حفص، يحمل ذلك المال، فعدَل به عن طرارستان، خوفًا من ابن بابك؛ فلما علم ابن بابك أن المال قد فاته صار بمن معه إلى النهروان، فأوقع من كان معه من الجند بأهلها، وأخرج أكثرهم، وأحرق سفن الجسر، وهي أكثر من عشرين سفينة، وانصرف إلى سامُرّا. وقدم محمد بن خالد بن يزيد - وكان المستعين قلده الثغور الجزريّة، وكان مقيمًا بمدينة بلد ينتظر من يصير إليه من الجند والمال - فلما كان من اضطراب أمر الأتراك ودخول المستعين بغداد ما كان، لم يمكنه المصير إلى بغداد إلَّا من طريق الرّقة، فصار إليها بمَن معه من خاصّته وأصحابه؛ وهم زهاء أربعمئة فارس وراجل، ثم انحدر منها إلى مدينة السلام، فدخلها يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من صفر، فصار إلى دار محمد بن عبد الله بن طاهر؛ فخلع عليه خمس خلع: دَبيقي، ومُلْحم، وخزّ، ووشْي، وسواد، ثم وجهه في جيش كثيف لمحاربة أيوب بن أحمد؛ فأخذ على ظهر الفرات فحاربه في نفر يسير، فهُزم وصار إلى ضَيْعته بالسواد. فذكر عن سعيد بن حميد أنه قال: لمّا انتهى خبر هزيمة محمد بن عبد الله، قال: ليس يُفلح أحدٌ من العرب إلَّا أن يكون معه نبيّ ينصره الله به. وفي هذا اليوم كانت للأتراك وقعة بباب الشمّاسية، كانوا صاروا إلى الباب، فقاتلوا عليه قتالًا شديدًا حتى كشفوا مَنْ عليه، ورموا المنجنيق المنصوب بسرّة الباب بالنّفط والنار، فلم يعمل فيه نارهم، وكثرَهم من على الباب من الجند حتى أزالوهم عن موقفهم، ودفعوهم عن الباب بعد قتلهم عدّة يسيرة من أهل بغداد، وجرحهم منهم جماعةً كثيرة بالسِّهام. فوجّه محمد بن عبد الله إليهم عند ذلك العرّادات التي كانت تحمل في السفن والزّواريق، فرموْهم بها رميًا شديدًا، فقتلوا منهم جماعة كثير نحوًا من مئة إنسان، فتنحَّوْا عن الباب؛ وكان بعضالمغاربة صار في هذا اليوم إلى سور باب الشمّاسية؛ فرمى كُلّابًا إلى السور، وتعلّق به وصعد، فأخذه الموكلُون بالسور فقتلوه، ورَموْا برأسه في المنجنيق إلى عسكر الأتراك؛ وانصرفوا عند ذلك إلى معسكرهم. وذكر أنّ بعض الموكلين بسُور باب الشمّاسية من الأبناء هاله ما رأى من كثرة مَنْ ورد باب الشمّاسية في هذا اليوم من الأتراك والمغاربة؛ وكانوا قَربُوا من الباب بأعلامهم وطبولهم، ووضع بعض المغاربة كلّابًا على السور؛ فأراد بعض الموكّلين بالسور أن يصيح: يا مستعين، يا منصور، فغلط، فصاح: يا معتز، يا منصور؛ فظنّه بعض الموكلين بالباب من المغاربة، فقتلوه وبعثوا برأسه إلى دار محمد بن عبد الله؛ فأمر بنصبه، فجاءت أمه وأخوه في عشية هذا اليوم بجُثّته في محمل يصيحان ويطلبان رأسه، فلم يُدفع إليهما؛ ولم يزل منصوبًا على الجسر إلى أن أنزل مع ما أنزل من الرؤوس. ووافى ليلة الجمعة لسبع بقين من صَفَر جماعة من الأتراك باب البَرَدان؛ وكان الموكّل به محمد بن رجاء؛ وذلك قبل شخوصه إلى ناحية واسط، فقتل منهم ستة نفر، وأسر أربعة، وكان الدّرغمان شجاعًا بطلًا، وصار في بعض الأيام مع الأتراك إلى باب الشماسيّة، فرمي بحجر منْجنيق، فأصاب صدره؛ فانصُرف به إلى سامُرَّا، فمات بين بُصرى وعُكْبراء؛ فحمل إلى سامرّا؛ فذكر يحيى بن العكيّ القائد المغربيّ أنه كان إلى جنب الدّرْغمان في يوم من أيامهم؛ إذ وافاه ناوكيّ، فأصاب عينه، ثم أصابه بعد ذلك حَجَر فأطار رأسه، فحمل مَيتًا. وذُكر عن عليّ بن حسن الرامي، أنه قال: كنّا قد جمعنا على السور على باب الشمّاسية من الرّماة جماعة، وكان مغربيّ يجيء حتى يقرب من الباب، ثم يكشف استه ثم يضرط ويصيح؛ قال: فانتخبت له سهمًا فأنفذته في دُبره حتى خرج من حلقه، وسقط مَيتًا. وخرج من الباب جماعة فنصبوه كالمصلوب، وجاءت المغاربة بعد ذلك، فاحتملوه. وذكر أنّ الغوغاء اجتمعوا بسامُرّا بعد هزيمة الأتراك يوم قُطْربّل، ورأوا ضعف أمر المعتزّ، فانتهبوا سوق أصحاب الحُلي والسيوف والصيارفة، وأخذوا جميعَ ما وجدوا فيها من متاع وغيره، فاجتمع التجار إلى إبراهيم المؤيد أخي المعتزّ، فشكوا ذلك إليه، وأعلموه أنهم قد كانوا ضمنوا لهم أموالهم وحفظها عليهم.قال: فقال لهم: كان ينبغي لكم أن تحوّلوا متاعكم إلى منازلكم؛ وكبُر عنده ذلك. وقدم بحونة بن قيس بن أبي السعديّ يوم السبت لثمان بقين من صفر بمن فَرض من الأعراب وهم ستمئة راجل ومئتا فارس. وقدم في هذا اليوم عشرة نفر من وجوه أهل طَرَسوس يشكون بلكاجور، ويزعمون أن بيعة المعتزّ وردت عليه، فخرج بعد ساعتين من وصول الكتاب، ودعا إلى بيعة المعتزّ، وأخذ القوّادَ وأهل الثغر بذلك فبايع أكثرهم، وامتنع بعض، فأقبل على مَن امتنع بالضرب والقيد والحبس. وذكر أنهم امتنعوا وهربوا لمّا أخذهم بالبيعة كرهًا، فقال وصيف: ما أظن الرّجل إلَّا [اغترّ ومُوِّه عليه] وأن الوارد عليه بكتاب المعتزّ هو الليث بن بابَك، وذكر له أنّ المستعين مات، وأقاموا المعتزّ مكانه؛ فتكلّم هؤلاء النفر يشكون بلكاجور، ونسبوه إلى أنه فعل ذلك على عمد، ورفعوا عليه أنه كان يرَى في بني الواثق، وقد ورد كتاب بلكاجور يوم الأربعاء لأربع بقين من صفر مع رجل يقال له عليّ الحسين المعروف بابن الصّعلوك؛ يذكر فيه أنه ورد عليه كتاب من أبي عبد الله بن المتوكل، أنه قد وليَ الخلافة، وبايع له. فلما ورد عليه كتاب المستعين بصحة الأمر، جدّد أخذ البيعة على مَنْ قِبَله، وأنه على السمع والطاعة له. فأمر للرسول بألف درهم فقبضها، وقد كان أمر بالكتاب إلى محمد بن عليّ الأرمني المعروف بأبي نصر بولايته على الثغور الشامية، فلما ورد كتاب بلكاجور بالطاعة أمسك عن إنفاذ كتاب محمد بن عليّ الأرمنيّ بالولاية. وفي يوم الإثنين لست بقين من صفر من هذه السنة قدم إسماعيل بن فراشة من ناحية همذَان في نحو ثلثمئة فارس، وكان جنده ألفًا وخمسمئة فتقدّم بعضُهم وتأخر بعض، وتفرّقوا، وقدم معه برسول للمعتزّ، كان وُجّه إليه لأخذ البيعة، فقيّد الرسول وصار به إلى مدينة السلام على بغل بلا إكاف، فخلع على إسماعيل خمس خلع. وورد برجل ذكر أنه علويّ أخذ بناحية الريّ وطبرستان، متوجهًا إلى مَنْ هناك من العلوية؛ وكان معه دوابّ وغلمان؛ فأمر به فحبِس في دار العامة أشهرًا، ثم أخذ منه كفيل وأطلِق. وقرئ في هذا اليوم كتاب موسى بن بغا يذكر فيه أنه ورد كتاب المعتزّ، وأنه دعا أصحابه، وأخبرهم بما حدَث، وأمرهم بالانصراف معه إلى مدينة السلام؛ فامتنعوا، وأجابه الشاكريّة والأبناء، واعتزله الأتراك ومَنْ كانَفهم، وحاربوهفقتل منهم جماعة وأسَر أسرى؛ فهم قادمون معه. فكبَّروا في دار ابن طاهر عند قراءتهم كتابه. ولخمس بقين من صَفَر دخل من البصرة عشر سفائن بحرّية؛ تسمّى البوارج، في كل سفينة اشْتيام وثلاثة نفّاطين ونجّار وخباز وتسعة وثلاثون رجلًا من الجذّافين والمقاتلة؛ فذلك في كلّ سفينة خمسة وأربعون رجلًا. فمدّت إلى الجزيرة التي بحذاء دار ابن طاهر، ولعب أصحابها بالنيران، ثمَّ مدّت إلى ناحية الشماسيّة في هذه الليلة، فَرُمِي مَنْ فيها من الأتراك بالنيران، فعزموا على الانتقال من معسكرهم برقّة الشماسية إلى بُستان أبي جعفر بالحير، ثم بدا لهم فارتفعوا فوق عسكرهم في موضع لا ينالهم شيء من النار. ولليلة بقيت من صَفَر صار الأتراك والمغاربة إلى أبواب مدينة السلام من الجانب الشرقيّ، فأغلقت الأبواب في وجوههم، ورموا بالسهام والمنجنيقات والعرّادات، فقتل من الفريقين وجُرح جماعة كثيرة، فلم يزالوا كذلك إلى العصر. وفي هذه السنة كرّ سمليمان بن عبد الله راجعًا من جُرجان إلى طبرستان وشخص من آمُل، وخرج بجمع كثير وخيل وسلاح، فتنحّى الحسن بن زيد، ولحق بالدّيلم، فكتب إلى السلطان ابن أخيه محمد بن طاهر بدخوله طبرستان، فقرئ كتابه ببغداد، وكتب نسخة ذلك المستعين إلى بغا الصغير مولى أمير المؤمنين بفتح طبَرستان على يدي محمد بن طاهر وهزيمة الحسن بن زيد؛ وأن سليمان بن عبد الله دخل سارية على حالٍ من السلامة، وأنه ورد عليه ابنان لقارن بن شهريار مولى أمير المؤمنين، يقال لهما: مازيار ورستم، في خمسمئة رجل، إلى ما ذكر من غير ذلك في الفتح، وأنّ أهل آمُل أتوْه منيبين مظهرين إنابتَهم، مستقيلين عثراتهم؛ فلقيهم بما زاد في سكونهم وثقتهم، ونهض بعسكره على تعبيته، مستقرئًا للقرى والطرق، وتقدم بالنهي عن القتل، وترك العَرْض لأحدٍ في سلب وغيره، وتوعّد من جاوز ذلك؛ وأن كتاب أسد بن جندان وافاه بهزيمة عليّ بن عبد الله الطالبيّ المسمى بالمرعشيّ فيمن كان معه، وهم أكثر من ألفَيْ رجُل ورجلين من رؤساء الجبل، في جمع عظيم عند تأدّي الخبر إليهم بانهزام الحسن بن زيد ودخوله بالأولياء إلى تلك الناحية، وأنه دخل مدينة آمُلفي أحسن هيئة، وأظهر عزّة وسلامة شاملة، وانقطعت عنه أسباب الفتنة. ولخمس بقين من المحرم من هذه السنة ورد كتاب العلاء بن أحمد عامل بغا الشرابيّ على الخراج والضِّياع بإرمينيَة، بما كان من خروج رجلين بتلك الناحية؛ سمَّاهما وذكر إيقاعه بهما، وأنهما التجأا إلى قلعة، فوضع عليها المجانيق حتى جهدها، وأنّهما خرجا من القلعة هاربيْن، وخفي أمرُهما وصارت القلعة في أيدي الأولياء. * * * وفيها أيضًا ورد كتاب مؤرّخ لإحدى عشرة ليلة بقيَت من المحرّم بانتقاض أهل أردبيل، وكتاب الطالبيّ إليهم، وأنه بعث أربعة عساكر على أربعة أبواب مدينتهم ليحاصرهم. * * * وفيها ورد كتاب مخبر عن الحرب التي كانت بين عيسى بن الشيخ والموفّق الخارجيّ وأسْر عيسى الموفّق، ومسألة عيسى المستعين توجيه ما يحتاج إليه من السلاح؛ ليكون عدّة له في البلد، يقوى به الجند على الغزو، وأن يكتب إلى صاحب الصّور في توجيه أربع مراكب إليه بجميع آلتها؛ تكون قبلَه مع ما قبله منها. * * * وفيها أيضًا ورد كتاب محمد بن طاهر بخبر الطالبيّ الذي ظهر بالريّ ونواحيها، وما أعدّ له من العساكر، ووجّه إليه من المقاتلة، وبهرب الحسن بن زيد عند مصيره إلى المحمَّدية وإحاطة عسكره بها، وأنه عند دخوله المحمّدية وكّل بالمسالك والطرق، وبثّ أصحابه، وأنّ الله أظفره بمحمد بن جعفر أسيرًا على غير عَقْد ولا عهد، والذي صار إلى الريّ من العلوية في المرة الثانية بعدما أسِر محمد بن جعفر أحمدُ بن عيسى بن عليّ بن حسين الصغير بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وإدريس بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن عليّ بن أبي طالب، وهو الذي خرج في مصعد الحاجّ، والذي بطبَرستان الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بنالحسن بن عليّ بن أبي طالب رحمة الله عليه ورضوانه (١). * * * وفيها أيضًا ورد كتابٌ من محمد بن طاهر على المستعين، يذكر فيه انهزام الحسن بن زيد منه، وأنه لقيه في زُهاء ثلاثين ألفًا، فجرت فيما بينه وبينه حرب، وأنه قتَل من رؤوس أصحابه ثلثمئة ونيّفًا وأربعين رجلًا، وأمر المستعين أن يقرأ نسخة كتابه في الآفاق. وفيها خرج يوسف بن إسماعيل العلويّ ابن أخت موسى بن عبد الله الحسينيّ. وفي شهر ربيع الأول منها أمر محمد بن عبد الله أن يُتخذ لعيّارى أهل بغداد كافركوبات، وأن يصيّر فيها مسامير الحديد، ويجعل ذلك في دار المظفر بن سيسل؛ لأنهم كانوا يحضرون القتال بغير سلاح، وكانوا يرمون بالآجُرّ، ثم أمر مناديًا، فنادى: مَنْ أراد السلاح فليحضر دار المظفّر، فوافاها العيارون من كلّ جانب، فقسم ذلك فيهم، وأثبت أسماءهم، ورأس العيّارون عليهم رجلًا يدعى ينتويه؛ ويكنى أبا جعفر وعدّة أخَر؛ يدعى أحدهم دُونل، والآخر دمحال، والآخر أبا نملة، والآخر أبا عصارة، فلم يثبت منهم إلَّا ينتويه؛ فإنه لم يزل رئيسًا على عيّارى الجانب الغربيّ؛ حتى انقضى أمر هذه الفتنة، ولما أعطِيَ العيّارون الكافر كوبات تفرّقوا على أبواب بغداد، فقتلوا من الأتراك ومن أتباعهم نحوًا من خمسين نفسًا في ذلك اليوم، وقتل منهم عشرة أنفس وجُرح منهم خمسمئة بالنّشاب، وأخذوا من الأتراك عَلمَيْن وسُلَّميَن. وفيها كانت لبحونة بن قيس وقعة مع جماعة من الأتراك بناحية بَزُوغَى، لقيهم هو ومحمد بن أبي عون وغيرهما، فأسروا منهم سبعة، وقتلوا ثلاثة، ورمى بعضهم بنفسه في الماء، مغرق بعضُهم ونجا بعضهم. وذُكر عن أحمد بن صالح بن شيرزاد: أنه سأل رجلًا من الأسرى عن عدّةالقوم الذين لقيهم بحونة، قال: كنا أربعين رجلًا، فلقينا بحونة وأصحابه، سحَرًا، فقتِل منا ثلاثة، وغرق ثلاثة، وأسر ثمانية، وأفلت الباقون، وأخذِ ثماني عشرة دابة وجواشن وراية لعامل أوانا؛ وهو أخو هارون بن شعيب. وكانت الوقعة بأوانا يوم الأربعاء، وأقام جند بحونة وعبد الله بن نصر بن حمزة بقُطرُبُّل مسلحة. وخرج - فيما ذكر - ينتويه وأصحابه من العيّارين في بعض هذه الأيام من باب قُطْربّل، فمضوا يشتمون الأتراك حتى جازوا قُطْربّل، فعبَر مَن عَبر إليهم من الأتراك ناشبة في الزواريق، فقتلوا منهم رجلًا، وجرحوا منهم عشرة؛ وكاثرهم العيّارون بالحجارة فأثخنوهم، فرجعوا إلى معسكرهم، فأحضر ينتويه دار ابن طاهر؛ فأمر ألَّا يخرج إلَّا في يوم قتال، وسُوّر، وأمر له بخمسمئة درهم. ولأربع عشرة خلتْ من ربيع الأوّل منها، قدم من ناحية الرّقة مزاحم بن خاقان، وأمر القوَّاد وبني هاشم وأصحاب الدواوين بتلقِّيه؛ وقدم معه مَنْ كان معه من أصحابه من الخراسانية والأتراك والمغاربة، وكانوا زهاء ألف رجل؛ معه عتاد الحرب من كل صنْف، ودخل بغداد، ووصيف عن يمينه وبغا عن شماله، وعبيد الله بن عبد الله بن طاهر عن يسار بغا، وإبراهيم بن إسحاق خَلْفهم؛ وهو بوقارٍ ظاهر؛ فلمَّا وصل خلع عليه سبع خلع، وقُلّد سيفًا، وخلع على ابنيه على كلّ واحد منهما خمس خلع، ثم أمر أن يفرَض له ثلاثة آلاف رجل من الفرسان والرّجّالة، ووجّه المعتزّ موسى بن أشناس ومعه حاتم بن داود بن بنحور في ثلاثة آلاف رجل من الفرسان والرّجالة فعسكر بإزاء عسكر أبي أحمد من الجانب الغربيّ بباب قُطْربّل لليلةٍ خلت من ربيع الأول، وخرج رجل من العيّارين يعرف بديكويه على حمار وخليفته على حمار، ومعهم تِرسَة وسلاح؛ وخرج آخر في الجانب الشرقي يكنى أبا جعفر ويعرف بالمخرّميّ في خمسمئة رجل في سلاح ظاهر، معهم التِّرسة وبواري مُقيَّرة وسيوف وسكاكين في مناطقهم، ومعهم كافر كوبات، وقرب العسكر الوارد من سامرّا إلى الجانب الغربيّ من بغداد، فركب محمد بن عبد الله ومعه أربعة عشر قائدًا من قوّاده في عُدّة كاملة، وخرج من المبيّضة والنظارة خلق كثير، فسار حتى حاذى عسكر أبي أحمد؛ وكانت بينهم في الماء جَوْلة قتِل من عسكر أبي أحمد أكثر من خمسين رجلًا، ومضى المبيّضةحتى جازت العسكر بأكثر من نصف فرسخ، فعبرت إليهم شبّارات من عسكر أبي أحمد؛ فكانت بينهم مناوشة، وأخذوا عِدّة من الشبارات بما فيها من المقاتلة والملاحين، فاستوثق منهم، وانصرف محمد بن عبد الله، وأمر ابن أبي عون أن يصرف الناس، فوجَّه ابنُ أبي عون إلى النّظارة والعامة من صرفهم وأغلظ لهم القول، وشتَمهم وشتموه، وضرب رجلًا منهم فقتله، وحملت عليه العامة؛ فانكشف من بين أيديهم؛ وقد كان أربع شبّارات من شبّارات أهل بغداد تخلّفت؛ فلما انصرف ابن أبي عون منهزمًا من العامة نظر إليها أهل عسكر أبي أحمد فوجّهوا في طلبها شبّارات، فأخذوها وأحرقوا سفينة فيها عرّادة لأهل بغداد وصار العامة من فورهم إلى دار عوْن لينهبوها، وقالوا: مايَلَ الأتراك، وأعانهم وانهزم بأصحابه، وكلّموا محمد بن عبد الله في صرفه وضجّوا، فوجّه المظفر بن سيسل في أصحابه، وأمره أن يصرِف العامة ويمنعهم أن يأخذوا لابن أبي عون شيئًا من متاعه، وأعلمهم أنه قد عزله عن أمر الشبّارات والبحريات والحرب، وصيّر ذلك إلى أخيه عبيد الله بن عبد الله، فمضى مظفّر، فصرف الناس عن دار محمد بن أبي عون. وفي يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول وافَى عسكر الأتراك الشاخص من سامُرّا إلى بغداد عُكْبَراء، فأخرج ابن طاهر بندار الطبريّ وأخاه عبيد الله وأبا السنا ومزاحم بن خاقان وأسد بن داود سياه وخالد بن عمران وغيرهم من قُوّاده، فمضوا حتى بلغوا قُطْرُبّل، وفيها كمين الأتراك فأوقع بهم، ونشبت الحرب بينهم؛ فدفعهم الأتراك حتى بلغوا الحائطين بطريق قطْربّل، وقاتل أبو السنا وأسد بن داود قتالًا شديدًا، وقتل كلّ واحد منهما عدّة من الأتراك والمغاربة، ومال أبو السنا ميْلةً، وتبعه الناس، فقتل قائدًا من قوّاد الأتراك يقال له سور، ورُفع رأسه فصار من فوره إلى دار ابن طاهر، وأعلمه هزيمة الناس وسأله المدد، فأمر ابن طاهر به فطُوِّق - وكان وزن الأطواق كلّ طوق ثلاثين دينارًا، وكلُّ سوار سبعة مثاقيل ونصف - وانصرف أبو السنا راجعًا إلى الناس فيمن أخرج إليهم من المدد من جميع الأبواب، فذكر أن محمد بن عبد الله عنّف أبا السنا بإخلاله بموضعه ومجيئه نفسه بالرأس، وقال له: أخللتَ بالناس، فقبح الله هذا الرأس ومجيئك به!ولما انصرف محمد بن عبدوس قاتل أسد بن داود أشدّ قتال بعد تفرُّق الناس عنه، فقتِل وثاب إلى موضعه قوم من أهل بغداد بعد ما أخذ الأتراك رأسه، فدافعوهم عن جثّته، فحملوه إلى بغداد في زورق، وبلغ الأتراك باب قُطْربُّل، فخرج الناس إليهم فدفعوهم عن الباب دفعًا شديدًا، واتبعوهم حتى نحّوْهم؛ فأتِي دار ابن طاهر بعدة رؤوس ممن قتل من الأتراك والمغاربة في هذا اليوم، فأمر بنصبها بباب الشماسية، فنصبت هنالك، ثم رجع الأتراك والمغاربة على أهل بغداد من ناحية قُطْربّل، فقتل من أهل بغداد خَلْق كثير، وقتل من الأتراك جمع كثير؛ ولم يزل بندار ومن معه يقاتلونهم حتى أمسوا، وانصرف بُندار بالناس، وغلّقت الأبواب، وأمر ابن طاهر المظفر بن سَيْسَل ورشيد بن كاوس، وقائدًا معهم فتوجّهوا في نحو من خمسمئة فارس من باب قُطْربُّل إلى ناحية عسكر ابن أشناس، فوافوْهم على حالِ سكون وأمْن، فقتلوا منهم نحوًا من ثلثمئة، وأسروا عدّة وانصرفوا. وذُكر أنّ الأتراك والمغاربة وافوْا في هذا اليوم باب القطيعة، فنقَبوا نقبًا بقرب الحمام الذي يعرف بباب القطيعة، فقتِل أوّل مَنْ خرج منهم من النقب، وكان القتل في هذا اليوم أكثر في الأتراك والمغاربة والجراح بالسهام في أهل بغداد. وسمعت جماعة يذكرون أنه حضر هذه الوقعة غلام لم يبلغ الحلم، ومعه مخلاة فيها حجارة ومِقلاع في يده، يرمي عنه فلا يخطئ وجوهَ الأتراك ووجوه دوابّهم، وأنّ أربعة من فرسان الأتراك الناشبة جعلوا يرمُونه فيخطئونه وجعل يرميهم فلا يخطئ، وتقطّر بهم دوابهم، فمضوا حتى جاؤوا معهم بأربعة من رجّالة المغاربة بأيديهم الرماح والتراس، فجعلوا يحملون عليه، ثم داخله اثنان منهم، فرمى بنفسه في الماء، ودخلا خلفه فلم يلحقاه، وعبر إلى الجانب الشرقي، وصِيحَ، وكبَّر الناس، فرجعوا ولم يصلوا إليه. وذُكر أنّ عبيد الله بن عبد الله دعا القوّاد في هذا اليوم وهم خمسة نفر، فأمر كلَّ واحد منهم بناحية، ثم مضى الناس إلى الحرب، وانصرف هو إلى الباب؛ فقال لعبد الله بن جهم وهو موكّل بباب قُطْربُّل: إياك أن تَدَع منهم أحدًا يدخل منهزمًا من الباب، ونشبت الحرب، وتشتّت الناس، ووقعت الهزيمة؛ وثبت أسد بن داود؛ حتى قُتِل وقَتل بيده ثلاثة، ثم أتاه سهم غَرَب، فوقع في حلْقهفولّى، وجاء سهم آخر فوقع في كَفَل دابته فشبّت به فصرعته؛ ولم يثبت معه أحد إلَّا ابنهَ، فجُرح، وكان إغلاق الباب على المنهزمين أشدَّ من عدوّهم، وحُمِل - فيما ذكر - إلى سامُرّا من أهل بغداد سبعون أسيرًا، ومن الرؤوس ثلثمئة رأس. وذكر أنّ الأسرى لمّا قربوا من سامُرّا أمر الذي وجّه به معهم ألَّا يُدخلهم سامرّا إلَّا مغطِّي الوجوه، وأنّ أهل سامرّا لمَّا رأوْهم كثر ضجيجهم وبكاؤهم؛ وارتفعت أصواتهم وأصوات نسائِهم بالصُّرَّاخ والدعاء، فبلغ ذلك المعتزّ، فكره أن تغلظ قلوب مَنْ بحضرته من الناس عليه، فأمر لكل أسير بدينارين، وتقدّم إليهم بترك معاودة القتال، وأمر بالرؤوس فدفِنت. وكان في الأسرى ابن لمحمد بن نصر بن حمزة وأخ لقُسطنطينَةَ جارية أم حبيب وخمسة من وجوه بغداد ممن كان في النظّارة، فأما ابن محمد بن نصر، فذكر أنه قُتِل وصلب بإزاء باب الشّماسيّة لمكان أبيه. وفي يوم الخميس لأربع بَقِين من شهر ربيع الأول، قدم أبو الساج من طريق مكة في نحو من سبعمئة فارس ومعه ثمانية عشر محملًا فيها ستة وثلاثون أسيرًا من أسارى الأعراب في الأغلال، ودخل هو وأصحابه بغداد في زِيّ حسن وسلاح ظاهر، فصار إلى الدّار، فخلِع عليه خمس خِلع، وقلَّد سيفًا، وانصرف إلى منزله مع أصحابه، وقد خلع على أربع نفر من أصحابه. وفي يوم الإثنين لانسلاخ شهر ربيع الأول، وافى باب الشّماسية - فيما قيل - جماعة من الأتراك، معهم من المعتزّ كتاب إلى محمد بن عبد الله: وسألوا إيصاله إليه، فامتنع الحسين بن إسماعيل من قبوله حتى استأمر؛ فأمر بقبوله؛ فوافَى يوم الجمعة ثلاثة فوارس، فأخرج إليهم الحسين بن إسماعيل رجلًا معه سيف وتُرس، فأخذ الكتاب من خريطة، فأخرج، فأوصله إلى محمد؛ فإذا فيه تذكير محمد بما يجب عليه من حفظه لقديم العهد بينه وبين المعتزّ والحرمة؛ وأن الواجب كان عليه أن يكون أوّل من سعى في أمره وتوجيه خلافته، وذكر أنّ ذلك أوّل كتاب ورد عليه من المعتزّ بعد الحرب. وفي يوم السبت لخمس خلوْن من ربيع الآخر وافَى بغداد حَبْشون بن بغا الكبير ومعه يوسف بن يعقوب قوصرّة مولى الهادي فيمن كان مع موسى بن بغا من الشاكرّية، وانضمّ إليهم عامة الشاكريَّة المقيمين بالرّقة؛ وهم في نحو من ألفوثلثمئة، فخلع عليه خمس خلِع، وعلى يوسف أربع خِلع، وعلى نحو من عشرين من وجوه الشاكرّية، وانصرفوا إلى منازلهم. وقدِم بغداد رجل ذكر أن عِدّة الأتراك والمغاربة وحشْوَهم في الجانب الغربيّ اثنا عشر ألف رجل ورأسهم بايكباك القائد وأنّ عدة مَنْ مع أبي أحمد في الجانب الشرقيّ سبعة آلاف رجل خليفته عليهم الدّرغمان الفرغانيّ، وأنه ليس بسامرّا من قوّاد الأتراك ولا من قوّاد المغاربة إلَّا ستة نفر، وُكّلوا بحفظ الأبواب، وكانت بين الفريقين وقعة يوم الأربعاء لسبع خَلَوْن من شهر ربيع الآخر، فقتل - فيما ذكر - فيها من أصحاب المعتزّ مع من غرق منهم أربعمئة رجل، وقتل من أصحاب ابن طاهر مع مَن غرق ثلثمئة رجل، لم يكن فيهم إلَّا جنديّ؛ وذلك أنه لم يخرج في ذلك اليوم من الغوغاء أحد، وقتِل الحسن بن عليّ الحربيّ؛ وكان يومًا صعبًا على الفريقيْن جميعًا. وذُكر أنّ مزاحم بن خاقان رَمى فيه موسى بن أشناس بسهم فأصابه، فانصرف مجروحًا؛ وافتُقد من عسكر أبي أحمد نحو من عشرين قائدًا من الأتراك والمغاربة. ولما كان يوم الخميس لأربع عشرة بقيت من شهر ربيع الآخر خلَع على أبي الساج خمس خِلَع، وعلى ابن فراشة أربع خِلع، وعلى يحيى بن حفص حبُوس ثلاث خلع، وعسكر أبو الساج في سوق الثلاثاء، وأعطِيَ الجند بغالًا من بغال السلطان يُحمل عليها الرّجالة، وحوّل مزاحم بن خاقان من باب حَرْب إلى باب السلامة، وصار مكان مزاحم خالد بن عمران الطائيّ الموصليّ. وذكر أن أبا السّاج لما أمره ابن طاهر بالشخوص قال له: أيّها الأمير، عندي مشورة أشير بها، قال: قل يا أبا جعفر؛ فإنك غير متَّهم، قال: إن كنت تريد أن تجادّ هؤلاء القوم فالرأي لك ألَّا تفارق قوّادك ولا تفرّقهم، واجمعهم حتى تفضّ هذا العسكر المقيم بإزائك؛ فإنك إذا فرغت من هؤلاء فما أقدرك على من وراءك؛ فقال: إنّ لي تدبيرًا، ويكفي إن شاء. فقال أبو الساج: السمع والطاعة؛ ومضى لما أمِر به. وذكر أن المعتزّ كتب إلى أبي أحمد يلومه للتقصير في قتال أهل بغداد، فكتب إليه:لأَمْرِ المنايا علينا طريقُ ... وللدّهرِ فيه اتساعٌ وضيقُ فأيَّامُنا عِبرٌ للأَنامِ فمنها ... البُكورُ ومنها الطُّروقُ ومنها هَنَاتٌ تُشِيبُ الوليدَ ... ويَخذُلُ فيها الصَّديقَ الصديقُ وسُورٌ عَرِيضٌ له ذِرْوَةٌ ... تَفُوتُ العيونَ وبحْرٌ عَمِيقُ قِتَالٌ مُبيدٌ وسَيْفٌ عَتِيدٌ ... وخَوْف شديد، وحِصْن وثيقُ وطولُ صياحٍ لداعي الصباح الـ ... ـسلاحَ السلاحَ، فما يَسْتَفيق فهذا قتيلٌ وهذا جريحٌ .... وهذا حريقٌ وهذا غريق وهذا قتيل وهذا تَليل ... وآخرُ يَشْدخُهُ المنجنيقُ هناكَ اغتصاب وثَمَّ انتهاب ... ودُورٌ خرابٌ وكانت تَرُوقُ إذا ما سموْنا إلى مَسلَكٍ ... وجدناه قد سُدَّ عنا الطريقُ فبالله نبلُغُ ما نَرْتجيهِ ... وباللهِ نَدفَعُ ما لا نطِيقُ فأجابه محمد بن عبد الله - أو قيل على لسانه: ألَا كلّ من زاغَ عن أمره ... وجارَ بِهِ عن هُداهُ الطريق ملاقٍ من الأَمرِ ما قد وصَفْتَ ... وهذا بأَمثالِ هذا خَليقُ ولا سيّما ناكثٌ بَيعةً ... وتوكيدُها فيه عهد وثيقُ يُسَدُّ عليه طريقُ الهدى ... ويلقى مِنَ الأَمر ما لا يُطيقُ وليسَ بِبالغٍ ما يَرْتجيه ... مَنْ كان عن غيه لا يُفِيقُ أتانَا به خبرٌ سائرٌ ... رواه لنا عن خُلوقٍ خُلوقُ وهذا الكتابُ لنا شاهدٌ ... يُصدِّقهُ ذَا النبيُّ الصَّدُوقُ أما الشعر الأول؛ فإنه ينشد لعليّ بن أمية في فتنة المخلوع والمأمون، والجواب لا يعرف قائله. وفي ربيع الآخر من هذه السنة ذُكر أن مئتي نفس من بين فارس وراجل مضوْا من قِبَل المعتزّ إلى ناحية البنَدنيجِين ورئيسهم تركيّ يدعى أبلج فقصدوا الحسن بن عليّ، فانتهبوا داره، وأغاروا على قريته، ثم صاروا إلى قرية قريبة منها، فأكلوا وشربوا، فلمّا اطمأنوا استصرخ عليهم الحسن بن عليّ أكرادًا من أخواله وقومًا من قرى حوله، فصاروا إليهم وهم غارّون، فأوقع بهم وقُتِل أكثرهم، وأسر سبعة عشر رجلًا منهم، وقتل أبلج، وهرب مَنْ بقي منهم ليلًا،ثم بعث الحسن بن عليّ الأسرى ورأس أبلج ورؤوس مَنْ قتِل معه إلى بغداد. والحسن بن عليّ هذا رجل من شيبان كان يخلف - فيما ذكر - يحيى بن حفص في عمله، وأمّه من الأكراد. * * *