page 5651, entry [2029]Open original source
[ذكر خبر خلع المعتزّ والمؤيد أنفسهما] وفي هذه السنة خلع المعتزّ والمؤيّد أنفسهما، وأظهر المنتصر خلْعهما في القصر الجعفريّ المحدث (١). * ذكر الخبر عن خلعهما أنفسهما: ذُكر أن محمدًا المنتصر بالله لمّا استقامت له الأمور، قال أحمد بن الخصيب لوصيف وبغا: إنا لا نأمن الحدثان؛ وأن يموت أمير المؤمنين، فيليَ الأمرَ المعتزّ، فلا يُبقي منّا باقية، ويُبيد خضراءنَا؛ والرأي أن نعمل في خَلْع هذين الغلامين قبل أن يظفرا بنا، فجدّ الأتراك في ذلك، وألحّوا على المنتصر وقالوا: يا أمير المؤمنين؛ تخلعهما من الخلافة، وتبايع لابنك عبد الوهاب، فلم يزالوا به حتى فعل، ولم يزل مكرِمًا المعتزّ والمؤيد؛ على ميل منه شديد إلى المؤيد؛ فلمّا كان بعد أربعين يومًا من ولايته؛ أمر بإحضار المعتز والمؤيد بعد انصرافهما من عنده، فأحضِرا وجُعلا في دار، فقال المعتزّ للمؤيد: يا أخي، لمَ ترانا أحضرنا؛ فقال: يا شَقيّ، للخلْع! فقال: لا أظنه يفعل بنا ذلك، فبيناهم كذلك؛ إذ جاءهم الرسل بالخلْع، فقال المؤيد: السمع والطاعة، وقال المعتزّ: ما كنت لأفعل؛ فإنْ أردتم القتل فشأنكم، فرجعوا إليه، فأعلموه ثم عادوا بغلظة شديدة، فأخذوا المعتزّ بعنف، وأدخلوه إلى بيت، وأغلقوا عليه الباب. فذُكر عن يعقوب بن السكيت: أنه قال: حدّثني المؤيد، قال: لما رأيتُ ذلك قلت لهم بجرأة واستطالة: ما هذا يا كلاب! فقد ضريْتم على دمائنا، تثبون على مولاكم هذا الوثوب! اغربُوا قبحكم الله! دعوني أكلّمه؛ فكاعوا عن جوابي بعد تسرُّع كان منهم، وأقاموا ساعة، ثم قالوا لي: القه إن أحببت، فظننتُ أنهم استأمروا، فقمت إليه، فإذا هو في البيت يبكي، فقلت: يا جاهل؛ تراهم قد نالوا من أبيك - وهو هو - ما نالوا، ثم تمتنع عليهم! اخلع ويلك ولا تراجعْهم! قال: سبحان الله! أمرٌ قد مضيت عليه، وجرى في الآفاق أخلعه من عنقي!فقلت: هذا الأمرُ قتل أباك، فلَيته لا يقتلك! اخلعه ويلك! فوالله لئن كان في سابق علم الله أن تلِي لَتَلينّ. قال: أفعلُ، قال: فخرجت فقلت: قدأجاب، فأعلِموا أمير المؤمنين، فمضوْا ثم عادوا فجزْوني خيرًا، ودخل معهم كاتب قد سمّاه، ومعه دواة وقرطاس، فجلس، ثم أقبل على أبي عبد الله، فقال: اكتب بخطّك خلعك، فتلكّأ، فقلت للكاتب: هاتِ قرطاسًا، أملِلْ ما شئت، فأملى عليّ كتابًا إلى المنتصر، أعلِمُه فيه ضَعفِي عن هذا الأمر؛ وأني علمت أنه لا يحلّ أن أتقلدَه، وكرهت أن يأثم المتوكل بسببي إذا لم أكن موضِعًا له، وأسأله الخلع، وأعلِمه أني خلعت نفسي، وأحللت الناسَ مِنْ بيعتي، فكتبت كلّ ما أراد، ثم قلت: اكتب يا أبا عبد الله، فامتنع، فقلت: اكتب ويلك! فكتب وخرج الكاتب عنا، ثم دعانا فقلت: نجدّد ثيابنا أو نأتي في هذه؛ فقال: بل جدّدا، فدعوت بثياب فلبستها، وفعل أبو عبد الله كذلك، وخرجنا فدخلنا؛ وهو في مجلسه، والناس على مراتبهم، فسلمنا فردُّوا، وأمر بالجلوس، ثم قال: هذا كتابكما؟ فسكت المعتزّ، فبدرت فقلت: نعم يا أمير المؤمنين! هذا كتابي بمسألتي ورغبتي، وقلت للمعتزّ: تكلم، فقال مثل ذلك، ثم أقبل علينا والأتراكُ وقوفٌ، وقال: أترياني خلعتُكما طمعًا في أن أعيش حتى يكبر ولدي وأبايع له! والله ما طمعتُ في ذلك ساعة قط؛ وإذا لم يكن في ذلك طمع، فوالله لأنْ يليَها بنو أبِي أحبُّ إليّ من أن يليَها بنو عمي؛ ولكن هؤلاء - وأومأ إلى سائر الموالي ممن هو قائم وقاعد - ألحُّوا عليّ في خلعكما، فخفت إن لم أفعل أن يعترضكما بعضُهم بحديدة، فيأتي عليكما، فما ترياني صانعًا! أقتله؛ فوالله ما تفي دماؤهم كلهم بدم بعضكم؛ فكانت إجابتهم إلى ما سألوا أسهل عليّ، قال: فأكبّا عليه، فقبَّلا يده، فضمّهما إليه، ثم انصرفا. وذكر أنه لما كان يوم السبت لسبع بقين من صفر سنة ثمان وأربعين ومئتين خلع المعتزّ والمؤيد أنفسهما، وكتب كل واحد منها رُقعة بخطه أنه خلَع نفسه من البيعة التي بويع له، وأنّ الناس في حل من حَلّها ونَقضها؛ وأنهما يعجزان عن القيام بشيء منها، ثم قاما بذلك على رؤوس الناس والأتراك والوجوه والصحابة والقضاة، وجعفر بن عبد الواحد قاضي القضاة، والقوّاد وبني هاشم، وولاةالدّواوين والشيعة ووجوه الحرس، ومحمد بن عبد الله بن طاهر، ووصيف وبُغا الكبير وبُغا الصغير، وجميع مَنْ حضر دار الخاصّة والعامة، ثم انصرف الناس بعد ذلك. والنسخة التي كتباها: ﷽ إنّ أمير المؤمنين المتوكل على الله ﵁ قلّدني هذا الأمر، وبايع لى وأنا صغير من غير إرادتي ومحبّتي؛ فلما فهمت أمري علمت أني لا أقوم بما قلّدني ولا أصلح لخلافة المسلمين، فمن كانت بَيْعِتي في عنقه فهو مِنْ نقضِها في حلّ، وقد أحللتُكم منها، وأبرأتكم من أيمانكم؛ ولا عهد لي في رقابكم ولا عقْد، وأنتم بُرآء من ذلك. وكان الذي قرأ الرقاع أحمد بن الخصيب، ثم قام كلُّ واحد منهما قائمًا، فقال لمن حضر: هذه رقعتي وهذا قولي؛ فاشهدوا عليّ، وقد أبرأتكم من أيْمانكم، وحللتكُم منها، فقال لهما المنتصر عند ذلك: قد خار الله لكما وللمسلمين، وقام فدخل، وكان قد قعد للناس، وأقعدهما بالقرب منه، فكتب كتابًا إلى العمال بخلعهما وذلك في صفر سنة ثمان وأربعين ومئتين. * * * نسخة كتاب المنتصر بالله إلى أبي العباس محمد بن عبد الله بن طاهر مولى أمير المؤمنين في خلع أبي عبد الله المعتزّ وإبراهيم المؤيد: من عبد الله محمد الإمام المنتصر بالله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين؛ أما بعد؛ فإن الله - وله الحمد على آلائه، والشكر بجميل بلائه - جعل ولاة الأمر من خُلَفائه القائمين بما بعث به رسوله ﷺ والذّابين عن دينه، والدّاعين إلى حقه والممضِين لأحكامه، وجعل ما اختصّهم به من كرامته قِوامًا لعباده، وصلاحًا لبلاده، ورحمة غمر بها خلقه، وافترض طاعَتهم، ووصلها بطاعته وطاعة رسوله محمد ﷺ، وأوجبها في محكم تنزيله؛ لما جمع فيها من سكون الدَّهماء، واتّساق الأهواء، ولمّ الشعث، وأمْن السبُل، ووقم العدّو، وحفظ الحريم، وسدّ الثغور، وانتظام الأمور، فقال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَوَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، فمن الحقّ على خلفاء الله الذين حباهم بعظيم نعمته، واختضهم بأعلى رتب كرامته، واستحفظهم فيما جعله وسيلة إلى رحْمته، وسببًا لرضاه ومثوبته لأن يؤثروا طاعته في كلّ حال تصرّفتْ بهم، ويقيموا حقه في أنفسهم والأقرب فالأقرب منهم، وأن يكون محلّهم من الاجتهاد في كلّ ما قرب من الله ﷿ حسب موقِعهم من الدّين وولاية أمر المسلمين، وأميرُ المؤمنين يسأل الله مسألةً رغبةً إليه، وتذللًا لعظمته أن يتولَّاه فيما استرعاه ولاية يجمع له بها صلاح ما قلّده، ويجمل عنه أعباء ما حمَّله، ويعينه بتوفيقه على طاعته؛ إنه سميع قريب. وقد علمتَ ما حضرتَ من رفْع أبي عبد الله وإبراهيم ابني أمير المؤمنين المتوكّل على الله ﵁ إلى أمير المؤمنين رقعتيْن بخطوطهما؛ يذكران فيهما ما عرّفهما الله من عطف أمير المؤمنين عليهما، ورأفته بهما، وجميل نظره لهما؛ وما كان أمير المؤمنين المتوكل على الله عَقَده لأبي عبد الله من ولاية عهد أمير المؤمنين ولإبراهيم من ولاية العهد بعد أبي عبد الله، وإنّ ذلك العقد كان وأبو عبد الله طفل لم يبلغ ثلاث سنين، ولم يفهم ما عُقِد له ولا وقف على ما قُلّده، وإبراهيم صغير لم يبلغ الحُلم، ولم تجر أحكامهما ولا جرتْ أحكامُ الإسلام عليهما، وإنه قد يجب عليهما إذ بلغا ووقفا على عَجْزهما عن القيام بما عقد لهما من العَهْد، وأسْنِدَ إليهما من الأعمال أن يَنْصحا لله ولجماعة المسلمين، بأن يُخرجا من هذا الأمر الذي عقِد لهما أنفسهما، ويعتزلا الأعمال التي قُلداها، ويجعلا كلّ مَنْ في عنقه لهما بَيْعة وعليه يمين في حلّ؛ إذ كانا لا يقومان بما رُشِّحا له، ولا يصلحان لتقلده، وأن يخرج من كان ضُمّ إليهما ممّن في نواحيهما من قُوّاد أمير المؤمنين ومواليه وغلمانه وجنده وشاكريتِه وجميع مَنْ مع أولئك القواد بالحضْرة وخُراسان وسائر النواحي عن رسومهما، ويُزال عنهم جميعًا ذكر الضمّ إليهما، وأن يكونا سُوقة من سوقة المسلمين وعامّتهم، ويصفان ما لم يزالا يذكران لأمير المؤمنين من ذلك؛ ويسألانه فيه، منذ أفضى الله بخلافته، وأنهما قد خلعا أنفسهما من ولاية العهد، وخرجا منها، وجعلا كلَّ من لهما عليه بيعة ويمين من قُوّاد أمير المؤمنين وجميع أوليائه ورعيّته؛ قريبهم وبعيدهم وحاضرهم وغائبهم في حلّ وسعة من بيعتهم. وأيْمانهم؛ ليخلعوهما كما خلعا أنفسهما.وجعلا لأمير المؤمنين على أنفسهما عهدَ الله؛ وأشد ما أخذ على ملائكته وأنبيائه وعباده من عهد وميثاق، وجميع ما أكده أمير المؤمنين عليهما من الأيْمان، بإقامتهما على طاعته ومناصحته وموالاته في السرّ والعلانية، ويسألان أمير المؤمنين أن يُظهر ما فعلاه، وينشره، ويُحْضِر جميع أوليائه؛ ليسمعوا ذلك منهما طالبيْن راغبيْن، طائعيْن غير مكرهيْن ولا مجبريْن، ويُقْرَأ عليهم الرّقعتان اللتان رفعاهما بخطوطهما، بما ذكرا من وقوع الأمر لهما من ولاية العهد، وهما صبيان، وخلعهما أنفسهما بعد بلوغهما، وما سألا مِنْ صرفهما عن الأعمال التي يتوليانها وإخراج مَنْ كان بها ممن ضمّ إليهما في نواحيهما من قُوّاد أمير المؤمنين وجنده وغلمانه وشاكريّتِه وجميع مَنْ مع أولئك القوّاد بالحضرة وخراسان وسائر النواحي عن رسومهما وإزالة ذكر الضمّ إليهما عنهم، وأن يُكتب بالكتاب بذلك إلى جميع عمال النواحي. وإنّ أمير المؤمنين وقف على صدقهما فيما ذكرا ورفعا، وتقدّم في إحضار جميع إخوته ومَنْ بحضرته من أهل بيتِه وقوّاده ومواليه وشيعته ورؤساء جنده وشاكريّتِه وكتّابه وقضاته والفقهاء وغيرهم؛ وسائر أوليائه الذين كانت وقعت البيعة لهما بذلك عليهم، وحضر أبو عبد الله وإبراهيم ابنا أمير المؤمنين المتوكل على الله ﵁، وقرِئت رقعتاهما بخطوطهما بحضرتهما، إلى مجلس أمير المؤمنين عليهما وعَلى جميع من حضر، وأعادا من القول بعد قراءة الرُّقعتين مثل الذي كتبا به. ورأى أمير المؤمنين أن يجمع في إجابتهما إلى نشر ما فعلاه وإظهاره، وإمضائه ذلك قضاءَ حقوق ثلاثة: منها حقّ الله ﷿، فيما استحفظه من خلافته، وأوجب عليه في النظر لأوليائه فيما يجمع لهم كلمتَهم في يومهم وغدِهم، ويؤلِّف بين قلوبهم، ومنها حقّ الرعيّة الذين هم ودائع الله عنده حتى يكون المتقلّد لأمورهم ممن يراعيهم آناء الليل والنهار بعنايته ونظره وتفقّده وعدله ورأفته، ومن يقوم بأحكام الله في خلقه، ومن يضطلع بثقل السياسة وصواب التدبير، ومنها حقّ أبي عبد الله وإبراهيم فيما يُوجبه أمير المؤمنين لهما بإخوّتهما وماسّ رحمهما؛ لأنهما لو أقاما على ما خرجا منه؛ لم يؤمن أن يؤدّيَ ذلك إلى ما يعظم في الدين ضرره، ويعمّ المسلمين مكروهه؛ ويرجع عليهماعظيم الوزر فيه؛ فخلعهما أمير المؤمنين إذ خَلَعا أنفسهما من ولاية العهد، وخَلعهما جميع إخوة أمير المؤمنين ومَنْ بحضرته من أهل بيته، وخلَعهما جميع من حضر من قوّاد أمير المؤمنين ومواليه وشيعته، ورؤساء جنده وشاكريّتِه وكتّابه وقضاته والفقهاء وغيرهم من سائر أولياء أمير المؤمنين؛ الذين كانت أخِذَتْ لهما البيعة عليهم. وأمر أمير المؤمنين بإنشاء الكتب بذلك إلى جميع العمال، ليتقدّموا في العمل بحسب ما فيها، ويخلعوا أبا عبد الله وإبراهيم مِنْ ولاية العهد؛ إذ كانا قد خَلعا أنفسهما من ذلك، وحلّلا الخاصّ والعامّ، والحاضر والغائب، والدانِيَ والقاصيَ منه؛ ويسقطوا ذكرَهما بولاية العهد، وذكْرَ ما نُسِبا إليه مِنْ نسب ولاية العهد من المعتزّ بالله والمؤيد بالله من كتبهم وألفاظهم، والدعاء لهما على المنابر؛ ويسقطوا كُلّ ما ثبت في دواوينهم من رُسومهما القديمة والحديثة الواقعة على مَنْ كان مضمونًا إليهما، ويزيلوا ما على الأعلام والمطارد من ذكرهما؛ وما وسمت به دوابّ الشاكريّة والرابطة من أسمائهما، ومحلُّك من أمير المؤمنين وحالُك عنده على حسب ما أخلص الله لأمير المؤمنين من طاعتك ومناصحتك، وموالاتك ومشايعتك؛ ما أوجب الله لك بسلفك ونفسك، وما عرف الله أمير المؤمنين من طاعتِك ويُمْن نَقِيبتك واجتهادك في قضاء الحق. وقد أفردك أمير المؤمنين بقيادتِك، وإزالة الضتم إلى أبي عبد الله عنك وعمّن في ناحيتك بالحضرة وسائر النواحي؛ ولم يجعل أمير المؤمنين بينَك وبينه أحد يَرأسُك، وخرج أمره بذلك إلى ولاة دواوينه. فاعلم ذلك واكتب إلى عُمّالك بنسخة كتاب أمير المؤمنين هذا إليك، وأوعِزْ إليهم في العمل على حسبه، إن شاء الله، والسلام. وكتب أحمد بن الخصيب يوم السبت لعشر بقين من صفر سنة ثمان وأربعين ومئتين (١).