page 5657, entry [2030]Open original source
[ذكر الخبر عن وفاة المنتصر] وفي هذه السنة توفِّيَ المنتصر (١). * ذكر الخبر عن العلة التي كانت فيها وفاته والوقت الذي توفِّيَ فيه وقدر المدة التي كانت فيها حياته: فأما العلّة التي كانت بها وفاته؛ فإنه اختُلف فيها، فقال بعضهم: أصابته الذّبحة في حَلْقه يوم الخميس لخمس بقين من شهر ربيع الأول، ومات مع صلاة العصر من يوم الأحد الخميس ليال خَلَوْن من شهر ربيع الآخر. وقيل: تُوفِّيَ يوم السبت وقت العصر لأربع خلوْن من شهر ربيع الآخر؛ وإن علّته كانت من ورم في مِعدتِه، ثم تصعّد إلى فؤاده فمات؛ وإنّ علته كانت ثلاثة أيام أو نحوها. وحدِّثني بعضُ أصحابنا أنه كان وجد حرارة، فدعا بَعْضَ مَنْ كان يتطبّب له، وأمره بفصْده، ففصده بمبْضع مسموم، فكان فيه منيته وإن الطبيب الذي فَصَده انصرف إلى منزله، وقد وجد حرارةً، فدعا تلميذًا له؛ فأمره بفصْده ووضع مباضعه بين يديه ليتخيّر أجودها؛ وفيها المبضع المسموم الذي فصِد به المنتصر؛ وقد نسيه فلم يجد التلميذ في المباضع التي وُضعت بين يديه مِبْضعًا أجود من المبضع المسموم؛ ففصد به أستاذه وهو لا يعلم أمره؛ فلمَّا فصده به نظر إليه صاحبه فعُلم أنه هالك؛ فأوصى من ساعته، وهلك من يومه. وقد ذكر أنه وُجد في رأسه علّة فقطر ابن الطيفوريّ في أذنه دُهنًا، فورم رأسه، وعوجل فمات، وقد قيل: إن ابن الطيفوريّ إنما سمّه في محاجمه (٢).قال أبو جعفر: ولم أزل أسمع الناس حين أفضت إليه الخلافة من لَدُنْ وَليَ إلى أن مات يقولون: إنما مدّة حياته ستة أشهر، مدّة شيرويه ابن كسرى قاتل أبيه، مستفيضًا ذلك على ألسن العامة والخاصة (١). وذُكر عن يُسْر الخادم؛ وكان - فيما ذكر - يتولى بيت المال للمنتصر في أيام إمارته: أنه قال: كان المنتصر يومًا من الأيام في خِلافته نائمًا في إيوانه، فانتبه وهو يبكي وينتحب؛ قال: فهبْته أن أسأله عن بكائه، ووقفتُ وراء الباب؛ فإذا عبد الله بن عمر البازيار قد وافى فسمع نحيبه وشهيقه، فقال لي: ما له؟ ويحك يا يسر! فأعلمته أنه كان نائمًا فانتبه باكيًا، فدنا منه، فقال له: ما لك يا أمير المؤمنين تبكي لا أبكى الله عينك؟ ! قال: ادنُ مني يا عبد الله؛ فدنا منه فقال له: كنت نائمًا، فرأيت فيما يرى النائم كأنّ المتوكل قد جاءني، فقال لي: ويلك يا محمد! قتلتني وظلَمتني وغبنْتنِي في خلافتي؛ والله لا تمتّعت بها بعدي إلا أيامًا يسيرة، ثم مصيرك إلى النار. فانتبهتُ وما أملك عيني ولا جَزعي، فقال له عبد الله: هذه رؤيا؛ وهي تصدق وتكذب، بل يعمّرك ويسرّك الله؛ فادع الآن بالنبيذ، وخذ في اللهو، ولا تعبأ بالرؤيا، قال: ففعل ذلك؛ وما زال منكسرًا إلى أن تُوفِّيَ. وذكر أنّ المنتصر كان شاور في قتل أبيه جماعةً من الفقهاء، وأعلمهم بمذاهبه، وحكى عنه أمورًا قبيحة كرهت ذكرها في الكتاب؛ فأشاروا عليه بقتلِه؛ فكان من أمره ما ذكرنا بعضه. وذُكر عنه أنه لما اشتدّت به علّتُه؛ خرجت إليه أمُّه فسألته عن حاله، فقال: ذهبتْ والله مني الدنيا والآخرة. قال إبراهيم بن جيش: حدثني موسى بن عيسى الكاتب، كاتب عمي يعقوب وابن عمي يزيد، أنّ المنتصر لما أفضت الخلافة إليه، كان يُكثر إذا سكر ذكرقتل أبيه المتوكل، ويقول في الأتراك: هؤلاء قَتَلة الخلفاء، ويذكر من ذلك ما تخوّفوه، فجعلوا لخادم له ثلاثين ألف دينار على أن يحتال في سمّه، وجعلوا لعليّ بن طيفور جملة، وكان المنتصرُ يكثر أكل الكمثرى إذا قُدّمت إليه الفاكهة، فعمد ابن طيفور إلى كمّثراة كبيرة نضيجة، فأدخل في رأسها خلالة، ثم سقاها سمًّا، فجعلها الخادم في أعلى الكمثرى الذي قدّمه إليه، فلما نظر إليها المنتصر أمره أن يَقْشِرها ويطعمه إياها، فقشرها وقطعها، ثم أعطاه قطعة قطعة حتى أتى عليها، فلما أكلها وجد فترةً، فقال لابن طيفور: أجد حرارة، فقال: يا أمير المؤمنين؛ احتجم تبرأ من علّة الدّم، وقدّر أنه إذا خرج الدم قوي عليه السمّ، فحجم فحُمّ، وغلظت علّته عليه، فتخوف هو والأتراك أن تطول علته، فقال له: يا أمير المؤمنين، إنّ الحجامة لم يكن فيها ما قدّرنا في عافيتك، وتحتاج إلى الفَصد؛ فإنه أنجح لما تريد، فقال: أفعل، ففصده بمبضع مسموم، ودهش، فألقاه في مباضعه - وكان أحدّها وأجودها، ثم إن عليّ بن طيفور، وجد حرارة، فدعا تلميذًا له ليفصده، فنظر في المباضمع فلم يجد أحدّ منه، ولا أخير ففصده، فكانت منيته فيه. وذكر عن ابن دهقانه أنه قال: كنا في مجلس المنتصر يومًا بعدما قتِل المتوكل، فتحدّث المسدود الطنبوريّ بحديث، فقال المنتصر: متى كان هذا؟ فقال: ليلة لا ناهٍ ولا زاجر؛ فأحفظَ ذلك المنتصر. وذُكر عن سعيد بن سلمة النصرانيّ أنه قال: خرج علينا أحمد بن الخصيب مسرورًا يذكر أن أمير المؤمنين المنتصر رأى في ليلة في المنام: أنه صعد دَرَجَةً حتى انتهى إلى خمس وعشرين مِرْقاةً منها؛ فقيل له: هذا ملكك؛ وبلغ الخبر ابنَ المنجّم، فدخل عليه محمد بن موسى وعليّ بن يحيى المنجّم مهنئين له بالرؤيا، فقال: لم يكن الأمر على ما ذَكر لكم أحمد بن الخصيب؛ ولكني حين بلغتُ آخر المراقي، قيل لي: قف فهذا آخر عمرك؛ واغتمّ لذلك غمًّا شديدًا، فعاش بعد ذلك أيامًا تتمّة سنة، ثمّ مات وهو ابن خمس وعشرين سنة. وقيل: تُوفِّيَ وهو ابن خمس وعشرين سنة وستة أشهر. وقيل: بل كان عمره أربعًا وعشرين سنة، وكانت مدة خلافته ستة أشهر في قول بعضهم ويومين.وقيل: كانت ستة أشهر سواء. وقيل: كانت مئة يوم وتسعة وسبعين يومًا. وكانت وفاته بسامرّا بالقصر المحدث، بعد أن أظهر في إخوته ما أظهر بأربع وأربعين ليلة؛ وذكر أنه لما حضرته الوفاة قال: فما فَرِحَتْ نفسي بدُنْيَا أَخذتها ... ولكنْ إِلى الربِّ الكريم أَصيرُ وصلّى عليه أحمد بن محمد بن المعتصم بسامرا؛ وبها كان مولده. وكان أعيَنَ أقنى قصيرًا جَيّد البَضعة، وكان - فيما ذكر - مهيبًا. وهو أول خليفة من بني العباس - فيما بعد - عرف قبره؛ وذلك أن أمه طلبت إظهار قبره. وكانت كنيته أبا جعفر واسم أمه حبشيّة وهي أمّ ولد روميّة. * * *